آگاه ساز:
مجموعه بزرگ اشارت سازنده پرتال جامع علوم اشارت ارائه دهنده ابواب علوم تطبیقی و تحقیقی

یکشنبه, ۲۵ مهر , ۱۴۰۰ 11 ربيع أول 1443 Sunday, 17 October , 2021 ساعت تعداد کل نوشته ها : 23 تعداد نوشته های امروز : 0 تعداد اعضا : 118 تعداد دیدگاهها : 10×

15 مرداد 1399 - 9:24
شناسه : 977
بازدید 230
3

5/5 – (1 امتیاز)   حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 5 المقدّمة الحمد Read more

ارسال توسط :
پ
پ
5/5 - (1 امتیاز)

 

حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 5
المقدّمة
الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السّلام على خير الخلق أجمعين، محمّدا صلّى اللّه عليه و على آله الطيّبين الطّاهرين.
لا يخفى على من تتبّع سير الدراسة في الحوزات العلميّة الشيعيّة أو درس فيها، أهمّية مؤلّفات الشيخ مرتضى بن محمّد أمين الدزفولي الشهير ب «الانصاري»، المتوفّى سنة 1281 ه في الفقه و الأصول و فقه المعاملات، و يجد أنّ جميعها تمتاز بالعمق العلمي، و الدقّة المتناهيّة، و استيعاب المادّة من جميع جوانبها، مع بيان سهل بعيد عن أسلوب القدماء في الغموض و الإغلاق، هذا كلّه إلى جانب منهجيّة الشيخ المبتكرة، و أسلوبه في عرض المادّة، فهو رحمه اللّه مبتكر هذه الطريقة، حيث لم يشاهد في مؤلّفات معاصريه في الحوزات الشيعيّة أو من سبقه، من جاراه أو تقدّم عليه، و نحن لسنا بصدد استعراض الشيخ في كتبه، لكن نحاول الإشارة إلى جانب مهم في أسلوبه إلا و هو الجمع و العرض، خاصّة في كتابيه (فرائد الأصول) و (المكاسب)، فقد استطاع الشيخ بتضلّعه في الفقه و الأصول، و إحاطته بأقوال المتقدّمين و المتأخّرين، أن يجمع في شرح موضوع معيّن شتات الآراء المبثوثة في ثنايا الكتب، و أن يركّز على كلمات معدودة بدل الكمّ الهائل، فتراه يختار من بين‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 6
صفحات عديدة جملة مختصرة، لكنّها تحتوي على أصل الفكرة، ثمّ بعد جمعه لذلك تبدأ المرحلة الأهمّ إلا و هي نقد الأقوال المطروحة و تزييف الأدلّة المعتمدة، و هي مهمّة صعبة- إن لم نقل مستحيلة- خاصّة إذا لاحظنا أنّ من يواجههم الشيخ هم عيون البشر و جهابذة العلم، كالطوسي و المحقّق و الحلّي و الشهيدين من المتقدّمين و غيرهم من المتأخّرين، لكنّه رحمه اللّه لا تهابه العناوين و الأشخاص في مجابهة النقد العلمي، رغم تقديره البالغ لهم، فتراه خلال أسطر قليلة ينسف آراء مدرسة علم من الأعلام كانت لها السيادة طوال قرون عديدة، فيبني على انقاض المدرسة المنهارة، باجتهاده العميق، و اسلوبه البديع، كيانا جديدا مطابقا لروح الشريعة، و مقتضيات الزمان، مع فهم جديد لها، ترتاح له النفس، و يسكن إليه القلب. و هذه الخصائص و المميّزات هي التي أدّت إلى سيادة مصنفات الشيخ و آرائه على الحوزات الشيعية مدّة تزيد على قرن و لا زالت، و أصبح مصنّفان من مصنّفات الشيخ و هما كتاب (فرائد الأصول) المشتهر ب (الرسائل) في أصول الفقه، و (كتاب المكاسب) في فقه المعاملات مدار الدراسة في مرحلتي السطح و الخارج.
أمّا كتاب المكاسب فقد فاق قرينه في الشهرة و العناية، و ذلك لأسباب عديدة، أهمّها كونه آخر مؤلّفات الشيخ، حيث كتبه و هو في قمّة نضجه العلمي، و كمال منهجيّته الفقهيّة و الأصوليّة، و استقامة مبانيه في مباحث المعاملات، و ذلك بعد أن درّس المادّة، و ناقش اسسها و مبانيها مع أفاضل تلامذة درسه، فخرج الكتاب جامعا مانعا، بعيدا عن الهفوات و الزلّات، و تضارب البناء مع المبنى، كما هو المتعارف في مثل هذه الموسوعات الفقهيّة، حيث أنّ تنوّع المادّة و تفرعاتها و تشعّباتها، أحيانا يفقد المؤلّف القدرة على حفظ استقامة البحث و منهجيّته، فيقع في هفوات و زلّات و تناقضات تؤدّي إلى هبوط القيمة العلمية للتأليف، هذا فضلا عن أنّ الكتاب متفرد في مادّته و أسلوبه، فقد فاق فيه من تقدّم عليه و لم يلحق به من‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 7
تأخّر عنه، و هذه الصّفات هي التي حدت بشيخ القانونيين العرب، و صاحب التأليفات المشهورة في القانون المدني، الدكتور عبد الرزّاق السنهوري، أن يطلق كلمته المشهورة من على منبر كلّية الحقوق بجامعة بغداد في الستّينيّات من الألفيّة الثانية، فإنّه بعد أن أوصى الحقوقيّين العراقيّين بالاستعانة بفقه الإماميّة و أصولها، و جعلها من مصادر التشريع الرئيسيّة في سنّ القوانين المدنيّة و الجزائيّة في الدول الإسلاميّة و خاصة العراق، قال ما مضمونه:
«إنّني لم أكن أعرف قبل سفري إلى العراق آراء الشيخ الأنصاري و نظريّاته في فقه المعاملات و التجارة، و لو وقفت عليه قبل تصنيفي لكتاب (نظرية العقد)، لكنت قد غيّرت أو بدّلت أو عدّلت أو صحّحت كثيرا من نظرياتي في هذا الكتاب».
و أمّا كتاب «فرائد الأصول» المشتهر عند أهل العلم ب «الرسائل» فهو عبارة عن مجموعة من الرسائل في مادّة أصول الفقه، و هي رسالة القطع، و الظنّ و البراءة و الاستصحاب، و التعادل و التراجيح، أي أبحاث الأصول العمليّة، حسب تقسيم الأصوليّين لأبحاث أصول الفقه، و تعتبر الأبحاث المطروحة في هذه الرسائل الخمس قمة الفكر الأصولي المعاصر عند الإماميّة، و برغم أنّها دوّنت أواسط القرن الثالث عشر للهجرة، لكنّها لا زالت حيّة، طريّة، ناضجة، و لم يسدل عليها غبار النسيان، و لم يدفع بها إلى زوايا المكتبات لتعدّ من التراث الأصولي، بل لا زال الكتاب مدار البحث في الحوزات العلميّة الشيعية في مرحلتين:
مرحلة السطوح: حيث يدرس الطالب الذي توسط في دراساته الأصوليّة الكتاب كمادة دراسية، و يسعى لاستيعاب القواعد الأصوليّة، و تطبيقات الشيخ و استدلالاته و ردوده و نقوضه، و يحاول الاستاذ أن يشرح له آراء الشيخ و أقواله، و أن يفتح له مغاليق كلماته و عباراته.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 8
و المرحلة الثانية: مرحلة البحث الاجتهادي (بحث الخارج) حيث تطرح آراء الشيخ و أقواله على مشرحة البحث و التدقيق، و يناقش فيهما المجتهد، فيرفض الدليل المرجوح حسب اجتهاده و رأيه الأصولي، و يتبنّى الدليل الراجح و يعتمده في استنباطه للأحكام الشرعيّة.
و لعلّ من دواعي سرور المجتهد الشيعي و فخره أن يكون له القدرة على نسف رأي من آراء الشيخ، أو نقضه أو تعديله و طرح رأي جديد أو معدّل، أو بناء فكرة متحوّلة و حديثة، يستفيد منها في إراءة الحلول المناسبة أمام مشاكل المكلّفين في المجتمعات الإسلامية، و هذا ما لا يناله إلّا الأوحدي من الأصوليين، حيث نرى أنّ الكتاب منذ بزوغ نوره، قبل ما يربوا على قرن و نصف قرن، مطروح على طاولة البحث، تتلقّفه و تقلّبه أفكار الأصوليين و ألسنتهم، و سيوف أفكارهم الحادّة مسلّطة على الآراء و الأفكار و الكلمات، بل و حتّى الحروف المطروحة في الكتاب، فينبشون في كلّ زاوية منه لعلّهم يجدون منفذا و مدخلا لنقضه و ردّه، لكن برغم ذلك بقى الكتاب شامخا يروى و يشبع ظمأ الساعين نحو امتلاك ناصية المسائل الأصوليّة و قواعدها، و بقى المؤلّف رحمه اللّه طودا شامخا و علما نيّرا و مؤسّسا للمدرسة الأصوليّة المعاصرة عند الإماميّة، حيث لا يتردّد فقيه و أصوليّ من الإماميّة أن يعتبره رحمه اللّه معمار هذه المدرسة و مهندسها، فقد بنى هذه المدرسة و رصّن قواعدها و أسسها على أنقاض المدارس الأصوليّة السابقة، التي انهارت أركانها تدريجا بظهور مدرسة الشيخ و انتشار أفكاره. يقول الشيخ آقا بزرگ الطهراني رحمه اللّه في وصفه لهذا الكتاب:
«فرائد الأصول: المشهور بالرسائل للشيخ مرتضى الأنصاري المتوفّى 1281 ه، و هو مشهور متداول لم يكتب مثله في الأواخر و الأوائل، محتو على خمسة رسائل في القطع و الظنّ و البراءة و الاستصحاب و التعادل، أسّس في هذه‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 9
المباحث تأسيسا نسخ به الأصول الكربلائيّة «1»، فصارت كسراب بقيعة و نسج على منواله المتأخرون حتّى صار الفخر في فهم مراده، و كتب كلّ شرحا أو حاشية عليه بقد ما غمز فيه فكره و درى …» «2».
