حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)

Sending
User Review
5 (1 vote)
برای امتیاز به این نوشته کلیک کنید!
[کل: 0 میانگین: 0]

 

حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 5
المقدّمة
الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السّلام على خير الخلق أجمعين، محمّدا صلّى اللّه عليه و على آله الطيّبين الطّاهرين.
لا يخفى على من تتبّع سير الدراسة في الحوزات العلميّة الشيعيّة أو درس فيها، أهمّية مؤلّفات الشيخ مرتضى بن محمّد أمين الدزفولي الشهير ب «الانصاري»، المتوفّى سنة 1281 ه في الفقه و الأصول و فقه المعاملات، و يجد أنّ جميعها تمتاز بالعمق العلمي، و الدقّة المتناهيّة، و استيعاب المادّة من جميع جوانبها، مع بيان سهل بعيد عن أسلوب القدماء في الغموض و الإغلاق، هذا كلّه إلى جانب منهجيّة الشيخ المبتكرة، و أسلوبه في عرض المادّة، فهو رحمه اللّه مبتكر هذه الطريقة، حيث لم يشاهد في مؤلّفات معاصريه في الحوزات الشيعيّة أو من سبقه، من جاراه أو تقدّم عليه، و نحن لسنا بصدد استعراض الشيخ في كتبه، لكن نحاول الإشارة إلى جانب مهم في أسلوبه إلا و هو الجمع و العرض، خاصّة في كتابيه (فرائد الأصول) و (المكاسب)، فقد استطاع الشيخ بتضلّعه في الفقه و الأصول، و إحاطته بأقوال المتقدّمين و المتأخّرين، أن يجمع في شرح موضوع معيّن شتات الآراء المبثوثة في ثنايا الكتب، و أن يركّز على كلمات معدودة بدل الكمّ الهائل، فتراه يختار من بين‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 6
صفحات عديدة جملة مختصرة، لكنّها تحتوي على أصل الفكرة، ثمّ بعد جمعه لذلك تبدأ المرحلة الأهمّ إلا و هي نقد الأقوال المطروحة و تزييف الأدلّة المعتمدة، و هي مهمّة صعبة- إن لم نقل مستحيلة- خاصّة إذا لاحظنا أنّ من يواجههم الشيخ هم عيون البشر و جهابذة العلم، كالطوسي و المحقّق و الحلّي و الشهيدين من المتقدّمين و غيرهم من المتأخّرين، لكنّه رحمه اللّه لا تهابه العناوين و الأشخاص في مجابهة النقد العلمي، رغم تقديره البالغ لهم، فتراه خلال أسطر قليلة ينسف آراء مدرسة علم من الأعلام كانت لها السيادة طوال قرون عديدة، فيبني على انقاض المدرسة المنهارة، باجتهاده العميق، و اسلوبه البديع، كيانا جديدا مطابقا لروح الشريعة، و مقتضيات الزمان، مع فهم جديد لها، ترتاح له النفس، و يسكن إليه القلب. و هذه الخصائص و المميّزات هي التي أدّت إلى سيادة مصنفات الشيخ و آرائه على الحوزات الشيعية مدّة تزيد على قرن و لا زالت، و أصبح مصنّفان من مصنّفات الشيخ و هما كتاب (فرائد الأصول) المشتهر ب (الرسائل) في أصول الفقه، و (كتاب المكاسب) في فقه المعاملات مدار الدراسة في مرحلتي السطح و الخارج.
أمّا كتاب المكاسب فقد فاق قرينه في الشهرة و العناية، و ذلك لأسباب عديدة، أهمّها كونه آخر مؤلّفات الشيخ، حيث كتبه و هو في قمّة نضجه العلمي، و كمال منهجيّته الفقهيّة و الأصوليّة، و استقامة مبانيه في مباحث المعاملات، و ذلك بعد أن درّس المادّة، و ناقش اسسها و مبانيها مع أفاضل تلامذة درسه، فخرج الكتاب جامعا مانعا، بعيدا عن الهفوات و الزلّات، و تضارب البناء مع المبنى، كما هو المتعارف في مثل هذه الموسوعات الفقهيّة، حيث أنّ تنوّع المادّة و تفرعاتها و تشعّباتها، أحيانا يفقد المؤلّف القدرة على حفظ استقامة البحث و منهجيّته، فيقع في هفوات و زلّات و تناقضات تؤدّي إلى هبوط القيمة العلمية للتأليف، هذا فضلا عن أنّ الكتاب متفرد في مادّته و أسلوبه، فقد فاق فيه من تقدّم عليه و لم يلحق به من‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 7
تأخّر عنه، و هذه الصّفات هي التي حدت بشيخ القانونيين العرب، و صاحب التأليفات المشهورة في القانون المدني، الدكتور عبد الرزّاق السنهوري، أن يطلق كلمته المشهورة من على منبر كلّية الحقوق بجامعة بغداد في الستّينيّات من الألفيّة الثانية، فإنّه بعد أن أوصى الحقوقيّين العراقيّين بالاستعانة بفقه الإماميّة و أصولها، و جعلها من مصادر التشريع الرئيسيّة في سنّ القوانين المدنيّة و الجزائيّة في الدول الإسلاميّة و خاصة العراق، قال ما مضمونه:
«إنّني لم أكن أعرف قبل سفري إلى العراق آراء الشيخ الأنصاري و نظريّاته في فقه المعاملات و التجارة، و لو وقفت عليه قبل تصنيفي لكتاب (نظرية العقد)، لكنت قد غيّرت أو بدّلت أو عدّلت أو صحّحت كثيرا من نظرياتي في هذا الكتاب».
و أمّا كتاب «فرائد الأصول» المشتهر عند أهل العلم ب «الرسائل» فهو عبارة عن مجموعة من الرسائل في مادّة أصول الفقه، و هي رسالة القطع، و الظنّ و البراءة و الاستصحاب، و التعادل و التراجيح، أي أبحاث الأصول العمليّة، حسب تقسيم الأصوليّين لأبحاث أصول الفقه، و تعتبر الأبحاث المطروحة في هذه الرسائل الخمس قمة الفكر الأصولي المعاصر عند الإماميّة، و برغم أنّها دوّنت أواسط القرن الثالث عشر للهجرة، لكنّها لا زالت حيّة، طريّة، ناضجة، و لم يسدل عليها غبار النسيان، و لم يدفع بها إلى زوايا المكتبات لتعدّ من التراث الأصولي، بل لا زال الكتاب مدار البحث في الحوزات العلميّة الشيعية في مرحلتين:
مرحلة السطوح: حيث يدرس الطالب الذي توسط في دراساته الأصوليّة الكتاب كمادة دراسية، و يسعى لاستيعاب القواعد الأصوليّة، و تطبيقات الشيخ و استدلالاته و ردوده و نقوضه، و يحاول الاستاذ أن يشرح له آراء الشيخ و أقواله، و أن يفتح له مغاليق كلماته و عباراته.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 8
و المرحلة الثانية: مرحلة البحث الاجتهادي (بحث الخارج) حيث تطرح آراء الشيخ و أقواله على مشرحة البحث و التدقيق، و يناقش فيهما المجتهد، فيرفض الدليل المرجوح حسب اجتهاده و رأيه الأصولي، و يتبنّى الدليل الراجح و يعتمده في استنباطه للأحكام الشرعيّة.
و لعلّ من دواعي سرور المجتهد الشيعي و فخره أن يكون له القدرة على نسف رأي من آراء الشيخ، أو نقضه أو تعديله و طرح رأي جديد أو معدّل، أو بناء فكرة متحوّلة و حديثة، يستفيد منها في إراءة الحلول المناسبة أمام مشاكل المكلّفين في المجتمعات الإسلامية، و هذا ما لا يناله إلّا الأوحدي من الأصوليين، حيث نرى أنّ الكتاب منذ بزوغ نوره، قبل ما يربوا على قرن و نصف قرن، مطروح على طاولة البحث، تتلقّفه و تقلّبه أفكار الأصوليين و ألسنتهم، و سيوف أفكارهم الحادّة مسلّطة على الآراء و الأفكار و الكلمات، بل و حتّى الحروف المطروحة في الكتاب، فينبشون في كلّ زاوية منه لعلّهم يجدون منفذا و مدخلا لنقضه و ردّه، لكن برغم ذلك بقى الكتاب شامخا يروى و يشبع ظمأ الساعين نحو امتلاك ناصية المسائل الأصوليّة و قواعدها، و بقى المؤلّف رحمه اللّه طودا شامخا و علما نيّرا و مؤسّسا للمدرسة الأصوليّة المعاصرة عند الإماميّة، حيث لا يتردّد فقيه و أصوليّ من الإماميّة أن يعتبره رحمه اللّه معمار هذه المدرسة و مهندسها، فقد بنى هذه المدرسة و رصّن قواعدها و أسسها على أنقاض المدارس الأصوليّة السابقة، التي انهارت أركانها تدريجا بظهور مدرسة الشيخ و انتشار أفكاره. يقول الشيخ آقا بزرگ الطهراني رحمه اللّه في وصفه لهذا الكتاب:
«فرائد الأصول: المشهور بالرسائل للشيخ مرتضى الأنصاري المتوفّى 1281 ه، و هو مشهور متداول لم يكتب مثله في الأواخر و الأوائل، محتو على خمسة رسائل في القطع و الظنّ و البراءة و الاستصحاب و التعادل، أسّس في هذه‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 9
المباحث تأسيسا نسخ به الأصول الكربلائيّة «1»، فصارت كسراب بقيعة و نسج على منواله المتأخرون حتّى صار الفخر في فهم مراده، و كتب كلّ شرحا أو حاشية عليه بقد ما غمز فيه فكره و درى …» «2».
و يبدو أنّ المصنّف رحمه اللّه لم يدوّن رسائله لتكون منهجا دراسيّة في الحوزات العلميّة، إلّا أنّها صارت من المواد الأساسيّة و ركائز الدراسات الأصوليّة في الحوزات الشيعيّة بحيث لا يستغني عنها الطالب المتوسّط و الأصوليّ المتمرّس، بل عدّ استيعاب مادّة الكتاب و فهم محتواه و مضمونه، و تحصيل ملكة القدرة على تطبيق قواعده على الموضوعات الخارجيّة، دليلا على بلوغ الطالب مرحلة الاجتهاد. و نظرا لصعوبة مادّة الكتاب و دقّتها، فقد أقدم كثير من تلامذة الشيخ على شرح الكتاب و تحشيته أو التعليق عليه، و أحصى الشيخ آقا بزرگ الطهراني [الذريعة: 6/ 152- 162] ثمانين حاشية على هذا الكتاب بين مطبوع و مخطوط، و ذلك خلال فترة ثمانين سنة، أي من سنة 1281 ه و لغاية سنة 1365 ه، و قد تضاعف العدد منذ ذلك الحين. و ممّن شرح الكتاب الشيخ آقا رضا بن محمّد رضا الهمداني رحمه اللّه، و هو تلميذ المصنّف في أخريات أيّامه، كما هو تلميذ أبرز خرّيجي مدرسة الشيخ الأنصاري، أي الإمام المجدّد و المجتهد الأكبر السيد الميرزا محمّد حسن الشيرازي- قدّس اللّه روحه- فالهمداني يعدّ أولى من غيره في شرح مادّة الكتاب، لقربه إلى مصنفه و لعلمه بآرائه و أفكاره، و لممارسته تدريس الكتاب مدّة طويلة، و الوقوف على مواضع القوّة و الضعف فيه، و لذا عدّ تعليقته على المواضع المختارة
______________________________
(1)- يقصد المدرسة الأصوليّة في مدينة كربلاء في القرنين الثاني عشر و الثالث عشر الهجريين، حيث كانت لها السيادة و الريادة على الفكر الشيعي، خاصّة و أنّها تمكّنت من دحر المدرسة الإخباريّة و إخماد نورها و إعلاء شأن التفكّر الأصولي العقلاني، و لكنّها تراجعت أخيرا أمام مدرسة الشيخ الأنصاري الأصوليّة و آرائه المستحدثة.
(2)- الذريعة: 16/ 132.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 10
و المنتقية من الرسائل، من خيرة الكتب المصنّفة في هذا المجال، و قد فرغ منها في الحادي و العشرون من شهر جمادى الأولى سنة 1308 ه، و طبعت لأوّل مرة عام 1318 ه بطهران طبعة حجريّة باسم (الفوائد الرضويّة على الفرائد المرتضويّة)، و لكنّها اشتهرت ب (حاشية الرسائل) في 241 صفحة، و جاء في مقدّمة هذه الطبعة:
«هذه تعليقة شريفة، و حاشية منيفة، للعالم العامل، قدوة العلماء الراسخين، و سند الفقهاء المتبحّرين، و راسم دقائق الرسوم و المراسم، بحر العلوم المتلاطم، مدار التحقيق، محرّر الأصول، مهذّب الفروع، المغترف من بحر فضله الأساطين و الفحول، مولانا الأفضل، و شيخنا الأعلم الأكمل، العالم الربّاني، الحاج آقا رضا الهمداني أصلا، و الغروي مسكنا و منشأ، دام ظلّه العالي على رءوس المسلمين، على كتاب الرسائل المسمّى بفرائد الأصول، للشيخ الإمام، معلّم علماء الإسلام، المفضّل مداده على دماء الشهداء، المتبرّك بوطء أقدامه أجنحة ملائكة السماء، رئيس الشيعة في عصره، و المنتهى إليه رئاسة الإماميّة في دهره، مالك أزمّة التحرير و التأسيس، و مربّي أكابر أهل التصنيف و التدريس، أكمل الفقهاء و المتبحرين، أتقن المتقدّمين و المتأخرين، محي مدارس التحقيق بعد اندراسه، و معيد مشاهد العلم بعد انطماسه، برهان الإسلام و المسلمين، علّامة العلماء الشامخين، استاذنا الأعظم، علم الهدى، الحاج شيخ مرتضى الأنصاري- طاب رمسه الشريف-، و قد تصدّى لطبعه نشرا لآثاره، و تعدّدا لنسخته التي هي كالدرّ اليتيم، و العقد النظيم، افتخار الحاج، و عمدة التجّار، زبدة أهل اصلاح و التقوى، و نخبة أولوا العقل و النّهى، الحاج محمّد اسماعيل الجهرمي أصلا، و الطهراني مسكنا، و القمّي شهرة، طلبا لمرضات اللّه، و رجاء لجزيل ثوابه، مع كمال الدقّة في تصحيحه و جودة طبعه في مطبعة الاستاذ الكامل آقا ميرزا حسن، و قد تمّ بعون اللّه في شهر شوال المكرّم من شهور سنة 1319 من الهجرة النبويّة».
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 11
هذا و طبعت الحاشية مرّة أخرى طبعة حجريّة في 131 صفحة ملحقة بأصل الكتاب في مجلّدين سنة 1377 ه بطهران، و جاء في ديباجة هذه الطبعة:
«لقد زيّن هذا الكتاب المستطاب بهذه التعليقات الشريفة التي علّقها عليه المرحوم المبرور، العلّامة آية اللّه الحاج آقا رضا الهمداني، الفقيه الزاهد البارع، الذي برز من حوزة درس علامة زمانه الميرزا محمّد حسن الشيرازي رحمه اللّه، و صنّف في الفقه مصباح الفقيه في شرح شرائع الإسلام، الذي لم يصنّف مثله في الدقّة … و هذه التعليقة من أحسن التعليقات التي علّقها تلاميذ الشيخ قدّس سرّهم و غيرهم من الأساتيد على الكتاب فهي مع اختصارها مشحونة بالفوائد و التحقيقات الثمينة، و الأفكار البديعة التي لا توجد في غيرها، فللّه درّ مصنفه المرحوم، و كان رحمه اللّه عالما عابدا زاهدا، متجنّبا عن الدنيا و زخارفها، مشغولا بالتدريس و التصنيف، و الخواصّ إلى مجلسه بحثه مشتاقون كشوق الحجيج إلى الصفا، و المريض إلى الشفاء، و الظمآن إلى الرواء …».
و قد استفاد من هذه الحاشية خلال قرن من طبعها، كلّ من أقدم على شرح الرسائل أو التعليقة عليها أو تدريسها أو مطالعتها و الاستفادة من قواعدها، و قد رغب الأعلام في الاستفادة منها- فضلا عمّا عددنا من صفات المصنّف- لسلاسة بيان المصنّف، و عذوبة جملاته و استرسالها، هذا فضلا عن مناقشاته المشحونة بالتحقيقات و التدقيقات الأصوليّة، و التطبيقات الفقهيّة و غيرهما ممّا قلّ نظيره في أمثاله من كتب الحواشي و التعليقات، و قد استفدت في إخراج هذه الطبعة المحقّقة من الطبعتين السابقتين، و خاصّة الطبعة الحجريّة الأولى، لأنّها طبعت في حياة المصنّف و تحت إشرافه، و نشرت في أيامه في الحوزات العلميّة فكان المعوّل عليها، و الإرجاع إليها. و اللّه من وراء القصد.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 13
ترجمة المؤلّف رحمه اللّه:
هو الشيخ رضا بن محمّد هادي الهمداني النجفي رحمه اللّه، الفقيه، الدّين، الزاهد، الورع، الثقة، فريد عصره في طريقته و علمه و زهده و ورعه لم يعهد مثله، كان من أجلّة الفقهاء الورعين، و من الأصوليّين المحقّقين، و الجامع لعلوم مدرستي النجف الأشرف و سامرّاء، ولد بمدينة همدان في حدود سنة ألف و مائتين و خمسين هجريّة أو بعدها، درس المبادئ في مسقط رأسه ثمّ هاجر إلى النجف الأشرف فحضر على شيخ العلماء المتأخّرين الشيخ الأعظم مرتضى الأنصاري، ثمّ على الإمام المجدّد السيّد ميرزا محمّد حسن الشيرازي، فلازمه في درسه و حلّه و ترحاله، فهاجر معه إلى سامرّاء بصحبته و استفاد من نمير علمه، ثمّ عاد بعد سنوات عديدة إلى النجف الأشرف، بعد أن ذاع صيت علمه و فضله، و أصبح من أعلامها، و حلّق حوله جماعة كبيرة، و لحسن حظّ المترجم له أنّ عددا من خيرة تلامذته كتبوا عن سيرته و حياته و أخلاقه، منهم العلّامة السيّد محسن الأمين العاملي في (أعيان الشيعة) و الشيخ آقا بزرگ الطهراني في (طبقات أعلام الشيعة).
قال الشيخ الطهراني: «الشيخ آغا رضا ابن الشيخ محمّد هادي الهمداني‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 14
النجفي، من أكابر العلماء المحقّقين، و مشاهير مراجع عصره، كان والده من العلماء الصّلحاء، و كان هو من أجلّة الفقهاء و أفضل الأعلام، هاجر إلى سامرّاء فلازم درس السيّد المجدّد الشيرازي سنين طوالا، و كان يكتب تقريراته، و داوم على ذلك مدّة مديدة إلى أن اشتهر أمره بين العلماء و الأفاضل، و برز بين زملائه الكاملين بروزا ظاهرا، و عدّ من أعاظم تلاميذ السيد المجدّد و أبرعهم في الفقه، و أطلعهم في الأصول، عاد إلى النجف في حياة استاذه، فالتفّ حوله جمع من أهل الفضل، و اشتغل بالتدريس و التأليف و الإمامة و غيرها من الوظائف، و كان ذا اطلاع واسع في الفقه و اصوله، و خبرة و تضلّع فيهما، شهد له بذلك جمع من معاصريه و كثير من المتأخرين عنه، و هو من أزهد أهل عصره و أورعهم و أتقاهم، كان يقضي أكثر أوقاته بين مطالعة و تدريس و كتابة و بحث، و كان في غاية الإعراض عن الدنيا و الزهد فيها، كما كان على جانب عظيم من طهارة القلب و سلامة الذات، و البعد عن زخارف الدنيا، رجع إليه النّاس في التقليد بعد وفاة أستاذه الشيرازي سنة 1312 ه، و علّق على كتاب (نجاة العباد) لعمل المقلّدين، لكن ثقل عليه ذلك، كراهة الرئاسة و الزعامة، و فرارا من المسئوليات التي تلقى على عاتق المرجع، و كان صادقا في ذلك حيث رأيناه بعد أن رأس و قلّد كما كان سابقا لم يتغيّر سيرته و لا مأكله و لا ملبسه، و اتّفق أن لم يطل ذلك، فقد ابتلى بالنسيان بعد فاصلة غير طويلة، و امتنع عن الفتيا و بقي مواظبا على التدريس. و قد تخرج عليه جماعة من الأجلاء منهم:
الشيخ ابو القاسم بن محمّد تقي القمّي، و الشيخ محمّد تقي الطهراني المقدّس، و الشيخ جعفر آل الشيخ راضي، و الشيخ علي القمّي، و الشيخ عبد الحسين ابن الشيخ محمّد تقي آل الشيخ اسد اللّه التستري الكاظمي، و السيد محسن الأمين العاملي، و ابن اخته و صهره الشيخ علي الهمداني، و الشيخ علي ابن الشيخ باقر
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 15
الجواهري، و الشيخ علي الحلّي، و الاخوان الشيخ أحمد و الشيخ محمّد الحسين آل كاشف الغطاء، و الشيخ جواد البلاغي، و السيد شكور الطالقاني، و عدّة من آل صاحب الجواهر و آل كاشف الغطاء و غيرهم، و هؤلاء من فضلاء الطبقة الأخيرة من تلاميذه الذين أدركت بحثه معهم.
و من قدماء تلاميذه: الحاج محمّد حسن كبّه (كما حدّثني به رحمه اللّه)، و السيد حسن الصدر (كما ذكره في بغية الوعاة)، و غيرهما أيضا ممن لا أذكر أسمائهم.
و كانت له مع تلاميذه و غيرهم من مختلف الطبقات سيرة حسنة، يتواضع لهم، و يدربهم و يفيدهم بأعماله كما ينفعهم و يهذّبهم بأقواله، و قد تأثّر بسيرته جمع من تلامذته، فكانوا نظرائه في حسن السّمعة عند الناس، و كان مترسلا في العيش إلى أبعد حدّ، يمشي في الليل و النهار وحده دون أن يكون بخدمته أحد من تلامذته أو غيرهم، فقد كان لا يسمح لهم بذلك، و كانت العادة في ذلك العصر أن يحمل امام العلماء و الأعيان سراج في الليل، أمّا المترجم له فكان غير حاضر لذلك أيضا، و كان يجلس مع تلامذته و أصحابه و كأنّه أحدهم، يترسّل في حديثه و جلسته، لم يسمع عنه أنّه استغاب أحدا طيلة عمره، و كان لا يسمح لأحد أن يغتاب آخر في مجلسه، فإذا أحسّ بمثل ذلك أورد مسألة علميّة في الحال و صرفهم عما كانوا فيه، و كان يقيم الصلاة بمسجد قرب داره لم يزل يعرف باسمه حتى اليوم، و كان يأتمّ به الأخيار و الأتقياء، مرض في الأواخر بالسلّ، فسافر إلى سامرّاء لتغيير الهواء، فتوفّى بها صبح الأحد 28 صفر عام 1322 ه عن نيّف و سبعين سنة، و دفن في الرواق الشريف من جانب أرجل الإمامين عليهما السّلام في الصّفة الأخيرة التي يطلع شباكها إلى زاوية الصحن المنوّر» «1».
______________________________
(1)- نقباء البشر في القرن الرابع عشر: ج 2/ 778- 776
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 16
هذا و قد أسهب تلميذه الآخر العلّامة السيد محسن الأمين العاملي في ترجمته خلال عدّة فصول فتحدّث عن وصف حاله العلمية، و زهده و ورعه و تقواه، و وثوق الخاصّة و العامّة به بما لا يثقونه بغيره، و تواضعه الشديد و حمله نفسه عليه في كلّ شي‏ء، و كراهة الشهرة و انعزاله عن النّاس، و مبدأ أمره و منتهاه، و بعض آرائه العلميّة، و بعض أحاديثه، و ولده و مشايخه و تلاميذه و مؤلّفاته، كلّ ذلك في الجزء التاسع ص 23- 19 من كتاب (أعيان الشيعة) فراجع.
مؤلّفاته:
ترك شيخنا الهمداني آثار جليلة أهمّها و أشهرها:
1- مصباح الفقيه: و هو الكتاب الذي نال به مؤلّفه شهرته الخالدة في الفقه، بل انتسب المؤلّف إلى المؤلّف، و اشتهر بأنّه صاحب (مصباح الفقيه)، و قيل في حقّه أنّه لا يستغني عنه الطالب المتوسط و الفقيه المجتهد المتمرس، و هو شرح مزجىّ لكتاب (شرائع الإسلام) للمحقّق الحلّي، و كانت طريقته في تأليفه أنّه في كلّ يوم كان يكتب منه مقدار صفحة ثمّ يمليها في صبيحة يوم التالي على تلامذته في مجلس البحث، فربّما كانوا ينتقدونه في بعض العبارات و يدوّن ما اجتمع رأيهم عليه أخيرا، و قد خرج منه كتاب الطهارة و الصلاة و الزكاة و الخمس و الصوم و الرهن، و قد حالت المنيّة بين المؤلّف و إكماله للكتاب، و قال آية اللّه العظمى السيّد محمّد الروحاني قدّس سرّه لو كانت دورة «مصباح الفقيه» كاملة لأستغنى الفقهاء عن كتاب (جواهر الكلام). و قد خرج هذا السفر أخيرا في طبعة محقّقة و باخراج جميل في 14 مجلّد على نفقة المحسن الكريم الحاج محمد تقي علاقه‏بنديان، دام فضله.
2- ذخيرة الأحكام في مسائل الحلال و الحرام: و هي رسالته العملية لمقلّديه في العبادات، و قد ترجمت إلى الفارسية باسم (الهداية) سنة 1319 ه.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 17
3- الوجيزة في الفقه: و هي في مهمّات مسائل الحلال و الحرام ممّا يتعلّق بالطهارة و الصلاة و الصوم.
4- حاشية الرسائل: و قد سمّاها ب (الفوائد الرضويّة على الفرائد المرتضويّة) فرغ منها في 21 جمادى الأولى سنة 1308 ه، و طبع سنة 1318 ه بطهران طبعة حجرية، و هو هذا الكتاب.
5- تقريرات: من أوّل كتاب البيع إلى آخر الخيارات لبحث استاده الميرزا محمّد حسن الشيرازي رحمه اللّه.
6- تقريرات: في أصول الفقه لبحث استاده الميرزا محمّد حسن الشيرازي رحمه اللّه.
7- الحاشية على (رياض المسائل).
8- الحاشية على كتاب (نجاة العباد).
9- حاشية المكاسب: و هي تحتوي على تعليقات الهمداني على كتاب (المكاسب) للشيخ الأنصاري، و هي تبدأ من كتاب البيع و تنتهي في آخر مباحث كتاب الخيارات، و الحاشية من بدايتها إلى منتصفها أشبه بالتقريرات حيث لم يعلّق على أقوال الشيخ في (المكاسب) إلّا نادرا، بل يذكر عناوين الأبواب و الفروع و المسائل المطروحة في كتاب (المكاسب) و من ثمّ يشرع في بيان المسائل المطروحة بالتفصيل. و قد صدرت بتحقيقنا عام 1420 هجرية.
عملنا في تحقيق الكتاب:
1- تقويم النصّ و تقطيعه بحسب ما هو متعارف عند أهل الفنّ.
2- تخريج النصوص المنقولة من كتاب (فرائد الأصول)، و قد أرجعنا التخريجات إلى طبعتين من الرسائل و هما:
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 18
أ: الطبعة الحجريّة: المطبوعة أولا سنة 1326 ه بخطّ الكاتب و هو «العبد الخاطئ، و الرقّ الآثم الفاني، المهتدي بهداية ربّه الهادي، مصطفى النجم‏آبادي، غفر اللّه ذنوبه» و قد تكرّر طبع هذه الطبعة خلال السنوات اللاحقة التي تلت الطبعة الحجريّة الأولى، و تداولت نسخها عند أهل العلم و الطلاب بحث لا تخلو مكتبة طالب علم من نسخة منها، خاصّة و أنّ هذه الطبعة مذيلة و محشية بتعليقات أحد شرّاح الرسائل و هو العلّامة الشيخ رحمت اللّه الكرماني.
ب: الطبعة المحقّقة: و هي الطبعة المحقّقة التي أصدرتها «الأمانة العامّة للمؤتمر العالمي بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لميلاد الشيخ الأنصاري قدّس سرّه» عام 1419 ه في أربع مجلدات.
3- إضافة العناوين الأصليّة للفروع التي تعرض لها المحشّي من كتاب (فرائد الأصول) و علّق عليها، و قد جعلتها في مستطيل الظلّ.
4- تخريج بعض الروايات و الأحاديث التي استشهد بها المصنّف، و لم يكن قد ذكرها المصنّف في رسائله.
5- تقديم الكتاب بمقدّمة ضافية عن المعلّق، و موجزة عن المعلّق على كتابه، أي الشيخ الهمداني و الشيخ مرتضى الأنصاري رحمهما اللّه تعالى.
و في الختام ابتهل إلى اللّه العلي القدير لتوفيقه إيّاي في إخراج هذا الكتاب إلى الملأ العلمي و الحوزات العلميّة، و أقدّم شكري لكلّ من ساعدني في إخراج الكتاب معنويّا و ماديّا، و أخصّ بالذكر الباذل الكريم الحاج محمد تقي علاقه‏بنديان دام فضله حيث طبع هذا الكتاب و غيره على نفقته الخاصة، فشكر اللّه مساعيه، و أجزل له الأجر و الثواب، و آخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين.
محمّد رضا الانصاري القمّي‏
صفر عام 1421 هجريّة
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 19
[تصوير]
مصوّرة الورقة الأولى من الطبعة الحجريّة
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 20
[تصوير]
مصوّرة الورقة الأخيرة من الطبعة الحجريّة
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 21
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏ الحمد لله ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على خير خلقه محمّد و آله الطاهرين، و لعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.
و بعد: فيقول العبد الفقير إلى رحمة ربّه محمد رضا ابن الشيخ الفقيه الآقا محمد هادي الهمداني، تغمّده اللّه برحمته و رضوانه، هذه نبذة ممّا سنح لي حين تسريح النظر في رياض رسائل شيخ مشايخنا المرتضى- قدّس اللّه نفسه و طيّب رمسه- في كشف معضلاتها، و حلّ مشكلاتها، أسأل اللّه تعالى أن ينفع بها المحصّلين من اخواننا المؤمنين، إنّه خير موفّق و معين.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 23
[المقصد الأول في القطع‏]
[في حجّية القطع‏]
قوله قدّس سرّه: اعلم أنّ المكلّف … إلخ‏ «1».
أقول: قد يقال غير الملتفت غير مكلّف، فالاشتراط مستدرك.
و فيه: إنّ الالتفات كالعلم شرط في تنجّز التكليف، أي الزام العقل بالخروج عن عهدته، و حسن المؤاخذة على مخالفته، لا في صيرورة المكلّف مكلّفا، أي مأمورا بالفعل أو الترك.
و إن شئت قلت: إنّ الغفلة عذر عقلي في ترك امتثال التكليف لا في توجّهه إلى المكلّف، و سيأتي لذلك مزيد توضيح عند البحث عن صحّة عقاب الجاهل المقصّر.
هذا، مع أنّا لو قلنا بأنّ المكلّف اسم لمن تنجّز في حقّه التكليف، لا مطلق من توجّه إليه الطّلب، لصحّ أيضا إطلاق اسم المكلّف عليه، بواسطة علمه الإجمالي بثبوت تكاليف في الشريعة، الموجب لتنجّزها عليه، و إن لم يلتفت إلى آحادها مفصّلة.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 2، سطر 1، 1/ 35.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 24
قوله قدّس سرّه: لأنّ الشكّ … إلخ‏ «1».
أقول: حاصل ما أفاده قدّس سرّه في المتن أنّ الشكّ الملحوظ فيه الحالة السابقة، مجرى الاستصحاب، سواء كان شكّا في التكليف أو في المكلّف، و هنا لم يلاحظ فيه الحالة السابقة، سواء لم يكن له حالة سابقة أو كانت و لم تلاحظ، امّا على سبيل الفرض أو لعدم المقتضى للملاحظة، كما لو كان الشكّ في المقتضي- بناء على المختار- من عدم حجّية الاستصحاب فيه، أو لوجود المانع، كما لو علم إجمالا بارتفاع حكم معلوم في السابق و كان المشكوك من أطراف ما علم بالإجمال، فانّ العلم الإجمالي مانع من إجراء حكم الشكّ في أطرافه بملاحظة حالتها السابقة (كما يأتي تحقيقه في محلّه إن شاء اللّه تعالى)، فإن لم يمكن فيه الاحتياط، فهو مجرى التخيير مطلقا، و إن أمكن فيه الاحتياط، فإن كان الشكّ فيه بأصل التكليف فهو مجرى البراءة، و إن كان في المكلّف به فهو مجرى الاحتياط.
و يرد عليه: انّ مقتضى ما ذكره أنّه لو دار الأمر بين الحرمة و الوجوب و الإباحة، أن يكون مجرى التخيير، مع أنّه مورد البراءة، و كذا لو دار الأمر بين الحرمة و الوجوب، لا لتعارض التعيّن، فانّه قدّس سرّه لم يستبعد في الفرض القول بالبراءة ما لم يستلزمه مخالفة عملية، خصوصا إذا كانت الشبهة موضوعية كما ستعرف، مع أنّ مقتضى ما ذكره أن يكون موردا للتخيير.
و دعوى رجوع التخيير إلى البراءة في مقام العمل، هدم للأساس، و لعلّه لأجل ما ذكر غيّر العبارة و أتى في الحاشية. و بعبارة اخرى أحسن، لكن عدّها عبارة اخرى عمّا في المتن لا يخلو عن مسامحة، فانّ مؤداهما متغايران. اللهمّ إلّا أن يلاحظ في ذلك اتحاد المطلب الذي تعلّق الغرض ببيانه بالعبارتين في الواقع، و هو تشخيص مجاري الاصول على مختاره، فعبّر عنه أوّلا بعبارة قابلة للنقض بما عرفت، فلمّا رأى‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 2، سطر 3، 1/ 25.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 25
ذلك عبّر عنه ثانيا بعبارة سالمة عن الانتقاض.
و كيف كان، فلا يتوجّه على ما في الحاشية النقض بشي‏ء من المثالين، أمّا الأوّل فواضح، لأنّه شكّ في التكليف، و المرجع فيه البراءة مطلقا على ما في الحاشية، و الثاني أيضا كذلك، بناء على أن يكون المراد من العلم بالتكليف، العلم بنوعه لا جنسه، كما صرّح بذلك في أوائل أصل البراءة و لكنّك ستعرف في أواخر المبحث ضعف هذا البناء، و انّ العلم الإجمالي بجنس التكليف كالعلم بنوعه موجب لتنجّزه، و وجوب الخروج عن عهدته بالاحتياط مع الإمكان، كما لو دار الأمر بين وجوب شي‏ء و حرمة شي‏ء آخر، أو وجوب شي‏ء في وقت و حرمته في وقت آخر، و غير ذلك من الأمثلة التي ستسمع بعضها في أحكام الخنثى، فالأولى حمل العلم بالتكليف على ما يعمّ العلم بجنسه، كي لا يتوجّه عليه النقض بشي‏ء من الموارد، عدا ما سيذكره من الرجوع إلى البراءة في دوران الأمر بين المحذورين ما لم يستلزم مخالفة عملية، و ستعرف أنّ هذا لا يخلو عن نظر بل منع، فانّ المتّجه فيه أيضا التخيير لا البراءة.
ثمّ لا يخفى عليك أنّ حصر الاصول في الأربعة ليس عقليا بل هو- على مختاره- بحسب ما استفاده من الأدلّة العقلية و النقليّة، فالحصر استقرائي لا عقليّ.
نعم، حصر الحكم المشكوك فيه، في كونه مجرى لشي‏ء من هذه الاصول عقلي.
ثمّ أنّ المقصود في المقام إنّما هو بيان الاصول الأوّلية المعتبرة للشكّ التي يرجع إليها لو لم يدلّ دليل على خلافها، فلا ينتقض ببعض الاصول الثانوية الثابتة في بعض الموارد بأدلّة خاصّة، كقاعدة الشكّ بعد الفراغ، و اصالة الصحّة، و البناء على الأكثر في باب الصلاة و غير ذلك.
هذا مع أنّ هذه الاصول و نظائرها اصول يرجع إليها في الشبهات الموضوعية، و هي ممّا لم يتعلّق الغرض بالبحث عنها، و ذكرها في الكتاب استطرادي، و إنّما
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 26
المقصود في المقام بيان الاصول التي يرجع إليها عند الشكّ في الحكم الشرعيّ الكلّي الصادر من الشارع، و هي منحصرة في الأربعة على ما هو التحقيق، و اللّه العالم.
تنبيه:
الأحكام الوضعية كالشرطيّة و السببيّة و المانعيّة و نحوها- بناء على كونها منتزعة من الأحكام التكليفيّة، كما هو التحقيق- ليست هي بنفسها مجاري للاصول، إذ لا تأصّل لها، فهي تابعة لمنشا انتزاعها.
و أمّا على القول بكونها بذاتها مجعولة، فالاصول الجارية فيها ليست إلّا الاستصحاب، إذ لا معنى للتخيير أو الاحتياط في السببية و نحوها، أو البراءة عنها، و متى جرى الاستصحاب فيها، بأن كانت لها حالة سابقة ملحوظة، لم يعارضه شي‏ء من الاصول الجارية في الأحكام التكليفية، فانّ الأصل الموضوعي حاكم على الأصل الحكمي، و إن لم يكن لها حالة سابقة ملحوظة، فلا أصل بالنسبة إليها، فحينئذ يرجع في مقام العمل إلى الاصول الجارية في الأحكام التكليفية.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 27
[في القطع‏]
قوله قدّس سرّه: و ليس طريقيته قابلة لجعل الشارع … الخ‏ «1».
أقول: امّا نفيا فواضح، للزوم التناقض كما حقّقه المصنّف، و امّا إثباتا فلأن ما لا يمكن رفعه لا يمكن إثباته أيضا بجعل مستقل، ضرورة كونه ضروريّ الثبوت في الفرض، و الجعل إنّما يتعلّق بالممكن لا بالواجب و الممتنع، فلوازم الشي‏ء انّما ينجعل بجعل ذات الشي‏ء، لا بجعل على حدة، و إلّا لخرج عن كونه لازما، لجواز الانفكاك عند فرض عدم تعلّق الجعل به، و هو ينافي اللزوم، و لذا قيل: «إنّ اللّه تعالى ما جعل المشمش مشمشما بل أوجده»، و هذا ظاهر بعد أدنى التفات.
و الحاصل: إنّه متى اعتقد الشخص اعتقادا جزميا بكون هذا الشي‏ء بولا، بحيث لم يحتمل الخطأ، و علم انّ البول مطلقا نجس، امتنع منعه عن ترتيب آثار النجس على ذلك الشي‏ء، فانّه يراه تفكيكا بين اللّازم و ملزومه مع معلوميّة الملازمة، و امّا لو لم يجزم بذلك و احتمل الخطأ، بأن ظنّ بكونه بولا، فلا يحكم عقله‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 2، سطر 11، 1/ 29.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 28
بلزوم ترتيب أثر البول على ذلك الشي‏ء، فلو وجب عليه ذلك، لوجب أن يكون بدليل تعبّدي.
فقد يكون مفاد ذلك الدليل التوسعة في الحكم الشرعي، و تعميمه على وجه يعمّ مظنون البول.
و قد يكون مفاده التصرّف في الموضوع، و تنزيل المظنون منزلة الواقع.
و قد يكون مفاده نصب الطريق، و المنع عن الاعتناء باحتمال الخطأ، من غير تصرّف في الحكم و لا في موضوعه.
و مرجع هذه التصرّفات بأسرها، و إن كان لدى التحليل إلى إيجاب ترتيب أثر البول على المظنون، لكن ربّما يترتّب على اختلاف متعلّق الجعل ثمرات في مقام الاستنباط ليس المقام مقام شرحها.
و كيف كان، فمفاد أدلّة حجّية الأمارات إنّما هو القسم الأخير، كما لا يخفى على المتأمّل.
قوله قدّس سرّه: لأنّ الحجّة عبارة … الخ‏ «1».
أقول: إطلاق الحجّة على خصوص الأوسط ليس على مصطلح أهل الميزان، لأنّ الحجّة و الدّليل عندهم عبارة عن التّصديقات المعلومة الموصلة إلى تصديقات مجهولة، و لكن الإطلاقين متقاربان، بل يرجع كلّ منهما إلى الآخر بأدنى مسامحة، كما سنشير إليه.
و الظاهر أنّ الدليل في مصطلح الاصوليين- على ما عرّفوه بأنّه ما يمكن التوصّل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري- ينطبق على ذلك.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 2، سطر 12، 1/ 29.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 29
نعم، ذكر العضدي في «الشرح» ما ينافي بظاهره ذلك، حيث قال بعد بيان الفرق بين الاصطلاحين:
«و اعلم أنّ الحاصل أنّ الدليل عندنا على إثبات الصانع هو العالم، و عندهم أنّ العالم حادث، و كلّ حادث له صانع» انتهى.
و تبعه فيما أفاده بعض المحقّقين من المتأخّرين، و لكنّك خبير بأنّ ذات العالم من حيث هي ليست ممّا يتوصّل بالنظر إليها إلى إثبات الصانع، بل المتوصّل به إليه إنّما هو وصفه، أعني حدوثه، فتسميته العالم دليلا إمّا مسامحة أو اشتباه، و كيف لا، مع أنّ مصداق الدّليل عند الاصوليين إنّما هو الكتاب و السنّة و الإجماع و العقل، و هي أوساط لإثبات الأحكام الفرعيّة لموضوعاتها لا غير.
و يؤيّد ما ذكرنا ما علّقه بعض على بعض الكتب الاصولية الذي لم أعرف مصنّفه ما لفظه:
«و حيث كان المستلزم للعلم بالنتيجة هو العلم بالقياس، كان هو الدليل، كما عليه هل الميزان، و امّا غيرهم من أهل المعقول، فالدليل عندهم محمول الصغرى، كالمتغيّر في قولنا «العالم متغيّر» و الوجه هو الأوّل، لأنّ العلم بالتغيّر إنّما يستلزم العلم بالحدوث بواسطة الكبرى القائلة «إنّ كلّ متغيّر حادث، و كيف كان هو اصطلاح و لا مشاحة فيه»، انتهى.
و قد أشرنا إلى أنّ اصطلاح الاصوليين أيضا ينطبق على هذا الاصطلاح، كما هو ظاهر عبارة المصنّف قدّس سرّه، و يمكن الاعتذار عنهم عمّا أورده في المقام بأنّهم يعتبرون ذلك شرطا للتوصّل لا جزء للدليل، إذ بدون العلم بذلك لا يتحقّق صحيح النظر، فاعتباره وصفا للدليل مغن عن ذلك، و قد صرّح المحقّق القمّي قدّس سرّه في بعض حواشيه على القوانين بذلك فلاحظ.
هذا، مع امكان أن يقال إنّ اصطلاح غير أهل الميزان أنسب من اصطلاحهم،
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 30
بالنظر إلى ما يساعد عليه اطلاقات العرف في محاوراتهم، حيث يعلّلون الشي‏ء بما يقع وسطا في القياس الاقتراني، فيقال مثلا علّة تحريم هذا الشي‏ء اسكاره، أو نهي الشارع عنه، و علّة الحكم بحدوث العالم تغيّره و هكذا، و هذا و إن كان مرجعه لدى التحليل إلى قضيّة خبرية، و هي «أنّ هذا مسكر، و كلّ مسكر حرام»، لكن النسبة الخبرية التي تضمّنها الإضافة اسناد ناقص، غير ملحوظ على سبيل الاستقلال، فهي بالشرط أشبه، كما يؤيّد ذلك أنّ المنطقيين مع ما هم عليه من الاصطلاح، كثيرا ما يطلقون العلّة التي هي مساوقة للدليل و الحجّة على الوسط، فانّهم مثلا يقولون في مقام بيان الفرق بين البرهان اللّمي و الإنّي، إنّ اللّمي هو الذي يكون الحدّ الأوسط فيه علّة للنسبة في الذهن و العين، و الإنّي هو الذي يكون الحدّ الأوسط فيه علّة للنسبة في الذهن فقط. فظهر بما ذكرنا أنّ ما عليه أهل الميزان مجرّد اصطلاح، و إلّا فلا مدخلية لذات الأصغر و الأكبر في الإيصال من حيث ذاتهما، و إنّما الموصل هو خصوص الأوسط بالنظر إلى عوارضه، من حمله على شي‏ء و وضعه لشي‏ء، فالحمل و الوضع من شرائط الدلالة لا من مقوّمات الدليل، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: فقولنا الظنّ حجّة … الخ‏ «1».
أقول: يمكن المناقشة فيه، بأنّ مفاد جعل الظنّ طريقا، ليس إلّا إثبات نفس المتعلّق به أوّلا و بالذّات- كما تقدّمت الإشارة إليه- فيتبعه آثاره، لا إثبات الآثار أولا و بالذّات حتى يكون الطريق واسطة في إثباتها، فالطريق واسطة في إثبات نفس المتعلّق لا أحكامه، فلا يطلق عليه الحجّة حقيقة بالتفسير المذكور.
و يتولّد من هذه المناقشة اخرى في قياسه، حيث جعل قوله «يجب‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 2، سطر 13، 1/ 29.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 31
الاجتناب عنه» كبرى لقوله «هذا مظنون الخمريّة» مع أنّ كبراها على ما يقتضيه لسان دليل الطريق «و كلّ مظنون الخمرية خمر بحكم الشارع»، ثمّ ينضمّ إلى هذه النتيجة كبرى اخرى شرعية و هي «كلّ خمر يجب الاجتناب عنه»، فينتج وجوب الاجتناب عن متعلّق الظنّ.
و يمكن الذّب على المناقشة: بأنّ مفاد ظاهر دليل الجعل و إن كان ما ذكر، إلّا أنّ الجعل انّما يتعلّق بالشي‏ء بلحاظ آثاره، فقولنا «صدق العادل في إخباره بأنّ هذا بول» و إن كان معناه الأوّلي اثبات وجود البول بقوله، إلّا انّه بعد أن علم أنّ إيجاب تصديقه بمعنى الإذعان بقوله، أو البناء على ثبوته بلحاظ آثاره الغير المجعولة، غير معقول [أن‏] ينزل الكلام على إرادة تصديقه بلحاظ ترتيب آثاره المجعولة، فقوله «صدّق العادل في إخباره بأنّه بول» و إن كان في بادئ النظر الأمر بالبناء على أنّه بول، إلّا أنّه عند التحليل يئول إلى إيجاب ترتيب آثار البول على المخبر عنه لا غير.
هذا، مع أنّ المناقشة الاولى ناشئة عن الغفلة عن فهم الحكم في المقام، و تخصيصه بغير الوصف العنواني، مع انّ المقصود بالحكم في قولنا «الوسط واسطة في اثبات حكم الأصغر له» أنّ به يثبت مفهوم المحمول الذي هو الأكبر لذات الموضوع الذي هو الأصغر، فقولنا «هذا خمر» مثلا معناه أنّ الذات المشار إليها مندرجة تحت مفهوم الخمر، فيصير المفهوم أثرا من آثار الذّات، و عنوانا من عناوينها، و من المعلوم أنّ إثبات اتصاف المشار إليه بهذا الحكم يحتاج إلى وسط، كقولنا «هذا الشي‏ء مسكر مائع، و كلّ مسكر مائع خمر» فقولنا «هذا مظنون الخمرية، و كلّ مظنون الخمرية خمر بحكم الشارع» كالمثال المتقدّم برهان لإثبات الأكبر للأصغر، و معنى كونه خمرا بحكم الشارع، التعبّد بعدم الاعتناء باحتمال خطأ الظنّ، و البناء على كون الشي‏ء مصداقا لمفهوم الخمر.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 32
و لكنّك عرفت أنّ التعبّد بذلك من حيث البناء و الاعتقاد غير معقول، فلا بدّ من تنزيل حكمه بالتعبّد بذلك على إرادة ترتيب آثاره الشرعية في مقام العمل، و لذا قال المصنّف قدّس سرّه إنّها واسطة في ترتيب أحكام متعلّقه، مشيرا إلى أنّ التعبّد بالخمرية ينحلّ إلى ذلك.
و بما ذكرنا ظهر أنّ جعل الظنّ طريقا إلى شي‏ء، يستلزم صحّة إطلاق الحجّة عليه، و لا يحتاج في تقوّم صدق الحجّية إلى ثبوت حكم شرعي له زائدا على التعبّد بوصفه العنواني.
نعم، ثبوت حكم شرعي له في الجملة للتعبد بالوصف، لا لإطلاق الحجّة عليه، فلا يتفاوت الحال بين أن يكون الظن طريقا صرفا، أو يكون بعنوان طريقتيه إلى متعلّقه مأخوذا في موضوع حكم آخر، كما سيأتي الإشارة إليه في عبارة المصنّف قدّس سرّه، لأنّ المصحّح لإطلاق الحجّة عليه مجرّد جعله طريقا معتبرا لإثبات متعلّقه، سواء كان المقصود باثباته ترتيب آثار نفس المتعلّق، أو حكم آخر يكون لثبوت المتعلّق دخل في تحقّق موضوع ذلك الحكم.
قوله قدّس سرّه: و الاصول العمليّة … الخ‏ «1».
أقول: يعني في الجملة، كما سيشير إليه في عبارته الآتية.
قوله قدّس سرّه: الاصول‏ «2».
أقول: كالاستصحاب و أصالة الصحّة و نحوها، و امّا الاحتياط و التخيير فلا يصلحان لذلك كما هو واضح، و امّا أصل البراءة فهو أيضا كذلك بناء على عدم‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 4، سطر 1، 1/ 33.
(2)- فرائد الأصول: ص 4، سطر 2، 1/ 33. و في الأصل: (أو بعض الأصول).
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 33
اعتباره من باب الظنّ كما هو التحقيق، و امّا إن قلنا بأنّ اعتباره من حيث إفادته للظنّ، فينوب مناب العلم كالاستصحاب، بل يندرج على هذا التقدير في الامارات و ان لم نسمّه باسمها اصطلاحا، كما هو واضح.
بقي هنا إشكال و هو أنّ مقتضى ما ذكرنا من عدم معقولية نصب الطريق بالنسبة إلى ما لا أثر لمتعلّقه شرعا، امتناع قيام الطرق المجعولة مقام العلم، فيما أخذ العلم جزء للموضوع و لو بعنوان الطريقية، ضرورة خلوّ المتعلّق عن الحكم على هذا التقدير، فلا يعقل عموم دليل النصب لهذا المورد، حتّى يصير المتعلّق بسببه ذا الطريق، فكيف يثبت له الحكم الثابت لموضوع قام عليه طريق؟!
و بعبارة اخرى: الحكم المترتّب على الطريق باعتبار كونه جزء للموضوع، لا يعقل أن يكون مقوّما لطريقية الطريق الذي هو جزء موضوعه، لكونه دورا ظاهرا.
و يمكن التفصّي عنه- مضافا إلى ما سيذكره المصنّف جوابا عن نظير الإشكال في طيّ الاستدلال على حجّية خبر العادل- بأنّ ما ذكرنا من عدم المعقولية إنّما هو فيما إذا لم يكن له مدخلية في الأحكام الشرعية أصلا، و امّا إذا كان له مدخلية في حكم شرعي كان جزء من موضوعه فلا، و كيف لا و له على هذا التقدير حكم شرعي تقديري كسائر الأحكام الشرعية التقديرية، فلا فرق بين ما لو حكم الشارع بنجاسة العصير على تقدير غليانه، أو على تقدير ثبوته، في كون كلّ منهما حكما شرعيا ثابتا لموضوع العصير، فكما لا قصور فيما دلّ على حجّية البيّنة بلحاظ الحكم الأوّل، فكذا بالنسبة إلى الثاني، لكن التقدير الذي جعله الشارع شرطا لتنجّز الحكم، يتحقّق في الثاني بنفس قيام الطريق، و ما ذكرنا من أنّ مرجع الأمر بتصديق العادل، و عدم الاعتناء باحتمال كذبه، إلى إيجاب ترتيب آثار المخبر عنه في مقام العمل، فليس المقصود به رجوعه إلى ما يستظهر من عبارته حتّى يدّعي‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 34
انصرافه عن مثل المقام، بل المقصود أنّ المصحّح لنصب الطريق إنّما هو ملاحظة الآثار، فينحل إليه بالتحليل العقلي، و يكفي في الجواز عقلا مجرّد أثر و لو تقديري، أو بوسائط امور عقلية أو عادية، كما هو واضح.
و بهذا ظهر لك أيضا اندفاع ما قد يقال في تقرير الإشكال بتقريب آخر، و هو أنّه يمتنع شمول دليل جعل الطريق لمّا كان مأخوذا في الموضوع و لو بعنوان الطريقية، لأنّ الطريق المفروض إمّا أن يكون ملحوظا من حيث كونه مرآة إلى حكم المتعلّق، أو من حيث نفسه، و هاتان الملاحظتان ممّا لا يعقل اجتماعهما في استعمال واحد، لتضادّهما ذاتا كالمعنى الاسمي و الحرفي، نظير ما لو قال «لا تنقض اليقين بالشك»، فامّا أن يراد عدم نقض نفس اليقين من حيث هو، فينطبق على قاعدة اليقين، أو عدم نقض الشي‏ء الذي احرز وجوده في السابق، فينطبق على الاستصحاب، و لا يمكن ارادتهما من عبارة واحدة كما ستعرفه في مبحث الاستصحاب.
توضيح الاندفاع: إنّ الطريق المنصوب إنّما لوحظت مرآة صرفا، و طريقا محضا إلى ذات المتعلّق من حيث هي، لا إلى حكمه حتّى يتوجّه هذا الإشكال، مع أنّك عرفت أنّه لو فرض كون معناه ترتّب حكم المتعلّق أيضا لا يقصر عن الشمول، بعد أن فرضنا له حكما تقديريا.
هذا، مع إمكان الالتزام بإرادة ترتيب أثر الحجّية من حيث هو الذي هو، بمنزلة المعنى الاسمي، فيكون معنى «صدّق العادل» وجوب ترتيب أثر كون المخبر به ثابتا، و هذا أعمّ من أن يكون الأثر الشرعي للمجموع المركّب أو لأجزائه، فالأثر الشرعي الثابت لذات الشي‏ء هو أثر هذا الشي‏ء الثابت، أ لا ترى أنّا لو قلنا بأنّ المراد من اليقين في المثال هو نفس اليقين من حيث هو، فنقضيه الذي تعلّق به النهي يشمل عدم الصّلاة مع الطّهارة التي كان على يقين منها، مع كونها من آثار المتيقّن لا اليقين من حيث هو، و بهذا ظهر لك أنّا و إن التزمنا بأنّ الملاحظتين‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 35
لا يجتمعان، فلا يمكن إرادة القاعدة و الاستصحاب من المثال، لكن آثار اليقين المحكوم بإبقائها حال الشكّ أعمّ ممّا كان ثابتا لنفس اليقين أو لمتعلّقه، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: فانّه يكفي في الوجوب الاستصحاب‏ «1».
أقول: قد يناقش في ذلك بأنّ وجوب التصدّق ليس من الأحكام المجعولة لحياة زيد حتّى يترتّب على استصحابه، بل الوجوب إنّما هو لأجل كون التصدّق من مصاديق الوفاء بالنذر، فثبوت الوجوب فرع إحراز كون التصدّق وفاء بالنذر، و احرازه من اللوازم العقلية للحياة، فلا يترتّب احكامه على استصحاب الحياة، إلّا بناء على اعتبار الاصول المثبتة التي لا نقولها، تبعا لشيخنا المصنّف، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: فيقال حينئذ إنّه حجّة «2».
أقول: امّا إطلاق الحجّة عليه، فيما إذا كان مجعولا، لإثبات حكم متعلّقه، فقد عرفت وجهه.
و أمّا إطلاقها عليه فيما إذا كان مأخوذا في الموضوع بعنوان الطريقية لحكم آخر، فانّما هو بلحاظ كونه وسطا في اعتبار نقس المتعلّق بلحاظ آثاره المترتّبة عليه، التي هي عبارة عن الحكم التقديري، حسبما أشرنا إليه فيما سبق، و أمّا بملاحظة ذلك الحكم الآخر الذي جعل الطريق جزء من موضوعه، فلا يطلق عليه الحجّة كالعلم، إذ لا فرق من هذه الجهة بين العلم و الطرق المجعولة، و إنّما الفارق بينهما في كيفية الطريقية، حيث أنّ العلم طريق بنفسه، و غيره طريق بجعل الشارع، و كونه طريقا مجعولا لا ملازم لصحّة إطلاق الحجّة عليه، لكونه واسطة في إثبات المتعلّق،
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 4، سطر 10، 1/ 34.
(2)- فرائد الأصول: ص 4، سطر 15، 1/ 35.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 36
سواء كان لإثبات حكم نفسه أو لحكم آخر.
و أمّا إطلاق الحجّة عليه مع كونه واسطة في إثبات نفس المتعلّق لا حكمه، فقد عرفت الجواب عنه فيما تقدّم.
قوله قدّس سرّه: و قد يؤخذ موضوعا لا على وجه الطريقية … الخ‏ «1».
أقول: وجهه قد ظهر ممّا تقدّم، حيث أنّه في الفرض لم يؤخذ طريقا شرعيا حتّى يكون واسطة في إثبات نفس المتعلّق، كي يصحّ إطلاق الحجّة عليه بلحاظه.
و أمّا بملاحظة الحكم الذي اخذ جزء من موضوعه، فقد عرفت أنّه كالعلم لا يتّصف بالحجيّة، و لا فرق بينهما من هذه الجهة.
قوله قدّس سرّه: لحكم متعلّقه‏ «2».
أقول: متعلّق بالطريقية، فيكون قيدا للمنفي لا ب «موضوعا» بحكم الضّرر حتى يكون معنى العبارة أنّه قد يؤخذ الظنّ موضوعا لحكم متعلّقه، أو لحكم آخر لا من حيث الطريقية، فيفسد المعنى، حيث أنّ الحكم الشخصي لا يعقل قيامه بموضوعين، فحاصل المعنى من أوّل قوله «ثمّ» إلى آخره أنّه كما أنّ العلم قد يكون طريقا محضا لإثبات متعلّقه، و قد يكون مأخوذا في موضوع الحكم إمّا بعنوان الطريقية، أو بعنوان أنّه صفة خاصّة، كذلك الظنّ يتصوّر فيه هذه الوجوه، و لكن بينهما فرق، و هو أنّ العلم طريق بنفسه فلا يتّصف بالحجّية أصلا، و أمّا الظنّ المعتبر إذا اخذ بعنوان الطريقيّة يتّصف بالحجّية، سواء كان أخذه طريقا إلى المتعلّق لإثبات حكم نفس المتعلّق، أو لإثبات حكم آخر ثابت للمتعلّق الثابت بطريق، و أمّا إذا لم‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 4 سطر 15، 1/ 35.
(2)- فرائد الأصول: ص 4 سطر 16، 1/ 35.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 37
يؤخذ بعنوان الطريقيّة، فلا يطلق عليه الحجّة، فهو كالعلم حينئذ.
و قد يتوهّم تنزيل العبارة على معنى آخر بعيد غاية البعد، استنادا إلى بعض القرائن، مثل قوله «مأخوذا» حيث أنّ الظاهر منه إرادة القطع الذي اخذ جزء الموضوع، و كذا قوله في أكثر النسخ بدل مجعولا لا على وجه الطريقية «موضوعا» إلى غير ذلك من المناسبات، و هو أنّ غرضه تشبيه الظنّ الذي اخذ جزء الموضوع بكلا قسميه، بالعلم الذي هو كذلك، فعلى هذا لم يتعرّض لما اخذ طريقا صرفا.
فحاصل المعنى على هذا الاحتمال: إنّ الظنّ المعتبر طريق مجعول، فهو وسط في ترتيب أحكام متعلّقه بالتقريب الذي تقدّم، سواء كان أخذه موضوعا لحكم متعلّقه نوعا، أو لحكم آخر، مثلا الظنّ مأخوذ في موضوع الأحكام الظاهرية لكونه طريقا إلى الأحكام الواقعية، فإن طابق الظنّ الواقع يتّحد الحكم الظاهري الواقعي نوعا، امّا شخصا فغير معقول كما هو واضح، و إن تخلّف عن الواقع، فالحكم الظاهريّ حكم آخر مغاير لحكم المتعلّق الذي اخذ الظنّ طريقا إليه، هذا إذا كان مأخوذا بعنوان الطريقيّة.
و امّا إذا اخذ من حيث أنّه صفة خاصّة، فهو أيضا صالح لأن يكون موضوعا لحكم متعلّقه تعبّدا بحكم الضرر من دون ملاحظة الكشف فيه، و قد يكون موضوعا لحكم آخر غير حكم المتعلّق، و فيه ما لا يخفى من البعد، و عدم صلاحيّة المناسبات المزبورة لحمل العبارة على إرادة هذا المعنى.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 38
[في التّجري‏]
قوله قدّس سرّه: و المسألة عقليّة «1».
أقول: كأنّه أراد بذلك كونها عقلية بحسب المدرك، حيث لم يستدلّ أحد فيها بالدليل السّمعي، بل اعتمدوا في ذلك على حكم العقل، و في مثله يبعد استكشاف قول الإمام من قول العلماء بطريق القطع، و لو كان اتفاقيا، و ليس غرضه أنّ المسألة عقلية محضة، و إلّا لحصل التنافي بينه و بين تحريره لمحلّ النزاع، كما لا يخفى.
قوله قدّس سرّه: و الحاصل أنّ الكلام … الخ‏ «2».
أقول: ظاهر كلامه أنّ النزاع في التجرّي إنّما هو في ان غير المحرّم ذاتا، هل يؤثر تعلّق الاعتقاد بحرمته في صيرورته حراما شرعيّا، فيكون جهة من جهات الفعل التي يتعلّق بسببها الأحكام بمتعلّقاتها أم لا؟
و لا يخفى عليك أنّه لو كان النزاع على ما حرّره، فالأقوى فيه المنع، لعدم كون‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 5، سطر 7، 1/ 39.
(2)- فرائد الأصول: ص 5، سطر 12، 1/ 39.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 39
الفعل اختياريّا بعنوان ذاته، و لا بعنوان كونه تجرّيا، أي غير محرم اعتقد حرمته، فيمتنع تعلّق النهي به بهذه الملاحظة، و امّا بعنوان كونه شيئا اعتقد حرمته، و إن كان فعلا اختياريّا، أمكن أن يحكم عليه بحكم مماثل لحكم ذاته، فيرى المعتقد أنّ اعتقاده جهة من الجهات التي يتأكّد بها مصلحة الواقع و مفسدته، و لكنّه يرى الأمر به و النهي عنه بلحاظ هذه الجهة عبثا، لكفاية الحكم الواقعي المتعلّق بالشي‏ء في البعث على الإتيان، أو التجنّب عن المعلوم، إلّا أن يراد بهما صرف التأكيد، و بيان تأكّد الوجوب و الحرمة بسبب العلم، و بقاء الحكم على تقدير عدم المصادفة، و إن لم يحتمله في خصوص المورد لا على سبيل فرض يزعم عدم وقوعه، هذا على تقدير تسليم إمكان كون معلوم الحرمة موضوعا آخر، قابلا لتعلّق حرمة اخرى به، غير حرمة ذات ما يتعلّق به العلم، كما يتعقل ذلك بالنظر إلى الطرق المجعولة، و إلّا فهذا بنفسه لا يخلو عن تأمّل، نظر إلى أنّ وجوب اتّباع العلم أي الإتيان بما علم وجوبه، و التجنّب عمّا علم حرمته، كوجوب الإطاعة و حرمة المعصية من العقليات الغير القابلة لأن يتعلّق بها طلب شرعي مولوي، فكلّما يتعلّق بها من الأوامر الشرعية لا يكون إلّا إرشاديا، كما تقرّر في محلّه، لكن يدفعه ما قرّرناه في باب الإطاعة من أنّ هذا مع اتّحاد جهة حكمي العقل و الشرع، و أمّا إن تعلّق الوجوب الشرعي بإطاعة الأمر، من حيث كونها قيدا فيما تعلّق به الغرض من الأمر- كما في الواجبات التعبّدية- أو وجوب اتّباع العلم من حيث كونه بنفسه موضوعا للوجوب- كما هو المفروض في المقام- لا لكونه موجبا لتنجّز حكم المتعلّق- كما هو كذلك في نظر العقل- فلا يكون إلّا حكما شرعيا مولويّا لا دخل للعقل في إثباته من هذه الجهة.
نعم، لا يلزم على هذا التقدير لو صدر خطاب شرعي متعلّق بمعلوم الحرمة من حيث كونه معلوم الحرمة، الالتزام بتعدّد العقاب على تقدير المصادفة، لإمكان التفصّي عن ذلك بكون الخطاب توطئة لبيان حكم المتجرّي في الواقع، لو ساعده‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 40
دليل على ذلك.
و كيف كان، فهذا الكلام فرضيّ لا محصّل له، إذ لم يصل إلينا دليل سمعي يفي بإثبات ذلك، و لم يدّعه أحد، و إنّما المدّعى إثباته بدلالة العقل، و هي أيضا متيقّنة لما أشرنا إليه من أنّ الفعل بعنوان ذاته، أو بعنوان كونه تجريا ليس فعلا اختياريّا، فلا يتّصف الفعل بملاحظتهما بحسن أو قبح، و أمّا بعنوان كونه معلوم الحرمة، و إن كان فعلا اختياريا، إلّا أنّ هذا العنوان ليس بنفسه ممّا يدرك العقل بملاحظته عروض جهة محسّنة أو مقبحة في متعلّقه غير قبيحة، الناشئ عن المفسدة الثابتة في المتعلّق من حيث هو، فليس للعقل طريق إلى إحراز حكم آخر لنفس العلم من حيث هو، غير حكم المتعلّق الذي رآه منجرا على المكلّف بواسطة العلم.