و يبدو أنّ المصنّف رحمه اللّه لم يدوّن رسائله لتكون منهجا دراسيّة في الحوزات العلميّة، إلّا أنّها صارت من المواد الأساسيّة و ركائز الدراسات الأصوليّة في الحوزات الشيعيّة بحيث لا يستغني عنها الطالب المتوسّط و الأصوليّ المتمرّس، بل عدّ استيعاب مادّة الكتاب و فهم محتواه و مضمونه، و تحصيل ملكة القدرة على تطبيق قواعده على الموضوعات الخارجيّة، دليلا على بلوغ الطالب مرحلة الاجتهاد. و نظرا لصعوبة مادّة الكتاب و دقّتها، فقد أقدم كثير من تلامذة الشيخ على شرح الكتاب و تحشيته أو التعليق عليه، و أحصى الشيخ آقا بزرگ الطهراني [الذريعة: 6/ 152- 162] ثمانين حاشية على هذا الكتاب بين مطبوع و مخطوط، و ذلك خلال فترة ثمانين سنة، أي من سنة 1281 ه و لغاية سنة 1365 ه، و قد تضاعف العدد منذ ذلك الحين. و ممّن شرح الكتاب الشيخ آقا رضا بن محمّد رضا الهمداني رحمه اللّه، و هو تلميذ المصنّف في أخريات أيّامه، كما هو تلميذ أبرز خرّيجي مدرسة الشيخ الأنصاري، أي الإمام المجدّد و المجتهد الأكبر السيد الميرزا محمّد حسن الشيرازي- قدّس اللّه روحه- فالهمداني يعدّ أولى من غيره في شرح مادّة الكتاب، لقربه إلى مصنفه و لعلمه بآرائه و أفكاره، و لممارسته تدريس الكتاب مدّة طويلة، و الوقوف على مواضع القوّة و الضعف فيه، و لذا عدّ تعليقته على المواضع المختارة
______________________________
(1)- يقصد المدرسة الأصوليّة في مدينة كربلاء في القرنين الثاني عشر و الثالث عشر الهجريين، حيث كانت لها السيادة و الريادة على الفكر الشيعي، خاصّة و أنّها تمكّنت من دحر المدرسة الإخباريّة و إخماد نورها و إعلاء شأن التفكّر الأصولي العقلاني، و لكنّها تراجعت أخيرا أمام مدرسة الشيخ الأنصاري الأصوليّة و آرائه المستحدثة.
(2)- الذريعة: 16/ 132.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 10
و المنتقية من الرسائل، من خيرة الكتب المصنّفة في هذا المجال، و قد فرغ منها في الحادي و العشرون من شهر جمادى الأولى سنة 1308 ه، و طبعت لأوّل مرة عام 1318 ه بطهران طبعة حجريّة باسم (الفوائد الرضويّة على الفرائد المرتضويّة)، و لكنّها اشتهرت ب (حاشية الرسائل) في 241 صفحة، و جاء في مقدّمة هذه الطبعة:
«هذه تعليقة شريفة، و حاشية منيفة، للعالم العامل، قدوة العلماء الراسخين، و سند الفقهاء المتبحّرين، و راسم دقائق الرسوم و المراسم، بحر العلوم المتلاطم، مدار التحقيق، محرّر الأصول، مهذّب الفروع، المغترف من بحر فضله الأساطين و الفحول، مولانا الأفضل، و شيخنا الأعلم الأكمل، العالم الربّاني، الحاج آقا رضا الهمداني أصلا، و الغروي مسكنا و منشأ، دام ظلّه العالي على رءوس المسلمين، على كتاب الرسائل المسمّى بفرائد الأصول، للشيخ الإمام، معلّم علماء الإسلام، المفضّل مداده على دماء الشهداء، المتبرّك بوطء أقدامه أجنحة ملائكة السماء، رئيس الشيعة في عصره، و المنتهى إليه رئاسة الإماميّة في دهره، مالك أزمّة التحرير و التأسيس، و مربّي أكابر أهل التصنيف و التدريس، أكمل الفقهاء و المتبحرين، أتقن المتقدّمين و المتأخرين، محي مدارس التحقيق بعد اندراسه، و معيد مشاهد العلم بعد انطماسه، برهان الإسلام و المسلمين، علّامة العلماء الشامخين، استاذنا الأعظم، علم الهدى، الحاج شيخ مرتضى الأنصاري- طاب رمسه الشريف-، و قد تصدّى لطبعه نشرا لآثاره، و تعدّدا لنسخته التي هي كالدرّ اليتيم، و العقد النظيم، افتخار الحاج، و عمدة التجّار، زبدة أهل اصلاح و التقوى، و نخبة أولوا العقل و النّهى، الحاج محمّد اسماعيل الجهرمي أصلا، و الطهراني مسكنا، و القمّي شهرة، طلبا لمرضات اللّه، و رجاء لجزيل ثوابه، مع كمال الدقّة في تصحيحه و جودة طبعه في مطبعة الاستاذ الكامل آقا ميرزا حسن، و قد تمّ بعون اللّه في شهر شوال المكرّم من شهور سنة 1319 من الهجرة النبويّة».
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 11
هذا و طبعت الحاشية مرّة أخرى طبعة حجريّة في 131 صفحة ملحقة بأصل الكتاب في مجلّدين سنة 1377 ه بطهران، و جاء في ديباجة هذه الطبعة:
«لقد زيّن هذا الكتاب المستطاب بهذه التعليقات الشريفة التي علّقها عليه المرحوم المبرور، العلّامة آية اللّه الحاج آقا رضا الهمداني، الفقيه الزاهد البارع، الذي برز من حوزة درس علامة زمانه الميرزا محمّد حسن الشيرازي رحمه اللّه، و صنّف في الفقه مصباح الفقيه في شرح شرائع الإسلام، الذي لم يصنّف مثله في الدقّة … و هذه التعليقة من أحسن التعليقات التي علّقها تلاميذ الشيخ قدّس سرّهم و غيرهم من الأساتيد على الكتاب فهي مع اختصارها مشحونة بالفوائد و التحقيقات الثمينة، و الأفكار البديعة التي لا توجد في غيرها، فللّه درّ مصنفه المرحوم، و كان رحمه اللّه عالما عابدا زاهدا، متجنّبا عن الدنيا و زخارفها، مشغولا بالتدريس و التصنيف، و الخواصّ إلى مجلسه بحثه مشتاقون كشوق الحجيج إلى الصفا، و المريض إلى الشفاء، و الظمآن إلى الرواء …».
و قد استفاد من هذه الحاشية خلال قرن من طبعها، كلّ من أقدم على شرح الرسائل أو التعليقة عليها أو تدريسها أو مطالعتها و الاستفادة من قواعدها، و قد رغب الأعلام في الاستفادة منها- فضلا عمّا عددنا من صفات المصنّف- لسلاسة بيان المصنّف، و عذوبة جملاته و استرسالها، هذا فضلا عن مناقشاته المشحونة بالتحقيقات و التدقيقات الأصوليّة، و التطبيقات الفقهيّة و غيرهما ممّا قلّ نظيره في أمثاله من كتب الحواشي و التعليقات، و قد استفدت في إخراج هذه الطبعة المحقّقة من الطبعتين السابقتين، و خاصّة الطبعة الحجريّة الأولى، لأنّها طبعت في حياة المصنّف و تحت إشرافه، و نشرت في أيامه في الحوزات العلميّة فكان المعوّل عليها، و الإرجاع إليها. و اللّه من وراء القصد.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 13
ترجمة المؤلّف رحمه اللّه:
هو الشيخ رضا بن محمّد هادي الهمداني النجفي رحمه اللّه، الفقيه، الدّين، الزاهد، الورع، الثقة، فريد عصره في طريقته و علمه و زهده و ورعه لم يعهد مثله، كان من أجلّة الفقهاء الورعين، و من الأصوليّين المحقّقين، و الجامع لعلوم مدرستي النجف الأشرف و سامرّاء، ولد بمدينة همدان في حدود سنة ألف و مائتين و خمسين هجريّة أو بعدها، درس المبادئ في مسقط رأسه ثمّ هاجر إلى النجف الأشرف فحضر على شيخ العلماء المتأخّرين الشيخ الأعظم مرتضى الأنصاري، ثمّ على الإمام المجدّد السيّد ميرزا محمّد حسن الشيرازي، فلازمه في درسه و حلّه و ترحاله، فهاجر معه إلى سامرّاء بصحبته و استفاد من نمير علمه، ثمّ عاد بعد سنوات عديدة إلى النجف الأشرف، بعد أن ذاع صيت علمه و فضله، و أصبح من أعلامها، و حلّق حوله جماعة كبيرة، و لحسن حظّ المترجم له أنّ عددا من خيرة تلامذته كتبوا عن سيرته و حياته و أخلاقه، منهم العلّامة السيّد محسن الأمين العاملي في (أعيان الشيعة) و الشيخ آقا بزرگ الطهراني في (طبقات أعلام الشيعة).