و بالجملة، إنّ القول بكون الاعتقاد من جهات الفعل التي يصير بسببها الفعل حراما شرعيّا، ممّا لا تأمّل في ضعفه.
و لكن يمكن تحرير النزاع بوجه آخر و هو: إنّ الانقياد و التجري بنظر العقل و العقلاء في حكم الإطاعة و المعصية، في استحقاق فاعلهما المدح و الثواب و الذمّ و العقاب، أم لا بل الاستحقاق إنّما هو من آثار الإطاعة و المعصية الحقيقيتين؟
و على هذا التحرير لا يبعد القول بالاستحقاق و إن لم يتصف الانقياد بكونه واجبا شرعيا، و لا التجرّي بكونه حراما شرعيّا، كنفس الاطاعة و المعصية على ما تقرّر في محلّه، نظرا إلى أنّ ترتيب المدح و الثواب على فعل الواجبات، ليس لأجل صدور ذات الواجب و تحقّقه في الخارج من حيث هي، بل لا مدخلية لذلك في الاستحقاق أصلا، حيث لا يعود نفعها الكامن فيها إلّا إلى نفس الفاعل، كما لو أمر الأب ابنه بشرب دواء نافع له، فانّه لا يستحق بسبب الشرب من حيث هو اجرا على الأب، و إنّما يستحق المدح و الإكرام بسبب إطاعة أمره من حيث هي.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 41
هذا، مع أنّ العبد لا يستحقّ من سيّده اجرة العمل، لكونه مملوكا له، و إنّما يستحق الإكرام بواسطة صدقه في مقام العبودية، و ادائه لما عليه من حقّ المولى، و كذا الكلام في المعصية فانّ استحقاق المذمّة عليها ليس لحصول ضرر من فعله، بل لكونها خروجا عمّا يستحقه المولى من الطّاعة، و حيث أنّ المناط في استحقاق الثواب و العقاب نفس الإطاعة و المعصية من حيث هما، مع قطع النظر عن متعلّقهما، أمكن أن يقال إنّ الإتيان بما اعتقد وجوبه بعنوان الإطاعة كنفس الاطاعة، من حيث كونها موجبة للمدح و الإكرام، و كذا الإقدام على ما اعتقد حرمته، كالاقدام على نفس الحرام، في كونه موجبا لاستحقاق الإهانة و الخذلان.
و ببيان أوفى: إنّ في معصية العبد لسيّده جهات من القبح، لو استقل كلّ منهما بالملاحظة لأثّر فيما تعلّق به نهيا شرعيّا، كإساءة الأدب، و الجرأة على سيّده، و انتهاك حرمته، و عدم الاعتناء به، و المبالات بأمره، و نحو ذلك، و من الواضح أنّه لو أظهر شيئا من هذه العناوين بفعل أو قول، كأن قال مثلا «أنا لا أعتني بقولك» أو «لا ابالي بمخالفتك» أو «لست أنت بنظري بمكان أوثر طاعتك على هواي»، لو أظهر هذه المعاني بسائر أفعاله، لقد فرّط في حق مولاه، و فعل قبيحا بحكم العقل و شهادة العقلاء، و هذه الجهات بأسرها منتزعة من ذات المعصية، و هي بذاتها غير قابلة لأن يتعلّق بها نهي شرعي، و عند عدم مصادفتها للواقع لا يتخلّف عنها إلّا بعض هذه الجهات، و هي مخالفة النهي من حيث هي دون سائر الجهات، و حيث أنّ فعله لم يتحقّق إلّا بعنوان المعصية، لا يتنجّز عليه بحكم العقل إلّا النهي عن المعصية الذي هو إرشادي عقلي مصحّح للعقاب على الفعل المأتي به بهذا العنوان بجميع جهاته المقبحة له، الحاصلة بوقوعه بهذا العنوان، و من هنا لا يبعد أن يدّعى أنّ عدم المصادفة يؤثر في قلّة ما يستحقّه من المؤاخذة، لا نفيه رأسا، فليتأمّل.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 42
قوله قدّس سرّه: قولك إنّ التفاوت … الخ‏ «1».
أقول: نسبة هذا الكلام إلى المستدلّ- مع عدم وقوع هذا التعبير في كلامه- لكونه محصّل مرامه، كما هو واضح، و إنّما عبّر المصنّف قدّس سرّه بذلك توطئة للجواب.
و محصّل الجواب: منع عدم التفاوت و عدم منافاته لمذهب العدلية، و سند المنع أنّ استحقاق العقاب يجب أن يكون مسبّبا عن فعل اختياري، لاستقلال العقل بقبح العقاب على أمر غير اختياري، و يكفي في كون الفعل اختياريا انتهائه إلى مقدّمة اختياريّة، ضرورة أنّه لا يشترط في اختياريّة الفعل كون جميع مقدّماته اختياريّة، و إلّا فلا يكاد يوجد فعل اختياري، فمن شرب الخمر و صادف قطعه الواقع، فقد عصى اختيارا، و امّا كون عدم الاستحقاق مسبّبا عن أمر غير اختياري، فقبحه غير معلوم.
أقول: بل معلوم العدم، فانّه يكفي في عدم الاستحقاق، عدم حصول علّة الاستحقاق بفقد شي‏ء من شرائطه الغير الاختياريّة التي لها دخل في اقتضاء المعصية، أو مانع عن ارتكابها مع حصول المقتضي، كما لا يخفى.
قوله قدّس سرّه: كما يشهد به الأخبار … الخ‏ «2».
أقول: أي يشهد بمنع عدم التفاوت، يعني يشهد بالتفاوت الأخبار الواردة.
قوله قدّس سرّه: فإنّ مقتضى الروايات … الخ‏ «3».
أقول: توضيح الاستشهاد أنّ الروايات تدلّ على التفاوت في استحقاق‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 5، سطر 18، 1/ 40.
(2)- فرائد الأصول: ص 5، سطر 20، 1/ 40.
(3)- فرائد الأصول: ص 5، سطر 22، 1/ 41.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 43
الثواب و العقاب بأمر غير اختياري، و هو قلّة العامل و كثرته، و ليس غرضه إثبات كون زيادة العقاب لأمر غير اختياري- كما يوهمه العبارة في بادئ الرأي- حتّى يتوجّه عليه أنّ زيادة الاستحقاق كنفس الاستحقاق يجب أن تكون مسبّبة عن أمر اختياري، و إنّما يستحق العقاب الزائد بواسطة الأفعال المتولّدة عن فعله الاختياري، كاحتراق حزمة حطب بإلقاء نار فيها بقصد إحراقها، فهو فعل توليدي للمكلّف مسبّب عن اختيار و إرادة، فيحسن مؤاخذته بجميع ما يحترق بناره، إذا كان ملتفتا إلى ما يتفرّع على عمله، و لو على سبيل الإجمال، فتأسيس سنّة حسنة أو سيّئة مقتض لاستحقاق الثواب و العقاب زائدا على ما يستحقّه بواسطة نفس العمل، و وجود العامل من الشرائط الغير الاختيارية التي لها دخل في تماميّة السبب.
قوله قدّس سرّه: فتأمّل‏ «1».
أقول: و لعلّه إشارة إلى أنّا نرى ذلك و لو بعد تخلية الذهن، أو بالنظر إلى حال الغير الذي لا مدخلية له بعملها أصلا، بل نرى في أنفسنا أنّه لو ارتكب شخص معصية، فعرضه الندامة عليها، ثمّ انكشف له عدم كون ما ارتكبه حراما في الواقع، لسرّه ذلك و رأى أمره أهون ممّا لو كان حراما في الواقع، فليتدبّر.
قوله قدّس سرّه: و قد يظهر من بعض المعاصرين … الخ‏ «2».
أقول: هذا التفصيل ممّا لا بدّ منه، بعد البناء على كونه حراما شرعيّا- كما يقتضيه تحريره لمحلّ النزاع- لقبح صدور الخطاب من الشارع بوجوب قتل النبيّ أو الوصيّ الذي اعتقد أنّه واجب القتل، ضرورة عدم مكافأة هذا الحسن العارضي‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 6، سطر 3، 1/ 41.
(2)- فرائد الأصول: ص 6، سطر 3، 1/ 41.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 44
الخيالي لمفسدته الذاتية، حتّى يحسن الفعل فيتبعه الأمر الشرعي، و كذا لو اعتقد أنّ الشي‏ء الفلاني نافع له و يجب شربه، مع كونه في الواقع سمّا قاتلا له، لا يجوز من الشارع أمره بشربه.
نعم، هو بنفسه معذور في ارتكاب ما اعتقد بحكم العقل، و امّا صحّة الخطاب الشرعي فهي دائرة مدار مصلحة ذات الشي‏ء، و لو بعد طروّ العنوان، فهذا العنوان مثل سائر العناوين الطارئة- كإطاعة الوالد و نحوها- إنّما يؤثر في الموارد الخالية عن المصلحة الملزمة لا غير، إن قلنا بأنّ الجهة الطارئة الخيالية لا تكافئ المصلحة الذاتية الملزمة، بحيث تغلب عليها، حتّى يظهر أثر العنوان الطارئ.
و إن قلنا بصلاحيتها للغلبة على بعض الذاتيات أيضا، فيتبع الحكم الشرعي موارد الغلبة و لا يتعداها، و هذا ظاهر.
و لكنّك خبير بأنّ ما ذكره من التفصيل، وفاقا للمفصّل المذكور، لا يتوجّه به كلامه بظاهره، حيث أنّه قدّس سرّه جعل قبح نفس التجرّي بالوجوه و الاعتبار، و هذا غير معقول، لأنّه من جهات الفعل التي بسببها يعرضه القبح، فلا يعقل أن تكون نفس الجهة أيضا قبحها عرضيا تابعا للموارد، لأنّ ما بالعرض ينتهي إلى ما بالذّات، فيتوجّه عليه حينئذ ما ذكره المصنّف قدّس سرّه من الاعتراضات.
إلّا أنّ الإنصاف غلبة الظنّ بإرادته من التجرّي في كلامه الفعل المتجرّى به لا نفس التجرّي فيندفع عنه الاعتراضات المذكورة، لكن المبنى فاسد كما عرفت.
هذا، مع أنّ ما ذكرناه وجها للتفصيل لا يخلو في حدّ ذاته من نظر، لأنّ الحكم الفعلي يتبع الجهة التي يتنجّز بالنسبة إليه الخطاب، و كون الفعل متضمّنا لمفسدة قاهرة غير مانع عن ذلك، عند كون المكلّف معذورا من جهتها، كما يأتي التنبيه على ذلك عند التكلّم في صحّة صلاة الجاهل بالغصب و ناسيه في حواشي أصل البراءة، فليتأمّل.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 45
قوله قدّس سرّه: و عليه يمكن ابتناء … الخ‏ «1».
أقول: يعني لا يبعد أن يكون المنع السابق ناشئا من تأثير الأمر الغير الاختياري، الذي هو عبارة عن المصادفة و عدمها في استحقاق الثواب و العقاب إثباتا و رفعا، كما هو المدّعى في المقام.
و في قوله «يمكن» إشارة إلى أنّ مبنى المنع السابق ليس ذلك، بل المبنى الحقيقي في المنع المذكور إنّما هو حاجة الاستحقاق إلى علّة اختيارية، و هي كون الفعل المحرّم و الواقعي مأتيا به عن عزم و إرادة، و بانتفاء أحد هذه القيود ينتفي الاستحقاق من دون أن يكون العدم محتاجا إلى علّة، و تسميته مسبّبا عن عدم هذه الأشياء مسامحة في التعبير- كما تقرّر في محلّه- من أنّ الوجود يحتاج إلى المؤثر دون العدم، فأين هذا من تأثير الأمر الغير الاختياري في رفع الاستحقاق الذي يقتضيه الفعل، كما هو المطلوب!
قوله قدّس سرّه: مضافا إلى الفرق … الخ‏ «2».
أقول: الفرق بين المقامين امّا أوّلا: فبأنّ مجرّد الاحتمال يكفي في المقام الأوّل لكونه مانعا عن الحرمة، بخلاف الثاني فانّ المفصل يحتاج إلى إثبات التأثير حتّى يتمّ مطلبه.
و أمّا ثانيا: فبأنّ الدفع أهون من الرفع، فلا امتناع في تأثيره في الدفع دون الرفع.
قوله قدّس سرّه: بأنّ العقل مستقل … إلخ‏ «3».
أقول: بيان للدفع و تقريبه إنّا و إن سلّمنا- مماشاة مع الخصم- كون التجرّي‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 7 سطر 3، 1/ 44.
(2)- فرائد الأصول: ص 7، سطر 3، 1/ 44.
(3)- فرائد الأصول: ص 7 سطر 4، 1/ 44.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 46
كالكذب ممّا يمكن أن يرتفع قبحه بعروض جهة محسّنة له، مكافئة لما يقتضيه من القبح، لكن نقول بأنّ العقل مستقلّ في المثال بقبحه، ضرورة عدم صلاحيّة العنوان الحسن الذي لم يقصده الفاعل في رفع صفة القبح، عن فعل اختياري قبيح كالكذب، المصادف لمصلحة راجحة غير مقصودة للفاعل، أو الضرب بقصد الإيذاء و الإهانة الذي قارنه التأدّب.
قوله قدّس سرّه: و لم يعلم معنى محصّل لهذا الكلام‏ «1».
أقول: و لعلّ غرضه من التداخل، اجتماع العنوانين في التأثير مع وحدة الأثر، كما تقول «لو وقع في البئر شاة و خنزير دفعة يتداخل مقدارهما»، فلا يتوجّه على هذا التفسير لزوم الترجيح من دون مرجّح، أو الالتزام بزيادة العقاب، و لكن يتوجّه عليه أنّ اجتماع السببين لا يمنعهما عن تأثير كلّ منهما مستقلّا، و المحلّ قابل للتأثير، فيجب حصول أثريهما كسائر العناوين المحرّمة المتصادقة على موضوع واحد، هذا كلّه بناء على كون معلوم الحرمة، بنفسه موضوعا للحرمة الشرعية في عرض الواقع، فيكون الحرام المعلوم مصداقا لكلا العنوانين.
و امّا لو قلنا بأنّ معلوم الحرمة ليس موضوعا للحرمة الشرعية، و إنّما هو نفس متعلّقه لا غير، و إنّما يحسن عقاب المتجرّي لا لارتكابه محرّما شرعيا، بل لأجل كون التجرّي بحكم المعصية، فلا يعقل اجتماعه مع المعصية الحقيقية، حتّى يستحق عقابين، فهو إمّا متجرّ أو عاص، فلا يعقل تعدّد العقاب حتّى يقال بالتداخل أو عدمه، كما هو ظاهر.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 7 سطر 7، 1/ 45.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 47
قوله قدّس سرّه: فتأمّل‏ «1».
أقول: لعلّه إشارة إلى منع دلالة الآية على حرمة الأكل، لأجل اعتقاد طلوع الفجر، من حيث نفس الاعتقاد، بل لأجل أنّه رأى الفجر و علم به دون الآخر الذي لم يعتقد بطلوع الفجر، فانّه يجوز له الأكل في الواقع، لأنّ الجواز دائر مدار عدم حصول التبيّن له.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 11 سطر 6، 1/ 58.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 48
[في المقدمات العقليّة]
قوله قدّس سرّه: فإن قلت لعلّ نظر هؤلاء … الخ‏ «1».
أقول: حاصل التوجيه أنّ المستفاد من الأخبار، إنّما هو تقييد وجوب إطاعة الشارع بما إذا كان الحجّة واسطة في تبليغ أوامره و نواهيه لا مطلقا.
قوله قدّس سرّه: و ممّا يشير إلى ما ذكرنا … الخ‏ «2».
أقول: ما استظهره المصنّف قدّس سرّه من عبارته، أعني إرادته مدخلية تبليغ الحجّة في وجوب الإتيان و الترك، هو الظاهر منها، و احتمال إرادته بيان كون التبليغ مأخوذا في موضوع الأحكام الواقعيّة، فيكون مقصوده أنّ وجوب الامتنان مقيّد بالبلوغ مع الواسطة، لا لأجل التقييد في الإطاعة، بل لأجل أنّ المأتي به و المتروك وجوبهما مقيّد بذلك في غاية البعد، فانّ صدور كلامه و إن كان قد يتراءى منه ذلك بعد ارتكاب التأويل في بعض ألفاظه، إلّا أنّه ينافيه ما ذكره في ذيل كلامه بقوله «لا
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 7، سطر 7، 1/ 45.
(2)- فرائد الأصول: ص 11 سطر 17، 1/ 59.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 49
أنّه يجب فعله أو تركه، أو لا يجب مع حصولهما من أيّ طريق»، لأنّ ظاهره أنّ الأحكام الواقعية لو وصلت إلينا بواسطة الحجّة، يجب امتثالها، و لو حصل العلم بها من طريق آخر لم يجب. كما يؤيّد إرادته لذلك ما نقله المصنّف قدّس سرّه عنه في صدر البحث، من منع حجّية حكم العقل في الشرعيات لكثرة الخطأ فيه، لا لادّعائه كون نفس الأحكام مشروطة بوصولها بطريق سمعي.
و كيف كان، فإن أراد المعنى الأوّل كما هو الظاهر، يتوجّه عليه ما أورده المصنّف قدّس سرّه في الكتاب، و إن أراد المعنى الثاني- و إن كان بعيدا- يتوجّه عليه أنّ ما التزمه تقييد في إطلاقات الأدلّة من دون مقيّد صالح لذلك، مع أنّه إن أمكن الالتزام به ففي غير المستقلّات، و أمّا فيها كوجوب مقدّمة الواجب، أو حرمة الضدّ- على القول بهما- أو وجوب ردّ الوديعة، و حرمة الظلم، و غيرهما من الأحكام العقليّة فلا، لعدم قابليتها للتقييد، حيث أنّ مناطها بيد العقل، فلا يجدي الالتزام به في الفرار عن حجّية حكم العقل في المستقلّات.
هذا، مع أنّ غير المستقلّات أيضا ربّما لا تصلح للتقييد، لاباء دليلها عن ذلك، و ظهور أدلّتها السمعية في كون متعلّقاتها هي الأحكام الواقعية، و كون الأدلّة طريقا لها لا من مقوّمات موضوعها، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: قلت أوّلا … الخ‏ «1».
أقول: حاصل الجواب أنّ وجوب إطاعة اللّه تعالى من المستقلّات العقلية الغير القابلة للتخصيص، و في كلامه إشارة إلى أنّ المناط في وجوب الإطاعة، و حرمة المعصية، إنّما هو إحراز كون الشي‏ء محبوبا عند اللّه تعالى، بحيث لا يرضى‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 117 سطر 20، 1/ 60.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 50
بتركه، أو كونه مبغوضا على وجه لا يرضى بفعله، فيندفع بذلك ما قد يتوهّم، من أنّ غاية ما يمكن ادّعائه، إنّما هو إدراك العقل كون ما رآه حسنا أو قبيحا، محبوبا أو مبغوضا عند اللّه تعالى، و امّا أنّه صدر منه تعالى أمر أو نهي مولوي يجب إطاعته فلا، لأنّ وجوب الإطاعة من آثار الالتزام بالفعل أو الترك بخطاب مولوي، لا مجرّد المحبوبية و المبغوضية، فمن الجائز أن لا يتحقّق إنشاء الحكم الذي هو عبارة عن الالتزام بالفعل أو الترك، إلّا ببيان الحجج الذين ورد فيهم أنّهم لسان اللّه الناطق.
توضيح الاندفاع: إنّ وجوب إطاعة العبد لمولاه، من آثار إرادته النفسانيّة المستكشفة بإنشاء الحكم، لا من آثار نفس الإنشاء من حيث هو، مع أنّ من يدّعي استكشاف الحكم الشرعي بواسطة العقل، بقاعدة الملازمة، إنّما يدّعى استكشاف صدور أمر مولوي من الشارع بقاعدة اللّطف.
و امّا الكلام في أنّ أمر اللّه تعالى الذي يجب على العباد امتثاله، هل هو إرادته للفعل، أو أمر وراء ذلك؟ فهو أجنبيّ عن المقام، خصوصا بعد أن ثبت بالنصّ و الإجماع أنّ للّه تعالى في كلّ واقعة حكما، حتّى أرش الخدش‏ «1»، فيجب على العباد اتّباعه بعد إحرازه بأي طريق كان، سواء قلنا بأنّ تبليغ الحجج كان شرطا في تحقيقه أم لم نقل، ضرورة أنّ ثبوت الحكم لكلّ واقعة فرع حصول شرطه، فيكشف النصّ و الإجماع الدالّان عليه أن تبليغ الحجّة- على تقدير كونه شرطا- كان حاصلا، و لو
______________________________
(1)- إشارة منه قدّس سرّه لصحيحة أبي بصير المروية في باب 48 من كتاب الديات، الحديث الأوّل من كتاب (وسائل الشيعة) و إليك نصّها:
محمّد بن يعقوب، عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن عبد اللّه الحجّال، عن أحمد بن عمر الحلبي، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في حديث: «قال: إنّ عندنا الجامعة، قلت: و ما الجامعة؟ قال: صحيفة فيها كلّ حلال و حرام، و كلّ شي‏ء يحتاج إليه النّاس حتّى الأرش في الخدش …».
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 51
في ضمن خطابات مجملة لم نتعقل تفصيلها، أو خطابات غير واصلة إلينا.
هذا، مع أنّ كثيرا من العقليات الغير المبنية على قاعدة التحسين أو التقبيح، بل أكثرها أحكام عدميّة تترتّب عليها آثار شرعيّة، و لا يعقل إنشاء الحكم فيها، كمسألة الضدّ، و اجتماع الأمر و النهي و النهي في العبادات، و نظائرها ممّا يعمّ الابتلاء بها في المسائل الفقهية، التي هي في الحقيقة مطرح أنظار المثبتين و النافين، دون العقليات المبتنية على التحسين و التقبيح العقليين، التي لم نعثر على مورد لها لم يف بإثبات حكمها دليل سمعي.
نعم، كثيرا ما نستدلّ في بعض الموارد بأنّ هذا قبيح فهو حرام، أو أنّ تركه كذلك، لكن هذا إذا كان ذلك الشي‏ء مندرجا في موضوع كلّي كالظّلم الذي حكمه ضروري عقلا و نقلا، و تشخيص موضوع ذلك الحكم الكلّي بالعقل، ليس إلّا كتشخيصه بغيره من الامور الخارجية، ليس بيانها من وظيفة الشارع، فليتدبّر.
و لقد أعجب بعض الأفاضل- فيما حكي عنه- في تعليقاته على الكتاب، معترضا على المصنّف قدّس سرّه بأنّ مذهبهم- أي الاخباريّين- مبنيّ على كون العلم المأخوذ في وجوب الامتثال و تنجزه، إنّما هو العلم الموضوعي الخاص الذي يتبع في تعيين سببه و غيره من جهاته تعيين المولى و جعله، و هم يدّعون تعيينه بالسّماع من الإمام عليه السّلام، كما يساعد عليه الاخبار، و هذا أمر معقول لا إشكال فيه، و شدّة إنكاره قدّس سرّه عليهم مبنيّ على كونه طريقا، بمعنى أنّ المعتبر فيه هو العلم بالتكليف من أيّ سبب كان، و نسب إليه الغفلة عنه و المغالطة في هذا الإنكار!
و فيه ما لا يخفى، فانّ وجوب الامتثال حكم عقلي، و تنجّز التكاليف عبارة عن عدم معذورية المكلّف في المخالفة، فهذا معنى تنجّزه، و إن اريد به معنى آخر فلا دليل على اعتباره في وجوب امتثال الواجبات الواقعية، بل العقل قاض بخلافه، فشدّة الإنكار عليهم إنّما هو لزعمهم أنّ العلم المأخوذ في موضوع وجوب الإطاعة،
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 52
هو العلم الحاصل من سبب خاص، و هو غير معقول، حيث أنّ العلم المأخوذ في موضوع حكم العقل بوجوب الامتثال، هو العلم الطريقي المحض، و لا يعقل أن يتصرّف الشارع في موضوع حكم العقل، لأنّ مرجعه إلى التناقض بنظر القاطع، كما عرفته في صدر المبحث، و إنّما الممكن أن يأخذ الشارع العلم مطلقا، أو على وجه خاص في موضوع حكمه الشرعي، فكأنّ هذا الكلام نشأ عن الغفلة عن تشخيص الموضوع، الذي يمكن أخذ العلم بعنوانه الظاهر قيدا فيه، و عدم الالتفات إلى أن محطّ النظر في هذا الباب إنّما هو هدم هذا المبنى، فجعل مدّعاه من وجوه الردّ على الدليل! و لم يصل إلى عين عبارته، فيحتمل وقوع خلل في نقل مرامه، و يكون غرضه إرجاع نزاع الاخباريّين إلى ادّعاء كون العلم الخاص في موضوع الحكم المنجّز الذي يجب امتثاله- أي الحكم الفعلي- لا في موضوع وجوب الامتثال، الذي هو حكم عقلي، فيكون محط نظره ما قرّره «صاحب الفصول» في تحرير محلّ النزاع، حيث أنّه بعد أن ذكر اختلاف القائل بالتحسين و التقبيح في الملازمة بين حكمي العقل و الشرع في مقامين.
قال: «المقام الثاني: إنّ عقولنا إذا أدركت الحكم الشرعي، و جزمت به، فهل يجوز لنا اتّباعها، أو يثبت بذلك الحكم في حقّنا أو لا؟ و هذا النزاع إنّما يتصوّر إذا لم يقطع العقل بالحكم الفعليّ، بل قطع بالحكم في الجملة، بأن احتمل عنده اشتراط فعليّته باستفادته من طريق النقل، و امّا لو قطع بالتكليف الفعليّ، بأن أدركه مطلقا غير متوقّف على دلالة سمع عليه، فالشكّ في ثبوته غير معقول …» إلى أن قال:
«و لا يذهب عليك أنّ النزاع على التحرير الأخير- أي التحرير المزبور- يعمّ جميع ما يستقلّ بإدراكه العقل، ممّا يبتني على قاعدة التحسين و التقبيح و ممّا لا يبتني عليها»، انتهى.
و فيه: إنّه كيف يعقل أن يدرك للظّلم أو الكفر، أو تحصيل الأخلاق الذميمة
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 53
التي هي محرّمات عقلية، و كذا لحرمة الضدّ، أو وجوب مقدّمة الواجب، أو بطلان العبادة المنهيّ عنها، و نظائرها أحكاما شرعية مجملة، مردّدة بين مطلقها و مشروطها، حتّى يتنازع في تنجّز التكليف بها و عدمه، و على فرض تعقّله فلا نرى وجها لوجوب اتّباعه، ما لم يحرز فعليته على المكلف.
و ما يقال: من كفاية هذا المقدار من الإدراك العقلي في إثبات الفعليّة بقاعدة المقتضى.
ففيه: إنّه لو سلّم هذه القاعدة، فهو فيما لو احرز المقتضي و شكّ في المانع، لا فيما لو شكّ في كون تأثيره مشروطا بشرط كما هو واضح.
هذا، مع أنّ النزاع على هذا التقدير ليس في وجوب متابعة القطع، إذ المفروض أنّ القطع لم يتعلّق بحكم شرعيّ محقّق، بل النزاع في أنّ إحراز بعض الجهات المقتضية للحكم، يكفي في الحكم بثبوته أم لا؟ فالحقّ حينئذ مع المنكرين بلا شبهة.
هذا، مع أنّك ستسمع في عبارة المصنّف عن «صاحب الفصول» إمكان ردع المولى عبده عن العمل بقطعه، فاذا جاز ذلك، فلم لا يجوز أن يكون نزاع الإخباري في عدم جواز اتّباع قطعه العقلي، المتعلّق بالحكم الفعلي، حتّى يتكلّف في صرف النزاع الى إرادة الحكم الشأني بالمعنى المتقدّم، مع أنّ كلماتهم ناطقة بذلك، و عمدة مستندهم في ذلك ظواهر الأخبار الناهية عن اتّباع العقول في الأحكام الشرعية، فليتدبّر.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 54
[في حجّية قطع القطاع‏]
قوله قدّس سرّه: لكن ظاهر كلام من ذكره … إلخ‏ «1».
أقول: منشأ الظهور شهادة السّياق باتّحاد مورد الحكمين، و إرادة شي‏ء واحد من لفظ «عدم الاعتناء» في كلا الموردين، و من المعلوم أنّ الموارد التي يحكم بعدم اعتبار شكّ كثير الشّك فيها، كالوضوء و الصلاة مثلا، إنّما يراد بعدم الاعتناء بالشّك، عدم ترتيب آثار الشّك، و تنزيل نفسه منزلة المتيقّن بوجود المتعلّق في ترتيب أحكام المتعلّق، إذا كان وجوده نافعا في صحّة العبادة، أو بعدمه إذا كان الوجود مخلّا بها، كما لو شكّ في زيادة ركن في الصلاة، فانّه يبنى على عدمها، بمعنى أنّه يترتّب على فعله آثار صحّته الواقعية، و عدم زيادة الركن، و لا معنى لعدم اعتبار القطع في هذه الموارد، ضرورة أنّه لا يعقل أن يكلّف القاطع بأنّه لم يركع بالبناء على أنّه ركع، أو القاطع بأنّه زاد في صلاته، أو في الركوع بالبناء على عدمه، إلّا أن يراد به بعض التوجيهات التي سيشير إليها المصنّف قدّس سرّه. و الظاهر أنّ مراده عدم‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 13 سطر 19، 1/ 66.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 55
الاعتناء بقطعه الحاصل من أسباب غير متعارفة لا مطلقا، و إلّا ففساده في غاية الوضوح.
قوله قدّس سرّه: و فساده يظهر ممّا سبق … الخ‏ «1».
أقول: حاصل ما ظهر ممّا سبق، امتناع منع المولى عن العمل بعلمه، بعد فرض إناطة أحكامه بالواقع، من حيث هو و علم العبد بذلك، كما هو المفروض، حيث أنّ علمه على هذا التقدير بمنزلة المرآة آلة لملاحظة حال المتعلّق، و ليست واسطة في إثبات حكمه أو رفعه، فمتى رأى بعلمه أنّ المتعلّق حكمه كذا، لا يعقل أن يأمره المولى بعدم العمل بعلمه، بعد اعترافه بإطلاق الحكم، و كونه محمولا على الواقع من حيث هو، فانّ العبد يرى المناقضة بين أمره بذلك، و إطلاق حكمه الواقعي.
نعم، له أن يأخذ السبب الخاص في موضوع حكمه، بحيث لا يكون للواقع من حيث هو حكم، فحينئذ يصحّ منعه عن العمل بعلمه، بمعنى اظهاره له، أنّه لا حكم له في غير المعلومات بعلمه الخاص، و أنّ أوامره الواقعيّة التي أدركها العبد بعقله- لا من هذا السبب الخاصّ- أوامر صورية لا حقيقة لها، كما أنّه يعقل أن يظهر للعبد هذا المعنى، مع كون أحكامه في الواقع محمولة على ذوات موضوعاتها من حيث هي، إذا علم بخطإ علوم العبد غالبا، و كونه جهلا مركّبا في كثير من الموارد، فيجوز حينئذ أن يظهر خلاف الواقع للعبد، بأن يقول له (إنّ أوامري مقيّدة بهذا القيد، فلا تعمل في غير موارد القيد) كما هو واضح.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 14، سطر 15، 1/ 67.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 56
[في العلم الإجمالي‏]
قوله قدّس سرّه: و المتكفّل للتكلّم في المرتبة الثانية … الخ‏ «1».
أقول: وجهه أنّ المقصود بالبحث في المقام، إنّما هو في أنّ العلم الإجمالي، هل هو كالعلم التفصيلي موجب لتنجّز التكليف بالواقع المجمل أم لا؟
و أمّا أنّ هذا- أي تنجّز التكليف بالواقع على سبيل الإجمال- هل يقتضي الإتيان بجميع محتملات الواجب، و الاجتناب عن جميع محتملات الحرام، من باب المقدّمة العلمية و دفع الضرر المحتمل، أم لا يقتضي إلّا حرمة المخالفة القطعية؟ فهو أجنبيّ عمّا نحن فيه، و إن كان له نوع تعلّق بكيفيّة اعتبار العلم، و لذا جعل المصنف قدّس سرّه حرمة المخالفة القطعية، و وجوب الموافقة القطعية مرتبتين لاعتبار العلم، بلحاظ أنّ الكلام في وجوب الموافقة القطعية و عدمه، قد ينشأ من أن اعتباره هل هو على وجه لا يصلح أن يكون الجهل التفصيلي عذرا في مخالفة ما علم بالإجمال أصلا، أو أنّه ليس بهذه المثابة، بل هو عذر في الجملة؟ و لكن المقصود بالبحث في المقام، التكلّم في أصل اعتباره إجمالا، لا في كيفيّته و مقدار ما يقتضيه التأثير.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 14 سطر 22، 1/ 70.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 57
قوله قدّس سرّه: و امّا فيما لا يحتاج سقوط التكليف فيه إلى قصد الإطاعة، ففي غاية الوضوح‏ «1».