قال الشيخ الطهراني: «الشيخ آغا رضا ابن الشيخ محمّد هادي الهمداني‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 14
النجفي، من أكابر العلماء المحقّقين، و مشاهير مراجع عصره، كان والده من العلماء الصّلحاء، و كان هو من أجلّة الفقهاء و أفضل الأعلام، هاجر إلى سامرّاء فلازم درس السيّد المجدّد الشيرازي سنين طوالا، و كان يكتب تقريراته، و داوم على ذلك مدّة مديدة إلى أن اشتهر أمره بين العلماء و الأفاضل، و برز بين زملائه الكاملين بروزا ظاهرا، و عدّ من أعاظم تلاميذ السيد المجدّد و أبرعهم في الفقه، و أطلعهم في الأصول، عاد إلى النجف في حياة استاذه، فالتفّ حوله جمع من أهل الفضل، و اشتغل بالتدريس و التأليف و الإمامة و غيرها من الوظائف، و كان ذا اطلاع واسع في الفقه و اصوله، و خبرة و تضلّع فيهما، شهد له بذلك جمع من معاصريه و كثير من المتأخرين عنه، و هو من أزهد أهل عصره و أورعهم و أتقاهم، كان يقضي أكثر أوقاته بين مطالعة و تدريس و كتابة و بحث، و كان في غاية الإعراض عن الدنيا و الزهد فيها، كما كان على جانب عظيم من طهارة القلب و سلامة الذات، و البعد عن زخارف الدنيا، رجع إليه النّاس في التقليد بعد وفاة أستاذه الشيرازي سنة 1312 ه، و علّق على كتاب (نجاة العباد) لعمل المقلّدين، لكن ثقل عليه ذلك، كراهة الرئاسة و الزعامة، و فرارا من المسئوليات التي تلقى على عاتق المرجع، و كان صادقا في ذلك حيث رأيناه بعد أن رأس و قلّد كما كان سابقا لم يتغيّر سيرته و لا مأكله و لا ملبسه، و اتّفق أن لم يطل ذلك، فقد ابتلى بالنسيان بعد فاصلة غير طويلة، و امتنع عن الفتيا و بقي مواظبا على التدريس. و قد تخرج عليه جماعة من الأجلاء منهم:
الشيخ ابو القاسم بن محمّد تقي القمّي، و الشيخ محمّد تقي الطهراني المقدّس، و الشيخ جعفر آل الشيخ راضي، و الشيخ علي القمّي، و الشيخ عبد الحسين ابن الشيخ محمّد تقي آل الشيخ اسد اللّه التستري الكاظمي، و السيد محسن الأمين العاملي، و ابن اخته و صهره الشيخ علي الهمداني، و الشيخ علي ابن الشيخ باقر
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 15
الجواهري، و الشيخ علي الحلّي، و الاخوان الشيخ أحمد و الشيخ محمّد الحسين آل كاشف الغطاء، و الشيخ جواد البلاغي، و السيد شكور الطالقاني، و عدّة من آل صاحب الجواهر و آل كاشف الغطاء و غيرهم، و هؤلاء من فضلاء الطبقة الأخيرة من تلاميذه الذين أدركت بحثه معهم.
و من قدماء تلاميذه: الحاج محمّد حسن كبّه (كما حدّثني به رحمه اللّه)، و السيد حسن الصدر (كما ذكره في بغية الوعاة)، و غيرهما أيضا ممن لا أذكر أسمائهم.
و كانت له مع تلاميذه و غيرهم من مختلف الطبقات سيرة حسنة، يتواضع لهم، و يدربهم و يفيدهم بأعماله كما ينفعهم و يهذّبهم بأقواله، و قد تأثّر بسيرته جمع من تلامذته، فكانوا نظرائه في حسن السّمعة عند الناس، و كان مترسلا في العيش إلى أبعد حدّ، يمشي في الليل و النهار وحده دون أن يكون بخدمته أحد من تلامذته أو غيرهم، فقد كان لا يسمح لهم بذلك، و كانت العادة في ذلك العصر أن يحمل امام العلماء و الأعيان سراج في الليل، أمّا المترجم له فكان غير حاضر لذلك أيضا، و كان يجلس مع تلامذته و أصحابه و كأنّه أحدهم، يترسّل في حديثه و جلسته، لم يسمع عنه أنّه استغاب أحدا طيلة عمره، و كان لا يسمح لأحد أن يغتاب آخر في مجلسه، فإذا أحسّ بمثل ذلك أورد مسألة علميّة في الحال و صرفهم عما كانوا فيه، و كان يقيم الصلاة بمسجد قرب داره لم يزل يعرف باسمه حتى اليوم، و كان يأتمّ به الأخيار و الأتقياء، مرض في الأواخر بالسلّ، فسافر إلى سامرّاء لتغيير الهواء، فتوفّى بها صبح الأحد 28 صفر عام 1322 ه عن نيّف و سبعين سنة، و دفن في الرواق الشريف من جانب أرجل الإمامين عليهما السّلام في الصّفة الأخيرة التي يطلع شباكها إلى زاوية الصحن المنوّر» «1».
______________________________
(1)- نقباء البشر في القرن الرابع عشر: ج 2/ 778- 776
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 16
هذا و قد أسهب تلميذه الآخر العلّامة السيد محسن الأمين العاملي في ترجمته خلال عدّة فصول فتحدّث عن وصف حاله العلمية، و زهده و ورعه و تقواه، و وثوق الخاصّة و العامّة به بما لا يثقونه بغيره، و تواضعه الشديد و حمله نفسه عليه في كلّ شي‏ء، و كراهة الشهرة و انعزاله عن النّاس، و مبدأ أمره و منتهاه، و بعض آرائه العلميّة، و بعض أحاديثه، و ولده و مشايخه و تلاميذه و مؤلّفاته، كلّ ذلك في الجزء التاسع ص 23- 19 من كتاب (أعيان الشيعة) فراجع.
مؤلّفاته:
ترك شيخنا الهمداني آثار جليلة أهمّها و أشهرها:
1- مصباح الفقيه: و هو الكتاب الذي نال به مؤلّفه شهرته الخالدة في الفقه، بل انتسب المؤلّف إلى المؤلّف، و اشتهر بأنّه صاحب (مصباح الفقيه)، و قيل في حقّه أنّه لا يستغني عنه الطالب المتوسط و الفقيه المجتهد المتمرس، و هو شرح مزجىّ لكتاب (شرائع الإسلام) للمحقّق الحلّي، و كانت طريقته في تأليفه أنّه في كلّ يوم كان يكتب منه مقدار صفحة ثمّ يمليها في صبيحة يوم التالي على تلامذته في مجلس البحث، فربّما كانوا ينتقدونه في بعض العبارات و يدوّن ما اجتمع رأيهم عليه أخيرا، و قد خرج منه كتاب الطهارة و الصلاة و الزكاة و الخمس و الصوم و الرهن، و قد حالت المنيّة بين المؤلّف و إكماله للكتاب، و قال آية اللّه العظمى السيّد محمّد الروحاني قدّس سرّه لو كانت دورة «مصباح الفقيه» كاملة لأستغنى الفقهاء عن كتاب (جواهر الكلام). و قد خرج هذا السفر أخيرا في طبعة محقّقة و باخراج جميل في 14 مجلّد على نفقة المحسن الكريم الحاج محمد تقي علاقه‏بنديان، دام فضله.
2- ذخيرة الأحكام في مسائل الحلال و الحرام: و هي رسالته العملية لمقلّديه في العبادات، و قد ترجمت إلى الفارسية باسم (الهداية) سنة 1319 ه.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 17
3- الوجيزة في الفقه: و هي في مهمّات مسائل الحلال و الحرام ممّا يتعلّق بالطهارة و الصلاة و الصوم.
4- حاشية الرسائل: و قد سمّاها ب (الفوائد الرضويّة على الفرائد المرتضويّة) فرغ منها في 21 جمادى الأولى سنة 1308 ه، و طبع سنة 1318 ه بطهران طبعة حجرية، و هو هذا الكتاب.
5- تقريرات: من أوّل كتاب البيع إلى آخر الخيارات لبحث استاده الميرزا محمّد حسن الشيرازي رحمه اللّه.
6- تقريرات: في أصول الفقه لبحث استاده الميرزا محمّد حسن الشيرازي رحمه اللّه.
7- الحاشية على (رياض المسائل).
8- الحاشية على كتاب (نجاة العباد).
9- حاشية المكاسب: و هي تحتوي على تعليقات الهمداني على كتاب (المكاسب) للشيخ الأنصاري، و هي تبدأ من كتاب البيع و تنتهي في آخر مباحث كتاب الخيارات، و الحاشية من بدايتها إلى منتصفها أشبه بالتقريرات حيث لم يعلّق على أقوال الشيخ في (المكاسب) إلّا نادرا، بل يذكر عناوين الأبواب و الفروع و المسائل المطروحة في كتاب (المكاسب) و من ثمّ يشرع في بيان المسائل المطروحة بالتفصيل. و قد صدرت بتحقيقنا عام 1420 هجرية.
عملنا في تحقيق الكتاب:
1- تقويم النصّ و تقطيعه بحسب ما هو متعارف عند أهل الفنّ.
2- تخريج النصوص المنقولة من كتاب (فرائد الأصول)، و قد أرجعنا التخريجات إلى طبعتين من الرسائل و هما:
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 18
أ: الطبعة الحجريّة: المطبوعة أولا سنة 1326 ه بخطّ الكاتب و هو «العبد الخاطئ، و الرقّ الآثم الفاني، المهتدي بهداية ربّه الهادي، مصطفى النجم‏آبادي، غفر اللّه ذنوبه» و قد تكرّر طبع هذه الطبعة خلال السنوات اللاحقة التي تلت الطبعة الحجريّة الأولى، و تداولت نسخها عند أهل العلم و الطلاب بحث لا تخلو مكتبة طالب علم من نسخة منها، خاصّة و أنّ هذه الطبعة مذيلة و محشية بتعليقات أحد شرّاح الرسائل و هو العلّامة الشيخ رحمت اللّه الكرماني.
ب: الطبعة المحقّقة: و هي الطبعة المحقّقة التي أصدرتها «الأمانة العامّة للمؤتمر العالمي بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لميلاد الشيخ الأنصاري قدّس سرّه» عام 1419 ه في أربع مجلدات.
3- إضافة العناوين الأصليّة للفروع التي تعرض لها المحشّي من كتاب (فرائد الأصول) و علّق عليها، و قد جعلتها في مستطيل الظلّ.
4- تخريج بعض الروايات و الأحاديث التي استشهد بها المصنّف، و لم يكن قد ذكرها المصنّف في رسائله.
5- تقديم الكتاب بمقدّمة ضافية عن المعلّق، و موجزة عن المعلّق على كتابه، أي الشيخ الهمداني و الشيخ مرتضى الأنصاري رحمهما اللّه تعالى.
و في الختام ابتهل إلى اللّه العلي القدير لتوفيقه إيّاي في إخراج هذا الكتاب إلى الملأ العلمي و الحوزات العلميّة، و أقدّم شكري لكلّ من ساعدني في إخراج الكتاب معنويّا و ماديّا، و أخصّ بالذكر الباذل الكريم الحاج محمد تقي علاقه‏بنديان دام فضله حيث طبع هذا الكتاب و غيره على نفقته الخاصة، فشكر اللّه مساعيه، و أجزل له الأجر و الثواب، و آخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين.
محمّد رضا الانصاري القمّي‏
صفر عام 1421 هجريّة
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 19
[تصوير]
مصوّرة الورقة الأولى من الطبعة الحجريّة
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 20
[تصوير]
مصوّرة الورقة الأخيرة من الطبعة الحجريّة
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 21
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏ الحمد لله ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على خير خلقه محمّد و آله الطاهرين، و لعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.
و بعد: فيقول العبد الفقير إلى رحمة ربّه محمد رضا ابن الشيخ الفقيه الآقا محمد هادي الهمداني، تغمّده اللّه برحمته و رضوانه، هذه نبذة ممّا سنح لي حين تسريح النظر في رياض رسائل شيخ مشايخنا المرتضى- قدّس اللّه نفسه و طيّب رمسه- في كشف معضلاتها، و حلّ مشكلاتها، أسأل اللّه تعالى أن ينفع بها المحصّلين من اخواننا المؤمنين، إنّه خير موفّق و معين.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 23
[المقصد الأول في القطع‏]
[في حجّية القطع‏]
قوله قدّس سرّه: اعلم أنّ المكلّف … إلخ‏ «1».
أقول: قد يقال غير الملتفت غير مكلّف، فالاشتراط مستدرك.
و فيه: إنّ الالتفات كالعلم شرط في تنجّز التكليف، أي الزام العقل بالخروج عن عهدته، و حسن المؤاخذة على مخالفته، لا في صيرورة المكلّف مكلّفا، أي مأمورا بالفعل أو الترك.
و إن شئت قلت: إنّ الغفلة عذر عقلي في ترك امتثال التكليف لا في توجّهه إلى المكلّف، و سيأتي لذلك مزيد توضيح عند البحث عن صحّة عقاب الجاهل المقصّر.
هذا، مع أنّا لو قلنا بأنّ المكلّف اسم لمن تنجّز في حقّه التكليف، لا مطلق من توجّه إليه الطّلب، لصحّ أيضا إطلاق اسم المكلّف عليه، بواسطة علمه الإجمالي بثبوت تكاليف في الشريعة، الموجب لتنجّزها عليه، و إن لم يلتفت إلى آحادها مفصّلة.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 2، سطر 1، 1/ 35.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 24
قوله قدّس سرّه: لأنّ الشكّ … إلخ‏ «1».
أقول: حاصل ما أفاده قدّس سرّه في المتن أنّ الشكّ الملحوظ فيه الحالة السابقة، مجرى الاستصحاب، سواء كان شكّا في التكليف أو في المكلّف، و هنا لم يلاحظ فيه الحالة السابقة، سواء لم يكن له حالة سابقة أو كانت و لم تلاحظ، امّا على سبيل الفرض أو لعدم المقتضى للملاحظة، كما لو كان الشكّ في المقتضي- بناء على المختار- من عدم حجّية الاستصحاب فيه، أو لوجود المانع، كما لو علم إجمالا بارتفاع حكم معلوم في السابق و كان المشكوك من أطراف ما علم بالإجمال، فانّ العلم الإجمالي مانع من إجراء حكم الشكّ في أطرافه بملاحظة حالتها السابقة (كما يأتي تحقيقه في محلّه إن شاء اللّه تعالى)، فإن لم يمكن فيه الاحتياط، فهو مجرى التخيير مطلقا، و إن أمكن فيه الاحتياط، فإن كان الشكّ فيه بأصل التكليف فهو مجرى البراءة، و إن كان في المكلّف به فهو مجرى الاحتياط.
و يرد عليه: انّ مقتضى ما ذكره أنّه لو دار الأمر بين الحرمة و الوجوب و الإباحة، أن يكون مجرى التخيير، مع أنّه مورد البراءة، و كذا لو دار الأمر بين الحرمة و الوجوب، لا لتعارض التعيّن، فانّه قدّس سرّه لم يستبعد في الفرض القول بالبراءة ما لم يستلزمه مخالفة عملية، خصوصا إذا كانت الشبهة موضوعية كما ستعرف، مع أنّ مقتضى ما ذكره أن يكون موردا للتخيير.
و دعوى رجوع التخيير إلى البراءة في مقام العمل، هدم للأساس، و لعلّه لأجل ما ذكر غيّر العبارة و أتى في الحاشية. و بعبارة اخرى أحسن، لكن عدّها عبارة اخرى عمّا في المتن لا يخلو عن مسامحة، فانّ مؤداهما متغايران. اللهمّ إلّا أن يلاحظ في ذلك اتحاد المطلب الذي تعلّق الغرض ببيانه بالعبارتين في الواقع، و هو تشخيص مجاري الاصول على مختاره، فعبّر عنه أوّلا بعبارة قابلة للنقض بما عرفت، فلمّا رأى‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 2، سطر 3، 1/ 25.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 25
ذلك عبّر عنه ثانيا بعبارة سالمة عن الانتقاض.
و كيف كان، فلا يتوجّه على ما في الحاشية النقض بشي‏ء من المثالين، أمّا الأوّل فواضح، لأنّه شكّ في التكليف، و المرجع فيه البراءة مطلقا على ما في الحاشية، و الثاني أيضا كذلك، بناء على أن يكون المراد من العلم بالتكليف، العلم بنوعه لا جنسه، كما صرّح بذلك في أوائل أصل البراءة و لكنّك ستعرف في أواخر المبحث ضعف هذا البناء، و انّ العلم الإجمالي بجنس التكليف كالعلم بنوعه موجب لتنجّزه، و وجوب الخروج عن عهدته بالاحتياط مع الإمكان، كما لو دار الأمر بين وجوب شي‏ء و حرمة شي‏ء آخر، أو وجوب شي‏ء في وقت و حرمته في وقت آخر، و غير ذلك من الأمثلة التي ستسمع بعضها في أحكام الخنثى، فالأولى حمل العلم بالتكليف على ما يعمّ العلم بجنسه، كي لا يتوجّه عليه النقض بشي‏ء من الموارد، عدا ما سيذكره من الرجوع إلى البراءة في دوران الأمر بين المحذورين ما لم يستلزم مخالفة عملية، و ستعرف أنّ هذا لا يخلو عن نظر بل منع، فانّ المتّجه فيه أيضا التخيير لا البراءة.
ثمّ لا يخفى عليك أنّ حصر الاصول في الأربعة ليس عقليا بل هو- على مختاره- بحسب ما استفاده من الأدلّة العقلية و النقليّة، فالحصر استقرائي لا عقليّ.
نعم، حصر الحكم المشكوك فيه، في كونه مجرى لشي‏ء من هذه الاصول عقلي.
ثمّ أنّ المقصود في المقام إنّما هو بيان الاصول الأوّلية المعتبرة للشكّ التي يرجع إليها لو لم يدلّ دليل على خلافها، فلا ينتقض ببعض الاصول الثانوية الثابتة في بعض الموارد بأدلّة خاصّة، كقاعدة الشكّ بعد الفراغ، و اصالة الصحّة، و البناء على الأكثر في باب الصلاة و غير ذلك.
هذا مع أنّ هذه الاصول و نظائرها اصول يرجع إليها في الشبهات الموضوعية، و هي ممّا لم يتعلّق الغرض بالبحث عنها، و ذكرها في الكتاب استطرادي، و إنّما
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 26
المقصود في المقام بيان الاصول التي يرجع إليها عند الشكّ في الحكم الشرعيّ الكلّي الصادر من الشارع، و هي منحصرة في الأربعة على ما هو التحقيق، و اللّه العالم.
تنبيه:
الأحكام الوضعية كالشرطيّة و السببيّة و المانعيّة و نحوها- بناء على كونها منتزعة من الأحكام التكليفيّة، كما هو التحقيق- ليست هي بنفسها مجاري للاصول، إذ لا تأصّل لها، فهي تابعة لمنشا انتزاعها.
و أمّا على القول بكونها بذاتها مجعولة، فالاصول الجارية فيها ليست إلّا الاستصحاب، إذ لا معنى للتخيير أو الاحتياط في السببية و نحوها، أو البراءة عنها، و متى جرى الاستصحاب فيها، بأن كانت لها حالة سابقة ملحوظة، لم يعارضه شي‏ء من الاصول الجارية في الأحكام التكليفية، فانّ الأصل الموضوعي حاكم على الأصل الحكمي، و إن لم يكن لها حالة سابقة ملحوظة، فلا أصل بالنسبة إليها، فحينئذ يرجع في مقام العمل إلى الاصول الجارية في الأحكام التكليفية.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 27
[في القطع‏]
قوله قدّس سرّه: و ليس طريقيته قابلة لجعل الشارع … الخ‏ «1».
أقول: امّا نفيا فواضح، للزوم التناقض كما حقّقه المصنّف، و امّا إثباتا فلأن ما لا يمكن رفعه لا يمكن إثباته أيضا بجعل مستقل، ضرورة كونه ضروريّ الثبوت في الفرض، و الجعل إنّما يتعلّق بالممكن لا بالواجب و الممتنع، فلوازم الشي‏ء انّما ينجعل بجعل ذات الشي‏ء، لا بجعل على حدة، و إلّا لخرج عن كونه لازما، لجواز الانفكاك عند فرض عدم تعلّق الجعل به، و هو ينافي اللزوم، و لذا قيل: «إنّ اللّه تعالى ما جعل المشمش مشمشما بل أوجده»، و هذا ظاهر بعد أدنى التفات.
و الحاصل: إنّه متى اعتقد الشخص اعتقادا جزميا بكون هذا الشي‏ء بولا، بحيث لم يحتمل الخطأ، و علم انّ البول مطلقا نجس، امتنع منعه عن ترتيب آثار النجس على ذلك الشي‏ء، فانّه يراه تفكيكا بين اللّازم و ملزومه مع معلوميّة الملازمة، و امّا لو لم يجزم بذلك و احتمل الخطأ، بأن ظنّ بكونه بولا، فلا يحكم عقله‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 2، سطر 11، 1/ 29.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 28
بلزوم ترتيب أثر البول على ذلك الشي‏ء، فلو وجب عليه ذلك، لوجب أن يكون بدليل تعبّدي.