أقول: و ليعلم أوّلا: إنّ وجوب إطاعة الشارع عقليّ، و لا يعقل أن يكون شرعيا، للزوم التسلسل، فالعقل مستقل بوجوب الائتمار بما أمره الشارع، و الانتهاء عمّا نهى عنه، بأن يكون أمره باعثا على الفعل، و نهيه داعيا إلى الترك، فيجب على العبد عقلا أن يأتي بما أمر به الشارع بداعي أمره، و يترك ما نهاه عنه امتثالا لنهيه، من غير فرق في ذلك بين أن يكون ما تعلّق به الأمر أو النهي توصّليا أو تعبّديا، إلّا أنّه لمّا لم يتعلّق الغرض من الأمر التوصّلي إلّا بصرف حصول المتعلّق، و من النهي التوصّلي إلّا عدم اختياره الفعل عند الابتلاء، فمتى حصل الفعل المأمور به في الخارج بأي نحو كان، سواء كان بفعل غير المكلّف، أو بفعل المكلّف بلا داع و شعور، أو بداع آخر وراء امتثال التكليف، فقد حصل الغرض، و سقط الأمر، فانتفى موضوع وجوب الامتثال، كما لو أنّه ما لم يتحقّق دواعي ارتكاب المحرم، و لم يتهيأ أسبابه، لا يتنجّز في حقّه النهي، كي يجب عليه امتثاله، فهذا هو الفارق بين التوصّلي و التعبّدي، لا أنّه لا تجب الإطاعة في التوصّليات، كما قد يتوهّم.
و قد ظهر ممّا ذكر أنّ الإطاعة التي استقلّ العقل بوجوبها، عبارة عن إتيان المأمور به بداعي الأمر، و إن شئت قلت إنّها عبارة عن الإتيان بما تعلّقت به إرادة الشارع، على حسب ما تعلّقت به إرادته، لما سنشير إليه، من أنّ العبرة بالخروج عمّا تعلّق به الغرض من الأمر، لا بنفس الأمر من حيث هو.
و كيف كان، فحيث لم يتعلّق غرض الشارع في الواجبات التوصليّة، التي لا تتوقّف صحّتها على القصد، إلّا بإيجاد ذات المأمور به من حيث هو، فلا مجال‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 14 سطر 25، 1/ 71.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 58
للارتياب في حصول إطاعة أوامرها، بإيجاد متعلّقاتها في ضمن محتملاتها بقصد الامتثال، من غير أن يتوقّف ذلك على معرفتها بالتفصيل، بعد أن لم يتعلّق غرض الأمر بذلك، كما هو المفروض.
قوله قدّس سرّه: و امّا فيما يحتاج إلى قصد الإطاعة … الخ‏ «1».
أقول: قد عرفت فيما تقدّم أنّ الإطاعة التي يستقلّ بوجوبها العقل، ليست إلّا عبارة عن باعثيّته للأمر على الفعل المأمور به، بأن يؤتى به بداعي الأمر، فعلى هذا لا مجال للارتياب في حصول الإطاعة و سقوط الأمر في هذا القسم أيضا، إن لم يتعلّق غرض الأمر إلّا بصرف حصول المتعلّق بعنوان الإطاعة من حيث هي، من غير اعتبار قيد زائد فيها، بأن كان مقصوده الإطاعة بكيفية خاصّة، بأن كان مثلا عارفا بوجهه، جازما حال الفعل بكونه بعينه هو المأمور به، أو نحو ذلك، و إلّا فلا يتحقّق اطاعته، إلّا إذا أتى به على نحو تعلّق به غرض الآمر، فلا يكفي حينئذ مجرّد إيجاد المأمور به بداعي الأمر في تحقّق الإطاعة، كما هو واضح، فالجزم بحصول الإطاعة الموجبة لسقوط التكليف في هذا القسم من الواجب الذي نسمّيه بالواجب التعبّدي، موقوف على إحراز أنّ الشارع لم يعتبر كيفية خاصة في الإطاعة، التي اعتبرها شرطا في صحّة المأمور به، عدا ما كان يصدق عليه اسم الإطاعة، على تقدير كونه توصّليا، أي صرف عنوان الإطاعة من حيث هي، و لذا لم يدّع المصنّف قدّس سرّه البداهة في هذا القسم، كما ادّعى في القسم الأوّل، بل عبّر بقوله «فالظاهر أيضا تحقّق الإطاعة … الخ».
و كيف كان، فالأظهر حصول إطاعة الأوامر التعبّدية أيضا، بصرف حصول‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 14 سطر 25، 1/ 71.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 59
متعلّقاتها بداعي الأمر مطلقا، بل يكفي في صحّة العبادات، و سقوط التكليف بها، مجرّد حصولها للّه تعالى، لا لسائر الأغراض النفسانية، و إن لم يكن بداعي أمره، كي يصدق عليها اسم الإطاعة، بل لسائر الغايات الموجبة للقرب إليه تعالى، كتحصيل مرضاته و الإتيان بمحبوبه و نحو ذلك، إذ لا دليل على اعتبار أمر زائد على ذلك في ماهيّة العبادات، و مقتضى الأصل عدمه و براءة الذمّة عنه؛ و شرح ذلك يتوقّف على بسط المقال في تحقيق ما يقتضيه الأصل، عند دوران الواجب بين كونه تعبّديا أو توصّليا، ثمّ التكلّم في أنّه بعد أن ثبت كونه تعبّديا بواسطة أصل أو دليل، فلو شكّ في اعتبار شي‏ء زائد عن عنوان الإطاعة التي استقلّ بوجوبها العقل، كالجزم في النية، أو معرفة الوجه، فهل يجب الاحتياط أو يرجع إلى البراءة؟
فأقول مستعينا باللّه: أمّا الكلام في المقام الأوّل، فهو أنّهم اختلفوا في أنّ الأصل في الواجب كونه تعبّديا أو توصّليا على قولين، أقواهما الأخير، احتجّ للقول الأوّل بامور:
الأوّل: إنّ المتبادر من أمر المولى عبده بشي‏ء، إيجاب إيجاده، لأجل أنّه أمره، فحصول الإجزاء بمجرّد تحقّقه في الخارج لا بداعي الأمر خلاف ظاهر الأمر.
و فيه: إنّ دعوى استفادته من مدلول الخطاب فاسدة جدّا، إذ المادّة في الطلبات موضوعة لمعانيها الواقعيّة، و الطلب إنّما تعلّق بإيجادها بعناوينها المخصوصة بها، الواقعة في حيّز الطلب، أمّا كونه بعنوان الإطاعة و الامتثال فهو تقييد آخر في الواجب، لا يستفاد من المادّة و لا من الهيئة، فكيف تصح استناده إلى ظاهر الدليل، بل لا يعقل استفادته من ذلك الخطاب، لأنّ مرتبة الإطاعة متأخّرة عن الطّلب، فلا يمكن أخذها قيدا في متعلّق الطلب، كما لا يخفى.
و قد ظهر بذلك ما في عكس هذا التوهّم، من الاستدلال بإطلاق الكلام لنفي اعتبار قصد الإطاعة، و إثبات كون الأصل في الواجب كونه توصّليا.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 60
توضيح ما فيه: إنّ التمسّك بإطلاق الكلام فرع صلاحيته للتقييد، حتّى يكون ترك القيد دليلا على إرادة عدمه، و قد عرفت امتناع التقييد فلا يصحّ التمسّك بالإطلاق.
الثاني: حكم العقل بوجوب إطاعة الواجبات، التي قد عرفت أنّها عبارة عن إتيان المأمور به بداعي الأمر.
و فيه: إنّ حكم العقل بوجوب الإطاعة فرع بقاء الوجوب، و عدم سقوط الأمر بحصول ذات الواجب في الخارج، و هذا مبنيّ على كون الإطاعة من حيث هي مقصودة للآمر في أوامره، و كونها بهذه الصفة ممّا لا يدركه العقل، و إنّما يحكم بوجوبها للتوصّل إلى اسقاط التكليف بإيجاد المكلّف به، على نحو تعلّق به غرض الآمر، و لذا لو علم بحصول غرضه في الخارج و لو من غير هذا الشخص- كما في التوصّليات- لا يحكم بوجوب الإطاعة، لا لكونه تخصيصا في الحكم العقلي، أعني وجوب الإطاعة بغير التوصّليات، بل لكون حكم العقل بالوجوب مقدّميا، فيرتفع عند حصول ذي المقدّمة، و المفروض عدم دلالة الخطاب على وجوب ما عدا المادّة، و عدم نهوض دليل آخر على اعتبار عنوان الإطاعة في قوام ماهيّة الواجب الواقعي، الذي تعلّق غرض الآمر بتحقّقه في الخارج، فالأصل عدم وجوبه و اعتباره في ماهيّة الواجب، و لا نعني بالأصل أصالة الإطلاق حتّى يتوجّه علينا فساده في حدّ ذاته أوّلا- كما عرفت- و فرض إهمال الدليل ثانيا، بل المقصود اصالة براءة الذمة عن وجوب إتيان الواجب بهذا العنوان، كغيره من الشرائط و الاجزاء التي يشكّ في اعتبارها في الواجب، لأنّ المناط في جريان أصل البراءة هو الشكّ في إيجاب الشارع أمرا بكون بيانه وظيفة له، سواء كان الواجب نفسيّا أو غيريّا، على ما تقرّر في محلّه، و هذا المناط محقّق فيما نحن فيه، لأنّ تعلّق غرض الآمر في أوامره بامتثال الأوامر على نحو تكون الإطاعة و الامتثال فيها مقصودة بالذات، لا لأجل‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 61
الوصلة إلى تحصيل غرض أمر لا طريق لها إليه إلّا من قبله، فالعقاب عليه من دون بيان غرضه قبيح.
و لا ينافي هذا ما ذكرناه سابقا من عدم إمكان أخذه قيدا في الخطاب الذي دلّ على وجوب المأمور به، إذ لا تنافي بين الأمرين، فعليه بيان مقصوده من أمره بخطاب آخر، كما هو الشأن في جميع الواجبات التعبّدية، التي استكشفنا شرطية الإطاعة فيها في حصول الغرض من دليل مستقلّ كالإجماع و الضرورة.
توضيح المقام: إنّه إذا أمر المولى عبده بشراء اللحم، فربّما يتعلّق غرضه بتحصيل اللحم و إحضاره عنده ليصرفه في حوائجه، و ربّما يقصد بذلك إطاعة العبد، إمّا تمرينا أو لأغراض أخر ممّا في نفس المولى، فإن كان من هذا القبيل يجب عليه إعلامه، حتّى لا يقتصر في رفع اليد عن الأوامر بحصول متعلّقاتها في الخارج، و لو من دون قصد الإطاعة، فيقبح عقابه لو اقتصر في رفع اليد عنها بذلك معتذرا بجهله بالمقصود.
و الحاصل: إنّه كما يقبح العقاب على التكاليف إلّا بعد بيانها، كذلك يقبح العقاب على تفويت الغرض الباعث على التكليف، و لو كانت معرفته محتاجة إلى بيان زائد مغاير لبيان أصل التكاليف.
و توهّم: عدم الحاجة إلى بيان زائد فيما نحن فيه، بعد استقلال العقل بوجوب الإطاعة، مدفوع بما عرفت من أنّ حكم العقل بوجوب الإطاعة للتوصّل إلى حصول ذات المأمور به، الموجب لارتفاع الطلب، و سقوط التكليف، فلا يعقل بقائه بعد حصول الواجب في الخارج، بل و لا مع الشّك فيه، ما لم يكن أصل موضوعي يحرز به بقاء الأمر، إذ لا يعقل أن يحكم العقل بوجوب إيجاد شي‏ء بقصد الامتثال، ما لم يحرز كونه بالفعل مأمورا به.
إن قلت: لا يجوز رفع اليد عن الإطاعة التي استقلّ العقل بوجوبها، بمجرّد
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 62
احتمال سقوط الأمر، و حصول الغرض، بل لا بدّ من القطع بالفراغ، لقاعدة الشغل فما نحن فيه، من قبيل الشبهات المصداقية التي يجب فيها الاحتياط.
قلت: إن اريد بذلك إعمال القاعدة بالنسبة إلى وجوب الإطاعة، الذي هو حكم عقلي، فقد عرفت أنّ بقائه على تقدير حصول المأمور به، بل و مع الشّك فيه، الموجب للشكّ في بقاء الطلب، غير معقول ما لم يحرز موضوعه، و لو بالأصل.
و إن اريد اعمالها في متعلّقه، بدعوى أنّه متى ثبت تعلّق التكليف بشي‏ء لا يجوز رفع اليد عنه، ما لم يحصل القطع بحصول المكلّف به، على نحو تعلّق به غرض الآمر، لأنّ الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية.
ففيه: إنّه لا شكّ و لا شبهة في سقوط التكليف و ارتفاع الطلب، على تقدير انحصار غرضه من أوامره فيما يكون بيانه وافيا ببيانه، و احتمال تعلّق غرضه بما يقصر عن إفادته ما بيّنه من التكاليف، المستلزم لبقاء الأمر، مدفوع بالأصل.
إن قلت: مقتضى الأصل بقاء التكليف، و عدم سقوط الطّلب، بمجرّد حصول متعلّقه في الخارج كيفما اتّفق، فاستصحاب التكليف حاكم على قاعدة البراءة.
قلت: الشّك في بقاء التكليف، مسبّب عن الشّك في تعلّق الطلب النفس الأمري و التكليف الواقعي بما يقصر عن إفادته الخطاب الشرعي، و هو منفي بالأصل و القاعدة، فلا يبقى معهما مجال لاستصحاب التكليف، كما لا يخفى على المتأمّل.
ثمّ إنّ في المقام توهّمات أخر مقتضية لوجوب الاحتياط، لكنّها غير مختصّة بالمقام، بل لو تمّت لعمّت الاجزاء و الشرائط المشكوكة مطلقا، و تمام الكلام فيها موكول إلى محلّه، و المقصد الأهمّ في المقام إثبات عدم الفرق بين هذا الشرط و بين غيره من الشرائط المعتبرة في الواجبات التي يرجع فيها مع الشّك إلى البراءة كما نعرفه في محلّه إن شاء اللّه تعالى.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 63
و امّا الكلام فيما يقتضيه الأصل، بعد العلم بأنّه لم يتعلّق الغرض من الواجب بإيجاد متعلّقه في الخارج كيفما اتفق، بل اريد إيجاده قاصدا بفعله التقرّب و الإطاعة، فقد يقال:
متى شكّ في أنّه هل تعلّق الغرض بإيجاده بداعي الأمر مطلقا، و لو في ضمن محتملاته، أو اريد إتيانه عارفا بوجه الفعل من الوجوب و الندب، أو جازما حال الفعل بكونه بعينه هو المأمور به أو نحو ذلك، يجب الاحتياط.
و إن قلنا بالبراءة عند الشّك في شرائط الواجب و أجزائه، فإنّ هذه الامور على تقدير اعتبارها عن مقوّمات مفهوم الإطاعة، فإنّ الإطاعة عبارة عن الإتيان بالفعل على وجه يوافق غرض الآمر، لا مجرّد إيجاده بداعي الأمر، فما لم يحرز موافقة الغرض لا يعلم بحصول الإطاعة و سقوط الأمر.
و امّا حكم العقلاء، بحصول الإطاعة بمجرّد إتيان المأمور به بداعي الأمر في أوامرهم العرفية، فإنّما هو لأجل معلوميّة الغرض عندهم غالبا في تلك الموارد، و إلّا فلو علم في مورد أنّ غرض المولى من الأمر شي‏ء آخر وراء نفس المأمور به، و لا يعلم بحصوله، لا يحكمون بحصول الإطاعة بمجرّد إيجاد المأمور به بداعي الأمر.
هذا، مع أنّه يكفي الشّك في كون الإطاعة التي اعتبرت قيدا في الواجبات التعبّدية- أي شرطا لصحّتها- عبارة عن موافقة الغرض، لا مجرّد الإتيان بداعي الأمر في وجوب الاحتياط، لأنّ الشّك فيه شكّ في المكلّف به لا في التكليف، كما يشير إليه المصنّف قدّس سرّه في ذيل العبارة.
و لا يخفى عليك أنّه إن تمّ ما ذكر، فمقتضاه كون الأصل في الواجبات التعبّدية.
و كيف كان، فيتوجّه عليه أوّلا: ما تقدّمت الإشارة إليه مرارا من أنّ الإطاعة ليست إلّا عبارة عن إتيان المأمور به بداعي الأمر، و التشكيك في حصول الإطاعة- بعد فرض إتيان المأمور به امام الأجزاء و الشرائط، بقصد الامتثال و الخروج عن‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 64
عهدة التكليف- من قبيل التشكيك في الضروريّات.
و ثانيا: إنّ الإطاعة و المعصية من الموضوعات التي يستفاد حكمها من العقل، كما عرفته مفصّلا، فلا بدّ من أن يؤخذ الموضوع من نفس الحاكم، و لا معنى للرجوع إلى غيره في تشخيص موضوعه، فكلّ من يحكم عقله بوجوب الإطاعة، يجب أن يكون موضوع حكمه مشروحا لديه، متصوّرا بجميع خصوصياته التي لها مدخلية في تعلّق الحكم، فلا يعقل الإجمال و الترديد في نفس الموضوع، حتّى يقال إنّ احتمال كون معنى الإطاعة كذا كاف في وجوب الاحتياط.
نعم قد يشكّ في حصولها لا لإجمال المفهوم، بل لوجود المصداق في الخارج.
إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ العقل يحكم بلزوم إيجاد العبد الفعل الذي ألزمه المولى بفعله بداعي الزامه، بشرط علم العبد بالزامه لا بدونه، لأنّ العلم بالحكم مأخوذ في موضوع حكم العقل عقلا، و هذا الإيجاد الخاص اسمه الإطاعة عرفا، و حكمه الوجوب عقلا، و لا يعقل التصرّف في هذا الحكم العقلي أصلا، و لا في موضوعه أبدا، لا من الشارع و لا من غيره، فكلّما يفرض قيد للإطاعة كمعرفة الوجه تفصيلا، و الجزم في النيّة، أو غيرها ممّا يحتمل اعتباره شرعا أو عرفا، لا بدّ و أن يرجع لدى التحليل إلى تقييد الفعل الواجب، إذ لا يحكم العقل إلّا بوجوب إيجاد ما بداعي طلبه، بل لا نتعقل بقاء الوجوب بعد إيجاد الواجب، على النحو الذي أوجبه، بداعي وجوبه، فهذه الكيفيات إن كانت ممّا أوجبها بتصريحه، أو بشهادة العرف أو العقل عليها يجب تحصيلها، و إلّا فلا كغيرها من الشرائط و الاجزاء المعتبرة في الواجبات، و مرجع الشّك في الجميع إلى الشّك في أصل التكليف، و المرجع فيه البراءة، كما يأتي تحقيقه في مبحث أصل البراءة إن شاء اللّه تعالى.
و عدم إمكان أخذ هذه الكيفيات قيدا للمأمور به صورة، لا يصلح فارقا بين الموارد، بعد ما أشرنا إليه من أنّها على تقدير اعتبارها من قيود الواجب الواقعي‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 65
و المحبوب النفس الأمري، كعنوان الإطاعة المأخوذة قيدا في الواجبات التعبّدية، و قد عرفت أنّ المرجع عند الشّك في اعتبار الإطاعة قيدا في الواجبات- أي كونها تعبّدية- البراءة مع أنّ وجوبها عقليّ، و اعتبارها قيدا في التعبّديات شرعي، فكيف في مثل هذه التفاصيل التي لا وجوب لها عقلا!، فشرطيّتها على تقدير تحقّقها منتزعة عن الإيجاب الشرعي، كغيرها من الشرائط.
و الحاصل: إنّه كلّما يشكّ في اعتباره قيدا للواجب الواقعي، و المحبوب النفس الأمري، سواء أمكن أخذه قيدا للمأمور به في العبادة أم لا، يرجع فيه إلى البراءة.
نعم، لو علم تعلّق غرضه بشي‏ء ممّا يوجد مع المأمور به أحيانا، أو بإتيانه بكيفيّة خاصّة، يجب إحرازه، و القطع بحصوله جزما، لأنّ عنوان الواجب الواقعي على هذا التقدير ما يحصل به الغرض المعلوم لا المأمور به، لأنّ الموضوع في حكم العقل بوجوب الإطاعة، ما علم محبوبيّته للمولى، و أنّه لا يرضى بتركه سواء و في ببيانه لفظه أم لا، و المدار في ذلك على العلم بذلك لا على الشّك، لما ذكرنا من أنّ العلم معتبر في موضوع حكم العقل بوجوب الإطاعة، فلو شكّ في تعلّق غرضه بشي‏ء ممّا يمكن انفكاكه عن المأمور به، لا يلتفت إليه أصلا، و لا يجب القطع بحصوله جزما، لأنّ إظهار ما في ضميره، و التكليف بما يفي بتمام غرضه، من وظيفته، و العقاب على ما تعلّق به غرضه، من دون بيانه للعبد و علم العبد به قبيح.
و ممّا ذكرنا ظهر ما في تقريب الاستدلال من المغالظة، لظهور الفرق بين العلم بتعلّق غرضه بشي‏ء غير حاصل و احتماله، و ما نحن فيه من الثاني لا الأوّل، و قد عرفت أنّه يجب الاحتياط في الأوّل من دون الثاني.
و امّا ما ذكر من أنّ مقاصد العقلاء في أوامرهم غالبا معلومة، و أنّهم لا يرتابون في حصولها بوجود المأمور به، و لذا يحكمون بحصول الإطاعة في أوامرهم العرفيّة، بمجرّد إيجاد المأمور به بداعي الأمر.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 66
ففيه منع ظاهر، إذ كثيرا ما يشتبه على العبد أغراض مواليهم، مع أنّهم غير ملتزمين بالاحتياط فيما يحتملون تعلّق غرض المولى بحصوله، بل لا يلتفتون إلى ذلك، لما هو المغروس في أذهانهم من كفاية إيجاد المأمور به بداعي الأمر، في سقوط التكليف و حصول الامتثال.
إن قلت: تعلّق غرض الشارع في العبادات بما عدا وجود المأمور به، من حيث هو معلوم، و حصول غرضه بمجرّد إتيان المأمور به، بداعي الأمر مجرّدا عن التفاصيل المحتمل اعتبارها غير معلوم، فيجب الاحتياط.
قلت: تعلّق غرضه فيها بإيجادها بعنوان الإطاعة التي قد عرفت أنّها عبارة عن إيجاد المأمور بداعي الأمر معلوم، و قد حصل بالفرض، و تعلّق غرضه بشي‏ء آخر غير معلوم، و الأصل ينفيه.
و ربّما يستدلّ لعدم جواز الاحتياط بالتكرار، بتعذّر قصد التقرّب في كلّ من المحتملين، و القدر المشترك بينهما ليس أمرا ثالثا حتّى ينوي به التقرّب.
و فيه: مع أنّ مقتضاه عدم مشروعية الاحتياط، حتّى مع تعذّر المعرفة التفصيلية، مع أنّه واضح الفساد، أنّه لا شبهة في تحقّق ذات المأمور به في ضمن محتملاته، و انبعاثه عن داعي الامتثال، فكيف لا يكون مقصودا به التقرّب، و يأتي مزيد توضيح لكيفية قصد التقرّب في عبارة المصنّف قدّس سرّه في طيّ مقدّمات دليل الانسداد، و يتلوه في الضعف الاستشهاد له بمخالفته لسيرة المتشرعة و الاجماع، ضرورة عدم كاشفية السيرة في التروك بعد تسليمها عن عدم الجواز.
و امّا الإجماع، فعلى تقدير تحقّقه، فمنشؤه على الظاهر التزامهم باعتبار قصد الوجه في تحقّق الإطاعة، و قد بيّنا خلافه، و ربّما يستشهد له الظاهر بأنّ من أتى بصلوات كثيرة، كأن صلّى عشرين صلاة عند اشتباه القبلة في الجهات الأربع، و ثوبه الطاهر في خمسة أثواب، مع تمكّنه من المعرفة التفصيلية، يعدّ في العرف لاعبا لاهيا
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 67
بأمر المولى، و الفرق بين الصلاتين و الصلوات الكثيرة ممّا لا يرجع إلى محصّل.
و فيه ما لا يخفى، فانّه إنّما يعدّ لاعبا لاهيا إذا كان غرضه الاستهزاء بالأمر، و امّا إذا لم يقصد به إلّا الامتثال، و كان الباعث على التكرار غرض عقلائي ككونه أسهل من تحصيل المعرفة التفصيلية، فلا يعدّ إلّا عبدا مطيعا شديد الاعتناء بأمر مولاه، بل ربّما يعدّ بترك التكرار و السّعي في تحصيل الجزم في مثل الفرض لاعبا لاهيا، أ لا ترى أنّه لو كلّفه المولى بأن يسلّم على شخص و غاب المولى، ثمّ تردّد ذلك الشخص بين شخصين حاضرين عند العبد، فتكلّف العبد في الحضور عند المولى لتحصيل الجزم بالنية يعدّ لاعبا، و كذا لو أمره بإعطاء درهم عليه، فتردّد بين شخصين، فصرف العبد درهمين في طريق تحصيل الجزم يعدّ سفهيا كما هو واضح، و إن أردت مزيد توضيح لما يتعلّق بكيفيّة الإطاعة، فعليك بمراجعة ما حقّقناه في نيّة الوضوء في كتابنا المسمّى ب «مصباح الفقيه»، فانّ ما أردناه في المقام شطر ممّا سطرناه في ذلك المبحث، فتبصّر.
قوله قدّس سرّه: فيكفي في عدم جواز الاحتياط بالتكرار، احتمال عدم جوازه‏ «1».
أقول: يعني يمتنع حصول الاحتياط بذلك، حيث أنّ مقتضى الاحتياط، الأخذ بما يحصل معه القطع بالفراغ كما لا يخفى.
قوله قدّس سرّه: مع إمكان أن يقال … الخ‏ «2».
أقول: هذا أحد الوجوه التي يستدلّ بها للقول بوجوب الاحتياط، في مسألة
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 15 سطر 22، 1/ 73.
(2)- فرائد الأصول: ص 16 سطر 13، 1/ 75.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 68
الشّك في الشرطية و الجزئية، بل أقواها، و يظهر ضعفه ممّا حقّقه المصنّف في ذلك المبحث، كما أنّه ظهر ذلك بما حقّقناه آنفا من أنّ المرجع فيما زاد على القدر المتيقّن البراءة.
قوله قدّس سرّه: بل لا يجوز «1».
أقول: أي بالنظر إلى الوجه الذي أشار إليه بقوله «مع إنكار …» إلخ.
قوله قدّس سرّه: في جميع موارد إرادة التكرار «1».
أقول: يعني في جميع الموارد التي تعلّق غرض المكلّف بتحصيل الواقع، على ما هو عليه، لإدراك مصلحته الواقعية، و إن لم يجب عليه ذلك بمقتضى تكليفه الظاهري، بعد أن اخرج عن عهدته بسلوك طريق معتبر.
قوله قدّس سرّه: بتحصيل الواقع أولا … الخ‏ «1».
أقول: ظاهره لزوم تقديم المظنون في مقام العمل، و سرّه أنّه لو أتى بالموهوم أوّلا من باب الاحتياط، فقد أتى به حال تمكّنه من الخروج عن عهدة الواجب، لو أتى بما يجزم بكونه هو ذلك الواجب، بحسب ما يقتضيه تكليفه في مرحلة الظاهر، و هو خلاف الاحتياط، و هذا بخلاف ما لو أخّره عن المظنون الذي يجب عليه في الظاهر بظنّه المعتبر، حيث أنّه لم يحتط حينئذ بفعل الموهوم، إلّا بعد أن تعذّر عليه الامتثال الجزمي.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 16 سطر 16، 1/ 75.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 69
و يمكن أن يقال: إنّ تقديم الموهوم مخلّ بالجزم بالوجوب حال الإتيان بما هو واجب عليه في الظاهر، لاحتمال كون الموهوم واجبا في الواقع، فلا يقطع بتوجّه الأمر عليه حال الإتيان بالمظنون، و هذا بخلاف ما لو قدّم المظنون، فانّه جازم حال إتيانه بتنجّز الواجب عليه، و كونه في مقام امتثال الواجب الواقعي، فليتدبّر.
قوله قدّس سرّه: عدا السيّد أبي المكارم في ظاهر كلامه‏ «1».
أقول: قال السيّد في محكي «الغنية»:
و «تعلّق من ذهب إلى أنّ مطلقه يقتضي الوجوب، بذمّ العقلاء العبد على مخالفة مولاه باطل».
إلى أن قال: «و تعلّقهم بأنّ الأمر إذا احتمل الإيجاب و الندب، وجب حمله على الإيجاب، لأنّه أعمّ فائدة و أحوط في الدّين، ظاهر الفساد».
إلى أن قال: «و قولهم إنّ ذلك أحوط في الدين غير صحيح، بل هو ضدّ الاحتياط، لأنّه يؤدّي إلى أفعال قبيحة، منها اعتقاد وجوب الفعل، و منها العزف على ادائه على هذا الوجه، و منها اعتقاد قبح تركه، و ربّما كرّه هذا الترك، و كلّ ذلك قبيح، لأنّ من أقدم عليه يجوّز قبحه لتجويز كون المأمور به غير واجب، و الاقدام على ما لا يؤمن قبحه في القبح، كالاقدام على ما يقطع على ذلك» انتهى.
و في ظهور كلامه في ما ذكره المصنّف قدّس سرّه نظر، فانّ غرضه بحسب الظاهر ليس إلّا إبطال الاستدلال بالاحتياط، للقول بأنّ الأمر للوجوب ببيان مفاسده التي ملخّصها التدين و القول على اللّه بغير علم، و هو ضدّ الاحتياط كما هو واضح، لا أنّ الاحتياط في المأمور به من حيث هو مستلزم لهذه المفاسد، كي يظهر منه نفي‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 16 سطر 23، 1/ 76.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 70
مشروعية الاحتياط رأسا، فليتدبّر.
قوله قدّس سرّه: و سيأتي ذكره عند الكلام على الاحتياط «1».
أقول: الظاهر أنّه قدّس سرّه لم يتعرّض لكلام السيّد قدّس سرّه في طيّ مقدّمات دليل الانسداد، و يمكن أن يكون مقصوده ذكر عدم اعتبارية الوجه في مقام الاحتياط، لا ذكر كلام السيّد.
قوله قدّس سرّه: دفعة أو تدريجا «2».
أقول: ارتكاب كلا طرفي الشبهة دفعة، امّا بفعل واحد، كما إذا جمعهما في لقمة واحدة، أو جعلهما ثمنا في بيع واحد، فهو على هذا التقدير بنفسه مخالفة للعلم التفصيلي، أو بفعلين في زمان واحد، كما إذا شرب أحد الإناءين، و أراق الآخر في المسجد مثلا، فانّه يعلم إجمالا بأنّ أحد الفعلين محرّم عليه، فلو سجد في ذلك المكان يتولّد من علمه الإجمالي علم تفصيلي ببطلان صلاته، إمّا لنجاسة مسجده أو بدنه، و القائل بجواز ارتكابهما دفعة بحسب الظاهر لا يقول إلّا في الفرض الأخير، و امّا الأوّل فممّا لا يظنّ بأحد الالتزام به لكونه بديهي الفساد، و اللّه العالم.
قوله قدّس سرّه: كما لو اشترى بالمشتبهين … الخ‏ «3».
أقول: هذا فيما إذا تعدّد البيع، و إلّا فهو بنفسه مخالفة تفضيلية.
اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ البيع في حدّ ذاته لا يعدّ مخالفة، و أنّ المخالفة تحصل‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 16 سطر 24، 1/ 76.
(2)- فرائد الأصول: ص 17 سطر 22، 1/ 80.
(3)- فرائد الأصول: ص 17 سطر 23، 1/ 80.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 71
بالتصرّفات المترتّبة على البيع، و هو لا يخلو من وجه.
قوله قدّس سرّه: فنقول مخالفة الحكم المعلوم بالاجمال يتصوّر على وجهين … الخ‏ «1».
أقول: يعني مخالفته من حيث كونه معلوما، أي مخالفة العلم الإجمالي، و إلّا فمخالفة نفس الحكم من حيث هو عملية لا محالة.
و كيف كان، فنقول في توضيح المقام إنّ العلم الإجمالي امّا أن يكون على تقدير اعتباره و كونه كالتفصيلي، مؤثّرا في توجيه خطاب منجز بفعل شي‏ء أو تركه في مقام العمل أم لا؟
فالأوّل: كما لو تردّد الواجب أو الحرام بين أمرين أو امور يمكن الاحتياط فيها، أو دار الأمر بين وجوب شي‏ء و حرمة شي‏ء آخر، و بين وجوب شي‏ء في وقت و حرمته في وقت آخر، إلى غير ذلك من موارد الشّك في المكلّف به، مع العلم بنوع التكليف أو جنسه مع إمكان الاحتياط فيه.