فقد يكون مفاد ذلك الدليل التوسعة في الحكم الشرعي، و تعميمه على وجه يعمّ مظنون البول.
و قد يكون مفاده التصرّف في الموضوع، و تنزيل المظنون منزلة الواقع.
و قد يكون مفاده نصب الطريق، و المنع عن الاعتناء باحتمال الخطأ، من غير تصرّف في الحكم و لا في موضوعه.
و مرجع هذه التصرّفات بأسرها، و إن كان لدى التحليل إلى إيجاب ترتيب أثر البول على المظنون، لكن ربّما يترتّب على اختلاف متعلّق الجعل ثمرات في مقام الاستنباط ليس المقام مقام شرحها.
و كيف كان، فمفاد أدلّة حجّية الأمارات إنّما هو القسم الأخير، كما لا يخفى على المتأمّل.
قوله قدّس سرّه: لأنّ الحجّة عبارة … الخ‏ «1».
أقول: إطلاق الحجّة على خصوص الأوسط ليس على مصطلح أهل الميزان، لأنّ الحجّة و الدّليل عندهم عبارة عن التّصديقات المعلومة الموصلة إلى تصديقات مجهولة، و لكن الإطلاقين متقاربان، بل يرجع كلّ منهما إلى الآخر بأدنى مسامحة، كما سنشير إليه.
و الظاهر أنّ الدليل في مصطلح الاصوليين- على ما عرّفوه بأنّه ما يمكن التوصّل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري- ينطبق على ذلك.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 2، سطر 12، 1/ 29.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 29
نعم، ذكر العضدي في «الشرح» ما ينافي بظاهره ذلك، حيث قال بعد بيان الفرق بين الاصطلاحين:
«و اعلم أنّ الحاصل أنّ الدليل عندنا على إثبات الصانع هو العالم، و عندهم أنّ العالم حادث، و كلّ حادث له صانع» انتهى.
و تبعه فيما أفاده بعض المحقّقين من المتأخّرين، و لكنّك خبير بأنّ ذات العالم من حيث هي ليست ممّا يتوصّل بالنظر إليها إلى إثبات الصانع، بل المتوصّل به إليه إنّما هو وصفه، أعني حدوثه، فتسميته العالم دليلا إمّا مسامحة أو اشتباه، و كيف لا، مع أنّ مصداق الدّليل عند الاصوليين إنّما هو الكتاب و السنّة و الإجماع و العقل، و هي أوساط لإثبات الأحكام الفرعيّة لموضوعاتها لا غير.
و يؤيّد ما ذكرنا ما علّقه بعض على بعض الكتب الاصولية الذي لم أعرف مصنّفه ما لفظه:
«و حيث كان المستلزم للعلم بالنتيجة هو العلم بالقياس، كان هو الدليل، كما عليه هل الميزان، و امّا غيرهم من أهل المعقول، فالدليل عندهم محمول الصغرى، كالمتغيّر في قولنا «العالم متغيّر» و الوجه هو الأوّل، لأنّ العلم بالتغيّر إنّما يستلزم العلم بالحدوث بواسطة الكبرى القائلة «إنّ كلّ متغيّر حادث، و كيف كان هو اصطلاح و لا مشاحة فيه»، انتهى.
و قد أشرنا إلى أنّ اصطلاح الاصوليين أيضا ينطبق على هذا الاصطلاح، كما هو ظاهر عبارة المصنّف قدّس سرّه، و يمكن الاعتذار عنهم عمّا أورده في المقام بأنّهم يعتبرون ذلك شرطا للتوصّل لا جزء للدليل، إذ بدون العلم بذلك لا يتحقّق صحيح النظر، فاعتباره وصفا للدليل مغن عن ذلك، و قد صرّح المحقّق القمّي قدّس سرّه في بعض حواشيه على القوانين بذلك فلاحظ.
هذا، مع امكان أن يقال إنّ اصطلاح غير أهل الميزان أنسب من اصطلاحهم،
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 30
بالنظر إلى ما يساعد عليه اطلاقات العرف في محاوراتهم، حيث يعلّلون الشي‏ء بما يقع وسطا في القياس الاقتراني، فيقال مثلا علّة تحريم هذا الشي‏ء اسكاره، أو نهي الشارع عنه، و علّة الحكم بحدوث العالم تغيّره و هكذا، و هذا و إن كان مرجعه لدى التحليل إلى قضيّة خبرية، و هي «أنّ هذا مسكر، و كلّ مسكر حرام»، لكن النسبة الخبرية التي تضمّنها الإضافة اسناد ناقص، غير ملحوظ على سبيل الاستقلال، فهي بالشرط أشبه، كما يؤيّد ذلك أنّ المنطقيين مع ما هم عليه من الاصطلاح، كثيرا ما يطلقون العلّة التي هي مساوقة للدليل و الحجّة على الوسط، فانّهم مثلا يقولون في مقام بيان الفرق بين البرهان اللّمي و الإنّي، إنّ اللّمي هو الذي يكون الحدّ الأوسط فيه علّة للنسبة في الذهن و العين، و الإنّي هو الذي يكون الحدّ الأوسط فيه علّة للنسبة في الذهن فقط. فظهر بما ذكرنا أنّ ما عليه أهل الميزان مجرّد اصطلاح، و إلّا فلا مدخلية لذات الأصغر و الأكبر في الإيصال من حيث ذاتهما، و إنّما الموصل هو خصوص الأوسط بالنظر إلى عوارضه، من حمله على شي‏ء و وضعه لشي‏ء، فالحمل و الوضع من شرائط الدلالة لا من مقوّمات الدليل، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: فقولنا الظنّ حجّة … الخ‏ «1».
أقول: يمكن المناقشة فيه، بأنّ مفاد جعل الظنّ طريقا، ليس إلّا إثبات نفس المتعلّق به أوّلا و بالذّات- كما تقدّمت الإشارة إليه- فيتبعه آثاره، لا إثبات الآثار أولا و بالذّات حتى يكون الطريق واسطة في إثباتها، فالطريق واسطة في إثبات نفس المتعلّق لا أحكامه، فلا يطلق عليه الحجّة حقيقة بالتفسير المذكور.
و يتولّد من هذه المناقشة اخرى في قياسه، حيث جعل قوله «يجب‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 2، سطر 13، 1/ 29.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 31
الاجتناب عنه» كبرى لقوله «هذا مظنون الخمريّة» مع أنّ كبراها على ما يقتضيه لسان دليل الطريق «و كلّ مظنون الخمرية خمر بحكم الشارع»، ثمّ ينضمّ إلى هذه النتيجة كبرى اخرى شرعية و هي «كلّ خمر يجب الاجتناب عنه»، فينتج وجوب الاجتناب عن متعلّق الظنّ.
و يمكن الذّب على المناقشة: بأنّ مفاد ظاهر دليل الجعل و إن كان ما ذكر، إلّا أنّ الجعل انّما يتعلّق بالشي‏ء بلحاظ آثاره، فقولنا «صدق العادل في إخباره بأنّ هذا بول» و إن كان معناه الأوّلي اثبات وجود البول بقوله، إلّا انّه بعد أن علم أنّ إيجاب تصديقه بمعنى الإذعان بقوله، أو البناء على ثبوته بلحاظ آثاره الغير المجعولة، غير معقول [أن‏] ينزل الكلام على إرادة تصديقه بلحاظ ترتيب آثاره المجعولة، فقوله «صدّق العادل في إخباره بأنّه بول» و إن كان في بادئ النظر الأمر بالبناء على أنّه بول، إلّا أنّه عند التحليل يئول إلى إيجاب ترتيب آثار البول على المخبر عنه لا غير.
هذا، مع أنّ المناقشة الاولى ناشئة عن الغفلة عن فهم الحكم في المقام، و تخصيصه بغير الوصف العنواني، مع انّ المقصود بالحكم في قولنا «الوسط واسطة في اثبات حكم الأصغر له» أنّ به يثبت مفهوم المحمول الذي هو الأكبر لذات الموضوع الذي هو الأصغر، فقولنا «هذا خمر» مثلا معناه أنّ الذات المشار إليها مندرجة تحت مفهوم الخمر، فيصير المفهوم أثرا من آثار الذّات، و عنوانا من عناوينها، و من المعلوم أنّ إثبات اتصاف المشار إليه بهذا الحكم يحتاج إلى وسط، كقولنا «هذا الشي‏ء مسكر مائع، و كلّ مسكر مائع خمر» فقولنا «هذا مظنون الخمرية، و كلّ مظنون الخمرية خمر بحكم الشارع» كالمثال المتقدّم برهان لإثبات الأكبر للأصغر، و معنى كونه خمرا بحكم الشارع، التعبّد بعدم الاعتناء باحتمال خطأ الظنّ، و البناء على كون الشي‏ء مصداقا لمفهوم الخمر.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 32
و لكنّك عرفت أنّ التعبّد بذلك من حيث البناء و الاعتقاد غير معقول، فلا بدّ من تنزيل حكمه بالتعبّد بذلك على إرادة ترتيب آثاره الشرعية في مقام العمل، و لذا قال المصنّف قدّس سرّه إنّها واسطة في ترتيب أحكام متعلّقه، مشيرا إلى أنّ التعبّد بالخمرية ينحلّ إلى ذلك.
و بما ذكرنا ظهر أنّ جعل الظنّ طريقا إلى شي‏ء، يستلزم صحّة إطلاق الحجّة عليه، و لا يحتاج في تقوّم صدق الحجّية إلى ثبوت حكم شرعي له زائدا على التعبّد بوصفه العنواني.