و أمّا أن لا يكون له أثر في مقام العمل، كما لو علم إجمالا بارتفاع نجاسة أحد الإنائين الذين يعلم نجاستهما بالتفصيل، فانّ علمه الإجمالي في الفرض لا يؤثر في حقّه تكليفا منجزا، لأنّ أثر معلومه بالإجمال ليس إلّا جواز الارتكاب، فلا يتحقّق بالنسبة إليه إطاعة أو معصية في مقام العمل، و مثل ما لو توضّأ غفلة بمائع مردّد بين الماء و البول، فانّه يعلم إجمالا إمّا بنجاسة بدنه أو ارتفاع حدثه، إلّا أنّه ليس لعلمه الإجمالي أثر أصلا، ضرورة أنّه لا يجوز الاقتصار على احتمال رفع الحدث في مقام امتثال الأمر بالصّلاة، كما أنّه لا يجب عليه غسل ثوبه بمجرّد احتمال ملاقاته للنجس،
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 19 سطر 1، 1/ 83.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 72
و ليس للقدر المشترك بين الأمرين أثر شرعي حتّى يرتّبه على ما علمه بالإجمال.
و مثل ما لو دار الأمر بين وجوب شي‏ء أو حرمته، و كان الحكم المعلوم بالإجمال توصّليا على كلّ تقدير، دون ما لو كان تعبّديا مطلقا، أو على تقدير وجوبه دون الحرمة و بالعكس، فانّه يندرج حينئذ في القسم الأوّل، لأنّه يتولّد من علمه الإجمالي علم تفصيلي بعدم جواز إيجاده أو تركه في الخارج لا بقصد القربة، لكون كلّ منهما مخالفة تفصيلية للمعلوم بالإجمال، على تقدير كون المعلوم بالإجمال تعبّديا على كلّ تقدير، و لو كان تعبّديا على تقدير وجوبه يعلم بكون إيجاده لا بقصد القربة مخالفة تفصيلية للمعلوم بالإجمال، و لو كان تعبّديا على تقدير حرمته- أي وجوب تركه- بكون تركه لا بقصد الوجوب معلوم الحرمة، فقول المصنّف قدّس سرّه «مع عدم كون أحدهما المعيّن تعبّديا» بيان للفرد الخفيّ، و تقييده بالمعيّن للبيّنة على أنّ العلم بكون أحدهما على سبيل الترديد تعبّديا ممّا لا يرجع إلى محصّل، فانّه و إن أمكن تصويره فيما لو صدر من الشارع تكاليف واجبة و تكاليف محرّمة، و علم بكون أحد القسمين بأسره تعبّديا، و الآخر توصّليا على سبيل الإجمال، ثمّ علم إجمالا مثلا أنّ لبث الجنب المعتكف في المسجد مندرج في موضوع أحد القسمين، من تلك التكاليف المعلوم كون أحدهما لا بعينه تعبّديا، لكن هذا مرجعه إلى [أنّ‏] مجرّد احتمال كون الحكم المعلوم بالإجمال تعبّديا، احتمالا ناشئا من العلم بصدور بعض أحكام شرعية تعبّدية، يحتمل كون ذلك الحكم من جملتها، فلا ربط له بما نحن فيه، من أنّه هل يجوز مخالفة العلم الإجمالي في مقام العمل أو الالتزام أو لا يجوز؟ كما هو واضح.
ثمّ إنّ الكلام في أنّ العلم الإجمالي كالتفصيلي في تنجيز الواقع، و عدم جواز مخالفته، يقع تارة في القسم الأوّل، أعني ما كان لعلمه الإجمالي على تقدير اعتباره أثر عملي، و اخرى فيما لا أثر له في مقام العمل:
أمّا القسم الأوّل: فسيأتي الكلام في تحقيقه.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 73
و امّا الكلام في القسم الثاني: فحيث أنّ المفروض أنّه لا مخالفة له من حيث العمل، فمرجعه إلى أنّ الالتزام بحكم اللّه الواقعي على ما هو عليه في حدّ ذاته واجب في مرحلة الظاهر، فلا يجوز مخالفة المعلوم بالإجمال، و الرجوع إلى الاصول الجارية في أطراف العلم الإجمالي، أم لا؟
فإن جوّزنا ذلك، و قلنا إنّ العلم الإجمالي الذي لا أثر له بمنزلة العدم، فنقول في الإناءين المشتبهين الذين علم سبق نجاستهما، أنّ حكم اللّه الظاهري في مقام العمل نجاستهما للاستصحاب، و كذا في مسألة التوضّي بالماء المشتبه، بقاء الحدث و طهارة البدن، لأجل الاستصحاب، و في مسألة دوران الأمر بين المحذورين، الإباحة و براءة الذمّة عن كلّ واحد من التكليفين.
و هذا بخلاف ما لو قلنا بأنّ الالتزام بالحكم الواقعي الذي تعلّق به العلم واجبة، فانّه لا يجوز على هذا التقدير الرجوع إلى الاصول المذكورة، أعني الحكم بنجاسة الإناءين، أو ببقاء الحدث، و طهارة البدن، أو الاباحة في مسألة دوران الأمر بين المحذورين، كما لا يخفى.
بقى في المقام شي‏ء؛ و هو إنّا و لو قلنا بأنّه لا أثر للعلم الإجمالي في مثل العوض من حيث التكليف، إلّا أنّ وجوده مانع عن اجراء الاصول المذكورة في موارد العلم الإجمالي، لما سينتج تحقيقه فيما بعد من أنّ العلم الإجمالي كالتفصيلي رافع لموضوع الأصل.
نعم، لو قلنا بأنّ المانع عن اجراء الاصول في أطراف العلم الإجمالي معارضة الاصول، و استلزام العمل بكلّ منهما الترخيص في معصية الحكم المعلوم بالإجمال، لاتّجه ما ذكرنا، إلّا أنّه في معرض المناقشة بل التحقيق، كما سيوضّحه المصنّف قدّس سرّه، أنّ أدلّة الاصول قاصرة عن شمول أطراف العلم، فعلى هذا لا بدّ في الموارد المذكورة من الرجوع الى القواعد، في كلّ مورد بحسبه، لا إلى الاصول المذكورة. و لا ينافي ذلك ما
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 74
تسمعه إن شاء اللّه تعالى في باب الشبهة المحصورة، من أنّ العلم الإجمالي الغير المؤثر في تنجّز التكليف، بالاجتناب عن الحرام المشتبه بواسطة خروج بعض أطراف الشبهة عن مورد الابتلاء، أو كونه مورد التكليف فعلي منجزا و نحو ذلك، غير مانع عن اجراء الاصول في أطراف الشبهة، لما ستعرف في محلّه من أنّ الأصل في تلك الموارد لا يجري إلّا في بعض الأطراف، فلا يكون العلم الإجمالي مانعا عنه، لأنّ العلم الإجمالي إنّما يمنع عن اجراء الاصول المنافية له، لا الأصل الجاري في بعض أطراف العلم، السّالم عن معارضته بجريانه في الآخر، كما هو واضح.
ثمّ لو سلّم أنّ المانع عن اجراء الاصول إنّما هو مخالفة الحكم المعلوم بالإجمال في مقام العمل، يتوجّه على ما تقدّم كلام آخر، و هو أنّ الرجوع إلى الأصل إنّما يصحّ فيما لو كان للأصل أثر عملي، إذ لا معنى لاجراء الأصل إلّا ترتيب الأثر في مرحلة الظاهر، و هذا إنّما يعقل فيما لو كان له أثر قابل لأن يترتّب عليه، و هذا إنّما يتمّ في مثل استصحاب نجاسة الإناءين، و كذا مسألة التوضّي بالماء المشتبه، فانّ أثر الاستصحاب في الإناءين وجوب الاجتناب عنهما، و كذا في المثال الثاني أثره عدم وجوب غسل الثوب، و عدم الدخول في الصلاة، و لا ينافي ذلك ثبوت هذه الأحكام بقواعد أخر لو لا الاستصحاب، كقاعدة الاحتياط، و أصالة الطهارة، أمّا الرجوع إلى سائر الاصول موقوف على عدم جريان الاستصحاب كما سيتّضح في محلّه.
و أمّا دوران الأمر بين المحذورين فلا، إذ لا معنى للرجوع إلى أصل الإباحة فيه، مع كونه مضطرّ إلى الفعل أو الترك، و أدلّة أصل الإباحة إنّما يعمّ الموارد التي يمكن نهي الشارع عنها، لأنّ الاباحة التي هي عبارة اخرى عن الرّخصة فرع أن يكون للرّخصة تأثير في الجواز، و هو في غير مثل الفرض، لأنّ جواز الارتكاب ضروري الثبوت له، بنفس الترديد و الاشتباه، بعد فرض دوران الأمر بين المحذورين، و عدم المرجّح بنظر العقل- كما هو المفروض- لا بترخيص الشارع.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 75
اللهمّ إلّا أن يقال، إنّ هذا إنّما هو بعد الالتفات إلى العلم الإجمالي، و فرض كون الأمر دائرا بين المحذورين، و المفروض أنّ هذا العلم كعدمه غير مانع عن ملاحظة كون الشي‏ء من حيث هو مشكوك الوجوب و الحرمة، فبهذه الملاحظة يندرج في موضوع العمومات الدالّة على حليّة كلّ شي‏ء لم يعلم حرمته أو وجوبه.
لكن لقائل أن يقول: إنّ اندراجه في موضوع أدلّة الحلية الظاهرية، موقوف على احتمال إباحته في الواقع، لأنّ الأحكام الظاهرية مجعولة للشّاك، فكيف يندرج في موضوع عمومات الحلّ، الشي‏ء الذي لا شكّ في عدم حلّيته؟
و دعوى أنّ ما جعل غاية للحكم بالإباحة و الحلّية الظاهرية في أدلّتها، إنّما هو العلم بحرمة ما يشكّ في حرمته، أو وجوب ما يشكّ في وجوبه، فكلّ شي‏ء لم يعلم بحرمته و لا بوجوبه هو مندرج في موضوع أصل الاباحة، سواء علم بعدم إباحته في الواقع أم لا.
ضعيفة جدّا، ضرورة أنّ المقصود بقوله: «كلّ شي‏ء لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام» و نظائره ليس إلّا الرخصة في ارتكاب ما يشكّ في حلّيته و حرمته، لا مطلق ما لم يعلم حرمته، حتّى يعمّ مثل الفرض الذي علم بأنّه ليس بحلال، و يأتي في مبحث الاستصحاب عند التكلّم في أصالة عدم التذكية مزيد توضيح لذلك إن شاء اللّه تعالى.
قوله قدّس سرّه: فإنّ المخالفة في المثالين … إلخ‏ «1».
أقول: يعني أنّه ليس للعلم الإجمالي في الفرض مخالفة عملية، لأنّ غاية ما يقتضيه العلم في مثل المقام الموافقة الاحتمالية، و هي حاصلة قهرا على كلّ تقدير.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 19 سطر 4، 1/ 84.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 76
قوله قدّس سرّه: لمن توضّأ غفلة … الخ‏ «1».
أقول: التقييد بالغفلة لأن يتأتى منه قصد التقرّب.
قوله قدّس سرّه: نعم صرّح غير واحد من المعاصرين … الخ‏ «2».
أقول: مقتضى إطلاق القول المحكيّ عنهم جواز العمل بالأصلين المتنافيين، و لو مع استلزامه طرح قول المعصوم من حيث العمل، كما لو اختلفت الأمّة في كفّارة النذر مثلا بين وجوب العتق مثلا أو وجوب الصوم، كذلك حيث يعلم إجمالا أنّ أصالة عدم وجوب العتق، و عدم وجوب الصوم أحدهما مخالف للواقع، فإذا جاز العمل بكليهما، جازت مخالفة الحكم المعلوم بالإجمال من حيث العمل.
قوله قدّس سرّه: لكن هذا المقدار من الفرق غير مجد «3».
أقول: يعني أنّه و إن أثّر في بطلان القياس، إلّا أنّه لا يؤثّر في عدم جواز العمل بالأصلين، لأنّ مناط الجواز و عدمه لزوم المخالفة العملية و عدمه، سواء كانت في الشّبهة الموضوعية أو الحكمية، فالمانع عن الرجوع إلى الاصول مخالفة الشارع من حيث العمل، من دون فرق بين المقامين.
قوله قدّس سرّه: فانّ ظاهر كلام الشيخ قدّس سرّه … الخ‏ «4».
أقول: الاستشهاد بكلام الشيخ قدّس سرّه لجواز طرح قول الإمام عليه السّلام من حيث‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 19 سطر 9، 1/ 84.
(2)- فرائد الأصول: ص 20 سطر 15، 1/ 89.
(3)- فرائد الأصول: ص 20 سطر 22، 1/ 90. و في الأصل: لكن هذا الفرق غير مجد.
(4)- فرائد الأصول: ص 21 سطر 2، 1/ 90.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 77
الالتزام لا يخلو من نظر، حيث أنّ الشيخ قدّس سرّه ذهب إلى هذا القول فرارا من طرح قول الحجّة، و جعل لزوم الطّرح دليلا على بطلان القول بالتساقط و الرجوع إلى الأصل، و لذا اعترض عليه المحقّق قدّس سرّه و غيره، بأنّ في التخيير أيضا طرح قول الحجّة.
و الظاهر أنّ مراد الشيخ قدّس سرّه أنّ اختلاف الأمّة على قولين، مع عدم دليل معتبر في المسألة دليل على أنّ الحكم الواقعي فيها التخيير، بمعنى جواز الفعل و الترك، و لا يجب على الإمام عليه السّلام ردع الأمّة عن اعتقادهم في مثل الفرض، حيث لا يترتّب عليه مخالفة الشارع، فكلّ من القولين في الجملة موافق لقول الإمام عليه السّلام، فلا يجوز طرحهما رأسا و الرجوع إلى الاصول العمليّة.
و يدلّ على أنّ مراده ما ذكرناه، ما فرّعه على مذهبه من عدم جواز انعقاد الاجماع على أحد القولين في الفرض، معلّلا باستلزامه أن لا يكون الحكم الواقعي التخيير، و قد تبيّن خلافه.
قوله قدّس سرّه: و امّا المخالفة تدريجا … الخ‏ «1».
أقول: يعني جواز المخالفة القطعيّة- على تقدير الرجوع إلى أصل الإباحة- لازم قطعا، و هو ينافي حكم العقل بقبح المخالفة عن قصد و علم، فلا يعقل أن يكون حكمها الجواز، و امّا نفس المخالفة القطعية فغير لازمة قطعا، ضرورة إمكان اختيار الترك في كلّ واقعة أو الفعل كذلك.
قوله قدّس سرّه: فتأمّل‏ «2».
[أقول‏]: لعلّه إشارة إلى أنّ أصل الإباحة، على تقدير القول بجريانه مع العلم‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 21 سطر 6، 1/ 91.
(2)- فرائد الأصول: ص 21 سطر 14، 1/ 92.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 78
الإجمالي في خصوص كلّ واقعة، فهو حكم ظاهري بالنسبة إلى كلّ واقعة، كالتخيير الشرعي أو التقليد.
و إن قلنا إنّ العلم الإجمالي مانع عن اجراء الأصل، فلا فرق بين أصل الإباحة و غيره من الأحكام التعبّدية.
قوله قدّس سرّه: و امّا المخالفة العملية … الخ‏ «1».
أقول: الأقوى تبعا للمصنّف قدّس سرّه، عدم جواز المخالفة القطعيّة للحكم المعلوم بالإجمال مطلقا، من دون فرق بين أن تكون المخالفة لخطاب تفصيلي، أو إجمالي في الشبهة الموضوعيّة أو الحكميّة، لأنّ الأحكام الشرعيّة محمولة على الموضوعات الواقعيّة، من دون اشتراطها بعلم المكلّف أو جهله بالأحكام أو بموضوعاتها، لعدم معقوليّة الأوّل، أعني اشتراط التكاليف الواقعيّة بعلم المكلّف بها أو جهله. و امّا اشتراطها بالعلم بموضوعاتها، و إن كان معقولا، إلّا أنّه خلاف الفرض، لما عرفت من أنّ الكلام في المقام إنّما هو فيما إذا علم إجمالا بثبوت حكم لم يكن العلم مأخوذا في موضوعه.
و حينئذ نقول: ثبوت الأحكام الشرعية في الواقع مقتض لوجوب امتثالها، و الذي يصلح أن يكون مانعا عن تنجيزها، بمعنى كون المكلّف معذورا في ترك امتثالها، ليس إلّا جهل المكلّف، و هو مع وجود العلم الإجمالي لا يصلح للمانعية لا عقلا و لا نقلا.
امّا عقلا: فلعدم استقلال العقل بقبح عقاب الجاهل، مع علمه الإجمالي بالتكليف، و تمكّنه من الامتثال، بل النقل مستقل بعدمه، إذ لا فرق بنظر العقل في قبح‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 21 سطر 15، 1/ 93.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 79
مخالفة المولى بين أن يعرف حكمه بالإجمال أو مفصّلا.
و امّا نقلا: فلعدم الدليل عليه على تقدير جوازه، و عدم مخالفته للعقل المستقل، و يأتي توضيحه في الشبهة المحصورة إن شاء اللّه.
و لو منعنا كون العلم الإجمالي كالتفصيلي موجبا لتنجّز الأحكام الواقعيّة، و قلنا إنّ الجهل التفصيلي بالحكم الواقعي عذر عقلي أو شرعي، فالمتّجه جواز المخالفة القطعية مطلقا في جميع الصور.
و أمّا القول بالتفصيل بين مخالفة الخطابات التفصيلية و الاجماليّة، ففي غاية الضعف، خصوصا فيما إذا كان الحكم المشتبه في موضوعين متّحدا بالنوع، كما لا يخفى.
ثمّ، إنّا لو قلنا بهذا التفصيل، فلا يتوجّه عليه النقض، بما لو تولّد من الخطابات الإجمالية علم تفصيلي بحرمة شي‏ء أو وجوبه، في الشبهات الموضوعية أو الحكميّة، كما لو تردّد مائع معيّن بين كونه بولا أو خمرا، أو علم إجمالا بوجوب إكرام العالم أو العادل، فتصادق العنوانان على فرد، مع أنّ البديهة تشهد بعدم جواز المخالفة في مثل الفرض، ضرورة أنّ المقصود بالخطاب التفصيلي- الذي يلتزم هذا القائل بحرمة مخالفته- أعمّ من أن يكون بدليل سمعيّ أو عقليّ، فلا عبرة بإجمال الخطاب السمعي المتوجّه إلى المكلّف، بعد أن استنتج منه بحكم عقليّ حرمة هذا الشي‏ء، فيعلم تفصيلا بأنّ الشارع نهاه عن هذا الشي‏ء، إلّا أنّه لا يعلم وجه حرمته، و لا مدخلية لمعرفة وجه الوجوب أو الحرمة في وجوب الامتثال، كما هو واضح.
قوله قدّس سرّه: المخالف لقول الشارع اجتنب عن النجس‏ «1».
أقول: كان الأولى أن يعبّر عن النجس بنوع من أنواع النجاسات، كالخمر
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 21 سطر 17، 1/ 93.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 80
و البول و الدّم و غيرها، لأنّ كون هذا العنوان العامّ موضوعا للحكم بوجوب الاجتناب في الخطابات الشرعيّة محلّ كلام، فتأمّل.
قوله قدّس سرّه: فانّ كلّا منهما شاك في توجّه هذا الخطاب إليه‏ «1».
أقول: الأولى التعبير بالتنجّز بدل التوجّه، لأنّ توجّه الخطابات الواقعية إلى المكلّفين غير مشروط بالعلم بها و لا بموضوعاتها.
امّا الثاني: فلمخالفته لظواهر أدلّتها.
و امّا الأوّل: فغير معقول، لتأخّر مرتبة العلم عن توجيه الخطاب، و إنّما المشروط بالعلم تنجّزه، بمعنى عدم كون المكلّف معذورا في ترك امتثاله، فالتعبير بالتوجّه لا يخلو عن مسامحة.
قوله قدّس سرّه: دخل في المخالفة القطعيّة المعلومة تفصيلا … الخ‏ «2».
أقول: يعني يخرج حينئذ عن محلّ الكلام، إذ لا عبرة بإجمال الخطاب، بعد أن تولّد منه علم تفصيليّ بالحرمة، كما عرفته آنفا.
قوله قدّس سرّه: و إن جعلناهما متغايرين في الخارج كما في الذهن‏ «3».
أقول: بأن قلنا بأنّ الإدخال يحصل بالحمل الذي هو فعل آخر مقارن للدّخول الذي يتحقّق بالمشي إلى المسجد، لا بمشيه حاملا حتّى يتّحد الفعلان في الوجود، فحينئذ يكون بمنزلة ما لو أوجد كلّا منهما بفعل مستقل متمايز عن الآخر لا بالحمل،
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 22 سطر 23، 1/ 96.
(2)- فرائد الأصول: ص 23 سطر 3، 1/ 97.
(3)- فرائد الأصول: ص 23 سطر 4، 1/ 97.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 81
كما لو دفع الآخر أوّلا إلى المسجد، فدخل هو بنفسه بعده، أو دخل في المسجد أوّلا فجرّ الآخر إليه و أدخله، فيعلم إجمالا بكون أحد الفعلين مخالفا لخطاب معلوم بالإجمال، لو لم نقل برجوعهما إلى عنوان محرّم واحد، و هو مطلق إدخال الجنب الصادق على إدخال نفسه أو غيره، و إلّا فيندرج في المخالفة الإجماليّة لخطاب تفصيليّ.
قوله قدّس سرّه: مع قطع النظر عن حرمة الدخول، أو الإدخال عليه، أو فرض عدمها «1».
أقول: أي على الحامل، يعني أنّ الكلام إنّما هو في تكليف المحمول من حيث علمه الإجمالي بأنّه أو أجيره جنب، مع قطع النظر عن أنّ فعل الحامل محرّم، فيكون استيجاره إعانة على الإثم.
قوله قدّس سرّه: أمّا الكلام في الخنثى، فيقع تارة في معاملتها مع غيرها … الخ‏ «2».
أقول امّا معاملتها مع غيرها من معلوم الذكوريّة و الانوثيّة، فسيأتي التصريح بها فيما بعد.
و امّا معاملتها مع مجهولهما، أي خنثى اخرى مثلها، فلم يتعرّض لبيانه صريحا.
فنقول: امّا معاملة الخنثى مع خنثى اخرى، كمعاملة غير الخنثى مع الخنثى، فيجوز له النظر إلى الخنثى إن قلنا بأنّه يجوز لكلّ من الرجل و الانثى النظر إليه، لأنّ علمه إجمالا بأنّه بنفسه إمّا رجل أو انثى، لا يقتضي حرمة النظر إلى هذا الشخص المجهول الحال، بعد أن جاز لكلّ من الرّجال و النساء النظر إليه بمقتضى ظاهر
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 23 سطر 8، 1/ 97.
(2)- فرائد الأصول: ص 23 سطر 19، 1/ 98.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 82
تكليفهم، فانّ غاية ما يقتضيه هذا العلم، ليس إلّا وجوب الاحتياط، بالجمع بين تكاليف الرجال و النساء، و المفروض أنّه لا يحرم على كلّ من الطائفتين النظر إليه، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: فمقتضى القاعدة احترازها … الخ‏ «1».
أقول: يعني مقتضى القاعدة المقرّرة في محلّها، من وجوب الموافقة القطعية للحكم المعلوم بالإجمال.
و لا يخفى عليك أنّ الكلام في هذا المقام أصالة إنّما هو في حرمة المخالفة القطعية، فتعرّض المصنّف قدّس سرّه لتفصيل الأحكام المتعلّقة بالخنثى من حيث معاملتها مع الغير، أو معاملة الغير معها، مع ابتنائها على وجوب الموافقة القطعية، إنّما هو للاستطراد، و تحقيق المطلب، بعد البناء على وجوب الموافقة القطعيّة، كما هو التحقيق على ما يتّضح في مسألة البراءة و الاحتياط.
قوله قدّس سرّه: و قد يتوهّم … الخ‏ «2».
أقول: هذا التوهّم إنّما يجدي لو قلنا بالتفصيل بين ما لو كانت المخالفة العملية لخطاب تفصيليّ أو إجمالي، و لكنّك عرفت أنّ الأقوى عدم جواز مخالفة الحكم المعلوم بالإجمال مطلقا.
قوله قدّس سرّه: كما تقدّم في الدخول و الإدخال‏ «3».
أقول: قد عرفت فيما تقدّم أنّ عدم العبرة بإجمال الخطاب، إنّما هو فيما إذا تحقّق‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 23 سطر 21، 1/ 99.
(2)- فرائد الأصول: ص 23 سطر 22، 1/ 99.
(3)- فرائد الأصول: ص 23 سطر 25، 1/ 99.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 83
العنوانان بفعل واحد، و إلّا فيكون مخالفة لخطاب إجمالي، لو لم نقل برجوع النهي عن العنوانين إلى النهي عن القدر المشترك بينهما، ففيما نحن فيه أيضا كذلك، فانّ تحقّق نظره إلى الطائفتين بفعل واحد اندرج في المخالفة القطعيّة التفصيليّة، فلا عبرة حينئذ بإجمال الخطاب، و إلّا فمن المخالفة الإجماليّة للخطاب المردّد، إلّا أن يقال بإرجاع الخطابين إلى خطاب واحد تفصيلي، فليتدبّر.
قوله قدّس سرّه: أو يقال إنّ رجوع الخطابين … الخ‏ «1».
أقول: قد عرفت أنّ هذا القول إنّما يجدي، بناء على أن لا يكون الخطاب المردّد مؤثّرا في تنجّز التكليف، و هو خلاف التحقيق، و محصّل هذا القول دعوى أنّ مرجع الخطابين إلى إيجاب غضّ البصر على كلّ مكلّف عن مجموع من عداه، أعني كلتا الطائفتين، لا عن كلّ من عداه إلّا ما استثنى، فالنظر إلى إحدى الطائفتين ليس مخالفة معلومة لهذا الخطاب، و لا للخطاب المتوجّه إلى خصوص الرجال أو النساء، فالمخالفة العمليّة الحاصلة من النظر إلى إحدى الطائفتين، لو فرض عدم مماثلتها لها، لا تكون إلّا للخطاب المردّد بين الخطابين، لا لهذا الخطاب التفصيلي المتولّد من الخطابين. نعم لو نظر إلى كلتا الطائفتين يحصل مخالفته هذا الخطاب.
قوله قدّس سرّه: فتأمّل‏ «2».
أقول: وجه التأمّل أنّ الشّك في مصداق المخصّص، فلا يجوز التمسّك بالعموم كما
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 24 في هامش سطر 23، 1/ 99.
(2)- فرائد الأصول: ص 24 سطر 13، 1/ 101.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 84
تقرّر في محلّه، لكن في بعض الحواشي المنسوبة إليه، بعد أن ذكر وجه التأمّل كما ذكرنا، قال:
«و يمكن أن يقال إنّ ما نحن فيه من قبيل ما تعلّق غرض الشارع بعدم وقوع الفعل في الخارج، و لو بين شخصين، فترخيص كلّ منهما للمخالطة مع الخنثى مخالف لغرضه المقصود من عدم مخالطة الأجنبي مع الأجنبية، فلا يردّ النص بترخيص ذلك في الشّبهة الابتدائية، فما نحن فيه من قبيل ترخيص الشارع لرجلين في تزويج كلّ منهما لإحدى المرأتين اللّتين يعلم إجمالا أنّهما ابنتان لأحد الرجلين، فافهم» انتهى.
أقول: إنّما يصغى إلى مثل هذا القول في مقابل إطلاق أدلّة الاصول، فيما إذا كان ذلك الشي‏ء المنهيّ عنه، من الأشياء التي وجب على كلّ مكلّف الاجتناب عنها، و منع الغير أيضا عن فعلها مهما أمكن، و إن لم يكن ذلك الغير مكلّفا أو معذورا في فعله، لغفلة أو جهل أو نسيان، كما في قتل النفوس، و ارتكاب الفواحش التي علم من طريقة الشارع أنّه لم يرض بوجودها في الخارج، و أنّه يجب فيها تنبيه الغافل، و إرشاد الجاهل، ففي مثل هذه الموارد بعد أن علم المكلّف إجمالا بأنّ ذلك المنكر امّا يحصل بفعله أو بفعل غيره، وجب عليه السعي في منعه، بترك فعله الذي يحتمل مصادفته له، و منع ذلك الغير أيضا عن ذلك مع الإمكان، فلا يجوز له الرجوع حينئذ إلى الأصل بعد أن كان لعلمه الإجمالي- على كلّ تقدير- أثر فعليّ في حقّه، و المثال الذي فرضه المصنّف قدّس سرّه، أي تزويج البنت بحسب الظاهر من هذا القبيل.
و امّا النظر إلى الأجنبيّة، فلم يثبت كونه كذلك، فالأصل في حقّ كلّ من الطائفتين سليم عن المعارض، و تنظيره على المثال محلّ نظر، فليتأمّل.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 85
قوله: لأصالة عدم ذكوريته … الخ‏ «1».
أقول: هذا الأصل ممّا لا أصل له، لكونه من قبيل تعيين الحادث بالأصل، فالمرجع إنّما هو اصالة عدم تأثير العقد، و عدم انعقاد علاقة الزوجية، فليتأمّل.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 24 سطر 14، 1/ 101.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 86
[المقصد الثانى فى الظن‏]
[في إمكان التّعبد بالظّن‏]
قوله قدّس سرّه: الأوّل أنّه لو جاز التعبّد بخبر الواحد … الخ‏ «1».
أقول: توضيح الاستدلال أنّ جواز التعبّد بخبر الواحد في الأخبار عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، يلزمه جواز التعبّد في الأخبار عن اللّه تعالى، لأنّ كلا الواقع منهما إخبار عن حكم اللّه الواقعي، مورّث للظنّ به، فلو جاز التعبّد بأحدهما، لجاز التعبّد بالآخر لعدم الفارق فيما هو مناط الإمكان، و كون النبيّ صلّى اللّه عليه و آله واسطة في الأوّل لا يصلح فارقا بين المقامين.
و يتوجّه على هذا الاستدلال- مضافا إلى ما سيذكره المصنّف قدّس سرّه- أنّ الأخبار عن اللّه تعالى يتضمّن إدّعاء مرتبة الرسالة، و صفاء النفس و كمالها، فدواعي الكذب فيها شديدة، بحيث لو بني على تصديق كلّ من يدّعيه للزم الهرج و المرج، و هذا بخلاف الأخبار عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و الأئمّة عليهم السّلام، هذا مع أنّ الثاني مستند إلى ما يدرك بالحواس الظّاهرة، فيبعد وقوع الخطأ فيها بخلاف الأوّل، فمن الجائز أن يكون‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 24 سطر 19، 1/ 106.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 87
الإغماض عن مخالفة الواقع أحيانا- الذي هو من لوازم حجّية الخبر- قبيحا في الأخير دون الأوّل.
ثمّ، لو فرض مساواة الخبرين من جميع الجهات، و لو بالنسبة إلى شخص خاص،- بأن لم يكن احتمال مخالفته للواقع إلّا كاخباره عن النبي صلّى اللّه عليه و آله- لم يكن تصديقه مستلزما لأمر قبيح زائدا على ما يستلزمه الأخبار عن النبي صلّى اللّه عليه و آله، كما إذا فرض التعبّد بتصديقه في بعض فروع الدين من حيث هو، من دون أن يجب الإذعان بنبوّته أو غيرها ممّا هو من لوازم صدقه في الواقع، ممّا يترتّب عليه مفاسد لا يترتّب على الأخبار عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فتمنع استحالته عقلا، إلّا أنّه غير واقع، حيث أنّ وقوعه يتوقّف على دليل قطعي كاخبار النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بوجوب تصديقه تعبّدا فيما يخبر عن اللّه تعالى بدعوى الإلهام أو الوحي، من غير أن يخبر بصدقه في الواقع، فيجب حينئذ تصديقه و لو لم يحصل للمكلّف الجزم بصدقه، و لا يكفي في إثبات ذلك أدلّة حجّية خبر الثقة، لا لمجرّد الإجماع على اختصاصها بما عدى هذا الخبر، أو ظهورها في الخبر الحسّي بل للقطع بعدم إرادته منها، فضلا عن انصرافها عنه.
قوله قدّس سرّه: و استدلّ المشهور … الخ‏ «1».
أقول: لا يخفى أنّ دعوى القطع بالمدّعي خارجة عن طريقة الاستدلال، لما عرفت فيما سبق من أنّ الدليل ما يقع وسطا لإثبات أحكام المتعلّق، و لا يقع القطع وسطا، فلا يكون دليلا مع أنّ هذه الدعوى غير مجدية إلّا لمدّعيها.
فتقريب الاستدلال المشهور: إنّ ما لا يكون بذاته محالا كاجتماع النقيضين، و لا
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 24 سطر 22، 1/ 106.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 88
مستلزما لأمر محال، فهو ممكن الوجود، و التعبّد بالظنّ ليس محالا بذاته في حدّ ذاته، و لا مستلزما لأمر محال، فيجب أن يكون ممكنا.
أمّا المقدّمة الاولى- أعني عدم كونه في حدّ ذاته محالا- كالمقدّمة الثالثة- أعني ما ليس ممتنعا فهو ممكن، فهو من الضروريات- لا يحتاج إثباتها إلى وسط.
و امّا انّه لا يستلزم محالا، فثبوته يتوقّف على الإحاطة بجميع جهاته التي يمكن أن تكون مؤثّرة في قبحه، ككونه مؤدّيا إلى مخالفة الواقع، و مستلزما لاجتماع حكمين متضادين في موضوع واحد على تقدير المخالفة، و اجتماع المحبوبيّة و المبغوضية، و التكليف بما لا يطاق، إلى غير ذلك من الجهات التي يمكن كونها مؤثّرة في قبحه، فلا بدّ من الإحاطة بها، و العلم بعدم تأثيرها في القبح، و القطع بأنّه ليس فيه جهة اخرى مقبحة غير ما أدركه المستدلّ بعقله، و لا يخفى أنّ حصول القطع بانحصار الجهات فيما أدركه العقل بعيد، لكونه كالشهادة على النفي، و لذا أنكر المصنّف قدّس سرّه حصول القطع فيما نحن فيه.
و لا يقاس ما نحن فيه بالمستقلّات العقليّة، كحسن الاحسان و قبح الظلم، حيث أنّ العقل يحكم بأنّه ليس في الأوّل جهة مقبّحة، و لا في الثاني من جهة محسنة أصلا، لأنّ حكم العقل في الأحكام المستقلّة إنّما هو على الموضوع الذي أحاط به بجميع جهاته، بحيث جعل الجهات المغفولة عنوانا لتشخيص المعنون، فليس المعنون وراء ما يصدق عليه العناوين المعقولة.
نعم، حكم العقل على مصاديق تلك العناوين المعقولة، كحكمه على الضّرب الشّخصي الصادر من زيد بأنّه قبيح مطلقا، موقوف على إحراز أنّه ليس فيه جهة محسّنة يخرج بسببها عن كونه ظلما، فيكون نظير ما نحن فيه.
كما أنّ حكم العقل بوجوب سلوك الطريق الظنّي حال الانسداد، لكونه أقرب إلى الواقع من غيره، من قبيل الأوّل، أعني الاحكام المستقلّة التي تكون الجهة
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 89
المحسّنة عنوانا لتشخيص الموضوع.
و قد ظهر لك أنّ الأولى أن يقرّر دليل الجواز، كما قرّره المصنّف قدّس سرّه بقوله «إنّا لا نجد في عقولنا بعد التأمّل ما يوجب الاستحالة» «1»، و هذا طريق يسلكه العقلاء في الحكم بالإمكان.
و قد اعترضت في الأزمنة السابقة على هذا التقرير بقولي:
«و فيه: إنّ هذا لا يوجب القطع بالإمكان، لأنّ عدم وجدان الدليل أعمّ من العدم في الواقع.
و امّا ما ذكره من كونه طريقا يسلكه العقلاء في الحكم بالإمكان، فهو بحسب الظاهر إشارة إلى ما هو المحكيّ عن الشيخ الرئيس و غيره من أنّ «كلّما قرع سمعك فذره في بقعة الإمكان، ما لم يذره قائم البرهان»، و هو غفلة، إذ المقصود منه ليس الحكم بالإمكان الذاتي أو الوقوعي من دون دليل، بل المراد الإمكان الاحتمالي، بمعنى تجويز العقل صدق المسموع، فالمقصود بذلك أنّه لا يجوز المبادرة في الإنكار فيما يسمع بمجرّد الاستبعاد، بل يلتزم بإمكان صحّته، بمعنى احتمالها بنظر العقل» انتهى.
و فيه: إنّ الاعتراض نشأ من الغفلة عن فهم المراد، لأنّ المقصود بالاستدلال دعوى استقرار طريقة العقلاء على ترتيب أثر الممكن في مقام العمل، كما هو الشأن في سائر الاصول العملية المعمول عليها لدى العقلاء، لا البناء على إمكانه بمعنى اعتقاد أنّه ممكن، ضرورة امتناع حصول الاعتقاد مع الشّك.
و معنى ترتيب أثر الممكن عليه، أنّهم لا يطرحون الدليل الدالّ على وجود شي‏ء بمجرّد احتمال استحالته، بل يلتزمون بترتيب أثر الوجود عليه ما لم يعلم استحالته، إذ ليس للممكن في حدّ ذاته أثر قابل لأن يترتّب عليه حال الشّك‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 24 سطر 25، 1/ 106.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 90
إلّا هذا، أعني أثر وجوده عليه عند قيام طريق معتبر عليه، أ لا ترى أنّه لو قال المولى لعبده «صدّق زيدا فيما يخبرك» فاخبره زيد بمجي‏ء عمرو من سفره، يجب على العبد ترتيب آثار مجيئه، و لا يجوز له طرح خبر زيد بمجرّد احتمال استحالته، و كذا لا يجوز بشهادة العقل و العقلاء طرح الآثار الشرعيّة و تأويلها بمجرّد احتمال استحالته، فالعقلاء استقرّت طريقتهم على ترتيب أثر الوجود على ما قام عليه طريق ما لم يثبت امتناعه، و لا يجوز لديهم طرح الدليل المعتبر بمجرّد الاحتمال، مع أنّ الوجود أخصّ من الإمكان، فهذا دليل على أنّ عدم ثبوت الامتناع كاف لدى العقلاء في معاملة الإمكان، بمعنى الالتزام بالعمل على طبق الطريق المؤدّي إلى وقوعه.
و قد اتّجه بما ذكرنا ما صدر من بعض المتكلمين من الاستدلال بأصالة الإمكان في بعض مقاصدهم الكلامية، كالمعاد، و المعراج الجسمانيين، و خلود الكفّار في النار، و كونهم معذّبين فيها، و كون الجنّة و النار مخلوقتين بالفعل، و نظائر هذه الموارد، فانّ معنى التشبّث بالأصل في مثل هذه الموارد، وجوب التديّن و الالتزام بمضمون الآيات و الأخبار الدالّة عليها، و عدم جواز ارتكاب التأويل، أو الطرح فيها بواسطة بعض الشكوك و الشبهات الموهمة استحالتها.
و لكن قد اعترض بعض محققيهم في تعليقاته على بعض شروح «التجريد» على التمسّك بأصالة الإمكان، بعين ما صدر منّا سابقا من الاعتراض على المتن حرفا بحرف، إلّا في مجرّد التعبير.
و قد عرفت أنّه لا وقع لهذا الاعتراض على ما وجّهنا به كلامهم، و إلّا فمن الواضح أنّه لا مسرح للاصول في إثبات كون الشي‏ء ممكنا في الواقع، و إنّما يعوّل عليها في مقام ترتيب الأثر، كما يأتي لذلك مزيد توضيح في مبحث الاستصحاب إن شاء اللّه تعالى.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 91
قوله قدّس سرّه: بل القطع أيضا … الخ‏ «1».
أقول: قد يتوهّم بطلان النقض بالقطع، لا للوجه الذي سيذكره المصنّف قدّس سرّه، بل لأجل أنّ القطع طريق بنفسه لا بجعل جاعل، حتّى يصلح للاتّصاف بالقبح على تقدير التخلّف، فيكون شاهدا لما نحن فيه.
و فيه: انّ مناط النقض ليس كون الطريق مجعولا أو منجعلا بنفسه، بل المناط إنّما هو جواز اتّباع طريق قد يتخلّف عن الواقع، سواء كان اتّباعه بالزام العقل أو بأمر الشارع، فكما أنّه يجوز للعقل الالزام باتّباع القطع، مع أنّه قد يتخلّف عن الواقع، كذلك يجوز للشارع الإلزام باتّباع الظّن، إذ لا فرق في القبح بين كون الحاكم هو العقل أو الشارع، فانحصر دفع هذا النقض بما أفاده المصنّف قدّس سرّه من أنّ باب احتمال التخلّف عن الواقع منسدّ عند القاطع، فلأجل ذا يحكم عقله بوجوب اتّباع قطعه.
نعم، لو جاز قيام هذا الاحتمال لدى القاطع، و ألزمه مع ذلك عقله بوجوب اتّباع قطعه، مع تمكّنه من سلوك طريق لم يكن فيه هذا الاحتمال، لكان النقض وجيها، إلّا أنّ الفرض غير ممكن.
قوله قدّس سرّه: و اخرى بالحلّ … الخ‏ «2».
أقول: حاصله أنّ الممتنع إنّما هو اجتماع حكمين متضادّين في موضوع واحد في مرتبة واحدة، من حيث الفعليّة أو الشأنيّة، بأن يكونا إمّا فعليين أو شأنيين. و امّا إذا كانا مختلفين- كما هو المسلّم لزومه في المقام- فلا استحالة فيه، كما سيتّضح لك وجهه إن شاء اللّه.
و المراد بالحكم الفعلي هو الحكم المنجّز الذي لا يعذر المكلّف في مخالفته،
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 25 سطر 5، 1/ 107.
(2)- فرائد الأصول: ص 25 سطر 5، 1/ 107.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 92
و بالشأني ما يكون معذورا في المخالفة بواسطة جهله بالواقع لا عن تقصير، فتسميته الأحكام الواقعيّة أحكاما شأنية لا يخلو عن مسامحة، إذ الحقّ أنّها أحكام متحقّقة صدرت لغرض الامتثال، و لذا يجب الفحص عنها، و لا يعذر المكلّف الجاهل بها في المخالفة ما دام مقصّرا، و لكن العلم بها إجمالا أو تفصيلا شرط عقلي في تنجّزها، أي في التزام المكلّف بها، و حسن المؤاخذة على مخالفتها، فهو شرط في تنجّز التكليف بها عقلا، أي في وجوب امتثالها الذي هو حكم عقليّ، و لا يعقل أن يكون كالقدرة على الفعل شرطا واقعيّا للأحكام الشرعيّة، للزوم الدور، فالحكم الشرعيّ عبارة عن إلزام الشارع بفعل شي‏ء، أو تركه أو الرخصة فيه، و هذا مقدّم في الرتبة على العلم به، فلا يعقل أن يكون للعلم به دخل في تحقّقه، و لكنّه شرط عقلي في ترتّب الأثر عليه، أي وجوب الخروج عن عهدته، و جواز المؤاخذة على مخالفته، فإطلاق الحكم الشأني على الأحكام الواقعيّة المجهولة، بلحاظ عدم كون المكلّف ملتزما بها بالفعل في مقام العمل، و كونه معذورا في مخالفتها، لا عدم كونها أحكاما فعليّة في الواقع، كما لو اضطرّ إلى ارتكاب محرّم، أو ترك واجب لا بواسطة الجهل، فانّه يصير حينئذ الحكم الواقعيّ الثابت للشي‏ء من حيث هو، بواسطة الاضطرار المانع عن فعليّته ما ينافي الواقع حيث أنّ عدم الاضطرار إلى مخالفتها شرط واقعي في تنجّزها، بخلاف عدم الجهل.
قوله قدّس سرّه: و امّا القسم الثاني فهو على وجوه‏ «1».
أقول: قد نبّه المصنّف قدّس سرّه على ثلاث منها، و هاهنا وجه رابع، و هو أن يكون للأمارة القائمة على الواقعة تأثير في الفعل الذي تضمّنت الأمارة حكمه، و لكن لا
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 27 سطر 6، 1/ 113.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 93
على وجه تؤثّر في انقلاب حكمه الواقعي، و هذا يتصوّر على قسمين:
أحدهما: أن تكون مصلحتها مقصورة على صورة المطابقة، كما لو كان تصديق العادل، و حسن الظّن به، و التعبّد بقوله أمرا راجحا محبوبا عند اللّه، لكن على تقدير كونه صادقا في الواقع، ففي موارد الكذب لا مصلحة فيه، و لكن لعدم امتيازها عن موارد الصّدق، يدور الأمر بين الأمر بتصديقه مطلقا و عدمه، فلو كانت مصلحته فائقة على المفسدة المرتّبة عليه في موارد التخلّف، يكون الأمر به حسنا حيث أنّ فيه خيرا كثيرا و شرّا قليلا بالإضافة إلى خيره.
الثاني: أن يكون المصلحة بلحاظ نوع الأمارة، بمعنى أنّ تصديق العادل على الإطلاق ما لم يعلم مخالفته للواقع، مشتمل على مصلحة مقتضية للأمر به فائقة على مفسدة فوت الواقع أحيانا، لكن لو لوحظ مصاديقه، ففي كلّ مورد ليس على وجه تكافؤ مفسدة مخالفة الواقع، فشرب التتن لو كان حراما، و قد أخبر العادل بحلّيته، فاخباره و إن كان من الجهات الموجبة لحسنه، لكن لا تعارض مفسدة الواقع، فجواز الأمر بسلوكه على الإطلاق مع عدم صلاحية مصلحته لتغيّر الواقع على تقدير المخالفة، إنّما هو بلحاظ سائر الموارد السليمة عن المفسدة القاهرة، كالصورة السابقة، لكن مقتضى هذا الوجه الفرق بين ما لو كان الحكم الواقعي الوجوب أو الحرمة، فأخبر العادل بخلافه، أو الإباحة، ففي الأوّلين لا يتبدّل الحكم الواقعي بعد فرض مقهورية الجهة العارضة للجهة المقتضية للوجوب أو الحرمة، و في الأخير يتبدّل، لأنّ جهات الإباحة لا تزاحم الجهات المحسّنة أو المقبّحة، لكن لا محذور في الالتزام به، لأنّ تبدّل حكم المباح الواقعي بالعناوين الطارئة، كإطاعة الوالد، أو الوفاء بالنذر. و العهد. و العقد و غير ذلك غير عزيز، فيمكن الالتزام بأنّ إخبار العادل بوجوبه أو حرمته أيضا من هذا القبيل، و لا يلزمه القول بالتّصويب، فليتأمّل.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 94
قوله قدّس سرّه: إلّا أنّ العمل على طبق تلك الأمارة … الخ‏ «1».همدانى، رضا بن محمد هادى، حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، 1جلد، محمد رضا انصاري قمي – قم – ايران، چاپ: 1.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد) ؛ ص94

ول: يعني أنّ المصلحة إنّما هي في نصب الطريق، و تنزيل شي‏ء منزلة العلم، كالتسهيل على المكلّف و نحوه، من غير أن يكون له دخل في حسن متعلّقه، كنفس العلم الذي هو طريق عقليّ، و بهذه التقرير لا يبقى مجال لتوهّم رجوع هذا الوجه إلى الوجه الثاني كما لا يخفى.
قوله قدّس سرّه: فقد يشكل الفرق بينه و بين القول بالتّصويب‏ «2».
أقول: هذا إنّما هو في بادئ الرأي، و إلّا فالقول بالأجزاء يناقض التصويب كما سيشير إليه المصنّف قدّس سرّه، لأنّ القائل بالأجزاء ملتزم بكون الواقع باقيا على وجوبه، و لكن يزعم أنّ ما أدّى إليه نظر المكلّف، بالنظر إلى الأدلّة الشرعيّة، أو بحسب اعتقاده أيضا، يقوم مقام الواقع في إسقاط ذلك التكليف، بمعنى أنّ الشارع يقبله بدلا عن الواقع، إمّا تفضّلا أو لكون اعتقاده أو قيام الطريق عليه من الجهات الموجبة لإفادته فائدة المأمور به، فيسقط أوامرها بفعل ما أدّى إليه نظره لحصول الغرض، فأين هذا من التّصويب الذي هو عبارة عن تبدّل أمره الواقعي بالأمر الظاهري.
و الحاصل: إنّه فرق بين تبدّل الأمر الواقعي بالظاهري بواسطة الجهة العارضة، و بين اقتضاء الجهات المعارضة قيام هذا الشي‏ء مقام الواقع في إسقاط طلبه، فعلى الأوّل لو أتى بالواقع لا يجديه في إسقاط ما هو واجب عليه بالفعل، بخلاف الثاني، و على الثاني لو ترك الواقع، و لم يمتثل الأمر الظاهري أيضا، لكانت ذمّته مشغولة بالواقع، و على الأوّل لا واقع أمر ما كان مكلّفا به في الظاهر.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 27 سطر 18، 1/ 114. و في الأصل: (إلّا أنّ الأمر بالعمل …).
(2)- فرائد الأصول: ص 29 سطر 6، 1/ 119.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 95
قوله قدّس سرّه: فغاية الأمر التخيير بينهما أو تقديم الظّن … الخ‏ «1».
أقول: ليس مقتضى المقدّمات التي رتّبها جواز الالتزام و التعبّد بالظّن في الفرض، و لو على سبيل التخيير، إذ غاية الأمر أنّه بحكم العقل مخيّر بين ترك الفعل الذي ظنّ بوجوبه، فيكون عمله مطابقا لأصالة البراءة، و بين أن يأتي بالفعل فيكون عمله مطابقا للظّن.
و امّا جواز العمل بالظّن بمعنى التّدين به و الالتزام بأنّ مؤداه تكليفه في مقام العمل، بحيث يجعله وسطا في إثبات متعلّقاته، أو التعبّد بالأصل كذلك فلا، و ما ذكره في وجه تقديم العمل بالظّن فهو إنّما يؤثّر في الزام العقل باتّباعه، إذا علم إجمالا بثبوت تكاليفه، و لم يتمكّن من امتثاله بطريق العلم، فيجب عليه حينئذ متابعة الظّن، كما سيتّضح لك في تقرير دليل الانسداد.
و من المعلوم أنّ التكلّم في المقام ليس مبنيّا على هذه المقدّمة، إذا التكلم في المقام إنّما هو في جواز العمل بالظّن في خصوص مورد تعذّر فيه تحصيل العلم، بحيث لو كان الأصل الجاري فيه حجّة، و لم يكن اعتباره مقيّدا بعدم الظّن على خلافه، لكان المتعيّن الرجوع إليه.
و الحاصل: إنّ الكلام في هذا المقام ليس مبنيّا على دعوى العلم الإجمالي بثبوت تكاليف في الشريعة، حتّى يتعيّن العمل بالظنّ عند تعذّر العلم، و من المعلوم أنّ الواقع ما لم يعلم تنجيزه عليه لا يجب إطاعته، حتّى يتعيّن العمل بالظنّ عند تعذّر العلم.
و لو قال قائل: إنّ هذا هدم للمبنى، لأنّه رجوع إلى أصل البراءة مع الظّن بالخلاف. و المفروض اختصاص اعتبار الاصول بما إذا لم يظنّ بخلافها.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 33 سطر 11، 1/ 132.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 96
قلنا: هذا أصل عقلي مبني على قبح العقاب بلا بيان، فلا يعقل اشتراطه بعدم الظّن.
اللهمّ إلّا أن يدّعى أنّ العقل لا يستقلّ بالقبح مع ظنّ التكليف، فيجب حينئذ الاحتياط لقاعدة وجوب دفع العقاب المحتمل، لا لكون الشي‏ء مظنونا من حيث هو.
و من هنا يظهر أنّ ما ذكرنا آنفا من أنّ غاية الأمر التخيير في المسألة الفرعية، انّما هو من باب المماشاة، و إلّا فعلى تقدير عدم كون الاصول اللفظيّة، و كذا العمليّة، و لا الظّن المقابل لها حجّة، تكون المسألة ممّا لا طريق للمكلّف إلى العلم به، فإن استقلّ العقل بقبح العقاب عليه- كما هو الواقع فهو- و إلّا وجب الاحتياط تحرّزا عن العقاب المحتمل.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 97
[في الظنون المعتبرة]
قوله قدّس سرّه: و مرجع الكلّ إلى أصالة عدم القرينة … الخ‏ «1».
أقول: قد يتخيّل أنّ إرجاع أصالة الحقيقة، بل و كذا أصالة العموم و الإطلاق و نحوها إلى أصالة عدم القرينة في غير محلّه، لأنّ هذه الاصول بنفسها أصول معتبرة معتمد عليها لدى العقلاء، ربّما يتشبّث بها في مجاريها مع العلم بعدم القرينة، كما إذا قال المتكلّم «رأيت أسدا» أو قال «اعط كلّ فقير درهما» أو «أكرم عالما» فانّه كثيرا ما نقطع بعدم نصب القرينة على إرادة خلاف الظاهر و مع ذلك نشكّ في إرادة الظاهر، فيحمل اللفظ عليه بواسطة أصالة الحقيقة في الأوّل، و أصالة العموم في الثاني، و الإطلاق في الثالث، و لا يجري في مثل الفرض أصالة عدم القرينة، لأنّ المفروض حصول الشّك مع القطع بعدمها، فاصالة عدم القرينة في مثل الفرض- مع أنّها لا تجري بواسطة القطع بالعدم- لا تجدي، لعدم ارتفاع الشّك بها، فكيف يكون مرجع تلك الاصول إليها!
نعم، قد يكون الشّك في إرادة المعنى الحقيقي و العموم أو الإطلاق مسبّبا عن‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 34 سطر 2، 1/ 135.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 98
احتمال وجود القرينة الصارفة، فيكون حينئذ اصالة عدم القرينة في مثل الفرض حاكمة على تلك الاصول مانعة عن جريانها، فعلى هذا التقدير أيضا لا يكون مرجع تلك الاصول إلى اصالة عدم القرينة، بل لا تجري تلك الاصول بواسطة الأصل الحاكم، فلا يتّجه إرجاع تلك الاصول إلى أصالة عدم القرينة في شي‏ء من مواردها.
و يدفعه: إنّ الحق أنّ الاصول الوجودية الجارية في مباحث الألفاظ لا تأصّل لها بنفسها، بل و كذا كلّ أصل وجودي معتبر لدى العقلاء، كأصالة الصحّة، و استصحاب الحالة السابقة، و مرجعها إلى اصول عدمية يتفرّع عليها تلك الوجودات، فهي بنفسها من حيث هي غير متأصّلة- كما يأتي تحقيقه في مبحث الاستصحاب إن شاء اللّه تعالى-. فمرجع استصحاب الحالة السابقة إلى أصالة عدم ما يرفعها، التي هي عبارة اخرى عن عدم الاعتناء باحتمال وجود الرافع، و مرجع الاصول الجارية في مباحث الألفاظ إلى عدم الاعتناء بالاحتمالات المنافية لها، من احتمال وجود القرينة، أو غفلة المتكلّم عن نصبها أو غلطه، أو إرادته لإظهار خلاف مراده لتقيّة و نحوها من الامور المقتضية لإرادة خلاف الظاهر، و سيأتي في عبارة المصنّف قدّس سرّه عند توجيه كلام المحقّق القمّي قدّس سرّه الإشارة إلى ما نبّهنا عليه، من رجوع الاصول الجارية في مباحث الألفاظ إلى عدم الاعتناء بالاحتمالات المنافية للظّاهر، الذي هو عبارة اخرى عن أصالة عدم تلك المحتملات.
نعم، لو قلنا بأنّ مناط اعتماد العقلاء على هذه الاصول في مجاريها هو الظّن النوعيّ الحاصل من غلبة إرادة الحقيقة و العموم و الإطلاق و نحوها، لا عدم الاعتناء بالاحتمالات المنافية لها، لكانت هذه الاصول في حدّ ذاتها أصولا- كما نبّه عليه المصنّف قدّس سرّه في بعض كلماته- و لكنّه خلاف التّحقيق، و لا يرتضيه المصنّف قدّس سرّه بحسب الظاهر.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 99
إذا عرفت ما ذكرناه، علمت أنّه لا يتوجّه الاعتراض على المصنّف قدّس سرّه فيما ادّعاه من إرجاع الاصول المذكورة إلى أصالة عدم القرينة، لأنّه إنّما فرضها فيما إذا كان الشّك مسبّبا عن احتمال وجود القرينة، بحيث لو علم بعدم القرينة قطع بمراد المتكلّم، ففي مثل الفرض يكون مرجعها إلى اصالة عدم القرينة لا محالة.
و امّا ما أوردناه نقضا عليه من الأمثلة التي فرضنا الشّك فيها مع العلم بعدم القرينة، فهو خارج عن مفروض كلامه، و مرجع الاصول فيها حينئذ هي أصول عدمية آخر جارية بالنسبة إلى الأسباب الموجبة للشّك، فليتأمّل.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 100
[في حجّية ظواهر الكتاب‏]
قوله قدّس سرّه: فأحال معرفة حكم المسح على إصبعه … الخ‏ «1».
أقول: الظاهر أنّه أحال معرفة سقوط المسح على البشرة على ظاهر الكتاب، و امّا استفادة كفاية المسح على المرارة من ظاهر الكتاب- كما هو ظاهر الرواية- فلعلّها بواسطة ما هو المفروض في الأذهان، من أنّ «الميسور لا يسقط بالمعسور» فكأنّ السائل لم يكن تحيّره إلّا في كيفيّة وضوئه، من حيث تعسّر المسح على البشرة، لا في أصل التكليف به، و اللّه العالم.
قوله قدّس سرّه: فإن ثبت جواز الاستدلال بكلّ قراءة … الخ‏ «2».
أقول: يعني في مورد المعارضة، بأن جاز التعبّد في محلّ التعارض أيضا، بأنّ كلّا من القراءات كلام اللّه تعالى في مقام الاستدلال، كما يجوز التعبّد بكونه كذلك في مقام القراءة، فيكون حينئذ حالها حال المتواترات في وجوب التوقّف في محلّ التعارض،
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 37 سطر 1، 1/ 147.
(2)- فرائد الأصول: ص 40 سطر 9، 1/ 158.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 101
من غير ملاحظة الترجيح، كما أنّ الشأن كذلك في اخبار الآحاد لو أوجبنا التعبّد بصدور كلّ منها في محلّ المعارضة، تحكيما لأدلّة أصالة الصدور على أصالة الظهور، لكنّك ستعرف إن شاء اللّه في محلّه ضعفه.
و إن لم نقل بجواز الاستدلال بكلّ منها في محلّ التعارض، بأن خصّصنا أدلّة اعتبارها بغير هذا الفرض، وجب الرجوع إلى المرجّحات، بناء على ثبوت الترجيح في سائر الأدلّة الظنّية عند المعارضة، لا في خصوص الاخبار تعبّدا، ثمّ التوقّف في محلّ التعارض أو التخيير، كما في الخبرين المتعارضين، على احتمال ضعيف كما ستعرفه في باب التعادل و التراجيح، و لو أراد من جواز الاستدلال بكلّ قراءة جوازه من حيث هي- كما قد ينسبق إلى الذهن في بادئ الرأي- لا يستقيم شي‏ء ممّا ذكره، كما لا يخفى على المتأمّل.
قوله قدّس سرّه: لعدم جريان أصالة عدم الغفلة في حقّهم مطلقا «1».
أقول: وجهه واضح إذ لا شكّ في غفلتهم حين صدور الكلام عن أصل الخطاب، فضلا عمّا اكتنف به من القرائن الحالية أو المقالية.
نعم، ربّما يجري في حقّهم أيضا إذا نقل إليهم الخطاب بواسطة أو وسائط، فعرضهم الشّك في غفلة الوسائط، أو غفلتهم عمّا نقل إليهم الواسطة من القرائن، لكن لا يتمشّى هذا في مثل القرآن المعلوم انحصاره فيما بين الدّفتين، كما أنّه قد يشكّ في غفلتهم عن الخصوصيات المحفوفة بالكلام ممّا يؤثّر في اختلاف المفاد، كتقديم ما يستحقّ التأخير و نحوه، و لكن هذا أجنبيّ عمّا تعلّق به غرض المفصّل، فانّه إن جرى أصالة عدم الغفلة بالنسبة إلى مثل هذه الامور، ممّا له دخل بفهم مدلول الكلام من‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 43 سطر 7، 1/ 166.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 102
حيث هو، فلا يتفاوت الحال في ذلك بين كونه مقصودا بالافهام و عدمه، كما هو واضح.
هذا، و لكن توجيه كلام المفصّل بالتفصيل بين أصالة عدم الغفلة و بين مطلق أصالة عدم القرينة لا يخلو من نظر، إذ الظاهر أنّ هذا المفصّل ملتزم باعتبار اصالة عدم القرينة في حقّ من قصد إفهامه، سواء كان شكّه ناشئا عن احتمال غفلته عن خصوصيّات الكلام، أو ما كشف بها من القرائن أم لا، كما لو علم المخاطب بأنّه لم يكن حين التخاطب ملتفتا إلى بعض الجهات- ككون المتكلّم مشيرا بيده إلى شي‏ء، أو كون شخص حاضرا في مجلسه، أو متقدّما ذكره بحيث يعيّن إرادته من الإطلاق، أو كون حاله مقتضيا لإرادة معنى مجازي من اللفظ، أو نحو ذلك من الامور التي يحتمل تحقّقه حال الخطاب، و يعلم بأنّه على تقدير التحقيق لم يكن ملتفتا إليه- فلا يجري في حقّه أصالة عدم الغفلة، مع أنّه لا يظنّ بالمفصّل إنكار اعتبار اصالة عدم القرينة في مثل هذه الفروض التي لا يكون الشّك فيها مسبّبا عن احتمال الغفلة، فالظاهر أنّ المفصّل استند في هذا التفصيل إلى ما يقتضيه دليل الحكمة، من قبح الخطاب بما له ظاهر و إرادة خلافه، حيث أنّ هذا لا يقتضي القبح إلّا إذا كان ترك القرينة مخلّا بما قصد من التفهيم، فإن كان مقصوده بالخطاب أعمّ من الحاضرين و الغائبين و الموجودين و المعدومين، و يجب أن يكون الكلام الموجّه إليهم على وجه يفهمون جميعا مراد المتكلّم، بأن لا يعتمد المتكلّم في إبراز مقصوده على قرينة حالية أو مقالية، أو غيرها من الأشياء التي يختصّ بمعرفتها بعض دون بعض، بل عليه أن يلقي كلامه على وجه يفهمه كلّ أحد كتصنيف المصنّفين، و هذا بخلاف ما لو لم يقصد بالافهام إلّا الحاضرين، فانّه يجوز حينئذ اعتماده على القرائن الحالية و المقالية، بل يجوز أمرهم بتكليف على سبيل التخيير، مع كونه في الواقع واجبا مشروطا، إذا كانوا واجدين للشرط، و هذا بخلاف ما لو كان الخطاب عامّا لسائر الناس كما هو واضح،
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 103
فعلى هذا ليس لغير من قصد افهامه التعويل على الظاهر، و لو مع القطع بعدم القرينة، فضلا عمّا لو احرز ذلك بأصل العدم.
هذا، مع إمكان منع اعتبار اصالة عدم القرينة في حقّ غير من قصد افهامه، بدعوى أن اعتبارها من باب الظّن النوعي، و هي إنّما تفيد نوع الظّن بالعدم، فيما إذا صدر الشّك في القرينة ممّن قصد إفهامه، حيث أنّ الغالب أنّ القرائن التي يعوّل عليها المتكلّم في إفهامه لا يختفي عليه، و هذا بخلاف الأجنبيّ فانّه غالبا لا يعلم بقرائن الأحوال و نظائرها.
هذا غاية ما يمكن أن يقال في توجيه التفصيل.
و يضعّفه ما نبّه عليه المصنّف قدّس سرّه من مخالفته لسيرة العقلاء و العلماء في فهم مداليل الألفاظ، و سنشير في مبحث الاستصحاب عند البحث عن اعتياده من باب بناء العقلاء، إلى ما هو السرّ في عدم الاعتناء باحتمال القرينة و نحوها من الامور المقتضية لإرادة خلاف الظاهر، و عدم ابتنائه على إفادته الظّن، من غير فرق في ذلك بين المخاطب و غيره.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 104
[في حجّية الإجماع المنقول‏]
قوله قدّس سرّه: نظير العلم الحاصل من الحوّاس الظّاهرة … الخ‏ «1».
[أقول‏]: أي بأن يكون حصول الحدس من تلك المبادئ، كحصول العلم بالمحسوسات بواسطة الاحساس.
قوله قدّس سرّه: فظهر من ذلك أنّ نسبة السيّد قدّس سرّه … الخ‏ «2».
أقول: و ظهر من ذلك أنّ المفيد أيضا أضافه إلى المذهب اعتمادا على كونه مرويّا عن الأئمّة عليهم السّلام، و لا يحلّ في مذهبنا ردّ رواياتهم بعد ثبوتها.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 53 سطر 18، 1/ 199.
(2)- فرائد الأصول: ص 56 سطر 1، 1/ 205.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 105
[في حجّية الخبر الواحد]
قوله قدّس سرّه: بل لا يبعد كونه ضروريّ المذهب‏ «1».
أقول: قد قرّرنا في محلّه أنّ مثل هذه المسائل التي نشأت معروفيّتها لدى المتشرّعة، و مغروسيّتها في أذهانهم، من اتّفاق الأصحاب قولا و فعلا، ليست من الضروريّات التي يوجب إنكارها الكفر أو الخروج عن المذهب.
نعم، صدور كثير من هذه الأخبار عن الأئمّة عليهم السّلام، من الامور القطعيّة التي لا يرتاب فيه أحد، و وجوب العمل بما صدر عنهم ضروريّ المذهب، لكن بشرط العلم به تفصيلا، و امّا إجمالا- كما في الفرض- فلا، كيف و قد عرفت فيما سبق أنّ كون العلم الإجمالي كالتفصيلي منجرّا للتكليف من المسائل الخلافية.