نعم، ثبوت حكم شرعي له في الجملة للتعبد بالوصف، لا لإطلاق الحجّة عليه، فلا يتفاوت الحال بين أن يكون الظن طريقا صرفا، أو يكون بعنوان طريقتيه إلى متعلّقه مأخوذا في موضوع حكم آخر، كما سيأتي الإشارة إليه في عبارة المصنّف قدّس سرّه، لأنّ المصحّح لإطلاق الحجّة عليه مجرّد جعله طريقا معتبرا لإثبات متعلّقه، سواء كان المقصود باثباته ترتيب آثار نفس المتعلّق، أو حكم آخر يكون لثبوت المتعلّق دخل في تحقّق موضوع ذلك الحكم.
قوله قدّس سرّه: و الاصول العمليّة … الخ‏ «1».
أقول: يعني في الجملة، كما سيشير إليه في عبارته الآتية.
قوله قدّس سرّه: الاصول‏ «2».
أقول: كالاستصحاب و أصالة الصحّة و نحوها، و امّا الاحتياط و التخيير فلا يصلحان لذلك كما هو واضح، و امّا أصل البراءة فهو أيضا كذلك بناء على عدم‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 4، سطر 1، 1/ 33.
(2)- فرائد الأصول: ص 4، سطر 2، 1/ 33. و في الأصل: (أو بعض الأصول).
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 33
اعتباره من باب الظنّ كما هو التحقيق، و امّا إن قلنا بأنّ اعتباره من حيث إفادته للظنّ، فينوب مناب العلم كالاستصحاب، بل يندرج على هذا التقدير في الامارات و ان لم نسمّه باسمها اصطلاحا، كما هو واضح.
بقي هنا إشكال و هو أنّ مقتضى ما ذكرنا من عدم معقولية نصب الطريق بالنسبة إلى ما لا أثر لمتعلّقه شرعا، امتناع قيام الطرق المجعولة مقام العلم، فيما أخذ العلم جزء للموضوع و لو بعنوان الطريقية، ضرورة خلوّ المتعلّق عن الحكم على هذا التقدير، فلا يعقل عموم دليل النصب لهذا المورد، حتّى يصير المتعلّق بسببه ذا الطريق، فكيف يثبت له الحكم الثابت لموضوع قام عليه طريق؟!
و بعبارة اخرى: الحكم المترتّب على الطريق باعتبار كونه جزء للموضوع، لا يعقل أن يكون مقوّما لطريقية الطريق الذي هو جزء موضوعه، لكونه دورا ظاهرا.
و يمكن التفصّي عنه- مضافا إلى ما سيذكره المصنّف جوابا عن نظير الإشكال في طيّ الاستدلال على حجّية خبر العادل- بأنّ ما ذكرنا من عدم المعقولية إنّما هو فيما إذا لم يكن له مدخلية في الأحكام الشرعية أصلا، و امّا إذا كان له مدخلية في حكم شرعي كان جزء من موضوعه فلا، و كيف لا و له على هذا التقدير حكم شرعي تقديري كسائر الأحكام الشرعية التقديرية، فلا فرق بين ما لو حكم الشارع بنجاسة العصير على تقدير غليانه، أو على تقدير ثبوته، في كون كلّ منهما حكما شرعيا ثابتا لموضوع العصير، فكما لا قصور فيما دلّ على حجّية البيّنة بلحاظ الحكم الأوّل، فكذا بالنسبة إلى الثاني، لكن التقدير الذي جعله الشارع شرطا لتنجّز الحكم، يتحقّق في الثاني بنفس قيام الطريق، و ما ذكرنا من أنّ مرجع الأمر بتصديق العادل، و عدم الاعتناء باحتمال كذبه، إلى إيجاب ترتيب آثار المخبر عنه في مقام العمل، فليس المقصود به رجوعه إلى ما يستظهر من عبارته حتّى يدّعي‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 34
انصرافه عن مثل المقام، بل المقصود أنّ المصحّح لنصب الطريق إنّما هو ملاحظة الآثار، فينحل إليه بالتحليل العقلي، و يكفي في الجواز عقلا مجرّد أثر و لو تقديري، أو بوسائط امور عقلية أو عادية، كما هو واضح.
و بهذا ظهر لك أيضا اندفاع ما قد يقال في تقرير الإشكال بتقريب آخر، و هو أنّه يمتنع شمول دليل جعل الطريق لمّا كان مأخوذا في الموضوع و لو بعنوان الطريقية، لأنّ الطريق المفروض إمّا أن يكون ملحوظا من حيث كونه مرآة إلى حكم المتعلّق، أو من حيث نفسه، و هاتان الملاحظتان ممّا لا يعقل اجتماعهما في استعمال واحد، لتضادّهما ذاتا كالمعنى الاسمي و الحرفي، نظير ما لو قال «لا تنقض اليقين بالشك»، فامّا أن يراد عدم نقض نفس اليقين من حيث هو، فينطبق على قاعدة اليقين، أو عدم نقض الشي‏ء الذي احرز وجوده في السابق، فينطبق على الاستصحاب، و لا يمكن ارادتهما من عبارة واحدة كما ستعرفه في مبحث الاستصحاب.
توضيح الاندفاع: إنّ الطريق المنصوب إنّما لوحظت مرآة صرفا، و طريقا محضا إلى ذات المتعلّق من حيث هي، لا إلى حكمه حتّى يتوجّه هذا الإشكال، مع أنّك عرفت أنّه لو فرض كون معناه ترتّب حكم المتعلّق أيضا لا يقصر عن الشمول، بعد أن فرضنا له حكما تقديريا.
هذا، مع إمكان الالتزام بإرادة ترتيب أثر الحجّية من حيث هو الذي هو، بمنزلة المعنى الاسمي، فيكون معنى «صدّق العادل» وجوب ترتيب أثر كون المخبر به ثابتا، و هذا أعمّ من أن يكون الأثر الشرعي للمجموع المركّب أو لأجزائه، فالأثر الشرعي الثابت لذات الشي‏ء هو أثر هذا الشي‏ء الثابت، أ لا ترى أنّا لو قلنا بأنّ المراد من اليقين في المثال هو نفس اليقين من حيث هو، فنقضيه الذي تعلّق به النهي يشمل عدم الصّلاة مع الطّهارة التي كان على يقين منها، مع كونها من آثار المتيقّن لا اليقين من حيث هو، و بهذا ظهر لك أنّا و إن التزمنا بأنّ الملاحظتين‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 35
لا يجتمعان، فلا يمكن إرادة القاعدة و الاستصحاب من المثال، لكن آثار اليقين المحكوم بإبقائها حال الشكّ أعمّ ممّا كان ثابتا لنفس اليقين أو لمتعلّقه، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: فانّه يكفي في الوجوب الاستصحاب‏ «1».
أقول: قد يناقش في ذلك بأنّ وجوب التصدّق ليس من الأحكام المجعولة لحياة زيد حتّى يترتّب على استصحابه، بل الوجوب إنّما هو لأجل كون التصدّق من مصاديق الوفاء بالنذر، فثبوت الوجوب فرع إحراز كون التصدّق وفاء بالنذر، و احرازه من اللوازم العقلية للحياة، فلا يترتّب احكامه على استصحاب الحياة، إلّا بناء على اعتبار الاصول المثبتة التي لا نقولها، تبعا لشيخنا المصنّف، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: فيقال حينئذ إنّه حجّة «2».
أقول: امّا إطلاق الحجّة عليه، فيما إذا كان مجعولا، لإثبات حكم متعلّقه، فقد عرفت وجهه.
و أمّا إطلاقها عليه فيما إذا كان مأخوذا في الموضوع بعنوان الطريقية لحكم آخر، فانّما هو بلحاظ كونه وسطا في اعتبار نقس المتعلّق بلحاظ آثاره المترتّبة عليه، التي هي عبارة عن الحكم التقديري، حسبما أشرنا إليه فيما سبق، و أمّا بملاحظة ذلك الحكم الآخر الذي جعل الطريق جزء من موضوعه، فلا يطلق عليه الحجّة كالعلم، إذ لا فرق من هذه الجهة بين العلم و الطرق المجعولة، و إنّما الفارق بينهما في كيفية الطريقية، حيث أنّ العلم طريق بنفسه، و غيره طريق بجعل الشارع، و كونه طريقا مجعولا لا ملازم لصحّة إطلاق الحجّة عليه، لكونه واسطة في إثبات المتعلّق،
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 4، سطر 10، 1/ 34.
(2)- فرائد الأصول: ص 4، سطر 15، 1/ 35.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 36
سواء كان لإثبات حكم نفسه أو لحكم آخر.
و أمّا إطلاق الحجّة عليه مع كونه واسطة في إثبات نفس المتعلّق لا حكمه، فقد عرفت الجواب عنه فيما تقدّم.
قوله قدّس سرّه: و قد يؤخذ موضوعا لا على وجه الطريقية … الخ‏ «1».
أقول: وجهه قد ظهر ممّا تقدّم، حيث أنّه في الفرض لم يؤخذ طريقا شرعيا حتّى يكون واسطة في إثبات نفس المتعلّق، كي يصحّ إطلاق الحجّة عليه بلحاظه.
و أمّا بملاحظة الحكم الذي اخذ جزء من موضوعه، فقد عرفت أنّه كالعلم لا يتّصف بالحجيّة، و لا فرق بينهما من هذه الجهة.
قوله قدّس سرّه: لحكم متعلّقه‏ «2».
أقول: متعلّق بالطريقية، فيكون قيدا للمنفي لا ب «موضوعا» بحكم الضّرر حتى يكون معنى العبارة أنّه قد يؤخذ الظنّ موضوعا لحكم متعلّقه، أو لحكم آخر لا من حيث الطريقية، فيفسد المعنى، حيث أنّ الحكم الشخصي لا يعقل قيامه بموضوعين، فحاصل المعنى من أوّل قوله «ثمّ» إلى آخره أنّه كما أنّ العلم قد يكون طريقا محضا لإثبات متعلّقه، و قد يكون مأخوذا في موضوع الحكم إمّا بعنوان الطريقية، أو بعنوان أنّه صفة خاصّة، كذلك الظنّ يتصوّر فيه هذه الوجوه، و لكن بينهما فرق، و هو أنّ العلم طريق بنفسه فلا يتّصف بالحجّية أصلا، و أمّا الظنّ المعتبر إذا اخذ بعنوان الطريقيّة يتّصف بالحجّية، سواء كان أخذه طريقا إلى المتعلّق لإثبات حكم نفس المتعلّق، أو لإثبات حكم آخر ثابت للمتعلّق الثابت بطريق، و أمّا إذا لم‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 4 سطر 15، 1/ 35.
(2)- فرائد الأصول: ص 4 سطر 16، 1/ 35.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 37
يؤخذ بعنوان الطريقيّة، فلا يطلق عليه الحجّة، فهو كالعلم حينئذ.
و قد يتوهّم تنزيل العبارة على معنى آخر بعيد غاية البعد، استنادا إلى بعض القرائن، مثل قوله «مأخوذا» حيث أنّ الظاهر منه إرادة القطع الذي اخذ جزء الموضوع، و كذا قوله في أكثر النسخ بدل مجعولا لا على وجه الطريقية «موضوعا» إلى غير ذلك من المناسبات، و هو أنّ غرضه تشبيه الظنّ الذي اخذ جزء الموضوع بكلا قسميه، بالعلم الذي هو كذلك، فعلى هذا لم يتعرّض لما اخذ طريقا صرفا.
فحاصل المعنى على هذا الاحتمال: إنّ الظنّ المعتبر طريق مجعول، فهو وسط في ترتيب أحكام متعلّقه بالتقريب الذي تقدّم، سواء كان أخذه موضوعا لحكم متعلّقه نوعا، أو لحكم آخر، مثلا الظنّ مأخوذ في موضوع الأحكام الظاهرية لكونه طريقا إلى الأحكام الواقعية، فإن طابق الظنّ الواقع يتّحد الحكم الظاهري الواقعي نوعا، امّا شخصا فغير معقول كما هو واضح، و إن تخلّف عن الواقع، فالحكم الظاهريّ حكم آخر مغاير لحكم المتعلّق الذي اخذ الظنّ طريقا إليه، هذا إذا كان مأخوذا بعنوان الطريقيّة.
و امّا إذا اخذ من حيث أنّه صفة خاصّة، فهو أيضا صالح لأن يكون موضوعا لحكم متعلّقه تعبّدا بحكم الضرر من دون ملاحظة الكشف فيه، و قد يكون موضوعا لحكم آخر غير حكم المتعلّق، و فيه ما لا يخفى من البعد، و عدم صلاحيّة المناسبات المزبورة لحمل العبارة على إرادة هذا المعنى.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 38
[في التّجري‏]
قوله قدّس سرّه: و المسألة عقليّة «1».
أقول: كأنّه أراد بذلك كونها عقلية بحسب المدرك، حيث لم يستدلّ أحد فيها بالدليل السّمعي، بل اعتمدوا في ذلك على حكم العقل، و في مثله يبعد استكشاف قول الإمام من قول العلماء بطريق القطع، و لو كان اتفاقيا، و ليس غرضه أنّ المسألة عقلية محضة، و إلّا لحصل التنافي بينه و بين تحريره لمحلّ النزاع، كما لا يخفى.
قوله قدّس سرّه: و الحاصل أنّ الكلام … الخ‏ «2».
أقول: ظاهر كلامه أنّ النزاع في التجرّي إنّما هو في ان غير المحرّم ذاتا، هل يؤثر تعلّق الاعتقاد بحرمته في صيرورته حراما شرعيّا، فيكون جهة من جهات الفعل التي يتعلّق بسببها الأحكام بمتعلّقاتها أم لا؟
و لا يخفى عليك أنّه لو كان النزاع على ما حرّره، فالأقوى فيه المنع، لعدم كون‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 5، سطر 7، 1/ 39.
(2)- فرائد الأصول: ص 5، سطر 12، 1/ 39.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 39
الفعل اختياريّا بعنوان ذاته، و لا بعنوان كونه تجرّيا، أي غير محرم اعتقد حرمته، فيمتنع تعلّق النهي به بهذه الملاحظة، و امّا بعنوان كونه شيئا اعتقد حرمته، و إن كان فعلا اختياريّا، أمكن أن يحكم عليه بحكم مماثل لحكم ذاته، فيرى المعتقد أنّ اعتقاده جهة من الجهات التي يتأكّد بها مصلحة الواقع و مفسدته، و لكنّه يرى الأمر به و النهي عنه بلحاظ هذه الجهة عبثا، لكفاية الحكم الواقعي المتعلّق بالشي‏ء في البعث على الإتيان، أو التجنّب عن المعلوم، إلّا أن يراد بهما صرف التأكيد، و بيان تأكّد الوجوب و الحرمة بسبب العلم، و بقاء الحكم على تقدير عدم المصادفة، و إن لم يحتمله في خصوص المورد لا على سبيل فرض يزعم عدم وقوعه، هذا على تقدير تسليم إمكان كون معلوم الحرمة موضوعا آخر، قابلا لتعلّق حرمة اخرى به، غير حرمة ذات ما يتعلّق به العلم، كما يتعقل ذلك بالنظر إلى الطرق المجعولة، و إلّا فهذا بنفسه لا يخلو عن تأمّل، نظر إلى أنّ وجوب اتّباع العلم أي الإتيان بما علم وجوبه، و التجنّب عمّا علم حرمته، كوجوب الإطاعة و حرمة المعصية من العقليات الغير القابلة لأن يتعلّق بها طلب شرعي مولوي، فكلّما يتعلّق بها من الأوامر الشرعية لا يكون إلّا إرشاديا، كما تقرّر في محلّه، لكن يدفعه ما قرّرناه في باب الإطاعة من أنّ هذا مع اتّحاد جهة حكمي العقل و الشرع، و أمّا إن تعلّق الوجوب الشرعي بإطاعة الأمر، من حيث كونها قيدا فيما تعلّق به الغرض من الأمر- كما في الواجبات التعبّدية- أو وجوب اتّباع العلم من حيث كونه بنفسه موضوعا للوجوب- كما هو المفروض في المقام- لا لكونه موجبا لتنجّز حكم المتعلّق- كما هو كذلك في نظر العقل- فلا يكون إلّا حكما شرعيا مولويّا لا دخل للعقل في إثباته من هذه الجهة.
نعم، لا يلزم على هذا التقدير لو صدر خطاب شرعي متعلّق بمعلوم الحرمة من حيث كونه معلوم الحرمة، الالتزام بتعدّد العقاب على تقدير المصادفة، لإمكان التفصّي عن ذلك بكون الخطاب توطئة لبيان حكم المتجرّي في الواقع، لو ساعده‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 40
دليل على ذلك.
و كيف كان، فهذا الكلام فرضيّ لا محصّل له، إذ لم يصل إلينا دليل سمعي يفي بإثبات ذلك، و لم يدّعه أحد، و إنّما المدّعى إثباته بدلالة العقل، و هي أيضا متيقّنة لما أشرنا إليه من أنّ الفعل بعنوان ذاته، أو بعنوان كونه تجريا ليس فعلا اختياريّا، فلا يتّصف الفعل بملاحظتهما بحسن أو قبح، و أمّا بعنوان كونه معلوم الحرمة، و إن كان فعلا اختياريا، إلّا أنّ هذا العنوان ليس بنفسه ممّا يدرك العقل بملاحظته عروض جهة محسّنة أو مقبحة في متعلّقه غير قبيحة، الناشئ عن المفسدة الثابتة في المتعلّق من حيث هو، فليس للعقل طريق إلى إحراز حكم آخر لنفس العلم من حيث هو، غير حكم المتعلّق الذي رآه منجرا على المكلّف بواسطة العلم.
و بالجملة، إنّ القول بكون الاعتقاد من جهات الفعل التي يصير بسببها الفعل حراما شرعيّا، ممّا لا تأمّل في ضعفه.
و لكن يمكن تحرير النزاع بوجه آخر و هو: إنّ الانقياد و التجري بنظر العقل و العقلاء في حكم الإطاعة و المعصية، في استحقاق فاعلهما المدح و الثواب و الذمّ و العقاب، أم لا بل الاستحقاق إنّما هو من آثار الإطاعة و المعصية الحقيقيتين؟
و على هذا التحرير لا يبعد القول بالاستحقاق و إن لم يتصف الانقياد بكونه واجبا شرعيا، و لا التجرّي بكونه حراما شرعيّا، كنفس الاطاعة و المعصية على ما تقرّر في محلّه، نظرا إلى أنّ ترتيب المدح و الثواب على فعل الواجبات، ليس لأجل صدور ذات الواجب و تحقّقه في الخارج من حيث هي، بل لا مدخلية لذلك في الاستحقاق أصلا، حيث لا يعود نفعها الكامن فيها إلّا إلى نفس الفاعل، كما لو أمر الأب ابنه بشرب دواء نافع له، فانّه لا يستحق بسبب الشرب من حيث هو اجرا على الأب، و إنّما يستحق المدح و الإكرام بسبب إطاعة أمره من حيث هي.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 41
هذا، مع أنّ العبد لا يستحقّ من سيّده اجرة العمل، لكونه مملوكا له، و إنّما يستحق الإكرام بواسطة صدقه في مقام العبودية، و ادائه لما عليه من حقّ المولى، و كذا الكلام في المعصية فانّ استحقاق المذمّة عليها ليس لحصول ضرر من فعله، بل لكونها خروجا عمّا يستحقه المولى من الطّاعة، و حيث أنّ المناط في استحقاق الثواب و العقاب نفس الإطاعة و المعصية من حيث هما، مع قطع النظر عن متعلّقهما، أمكن أن يقال إنّ الإتيان بما اعتقد وجوبه بعنوان الإطاعة كنفس الاطاعة، من حيث كونها موجبة للمدح و الإكرام، و كذا الإقدام على ما اعتقد حرمته، كالاقدام على نفس الحرام، في كونه موجبا لاستحقاق الإهانة و الخذلان.