قوله قدّس سرّه: فعن الرواية الاولى … الخ‏ «2».
أقول: لا يخفى أنّ ما ذكره قدّس سرّه إنّما هو جواب اسكاتي، و الحقّ في الجواب- بناء
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 67 سطر 9، 1/ 239.
(2)- فرائد الأصول: ص 69 سطر 5، 1/ 246.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 106
على المختار من حجّية خبر الثقة- أنّ أدلّة نصب الطرق حاكمة على مثل هذه الرواية، كما أنّها حاكمة على مثل قوله عليه السّلام: «كلّ شي‏ء حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه»، و قوله عليه السّلام: «لا تنقض اليقين إلّا بيقين مثله» كما لا يخفى.
قوله قدّس سرّه: فالأخبار المخصّصة لها كلّها … الخ‏ «1».
أقول: مراده بالأخبار المخصّصة بحسب الظاهر، هي السّنة القطعيّة التي اقتصر في تخصيص العمومات عليها بزعم المعترض، فمراده بهذا التفريع أنّ هذه الأخبار المخصّصة كلّها، و كذا كثير من عمومات السّنة القطعيّة المقتضية بعمومها لإثبات أحكام منافية لعمومات الكتاب، كأدلة نفي الضّرر، و سلطنة الناس على أموالهم و نحوها، بأسرها مخالفة للكتاب، و لكن يجب العمل بها مع مخالفتها للكتاب، بارتكاب التخصيص في عموماته بالأخبار المخصّصة، و الجمع بينها و بين عمومات السّنة المخالفة لها بما يقتضيه المرجّحات الخارجية أو الداخلية، لكونها قطعيّة، فيمتنع أن يعمّها الأخبار الآمرة بطرح الأخبار المخالفة للكتاب، فلو كانت ظنية لعمّتها تلك الأخبار.
قوله قدّس سرّه: و الثاني أنّه تعالى أمر بالتثبّت … الخ‏ «2».
أقول: حاصل الاستدلال أنّه تعالى جعل موضوع وجوب التثبّت مجي‏ء فاسق بنبإ، و معلوم أنّ الموضوع علّة تامّة للحكم، فإذا جعله من آثار هذا الموضوع العرضي و معلولاته، يكشف ذلك عن عدم صلاحية الذات للعليّة و الموضوعية، و إلّا لكانت الذّات أولى بذلك، و بما ذكرنا من التقريب ظهر اندفاع ما ربّما يتوهّم من أنّ ما ذكره من التعبير ينافي ما سيظهر منه، من كونه استدلالا بمفهوم الصّفة، مع أنّ ما
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 69 سطر 11، 1/ 247.
(2)- فرائد الأصول: ص 71 سطر 7، 1/ 254.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 107
ذكره من التقرير استناد إلى مفهوم العلّة.
توضيح الاندفاع: إنّ ما ذكره ليس منافيا، بل مؤكّد لاستفادة المفهوم من الوصف، لكونه إشارة إلى نكتة زائدة، فكأنّه قال في قولك «أكرم زيدا العالم» أنّ تعليق الحكم على العالم يكشف عن أنّ علّة وجوب الإكرام إمّا العلم بخصوصه، أو له دخل في العلّة، و إلّا لو كان ذات الموصوف من حيث هي موضوعة للحكم و علّة لثبوته مع أنّه يوجب عراء ذكر الوصف عن الفائدة، يلزم استناد الحكم إلى العرضي، مع صلاحيّة الذّات لذلك، و هو قبيح، فليتدبّر.
قوله قدّس سرّه: ففيه أنّ مفهوم الشرط … الخ‏ «1».
أقول: يعني مفهومه شأنا، و إلّا فليس للشرطية على ما هو المفروض مفهوم.
توضيح المقام: انّ القضية الشرطية يستفاد منها حكمان إيجابيّ و سلبيّ لموضوع مذكور، فقولك «إن جاءك زيد فاكرمه» يستفاد منه وجوب إكرام زيد عند مجيئه، و عدمه عند عدم المجي‏ء، و هذه الاستفادة إنّما تكون في الموضوع الصّالح للاتّصاف بكلا الحكمين، و امّا لو لم يصلح إلّا للاتّصاف بالحكم الإثباتي فلا يستفاد منه إلّا هذا، مثلا لو قال «أكرم زيدا إن وجد» لا يفهم منه عرفا حكمه بعدم الوجوب لو لم يوجد زيد، فعدم صلاحية الموضوع للاتّصاف بالعقد السلبي من القرائن العامّة الدالّة على عدم إرادة التعليق الحقيقي من الشرطية، و أنّها مسوقة لبيان ثبوت مجرّد الجزاء عند حصول الشرط.
و امّا إذا كان الموضوع صالحا للاتّصاف بكلا الحكمين، فكثيرا ما أيضا يراد هذا المعنى، لا التعليق الحقيقي- كقولك «إن رأيت زيدا في السوق، أو أتاك اليوم، أو
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 72 سطر 6، 1/ 257.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 108
واجهك في الطريق، اعطه حقّه» إلى غير ذلك من الأمثلة التي لا تحصى- إلّا أنّ حمل اللفظ على هذا المعنى في مثل هذه الموارد يحتاج إلى القرينة الخارجية، و هذا بخلاف القسم الأوّل.
قوله قدّس سرّه: أنّا ندّعي التعارض … إلخ‏ «1».
أقول: إشارة إلى انّ المفاهيم من الأدلّة اللبّية، فلا تتطرّق إليها التصرّف، إلّا تبعا لمناطيقها، لأنّ منشأها الاستلزامات المحقّقة بين المناطيق و المفاهيم، فلا يعقل إبقاء المنطوق بظاهره و ارتكاب التصرّف في مفهومه، لاستلزامه تفكيك الملزوم عن لازمه، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: غير محتاج إليه … الخ‏ «2».
أقول: بل غير صحيح، لأنّ خبر العادل بعد فرض حصول الاطمئنان منه، يخرج عن موضوع الحكم بوجوب التبيّن كالخبر العلمي، كما سيتّضح لك وجهه، فينحصر الإشكال في خبر العادل الذي لا يفيد الاطمئنان، فانّ مقتضى عموم التعليل وجوب التبيّن فيه، و مقتضى المفهوم عدمه، و كون خبر العادل مفيدا للاطمئنان غالبا يصلح نكتة لتخصيص الفاسق بالذكر، لا لدفع الإشكال بعد تسليم أصل المفهوم، كما لا يخفى.
قوله قدّس سرّه: و بالجهالة الشّك‏ «3».
أقول: تفسير الجهالة بذلك بعيد، بل الظاهر أنّ المراد بها إمّا عدم العلم أو أنّ‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 72 سطر 23، 1/ 259.
(2)- فرائد الأصول: ص 73 سطر 13، 1/ 261.
(3)- فرائد الأصول: ص 73 سطر 22، 1/ 262.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 109
المراد منها العمل الصادر من غير رويّة و تفكّر الذي لا ينبغي صدوره من العاقل، و هذا المعنى هو الذي أراد من فسّرها بالسّفاهة، و لعلّ هذا هو المتبادر إلى الذهن من الآية.
و امّا الإيراد عليه بما ذكره المصنّف قدّس سرّه، فيدفعه ما سيذكره فيما بعد، و إن فسّرت بعدم العلم، لا يبعد دعوى عدم شموله عند العرف لما يفيد الاطمئنان، لأنّ قوّة الاحتمال الموجب لسكون النفس منشأ لعدم اعتنائهم بالاحتمال المخالف، فينصرف عنه الإطلاق، و هذا هو السرّ في إطلاق العلم عليه عرفا، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: و منه يظهر الجواب … الخ‏ «1».
أقول: كما يظهر منه الجواب عمّا ربّما يقال، كذلك يظهر منه الجواب عمّا أورده على من فسّر الجهالة بالسّفاهة كما لا يخفى.
قوله قدّس سرّه: و فيه إنّ المراد بالنباء … الخ‏ «2».
أقول: لأنّ هذا هو الذي يصلح أن يجب فيه التبيّن، لا ما علم صدقه أو كذبه، لأنّ إيجاب التبيّن فيه طلب لتحصيل الحاصل فلا يجوز، و من المعلوم أنّ اختصاص الصّلاحية ببعض مصاديق العامّ قرينة على إرادة هذا البعض.
قوله قدّس سرّه: و دعوى أنّه لا يعمّ نفسه‏ «3».
أقول: لأنّه دالّ فلا يعقل أن يكون من أقران المدلول!
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 73 سطر 25، 1/ 262.
(2)- فرائد الأصول: ص 74 سطر 3، 1/ 263.
(3)- فرائد الأصول: ص 74 سطر 18، 1/ 264.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 110
و إن شئت قلت: قول القائل «خبر العادل ليس بحجّة» إنّما يصير خبرا بعد فراغه منه، فلا يعقل أن يكون هذا الخبر موضوعا للحكم المذكور فيه، الذي يتوقّف خبريّته عليه.
قوله قدّس سرّه: فتأمّل‏ «1».
أقول: فكأنّه إشارة إلى أنّ الإجماع في مثل المقام- أعني فيما كان ثبوت الحكم المجمع عليه لموضوعه عند بعض الأمّة- لاندراجه تحت عنوان لم يكن له هذا الحكم عند آخرين، بل ثبوت الحكم له عندهم لأجل دخوله تحت عنوان آخر ليس كاشفا عن قول المعصوم، كما يشير إليه المصنّف في غير موضع.
قوله قدّس سرّه: بل لأنّ المقصود من الكلام … الخ‏ «2».
أقول: لا يمكن أن يكون المراد من الأمر بتصديق العادل في الآية، تصديق السيّد في اختياره بعدم الحجّية، لا لمجرّد ما ذكره المصنّف قدّس سرّه من الاستهجان، بل لعدم معقولية الخطاب إلى الموجودين في زمان صدور الآية، و أمرهم بتصديق السيّد في أخباره، مع تأخّره عنهم، خصوصا على القول باختصاص الخطابات القرآنية بالمشافهين، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: و قد أجاب … الخ‏ «3».
أقول: و لعلّه رحمه اللّه أشار بهذا التعبير إلى أنّ جوابه- مع ما فيه من الايراد
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 74 سطر 21، 1/ 265.
(2)- فرائد الأصول: ص 74 سطر 22، 1/ 265.
(3)- فرائد الأصول: ص 74 سطر 25، 1/ 265.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 111
المزبور- إنّما صدر إلزاما على القائلين بدلالة الآية على وجوب تصديق العادل، فلا وقع لهذا الجواب من أصله أنّه لا محصّل له، لأنّه إن ثبت حجّية ما هو مظنون الاعتبار بدليل قطعيّ، فيكون كظاهر الكتاب من الظنون المعتبرة، و إلّا فلا يجوز الأخذ به، سواء عارضه ظاهر الكتاب أم لا.
قوله قدّس سرّه: و قد يشكل الأمر بأنّ ما يحكيه الشيخ عن المفيد قدّس سرّه … الخ‏ «1».
أقول: محصّل الإشكال انّه إذا قال الشيخ «قال المفيد هذا المائع خمر» مثلا، يكون مجموع هذا الكلام مقولا للشيخ، فهو مصداق خاص خارجي للحكم بوجوب التصديق، فإذا عمّه هذا الحكم ثبت به مضمونه، و هو صدور قول «هذا خمر» من المفيد، فيمتنع أن يندرج ما ثبت بهذا الحكم في موضوعه، فانّ ما هو من لواحق هذا الحكم يمتنع أن يصير معروضا له.
و ملخّص دفعه: إنّ المفيد هو في حدّ ذاته رجل عادل يجب تصديق خبره بحكم الآية، سواء أخبر به الشيخ أم لا، و لكن لا يتنجّز التكليف به إلّا بعد ثبوته بأيّ طريق يكون، فإذا كان الشيخ عادلا يكون خبره طريقا لإثبات خبر المفيد الذي حكمه وجوب التصديق، فلا يتوقّف خبرية خبر المفيد- الذي حكمه وجوب التصديق- على إخبار الشيخ به، بل على صدوره من المفيد، كسائر الأخبار الصادرة منه الثابتة بغير هذا الطريق، كما أنّ قول الشيخ أخبرني المفيد بهذا، ليس إلّا كسائر الأقوال الصادرة منه، التي هي مصاديق لهذا الحكم، فقول الشيخ أخبرني المفيد بكذا مصداق من مصاديق الخبر الذي يجب تصديقه، و ما ثبت به- و هو قول المفيد- مصداق آخر وقع هذا الكلام حكاية عنه، و لا محذور فيه.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 75 سطر 10، 1/ 267.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 112
إن قلت: إنّ خبر المفيد الذي يجب تصديقه بحكم الآية، هي الأقوال الصادرة منه في الواقع، و كون هذا الخبر من جملتها غير معلوم، و إنّما نلتزم به تعبّدا تصديقا للشيخ، فهو مصداق لخبر المفيد تعبّدا، بتصديق الشيخ بحكم الآية، فيمتنع أن يعرضه حكمها ثانيا.
قلت: لا معنى لتصديق الشيخ و التعبّد بقوله، إلّا لو ترتّب أثر ذلك الشي‏ء الذي أخبر به عليه، و المعاملة معه معاملة العلم بذلك الشي‏ء، و إلّا لسرى الإشكال إلى سائر الموضوعات الخارجية الثابتة بأدلّة شرعية، فيقال إنّ نجاسة البول أو حرمة الخمر مثلا ثبتت لمصاديقها الواقعيّة، فلا تعمّ مصاديقها التعبّدية الثابتة بخبر العادل مثلا، و هو كما ترى.
ثمّ، لو سلّم توقّف خبريّة خبر المفيد- الثابت بقول الشيخ- على تصديق الشيخ، و قصور ما دلّ على وجوب تصديق العادل، عن شمول الخبر الذي يتوقّف حصول موضوعه على ثبوت هذا الحكم، فنقول:
قصوره إنّما هو من حيث اللفظ، و إلّا فالمناط منقح نظير ما عرفته في دعوى السيّد الإجماع على عدم حجّية خبر الواحد، بل لا قصور في العبارة أيضا، لكون ما دلّ على حجّية خبر العادل قضية طبيعية غير ملحوظ فيها خصوصيات المصاديق، فهو نظير قول القائل «إذا تكلّمت بكلام يوجع رأسي أو صدري»، أو قال «في أثناء الصّلاة الكلام مبطل للصلاة» إلى غير ذلك من القضايا الطبيعية التي تتحقّق بنفسها مصداق للطبيعة التي تضمّنت حكمها، فلا ينبغي الاستشكال في شمول الآية، على تقدير دلالتها على المفهوم لقول المفيد، الثابت بقول الشيخ، و لكن قد يستشكل في شمولها لقول الشيخ في مثل الفرض، نظرا إلى أنّه لا معنى للأمر بتصديق العادل إلّا التعبّد بمضمونه، أي الالتزام بالآثار الشرعيّة المترتّبة على صدقه، فلا يعقل ذلك إلّا فيما إذا كان للمخبر به في حدّ ذاته أثر شرعي، و ليس لقول المفيد الذي أخبر به‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 113
الشيخ في حدّ ذاته أثر شرعي غير وجوب التصديق الذي نشأ من هذا الطلب، فلا يعمّه هذا الخطاب و إلّا يدور.
و فيه: بعد الغضّ عمّا أسلفناه في توجيه قيام الامارات المعتبرة مقام العلم، المأخوذ جزء للموضوع بعنوان الطريقيّة، ممّا ينحسم به مادّة هذا الإشكال، كما لا يخفى على المتدبّر، إنّ الممتنع إنّما هو توقّف فردية فرد للعام على ثبوت ذلك الحكم لنفس هذا الفرد، و امّا لو توقّف فرديّته على فرديّة فرد آخر له ممّا لا مانع عن فرديته، كخبر المفيد فيما نحن فيه، فلا مانع عنه، فخبر المفيد في حدّ ذاته صار معروضا للحكم بوجوب التصديق حين صدوره منه، سواء أخبر به الشيخ أم لا، فمتى احرز خبره بطريق عقلي أو شرعي، من بيّنة أو شياع أو تواتر و نحوها، وجب ترتيب هذا الأثر عليه، و إذا أخبر به الشيخ، و كان الشيخ عادلا، كان اخباره به كاخباره بسائر الأشياء التي لها آثار شرعيّة، مندرجا في موضوع الحكم بتصديق العادل، فليس اعتبار كون ما أخبر به الشيخ في حدّ ذاته ذا أثر شرعا، شرطا في صحّة إلزام الشارع بتصديقه، مانعا عن أن يعمّه الحكم بتصديق العادل، بعد أن كان هذا الحكم ثابتا لما أخبر به قبل أن يصدر هذا الكلام من الشيخ، و ليس خبر العادل على إجماله موضوعا شخصيّا محكوما بحكم، كي يعتبر الأثر الملحوظ لدى الحكم بوجوب تصديقه غير الأثر الذي ينشأ من قبل هذا الحكم، بل هي قضيّة كلّية، فكلّ من أفراده المتدرجة في الوجود عند حصوله و صلاحيّته، لأن يتعلّق به الحكم بوجوب تصديقه- بأن لم يكن تنجّز التكليف بتصديقه قبيحا، لكونه أجنبيّا عمّا يتعلّق به المقاصد الشرعيّة- يندرج في موضوعه.
نعم، لو أخبر شخص عن شخص بشي‏ء له أثر شرعيّ، فتعلّق أمر خاصّ بتصديقهما معا في تلك القضيّة قد يشكل تعقله، لما فيما بين موضوعيهما من الترتّب، و كون تعلّق التكليف بالأوّل شرطا في صحّة التكليف بالثاني.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 114
و لكن يندفع هذا الإشكال أيضا: بأنّ المصحّح لتوجيه التكليف بالتّصديق هو كون المخبر به ذا أثر حال تنجّز التكليف، أي وقت إرادة الامتثال، لا حين صدور الطلب، فإيجاب تصديقهما معا أثّر في صيرورة متعلّق كلّ من الخبرين ذا أثر في زمان الخروج عن العهدة، كما لا يخفى على المتأمّل.
قوله قدّس سرّه: و الظّن الذي لا يتمسّك به في الاصول هو مطلق الظّن‏ «1».
أقول: الظّن المطلق لا دليل على حجّيته إلّا دليل الانسداد الآتي، و مقتضاه- على تقدير تماميّته- عدم الفرق بين اصول الفقه و سائر المسائل الفرعية، على ما هو مختار المصنّف قدّس سرّه كما ستعرف، و على تقدير عدم تماميّته، لا فرق في عدم جواز التمسّك به بين المسائل الفرعيّة و الاصوليّة، فلم يظهر للتفصيل المذكور وجه وجيه، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: مضافا إلى قوله تعالى … إلخ‏ «2».
أقول: تكفير السيّئات على تقدير تسليم كون الصغائر موجبة للفسق لا يجدي في رفع أثرها الوضعي، و الالتزام بذلك في التوبة ليس بمجرّد ثبوت كونها مكفّرة للذّنوب، كما لا يخفى على المتأمّل، فتأمّل.
قوله قدّس سرّه: و ثالثا إنّه قد فسّر الآية … إلخ‏ «3».
أقول: لا يبعد أن يكون المراد من الآية- بشهادة الجمع بين ما ورد في تفسيرها، و بين الأخبار الآتية- التعريض على المؤمنين، و بيان أنّ النفر إلى التفقّه أيضا كالنفر إلى الجهاد من الامور المهمّة، فكأنّه تعالى قال ما كان لهم أن ينفروا
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 77 سطر 6، 1/ 273.
(2)- فرائد الأصول: ص 77 سطر 14، 1/ 273.
(3)- فرائد الأصول: ص 79 سطر 5، 1/ 278.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 115
بأسرهم إلى الجهاد، فهلّا نفر من كلّ جماعة كثيرة طائفة لتحصيل التفقّه في الدين، مع أنّه كالجهاد في الوجوب، و هذا و إن كان مقتضاه وجوب النفر و إنذار النافرين المتخلّفين، إلّا أنّه يستفاد منه أنّ تكليف أهل المدينة أن يتخلّف بعضهم عند النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لأن يتفقهوا، إذ ليس النفر مطلوبا لذاته، فيكون المتخلّفون في المدينة بمنزلة النافرين في طلب العلم، و اللّه العالم.
قوله قدّس سرّه: لكن لا تدلّ على وجوب العمل … إلخ‏ «1».
أقول: توضيح المطلب: إنّ المقصود من الآية- بحسب الظاهر- وجوب تعلّم الأحكام الواقعيّة، و بعث المكلّفين على العمل بها، أي العمل بما عملوه و فهموه من الأحكام، و من المعلوم أنّ هذا لا ينفع فيما نحن بصدده، لأنّ المقصود إثبات حجّية خبره من حيث نقل قول المعصوم عليه السّلام، لا وجوب العمل بما فهمه من الأحكام الشرعيّة، و بينهما فرق بيّن.
هذا، و لكن الإنصاف أنّه يستفاد بالدلالة التبعية أنّ العمل بقول الثقة من الامور المغروسة في الأذهان، بحيث لا يعتني العقلاء باحتمال مخالفتها للواقع، لأنّ هذه الآية بمنزلة قولك «تعلّموا أحكام الحيض، و علّموا نسوانكم كي يعملن على وفق تكاليفهنّ»، و هذا الكلام ليس مسوقا لبيان حجّية قول الرجال للنسوان، بل الكلام منزّل على ما هو المتعارف، و هو أخذ النساء من رجالهنّ مسائلهنّ من دون التفات إلى احتمال كذب الرجال، و كذا بناء العوام إنّما هو على أخذ المسائل ممّن يعتقدون أنّه يعلم المسائل، و لا يعتنون باحتمال كذبه أصلا، أو غفلته و خطأه، فالآية بحسب الظاهر منزّلة على ذلك، فيكون المراد بها وجوب تعلّم الأحكام و تعليمها،
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 80 سطر 17، 1/ 284.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 116
إلّا أنّ بناء العقلاء عدّ ما يأخذونه من آحاد الأشخاص تعلّما، بمعنى أنّهم لا يعتنون باحتمال كذبه و غفلته، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: لأنّ الغالب … الخ‏ «1».
أقول: لو سلّم غلبة تعدّد من يخرج إلى الحجّ من كلّ ناحية، إلّا أنّ الغالب عدم اخبار مجموعهم لآحاد أهل بلدهم، حتّى يكون كلّ خبر لكلّ أحد متواترا، بل الغالب خلافه، فتنزيل الآية على المتعارف- بعد تسليم المدّعى- يستلزم الالتزام بحجّية خبر كلّ واحد منهم.
قوله قدّس سرّه: على ما يقتضيه الخطاب في «لكم» «2».
أقول: وجه الاقتضاء ظهور الآية، بل صراحتها في الخطاب، متوجّها إلى الذين يؤذون النبي صلّى اللّه عليه و آله.
قوله قدّس سرّه: فإنّ تعليل التصديق … الخ‏ «3».
أقول: و يؤيّده- مضافا إلى ما ذكره- أنّ هذه العلّة لا تصلح علّة إلّا للايمان الصوري لا للعقد القلبي، لعدم المناسبة بينهما.
قوله قدّس سرّه: تعديته في الأوّل بالباء … الخ‏ «4».
أقول: الايمان بالشي‏ء ظاهره الإذعان بتحقّقه، و الأيمان للمؤمنين ظاهره‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 81 سطر 13، 1/ 286.
(2)- فرائد الأصول: ص 83 سطر 8، 1/ 292.
(3)- فرائد الأصول: ص 83 سطر 12، 1/ 293.
(4)- فرائد الأصول: ص 83 سطر 20، 1/ 294.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 117
إظهار الايمان لأجل مراعاتهم، و منشأ ظهور الثاني في الأيمان الصوري ما أشرنا إليه، من عدم المناسبة بين مراعاتهم و العقد القلبي حتّى يصلح للغلبة.
قوله قدّس سرّه: بعد تقييد المطلق منها … الخ‏ «1».
أقول: في العبارة تشويش، فانّها في النسخ الأصلية بمفهوم آية النبأ، و في بعض النسخ المصحّحة بمنطوق آية النبأ، و على تقدير صحّة الأولى فالباء للإلصاق لا السببيّة، إذ لا تنافي بين حجّية خبر العادل و حجّية مطلق الخبر حتّى يتقيّد به الإطلاق.
فملخّص المراد: إنّ المستفاد من مجموع الآيات حجّية قول ما عدا الفاسق مطلقا، و لكن إطلاقه ينصرف- بمقتضى الغلبة- إلى صورة إفادة الخبر الظّن الاطمئناني.
هذا، و لكن يشكل دعوى سببيّة الغلبة لانصراف المفهوم، إذ ليس لنا قضيّة لفظيّة ندّعى فيها الانصراف، و إنّما استفيد حجّية خبر العادل من آية النبأ- على تقدير تسليم الدلالة- من تعليق ردّ الخبر بصدوره من الفاسق، و كون الفسق علّة منحصرة للردّ، فينتفي المعلول عند انتفاء علّته عقلا، و لا يعقل دعوى الانصراف في الاستلزامات العقلية.
نعم يمكن أن يقال: إنّ موضوع الحكم في المنطوق إنّما هو الخبر الموثوق به، و لو وثوقا بدويّا، كما يشهد بذلك اعتماد العقلاء عليه في مورد الآية، فمفهومه جواز العمل بالخبر الموثوق به إذا كان المخبر عادلا، و لكنّك خبير بأنّه على هذا التقدير لا يقتضي تقييد سائر الآيات بما إذا كان خبر العادل مقيدا للوثوق، لما أشرنا إليه من‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 84 سطر 9، 1/ 296.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 118
عدم التنافي بين المفادين، بعد فرض سكوت آية النبأ عن حكم خبر غير الثقة.
نعم، يمكن دعوى الانصراف في نفس تلك الآيات، فبعد تقييدها بمنطوق آية النبأ، يكون محصّل مجموعها حجّية خبر الثقة بشرط كون المخبر عادلا، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: بل هذا أيضا منصرف سائر الآيات‏ «1».
أقول: أي الخبر المفيد للاطمئنان و الوثوق، لا خبر العادل المفيد للوثوق، و إلّا لم يتحقّق المعارضة بينها و بين منطوق آية النبأ، كما هو المدّعى.
هذا مع أنّه لا وجه لدعوى الانصراف إلى خبر العادل، فالمقصود ليس إلّا دعوى الانصراف إلى الخبر المفيد الموثوق لا غير.
قوله قدّس سرّه: حتّى لا يعارض المنطوق‏ «2».
أقول: يعني لو قلنا إنّ مفاد الآيات بمقتضى الانصراف هو حجّية خبر الثقة لا مطلق الخبر، يتعارض مع المنطوق في خبر الفاسق المفيد للوثوق، فلا بدّ في مورد المعارضة من الرجوع إلى المرجّحات الخارجيّة لو كانت، و إلّا فالتوقّف، و هذا بخلاف ما لو منعنا الانصراف، فانّ المنطوق حينئذ أخصّ مطلقا يخصّص به العمومات، فلا معارضة، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: الثاني من وجوه تقرير الإجماع … الخ‏ «3».
أقول: هذا التقرير لا يجدي في إثبات حجّية الخبر بالخصوص، إذ الظاهر أنّ‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 84 سطر 13، 1/ 296.
(2)- لم ترد هذه العبارة في الطبعة الحجريّة، 1/ 296.
(3)- فرائد الأصول: ص 99 سطر 8، 1/ 343.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 119
عمل السيّد بالخبر- على تقدير الانسداد- ليس لأجل خصوصية فيه، بل لأجل كونه موجبا للظنّ المطلق، الذي ينوب مناب العلم عند التعذّر بحكم العقل، و سيجي‏ء فيما بعد أنّ مثل هذا الإجماع لا يجدي في إثبات الحجّية بالخصوص.
قوله قدّس سرّه: و ربّما يدّعى وجوب العمل بكلّ واحد منها مع عدم المعارض … الخ‏ «1».
أقول: هذا هو الذي ينتجه المقدّمات السابقة لو تمّت. نعم لو تعذّر العمل بالمجموع- لأجل العسر و الحرج- يجب الاقتصار على الظّن، لكونه أقرب في مقام الامتثال، إلّا أنّ من المعلوم أنّ الأخذ بالأحكام المستفادة من الأخبار المدوّنة في الكتب المعتبرة لا جرح فيها.
و الحاصل أنّه يجب أوّلا- بمقتضى المقدّمات السابقة بحكم العقل- العمل بكلّ خبر محتمل الصدور، حتّى يحصل القطع بتفريغ الذمّة عن التكاليف التي يتضمّنها الاخبار التي علمنا بصدور بعضها إجمالا، و إن تعذّر ذلك يتعيّن الأخذ بمظنون الصدور، و قد أشرنا إلى أنّ البناء على صدق مجموع هذه الأخبار و الأخذ بمضمونها، لا يستلزم حرجا، فتأمّل.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 103 سطر 20، 1/ 357.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 120
[أدلة حجّية مطلق الظّن‏]
قوله قدّس سرّه: ممّا دلّ عليه الكتاب … الخ‏ «1».
أقول: إثبات الحرمة الشرعية بأغلب هذه الآيات بل جميعها لا يخلو عن تأمّل، لأنّ ظاهرها كونها إرشاديّات، إلّا أنّ الاستدلال بها في مقابل من لم يقل بالتحسين و التقبيح حسن، كما لا يخفى وجهه.
قوله قدّس سرّه: بناء على أنّ المراد العذاب و الفتنة الدنيويّين‏ «2».
أقول: ابتناء الاستدلال على إرادة العذاب و الفتنة الدنيويّين، لأنّ استحقاق ترتّبهما على مخالفة الأمر في الآخرة معلوم فلا يكون حينئذ دليلا على المطلوب، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: لكنّه رجوع عن الاعتراف باستقلال العقل‏ «3».
أقول: في كونه رجوعا عمّا اعترف به تأمّل، لأنّ وجوب التحرّز عن العقاب‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 107 سطر 8، 1/ 369.
(2)- فرائد الأصول: ص 107 سطر 10، 1/ 369.
(3)- فرائد الأصول: ص 109 سطر 5، 1/ 374.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 121
المحتمل- فضلا عن المشكوك- من المستقلّات العقليّة، و لذا نحكم بوجوب الاجتناب عن محتملات الشّبهة المحصورة، فكيف يعترف الخصم بجواز الأقدام عليه بالإجماع و العقل، و إنّما اعترف الخصم بأنّ مشكوك الوجوب أو الحرمة أو موهومهما لا يجب مراعاته عقلا و إجماعا، فالعقل و الإجماع مؤمّنان عن المفسدة المترتّبة على فوت الواقع، و أمّا مظنون الوجوب و الحرمة فحيث لا عقل و لا إجماع يؤمّن المكلّف من تبعة مخالفة الواقع، يجب عليه الاحتياط تحرّزا عن العقاب المحتمل، فضلا عن مشكوكه، و لم يعترف المستدلّ في مقدّمات دليله بأنّ العقاب المحتمل لا يجب التحرّز عنه، فلاحظ.
قوله قدّس سرّه: فتأمّل‏ «1».
أقول: لعلّه إشارة إلى أنّ حكومة الاصول العملية على هذه القاعدة، فرع اعتبارها كالاصول اللفظية، و قد منع المستدلّ اعتبارها في صورة الظّن بالتكليف.
قوله قدّس سرّه: «في الحاشية المنسوبة إليه في بيان وجه الأمر بالتأمّل، بعد أن قال»: «إنّ التوقّف عن ترجيح الراجح أيضا … الخ‏ «2».
أقول: هذا إذا كان الواقع منجّزا على المكلّف، و هو في المقام أوّل الكلام.
إن قلت: إنّ العلم الإجمالي بثبوت تكاليف واقعية يوجب تنجّزها على المكلّف؟
قلت: ليس مبنى هذا الاستدلال على دعوى العلم الإجمالي، و إلّا فيرجع إلى الدليل الآتي، و حيث أنّ الواقع غير معلوم التنجّز على المكلّف، لا مانع عن الرجوع في موارد الظّن إلى البراءة. و الظاهر أنّ هذا هو مراد المجيب، حيث قال: «إنّ وجوب‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 111 سطر 5، هامش 1/ 381.
(2)- فرائد الأصول: ص 111 سطر 5، 1/ 381.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 122
الترجيح فرع الدوران، و حيث أنّ الأمر ليس دائرا بين الأمرين لجواز الرجوع إلى البراءة فلا دليل على وجوب الترجيح أي العمل بالظنّ، فجوابه في الحقيقة يئول إلى ما سيختاره المصنّف قدّس سرّه ردّا للاستدلال، فالإيراد عليه لا يخلو من نظر، فتأمّل.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 123
[دليل الانسداد]
قوله قدّس سرّه: فهي مبنية على أن لا يثبت من الأدلّة المتقدّمة لحجّية الخبر الواحد … إلخ‏ «1».
أقول: بقى في المقام شي‏ء يمكن الاستدلال به لحجّية خبر الواحد بالخصوص في حال الانسداد لم يتعرّض لذكره، و هو أنّه لقائل أن يقول سلّمنا أنّ خبر الثقة ليس حجّة معتبرة لدى العقلاء، كظواهر الألفاظ و المكاتبات، بحيث يكون في عرض العلم، إلّا أنّ من البديهيات التي لا يكاد يرتاب فيه أحد أنّ خبر الثقة ليس في عرض سائر الظنون الاجتهادية التي لا تنتهي إلى أصل معتمد، كالقياس و الاستحسان و المصالح المرسلة، و الظّن الحاصل من الرؤيا، أ ترى أنّ العقلاء يرخّصون العبد المأمور من قبل مولاه بتكاليف كثيرة، لا بدّ له من امتثالها، و لم يتمكّن من معرفتها تفصيلا، و لا من الاحتياط في امتثالها في ترك الاعتناء بقول الثقات الوسائط بينه و بين المولى، و الرجوع إلى ظنونه الاجتهادية، أو ترى أنّ‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 112 سطر 11، 1/ 386.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 124
العقلاء يعدّونه معذورا لو لم يعمل بخبر الثقة، معتذرا بأنّي رأيت رؤيا ظننت بصدق مظنونها فطرحت لأجله الخبر، حاشاهم عن ذلك! بل الإنصاف أنّ خبر الفاسق الغير المتحرّز عن الكذب أيضا ليس لديهم في عرض سائر الظنون الاجتهادية، بل يرونه حجّة معتبرة على تقدير تعذّر تحصيل العلم أو الرجوع إلى من هو أوثق منه، بخلاف الظّن الحاصل من النوم و القياس و أشباهه.
و لعلّ هذا هو الذي ألجأ بعض الأعلام في الالتزام بأنّ نتيجة دليل الانسداد حجّية الظّن في الطريق دون الواقع، حيث أنّه رأى أنّ الالتزام بجواز طرح ما بأيدينا من الأخبار، و الرجوع إلى سائر الظنون الاجتهادية مصاديق للضرورة، و لم يقم لديه على اعتبارها دليل بالخصوص، فظنّ أنّ منشأه أنّ دليل الانسداد لا يثبت إلّا حجّية الظّن في الطريق، و تكلّف في توجيهه، و غفل عن أنّ منشأه عدم كون الخبر لدى العقلاء كسائر الظنون المبنيّة على الحدس و التخمين، و إلّا فلا يظن به الالتزام بحجّية ظنّ حصل له الظّن باعتباره من النوم، و لو ظنّ باعتبار هذا الظّن أيضا من ظنّ حاصل من نوم آخر أو شي‏ء آخر مثل النوم، و هكذا و لو بعشرين درجة، بل الذي أجده من نفسي أنّي لا أرى العمل بالظنّ المطلق أصلا، إلّا إذا فرض عدم التمكّن من الوصول إلى الآثار المرويّة عن الأئمّة عليهم السّلام، و لو في ضمن فتاوى الأعلام، بمعنى أنّه لو تمكّن من الوصول إلى رسالة عملية من علمائنا الماضين المقتبسين فتاويهم من الأخبار المأثورة، لا يجوز التخطّي عنها و الرجوع إلى الظّن المطلق، و اللّه العالم.
قوله قدّس سرّه: مرجع الإجماع قطعيّا أو ظنّيا … الخ‏ «1».
أقول: حاصل مرامه أنّ الرجوع إلى الاصول في المشكوكات فرع صيرورة
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 125 سطر 21،
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 125
المشكوكات مجاري لها، فلا يرجع إلى الاصول النافية للتكليف، إلّا على تقدير الشّك فيه، و امّا مع العلم بتحقّقه، و الشّك في تعيين المكلّف به، فلم يقل أحد بالرجوع إلى الاصول النافية للتكليف، عدا ما ستسمعه في محلّه من بعض متأخّري المتأخّرين، فضلا عن أن يكون إجماعيّا، فالإجماع على الرجوع إلى الاصول موقوف على الإجماع على كونها مجاري لها، و هو ينحلّ إلى الإجماع على الحجّة الكافية الموجبة لارتفاع أثر العلم الإجمالي، و صيرورة المشكوكات بمنزلة الشكوك الابتدائية، و مرجعه إلى دعوى الإجماع على حجّية الظّن بعد الانسداد، إذ لا شي‏ء غيره ممّا يتوهّم الاجماع على حجّيته.
و الحاصل: إنّ الإجماع الذي يمكن ادّعائه في المقام، و اعترف بكونه مظنونا عند تلقين خصمه، هو الإجماع على قيام الظّن مقام العلم، و اقتصار الشارع على الإطاعة الظنّية، و إلّا فلا إجماع على الرجوع في المشكوكات التي هي من أطراف العلم الإجمالي المنجّز للتكليف إلى البراءة، بل الإجماع على عدمه.
و قد عرفت أنّ الإجماع على حجّية الظّن ما لم ينته إلى حدّ العلم لا يجدي.
و الأولى أن يجاب عن الإيراد بما يستفاد من النسخ الأصلية، من أنّ عدم الفرق بين الظّن المتعلّق بالواقع و الطريق، إنّما هو على تقدير حجّية الظّن بدليل الانسداد، و هي في المقام أوّل الكلام.
إن قلنا: إذا انعقد الإجماع و استقلّ العقل بعدم وجوب الاحتياط في موهومات التكليف، أعني ما يظنّ عدمه، فمقتضاه عدم وجوب الاحتياط في المشكوكات، بعد أن ظنّ بأنّ المرجع فيها إلى البراءة، حيث يظنّ بعدم كونها مكلّفا بها في مرحلة الظاهر، و لا فرق بنظر العقل بين أن يكون تكليفه الواقعي موهوما أو الظاهري.
قلت: امّا الإجماع فالقدر المتيقّن منه ما إذا كان احتمال التكليف في الواقع موهوما، و امّا إذا كان في قوّة احتمال عدمه فلا قطع بالإجماع، و لكنّه باعتراف‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 126
المصنّف قدّس سرّه مظنون و مرجعه إلى الإجماع على حجّية الظّن، و هو لا يجدي ما لم يكن قطعيا.
و امّا العقل فهو مستقلّ بوجوب الاحتياط في المشكوكات، بعد فرض عدم استلزامه الحرج، و الظّن بكون المرجع فيها إلى البراءة مرجعه- كما نبّه عليه المصنّف قدّس سرّه- إلى الظّن بأنّ الشارع اقتصر في مقام الامتثال على الامتثال الظنّي، و هو غير مجد ما لم ينته إلى حدّ العلم، و بهذا ظهر وجه اقتصار المصنّف قدّس سرّه في الجواب على ما ذكره، و إن كانت عبارته غير خالية عن شوب الإجمال، فتدبّر.
قوله قدّس سرّه: و يحصل ممّا ذكر إشكال آخر … الخ‏ «1».
أقول: لقائل أن يقول بعد منع طرو الإجمال على الظواهر لا مخلص عن هذا الإشكال، و لو على القول باقتضاء دليل الانسداد حجّية الظّن، لأنّه لا يقتضي إلّا حجّيته فيما انسدّ فيه باب العلم و الظّن الخاصّ، و المفروض خلافه، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: و بالاصول المثبتة للتكليف من الاحتياط و الاستصحاب، مستلزم للحرج‏ «2».
أقول: فعلى هذا لا يجب الرجوع إلى تلك الاصول، و لو على القول بأنّ العلم الإجمالي بالخلاف لا يمنع عن الرجوع إلى الاصول المثبتة للتكليف، حيث لا يترتّب على اعمالها في مجاريها إلّا مخالفة التزامية، و هي غير قادحة في حجّيتها.
و لكن قد يتوهّم: إنّ دعوى استلزام العمل بتلك الاصول الحرج مجازفة، كيف و هو ممّا لا بدّ منه على كلّ تقدير، إذ لا يقول أحد بجواز مخالفة الاحتياط عند الشّك‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 126 سطر 8، 1/ 427.
(2)- فرائد الأصول: ص 126 سطر 24، 1/ 429.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 127
في المكلّف به أو في الاستصحابات المثبتة للتكاليف.
و لكن يندفع هذا التوهّم: بعد الالتفات إلى أنّه على تقدير الانسداد، و عدم حجّية الظّن الحاصل من الاخبار، أو غيرها من الأمارات، يصير أغلب الموارد مجاري قاعدة الاحتياط، و لو مع الغضّ عن العلم الإجمالي الكلّي المقتضي لوجوب الاحتياط في الجميع، لأنّ لنا علوما جزئيّة في مثل الصلاة و الصوم و المعاملات و سائر العبادات أنّ فيها شرائط و أجزاء غير معلومة، و مقتضاها الاحتياط في خصوص أطرافها، بل يكفي في لزوم الخروج رعاية الاحتياط في خصوص الأجزاء و شرائط العبادات، كما هي بعض مجاريه عند بعض، و لو على تقدير عدم كونها من أطراف العلم الإجمالي، و ما ترى من أنّا نلزم بالاحتياط عند الشّك في تلك الموارد، و لا يكون حرجا، فمنشؤه الاقتصار على الاحتياط فيما عدا مورد الامارات، كما لا يخفى على المتأمّل.
إن قلت: فعلى هذا قلّما يوجد للاصول النافية للتكليف مورد، فإنّ لنا أن نلاحظ كلّ واقعة مشكوكة الحكم كشرب التتن مثلا مع بعض الوقائع الأخر، بحيث يحصل لنا العلم الإجمالي بمخالفة الأصل فيها للواقع، فيصير حينئذ مورد الاحتياط، و لو مع الغضّ عن العلم الإجمالي الكلّي، فكيف يستقيم ما إدّعاه من أنّ العمل بالاصول النافية، عند ملاحظة الوقائع في حدّ ذاتها- مع قطع النظر عن العلم الإجمالي الكلّي- مستلزم للمخالفة القطعية الكثيرة؟
قلت: ليس كلّ علم إجمالي مؤثرا في تنجيز التكليف بالاحتياط، فإنّ مثل هذه العلوم الجزئية كثيرا ما ليس جميع أطرافها مورد ابتلاء المكلّف.
و الحاصل: إنّ مجاري الاصول العدمية أيضا- بعد الإغماض عن العلم الإجمالي الكلّي، خصوصا الاستصحابات النافية للتكليف- فوق حدّ الإحصاء، كما لا يخفى على المتأمّل.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 128
قوله قدّس سرّه: تعيّن وجوب تحصيل الظّن بالواقع فيها … الخ‏ «1».
أقول: قد يقال إنّ هذا انّما يتمّ على تقدير الحكومة، و امّا على الكشف فلا، إذ لا امتناع في نصب الشارع ما هو أبعد بنظر المكلّف، كما هو الشأن في بعض الطرق المنصوبة، و ستسمع عن المصنّف قدّس سرّه أنّه جعل احتمال نصب الشارع شيئا آخر وراء الظّن- على تقدير الكشف- من وجوه بطلان هذا القول.
و يمكن التفصّي عن ذلك بأنّ مناط حكم العقل بوجوب النصب، إذا كان بقاء التكاليف الواقعيّة، فلا يعقل تجويزه نصب ما هو الأبعد، و احتمال كون الأبعد بنظره أقرب في الواقع و في نظر الشارع، كاحتمال كونه مشتملا على مصلحة يتدارك بها مفسدة كثرة التخلّف، ممّا لا يوجب توقّف العقل في كون المنصوب من أفراد الظنون، إذ لو كان غيره منصوبا لوجب على الشارع بيانه، حيث لا طريق للعقل إلى معرفته، بخلاف ما لو كان المنصوب ما يدرك العقل أقربيته إلى الواقع، فإنّ إدراكه كاف في مقام البيان.
و لا يتوهّم أنّ هذا يئول إلى تقرير الحكومة، لوضوح الفرق بين المقامين.
نعم، لقائل أن يقول في هذا الفرض- أعني فرض بقاء الأحكام الواقعية بحالها، و انحصار الطريق الأقرب في الظن في الواقع و في نظر الآمر و المأمور، و عدم مصلحة يتدارك بها مفسدة كثرة التخلّف في سائر الامور المحتملة- أنّ الظّن بنفسه طريق عقلي حينئذ، و ليس حجّيته قابلة لجعل الشارع إثباتا و نفيا، كالعلم في حال الانفساخ، فلو ثبت التصريح من الشارع بالعمل بالظنّ، لا يكون أمره إلّا إرشاديا، كالأمر باتّباع العلم في حال الانفتاح.
إلّا انّ هذا إيراد على أصل القول بالكشف، لا على التزامه بأنّ الطريق المنصوب من افراد الظنون فليتأمّل.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 128 سطر 20، 1/ 435.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 129
قوله قدّس سرّه: لأنّ مورد العمل بالطريق المحتمل إن كان الأصول على طبقه … الخ‏ «1».
أقول: توضيح المقام إنّه بعد أن علم إجمالا أنّ بعض ما بأيدينا من الطّرق منصوب من قبل الشارع، لا يبقى لعلمنا الإجمالي الكلّي المتعلّق بأنّ لنا في الشريعة تكاليف في ما عدا مورد الامارات أثر، بل يرجع في كلّ واقعة إلى ما يقتضيه الأصل الجاري في تلك المسألة، سواء كان الأصل مثبتا للتكليف أم نافيا له.
و امّا في موارد الأمارات، فإن كانت الامارات المحتمل نصبها بأسرها متصادقة على حكم، ثبت ذلك الحكم، سواء وافق الأصل أم خالفه، حيث علم إجمالا بكون بعضها حجّة، و كذا لو قام عليه بعض الامارات و لم يعارضه اخرى، و كان الحكم موافقا للأصل، لأنّه إن كانت الامارة حجّة في الواقع فهي الحجّة، و إلّا فالأصل.
و امّا إن اقتضى الأصل حكما مخالفا لما يؤديه بعض الامارات، فيشكل الأمر حينئذ، حيث لم يعلم بكون ذلك البعض حجّة كي يجوز رفع اليد بواسطته عمّا يقتضيه الأصل، و لا يجوز العمل بالأصل الجاري في ذلك المورد، لكونه من أطراف العلم الإجمالي، حيث علم إجمالا بأنّ بعض الأمارات المخالفة للاصول حجّة، و هذا العلم الإجمالي و إن كان موجبا لسقوط الاصول عن الاعتبار، و مانعا عن اجرائها في مجاريها، لكن لا بمعنى أنّه يجوز رفع اليد عنها و إلغائها بالمرّة، بل بمعنى انّه لا يجوز التمسّك بالاصول في شي‏ء من مواردها بالخصوص، لأجل المعارضة بالمثل، أو استلزام استعماله في الجميع طرح العلم الإجمالي.
و امّا اعمالها في مجاريها على سبيل الإجمال بالنسبة إلى ما عدا القدر المتيقّن‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 132 سطر 2، 1/ 445.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 130
الذي علم مخالفته للواقع فلا مانع عنه؛ و لذا يجب الاحتياط في موارد استصحابات النجاسة أو الحرمة أو الوجوب، إذا علم إجمالا بمخالفة بعضها للواقع، فلو كانت عدّة أشياء مستصحبة لنجاسة، ثمّ علم إجمالا بطهارة بعضها، أو شهدت البيّنة بذلك سقطت الاستصحابات عن الحجّية، بمعنى أنّه لا يجوز التمسّك بالاستصحاب للحكم بنجاسة شي‏ء منها بالخصوص، لا أنّه يلغى بالمرّة بحيث يرجع في تلك الموارد إلى قاعدة الطهارة.
نعم، لا أثر للاستصحابات النافية للتكليف، إذا علم إجمالا بمخالفة بعضها للواقع، حيث أنّه يجب حينئذ الاحتياط في أطراف الشبهة، و لو مع العلم بنفي التكليف في ما عدا القدر المتيقّن، فضلا عن استصحابه، ففيما نحن فيه يجب في مورد التنافي بين مقتضيات الاصول و الامارات الاحتياط، بالأخذ بأحوط الأمرين ممّا يقتضيه الأصل أو الامارة، فما كان منهما في مورد التنافي مثبتا للتكليف يعمل على حسبه من باب الاحتياط، فالعمل مطلقا في مورد التنافي على الاحتياط.
قوله قدّس سرّه: فتأمّل‏ «1».
أقول: لعلّه إشارة إلى منع لزوم الحرج لانحصار مورد الإشكال الذي نلتزم فيه بوجوب الاحتياط، فيما إذا تحقّق التنافي بين مؤدّى الأصل و الامارة من حيث إثبات التكليف و نفيه، و هذا ليس من الكثرة بمكان يلزم منه الحرج، و لو بضميمة الاحتياطات الجزئية، الجارية في سائر المسائل الخالية عن الامارات التي يكون الشّك فيها في المكلّف به، فليتأمّل!.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 132 سطر 9، 1/ 446.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 131
قوله قدّس سرّه: فتأمّل‏ «1».
أقول: لعلّه إشارة إلى أنّ عدم جواز عمل القاضي بعلمه ليس مسبّبا عن عجزه عن تشخيص الواقع بالظنّ، بل لأنّ دليل الانسداد لا يقتضي إلّا حجّية الظّن بالنسبة إلى الأحكام الشرعيّة الكلّية، و امّا الوقائع الجزئية، كبقاء طهارة الثوب، أو كون هذا الشي‏ء ملكا لزيد فلا، كما سيتّضح لك فيما بعد إنشاء اللّه تعالى من أنّ جواز العمل بالظنّ لأجل دليل الانسداد لا يوجب جوازه مطلقا، حتّى بالنسبة إلى تعيين الموضوعات الخارجية.
اللهمّ إلّا أن يجري في الامور الخارجية- التي هي موضوعات الأحكام- دليل الانسداد في خصوص مواردها، كما قد يدّعى في باب الضّرر.
قوله قدّس سرّه: هذا كلّه مع ما علمت سابقا في ردّ الوجه الأوّل … الخ‏ «2».
أقول: لا يخفى عليك عدم ابتناء هذا الوجه على دعوى العلم الإجمالي بوجود طريق منصوب كي يتوجّه عليه هذا الايراد، ضرورة أنّ مقتضاه- على تقدير صحّته- أنّه لو كان خبر الواحد مثلا مظنون الاعتبار، لم يجز التعدّي عنه و العمل بالشهرة و غيرها، فانّه لو عمل بالخبر، يحصل معه الظّن برضا الشارع و إمضائه لعمله، و حكمه ببراءة ذمّته، بخلاف ما لو عمل بغيره ممّا لا يظنّ بحجّيته، سواء علم إجمالا بوجود طريق معتبر فيما بأيدينا من الامارات أم لا، فلاحظ و تدبّر.
قوله قدّس سرّه: فتأمّل‏ «3».
أقول: إشارة إلى أنّ الملاك في حكم العقل بوجوب الإطاعة الظنّية، و قبح‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 133 سطر 18، 1/ 449.
(2)- فرائد الأصول: ص 137 سطر 21، 1/ 460.
(3)- فرائد الأصول: ص 140 سطر 7، 1/ 468.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 132
المؤاخذة على مخالفة الواقع الذي يؤدّى إليه الامتثال الظنّي، هو عدم التمكّن من تحصيل العلم، و عدم ثبوت طريق خاص، لا عدم وجوده في الواقع، فاحتماله لا يوجب إهمال النتيجة و إجمالها ما لم يتحقّق، كما تقدّم التنبيه على ذلك في بعض المقدّمات المتقدّمة.
قوله قدّس سرّه: فتأمّل‏ «1».
أقول: الظاهر أنّه إشارة إلى أنّ دعوى الإجماع في مثل هذه المسائل المستحدثة غير مسموعة، و لكنّك عرفت في بعض كلماتنا المتقدّمة، عند تعرّض المصنّف رحمه اللّه لبيان نتيجة مقدّمات دليل الانسداد، إمكان التفصّي عن هذا الإيراد، فراجع.
قوله قدّس سرّه: فتسميته دليلا عقليا لا يظهر له وجه … الخ‏ «2».
أقول: قد يتوهّم أنّ توقّف إثبات العموم على الإجماع لا يقتضي خروج الدليل عن كونه عقليا، إذ لا يجب في تسمية الدليل عقليّا أن يكون جميع مقدّماته عقلية، فكما أنّ نفي وجوب الاحتياط، و عدم جواز الرجوع إلى الاصول لقاعدة نفي العسر و الإجماع، و غيرهما من الأدلّة السمعية، لا ينافي كون الدليل عقليّا- على تقدير الحكومة- كذلك ثبوت العموم بالإجماع، بعد كون حجّية الشي‏ء في الجملة مستفادة من العقل، لا يضرّ في كون الدليل عقليّا.
و يدفعه: إنّ المناط في اتّصاف الدليل بكونه عقليّا، إنّما هو كون الأكبر من لوازم الأوسط عقلا، و امّا إحراز تحقّق ذات الأصغر أو الدليل بكونه عقليّا، إنّما هو
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 140 سطر 12، 1/ 469.
(2)- فرائد الأصول: ص 140 سطر 7، 1/ 468.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 133
كون الأكبر من لوازم الأوسط عقلا، و امّا إحراز تحقّق ذات الأصغر، أو كونه مصداقا للأوسط بحكم العقل، فلا مدخلية له في الاتّصاف.
نعم، إذا كانت الصغرى سمعية يعدّ الدليل من العقليّات الغير المستقلّة.
و كيف كان، فقد عرفت أنّ كون الظّن حجّة في الجملة لا يجدي في مقام العمل، و إنّما المجدي تعيين ما هو الحجّة حتّى يتّصف فعلا بالحجّية، و هذا لا يكون في الفرض إلّا بالإجماع، فنقول عند ترتيب القياس إذا كان الظّن حجّة في الجملة، كان الظّن الفلاني مثلا، أو مطلق الظّن حجّة إجماعا، لكن المقدّم ثابت عقلا، فمطلق الظّن أو الظّن الفلاني حجّة بالفعل إجماعا، فالدليل على إثبات حجّية الظّن بالفعل ليس إلّا الإجماع، و هذا بخلاف تقرير الحكومة، فإنّ الحاكم بحجّية الظن بالفعل على تقدير انسداد باب العلم، و عدم كون البراءة أو الاحتياط مرجعا ليس إلّا العقل، و قد أشرنا إلى أنّ إحراز انسداد باب العلم، أو عدم كون الاحتياط و البراءة مرجعا بأيّ طريق كان، لا مدخلية له في تسمية الدليل عقليا، فحكم العقل بكون الظّن حجّة في الجملة- على تقدير الكشف- طريق لإحراز المقدّم في القياس الاستثنائي، فلا مدخلية له في الاتّصاف، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: فتأمّل‏ «1».
أقول: لعلّه إشارة إلى أنّ حجّية هذا الظّن المتيقّن الاعتبار بخصوصه لم يثبت في الفرض بدليل الانسداد، و إنّما دلّ دليل الانسداد على أنّ لنا حجّة في الجملة، و هو لم يجد في حجّية هذا الظّن بالفعل، كما تقدّمت الإشارة إليه، فلم يثبت اعتبار هذا الظّن بدليل الانسداد، فليتأمّل.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 141 سطر 2، 1/ 472.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 134
قوله قدّس سرّه: فتأمّل‏ «1».
أقول: لعلّه إشارة إلى أنّ التعدّي إلى المتيقّن بالإضافة لا ينفع في إزالة أثر العلم الإجمالي المفروض كما هو ظاهر.
هذا مع جريان مثل هذا الكلام في نفس المتيقّن، بالإضافة للعلم الإجمالي بتقييدها و تخصيصها في الجملة، كما لا يخفى.
قوله قدّس سرّه: إذ لا يستحيل أن يعتبر الشارع في حال الانسداد … الخ‏ «2».
أقول: يمكن التفصّي عن ذلك بما وجّهنا به كاشفية العقل، عن كون الطريق المنصوب من افراد الظّن دون غيره، بدعوى أنّه لو كان الطريق المنصوب غير الظّن القويّ الذي يدرك العقل طريقته، لوجب على الشارع بيانه، دون ما إذا كان المنصوب ما يدركه العقل، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: فتأمّل‏ «3».
أقول: لعلّه إشارة إلى أنّ دليل الانسداد- على تقدير الكشف- طريق للعلم بثبوت طريق واقعي منصوب في حال الانسداد، لا مقيّدا بحال الانسداد، فالظنّ بكونه طريقا، واقعيّا مطلقا يستلزم الظّن بطريقيته في حال الانسداد، فيظنّ بأنّه هو الطريق الذي علم كونه منصوبا بدليل الانسداد.
قوله قدّس سرّه: فانّ الأوّل محال لا قبيح‏ «4».
أقول: هذا فيما إذا كان الموجد موجبا لا مختارا، و إلّا فكالثاني، فانّ ملاك الفرق‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 142 سطر 5، 1/ 475.
(2)- فرائد الأصول: ص 142 سطر 9، 1/ 475.
(3)- فرائد الأصول: ص 144 سطر 5، 1/ 480.
(4)- فرائد الأصول: ص 146 سطر 13، 1/ 486.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 135
مدخليّة العزم و الاختيار في فاعليّة الفاعل، فإن كان مختارا في فعل كإلزام الغير بعمل، أو إيجاده مباشرة، فارتكبه لبعض دواعيه النفسانيّة الغير المقتضية له في نظر العقل أو العقلاء، فقد فعل فعلا قبيحا يستحق عليه المذمّة لدى العقلاء.
و امّا إذا كان الفاعل موجبا، فيمتنع صدور الترجيح منه من دون اجتماع شرائط التأثير، و معه يجب، فلا يوصف فعله بالقبح، و يستحيل الترجيح منه بلا مرجّح، و كذلك الكلام بالنسبة إلى أثر الفاعل المختار بالنظر إلى جهاته الخارجة عن اختياره، و قد اشير بقولنا «فارتكبه لبعض دواعيه النفسانيّة» إلى أنّ الترجيح بلا مرجّح على الإطلاق- حتّى في نظر الفاعل بوجه من الوجوه، كما زعمه الأشاعرة القائلون بجوازه- غير معقول، لرجوعه إلى الترجيح بلا مرجّح، فهو محال.
قوله قدّس سرّه: فتأمّل‏ «1».
أقول: لعلّه إشارة إلى ابتناء المدّعى على عدم الفرق بين المسائل الاصوليّة و الفرعيّة، في اعتبار القدر المتيقّن بالنسبة إليهما، و فيه كلام سيأتي.
قوله قدّس سرّه: و من المعلوم أنّ العمل بها لأجل ذلك … الخ‏ «2».
أقول: في العبارة إشعار باقتضاء العلم الإجمالي للعمل بمشكوكات الاعتبار التي هي من أطراف العلم الإجمالي. و أنت خبير بأنّ مقتضاه الاحتياط في أطراف الشبهة، بالأخذ بما هو الأحوط من الظنون المظنونة الاعتبار، و ما يخالف ظواهرها من مشكوكات الاعتبار.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 146 سطر 25، 1/ 488.
(2)- فرائد الأصول: ص 149 سطر 22، 1/ 496.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 136
قوله قدّس سرّه: الثالث من طرق التعميم … الخ‏ «1».
[أقول:] توضيح الاستدلال إنّه بعد أن علم إجمالا بوجود طريق منصوب كاف فيما بأيدينا من الامارات، يجب بحكم العقل الاحتياط في جميعها، تحصيلا للجزم بسلوك الطريق المنصوب. و قد أشرنا في بعض التعليقات المتقدّمة أنّ فائدة الاحتياط في الامارات، جواز الرجوع إلى الاصول في الموارد الخالية عنها، مثلا إذا علمنا إجمالا بحرمة شاة في قطيع غنم يبلغ مجموعها عشرة، فمقتضى الاحتياط اللازم وجوب التحرّز عن الكلّ، و لكنّه لو نصب الشارع طريقا تعبّديا لتعيين الحرام، و قام على حرمة واحد معيّن على وجه أثّر في زوال أثر المعلوم بالإجمال، بأن كان مؤدّاه حرمة ذلك الفرد، من زمان سابق على الزمان الذي علم بحرمة بعضها إجمالا، فيرجع فيما عدا ذلك الفرد إلى أصل الإباحة، فإذا اشتبه هذا الطريق المنصوب بين امارات قامت كلّ واحدة منها على حرمة واحدة من تلك الأغنام، يجب الاحتياط بالنسبة إلى مؤدّيات الامارات، و يرجع فيما عداها إلى أصل الإباحة، كما لا يخفى وجهه.
و لكن يتوجّه على هذا الوجه من التعميم، أنّه يتمّ ما لم يعارض الاحتياط في المسألة الاصولية أصلا مثبتا للتكليف من الاستصحاب، و قاعدة الاحتياط- في الموارد التي نلتزم فيها بوجوب الاحتياط، كأطراف الشبهة المحصورة- فانّه لا يجوز رفع اليد عن الاصول المعتبرة المثبتة للتكليف، لأجل قيام امارة غير معلومة الاعتبار على خلافها.
و امّا ما قرع سمعك من تقديم الاحتياط في المسألة الاصولية على الاحتياط في المسألة الفرعية، فانّما هو في مثل المثال المتقدّم ممّا يوجب الاحتياط في المسألة
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 150 سطر 8، 1/ 497.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 137
الاصولية ارتفاع أثر الحكم المعلوم بالإجمال، و جعل ما عدا مورد الامارات كالشكوك الابتدائية، فلاحظ و تدبّر.
قوله قدّس سرّه: و امّا دعوى أنّه إذا ثبت جواز العمل بكل ظنّ … الخ‏ «1».
أقول: حاصلها إنّه إذا جاز العمل بالشهرة مثلا في مورد من الموارد، جاز العمل بها مطلقا، لعدم القول بالفصل.
و فيه: إنّ جواز العمل بها في مقابل البراءة لأجل مراعاة الاحتياط بالنسبة إلى الطريق المنصوب، لا يقتضي جواز العمل بها في مقابل سائر الاصول المثبتة للتكليف.
و دعوى عدم القول بالفصل حسنة، على تقدير ثبوت حجّيّتها في بعض الموارد، لا مجرّد تطبيق العمل عليها من باب الاحتياط، كما لا يخفى.
قوله قدّس سرّه: ما يحتمل أن يكون واجب الارتكاب‏ «2».
أقول: ينبغي تقييد محتمل الوجوب بما إذا كان من أطراف واجب معلوم بالإجمال، و إلّا فمجرّد الاحتمال لا يؤثّر في جواز الفعل مع كونه من محتملات الحرام المعلوم، كما لا يخفى.
قوله قدّس سرّه: فيثبت وجوب العمل بمطلق الظّن، و وجوب الرّجوع في المشكوكات إلى مقتضى الأصل … الخ‏ «3».
أقول: لزوم العسر من الاحتياط في المشكوكات، مقتضاه عدم رعاية
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 151 سطر 12، 1/ 500.
(2)- فرائد الأصول: ص 152 سطر 22، 1/ 504.
(3)- فرائد الأصول: ص 153 سطر 10، 1/ 506.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 138
الاحتياط فيها، و جواز ارتكاب مشكوك الحرمة، و ترك مشكوك الوجوب، لا إلغاء أثر العلم الإجمالي، كي يصير الاصول الجارية فيها من حيث هي حجّة، و إلّا ففي الموهومات أيضا يكون الأمر كذلك، فكيف يرفع اليد عن الاصول المثبتة للتكليف بالظنّ المخالف له، بعد فرض عدم حجّية ذلك الظّن؟
فبذلك يظهر أنّ ما ذكره من المساواة بين القول بحجّية الظّن، و القول بتبعيض الاحتياط- بعد فرض استلزام الاحتياط في المشكوكات الحرج- لا يخلو عن مناقشة، فانّه على تقدير حجّية الظّن يصير الاصول الجارية في المشكوكات حجّة في مجاريها، و في الموهومات ساقطة عن الاعتبار، لأجل قيام الدليل على خلافها.
و امّا على تقدير تبعيض الاحتياط:
فإن قلنا بأنّ العسر موجب لإلغاء أثر العلم الإجمالي في مواقع العسر، و صيرورتها بمنزلة الشكوك البدوية في كونها مجاري للاصول، فلا يتفاوت الحال في ذلك بين المشكوكات و الموهومات، فكما لا يجوز مخالفة الاصول المثبتة للتكليف في المشكوكات، كذلك لا يجوز مخالفتها في الموهومات.
و إن لم نقل بذلك، فلا يتفاوت الحال في مشكوكات أيضا كالموهومات، بين أن يكون مقتضى الأصل الجاري فيها من حيث هي ثبوت التكليف أو عدمه.
اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ مقتضى لزوم العسر من الاحتياط، إلغاء أثر العلم الإجمالي المقتضي له، و الرجوع إلى الاصول الجارية في الموارد من حيث هي، و لكن الاعتناء بالاحتمالات الموهومة، الموجبة للرجوع إلى الاصول الجارية فيها، مستلزم للحرج، مع أنّ الرجوع إلى الاصول المخالفة للظنّ ممّا يعلم إجمالا بمخالفة كثير منها للواقع، فتسقط الاصول بالنسبة إليها عن الاعتبار، و هذا بخلاف المشكوكات، فانّه لا يعلم بمخالفة الاصول الجارية فيها للواقع، فليتأمّل.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (ط