و ببيان أوفى: إنّ في معصية العبد لسيّده جهات من القبح، لو استقل كلّ منهما بالملاحظة لأثّر فيما تعلّق به نهيا شرعيّا، كإساءة الأدب، و الجرأة على سيّده، و انتهاك حرمته، و عدم الاعتناء به، و المبالات بأمره، و نحو ذلك، و من الواضح أنّه لو أظهر شيئا من هذه العناوين بفعل أو قول، كأن قال مثلا «أنا لا أعتني بقولك» أو «لا ابالي بمخالفتك» أو «لست أنت بنظري بمكان أوثر طاعتك على هواي»، لو أظهر هذه المعاني بسائر أفعاله، لقد فرّط في حق مولاه، و فعل قبيحا بحكم العقل و شهادة العقلاء، و هذه الجهات بأسرها منتزعة من ذات المعصية، و هي بذاتها غير قابلة لأن يتعلّق بها نهي شرعي، و عند عدم مصادفتها للواقع لا يتخلّف عنها إلّا بعض هذه الجهات، و هي مخالفة النهي من حيث هي دون سائر الجهات، و حيث أنّ فعله لم يتحقّق إلّا بعنوان المعصية، لا يتنجّز عليه بحكم العقل إلّا النهي عن المعصية الذي هو إرشادي عقلي مصحّح للعقاب على الفعل المأتي به بهذا العنوان بجميع جهاته المقبحة له، الحاصلة بوقوعه بهذا العنوان، و من هنا لا يبعد أن يدّعى أنّ عدم المصادفة يؤثر في قلّة ما يستحقّه من المؤاخذة، لا نفيه رأسا، فليتأمّل.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 42
قوله قدّس سرّه: قولك إنّ التفاوت … الخ‏ «1».
أقول: نسبة هذا الكلام إلى المستدلّ- مع عدم وقوع هذا التعبير في كلامه- لكونه محصّل مرامه، كما هو واضح، و إنّما عبّر المصنّف قدّس سرّه بذلك توطئة للجواب.
و محصّل الجواب: منع عدم التفاوت و عدم منافاته لمذهب العدلية، و سند المنع أنّ استحقاق العقاب يجب أن يكون مسبّبا عن فعل اختياري، لاستقلال العقل بقبح العقاب على أمر غير اختياري، و يكفي في كون الفعل اختياريا انتهائه إلى مقدّمة اختياريّة، ضرورة أنّه لا يشترط في اختياريّة الفعل كون جميع مقدّماته اختياريّة، و إلّا فلا يكاد يوجد فعل اختياري، فمن شرب الخمر و صادف قطعه الواقع، فقد عصى اختيارا، و امّا كون عدم الاستحقاق مسبّبا عن أمر غير اختياري، فقبحه غير معلوم.
أقول: بل معلوم العدم، فانّه يكفي في عدم الاستحقاق، عدم حصول علّة الاستحقاق بفقد شي‏ء من شرائطه الغير الاختياريّة التي لها دخل في اقتضاء المعصية، أو مانع عن ارتكابها مع حصول المقتضي، كما لا يخفى.
قوله قدّس سرّه: كما يشهد به الأخبار … الخ‏ «2».
أقول: أي يشهد بمنع عدم التفاوت، يعني يشهد بالتفاوت الأخبار الواردة.
قوله قدّس سرّه: فإنّ مقتضى الروايات … الخ‏ «3».
أقول: توضيح الاستشهاد أنّ الروايات تدلّ على التفاوت في استحقاق‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 5، سطر 18، 1/ 40.
(2)- فرائد الأصول: ص 5، سطر 20، 1/ 40.
(3)- فرائد الأصول: ص 5، سطر 22، 1/ 41.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 43
الثواب و العقاب بأمر غير اختياري، و هو قلّة العامل و كثرته، و ليس غرضه إثبات كون زيادة العقاب لأمر غير اختياري- كما يوهمه العبارة في بادئ الرأي- حتّى يتوجّه عليه أنّ زيادة الاستحقاق كنفس الاستحقاق يجب أن تكون مسبّبة عن أمر اختياري، و إنّما يستحق العقاب الزائد بواسطة الأفعال المتولّدة عن فعله الاختياري، كاحتراق حزمة حطب بإلقاء نار فيها بقصد إحراقها، فهو فعل توليدي للمكلّف مسبّب عن اختيار و إرادة، فيحسن مؤاخذته بجميع ما يحترق بناره، إذا كان ملتفتا إلى ما يتفرّع على عمله، و لو على سبيل الإجمال، فتأسيس سنّة حسنة أو سيّئة مقتض لاستحقاق الثواب و العقاب زائدا على ما يستحقّه بواسطة نفس العمل، و وجود العامل من الشرائط الغير الاختيارية التي لها دخل في تماميّة السبب.
قوله قدّس سرّه: فتأمّل‏ «1».
أقول: و لعلّه إشارة إلى أنّا نرى ذلك و لو بعد تخلية الذهن، أو بالنظر إلى حال الغير الذي لا مدخلية له بعملها أصلا، بل نرى في أنفسنا أنّه لو ارتكب شخص معصية، فعرضه الندامة عليها، ثمّ انكشف له عدم كون ما ارتكبه حراما في الواقع، لسرّه ذلك و رأى أمره أهون ممّا لو كان حراما في الواقع، فليتدبّر.
قوله قدّس سرّه: و قد يظهر من بعض المعاصرين … الخ‏ «2».
أقول: هذا التفصيل ممّا لا بدّ منه، بعد البناء على كونه حراما شرعيّا- كما يقتضيه تحريره لمحلّ النزاع- لقبح صدور الخطاب من الشارع بوجوب قتل النبيّ أو الوصيّ الذي اعتقد أنّه واجب القتل، ضرورة عدم مكافأة هذا الحسن العارضي‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 6، سطر 3، 1/ 41.
(2)- فرائد الأصول: ص 6، سطر 3، 1/ 41.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 44
الخيالي لمفسدته الذاتية، حتّى يحسن الفعل فيتبعه الأمر الشرعي، و كذا لو اعتقد أنّ الشي‏ء الفلاني نافع له و يجب شربه، مع كونه في الواقع سمّا قاتلا له، لا يجوز من الشارع أمره بشربه.
نعم، هو بنفسه معذور في ارتكاب ما اعتقد بحكم العقل، و امّا صحّة الخطاب الشرعي فهي دائرة مدار مصلحة ذات الشي‏ء، و لو بعد طروّ العنوان، فهذا العنوان مثل سائر العناوين الطارئة- كإطاعة الوالد و نحوها- إنّما يؤثر في الموارد الخالية عن المصلحة الملزمة لا غير، إن قلنا بأنّ الجهة الطارئة الخيالية لا تكافئ المصلحة الذاتية الملزمة، بحيث تغلب عليها، حتّى يظهر أثر العنوان الطارئ.
و إن قلنا بصلاحيتها للغلبة على بعض الذاتيات أيضا، فيتبع الحكم الشرعي موارد الغلبة و لا يتعداها، و هذا ظاهر.
و لكنّك خبير بأنّ ما ذكره من التفصيل، وفاقا للمفصّل المذكور، لا يتوجّه به كلامه بظاهره، حيث أنّه قدّس سرّه جعل قبح نفس التجرّي بالوجوه و الاعتبار، و هذا غير معقول، لأنّه من جهات الفعل التي بسببها يعرضه القبح، فلا يعقل أن تكون نفس الجهة أيضا قبحها عرضيا تابعا للموارد، لأنّ ما بالعرض ينتهي إلى ما بالذّات، فيتوجّه عليه حينئذ ما ذكره المصنّف قدّس سرّه من الاعتراضات.
إلّا أنّ الإنصاف غلبة الظنّ بإرادته من التجرّي في كلامه الفعل المتجرّى به لا نفس التجرّي فيندفع عنه الاعتراضات المذكورة، لكن المبنى فاسد كما عرفت.
هذا، مع أنّ ما ذكرناه وجها للتفصيل لا يخلو في حدّ ذاته من نظر، لأنّ الحكم الفعلي يتبع الجهة التي يتنجّز بالنسبة إليه الخطاب، و كون الفعل متضمّنا لمفسدة قاهرة غير مانع عن ذلك، عند كون المكلّف معذورا من جهتها، كما يأتي التنبيه على ذلك عند التكلّم في صحّة صلاة الجاهل بالغصب و ناسيه في حواشي أصل البراءة، فليتأمّل.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 45
قوله قدّس سرّه: و عليه يمكن ابتناء … الخ‏ «1».
أقول: يعني لا يبعد أن يكون المنع السابق ناشئا من تأثير الأمر الغير الاختياري، الذي هو عبارة عن المصادفة و عدمها في استحقاق الثواب و العقاب إثباتا و رفعا، كما هو المدّعى في المقام.
و في قوله «يمكن» إشارة إلى أنّ مبنى المنع السابق ليس ذلك، بل المبنى الحقيقي في المنع المذكور إنّما هو حاجة الاستحقاق إلى علّة اختيارية، و هي كون الفعل المحرّم و الواقعي مأتيا به عن عزم و إرادة، و بانتفاء أحد هذه القيود ينتفي الاستحقاق من دون أن يكون العدم محتاجا إلى علّة، و تسميته مسبّبا عن عدم هذه الأشياء مسامحة في التعبير- كما تقرّر في محلّه- من أنّ الوجود يحتاج إلى المؤثر دون العدم، فأين هذا من تأثير الأمر الغير الاختياري في رفع الاستحقاق الذي يقتضيه الفعل، كما هو المطلوب!
قوله قدّس سرّه: مضافا إلى الفرق … الخ‏ «2».
أقول: الفرق بين المقامين امّا أوّلا: فبأنّ مجرّد الاحتمال يكفي في المقام الأوّل لكونه مانعا عن الحرمة، بخلاف الثاني فانّ المفصل يحتاج إلى إثبات التأثير حتّى يتمّ مطلبه.
و أمّا ثانيا: فبأنّ الدفع أهون من الرفع، فلا امتناع في تأثيره في الدفع دون الرفع.
قوله قدّس سرّه: بأنّ العقل مستقل … إلخ‏ «3».
أقول: بيان للدفع و تقريبه إنّا و إن سلّمنا- مماشاة مع الخصم- كون التجرّي‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 7 سطر 3، 1/ 44.
(2)- فرائد الأصول: ص 7، سطر 3، 1/ 44.
(3)- فرائد الأصول: ص 7 سطر 4، 1/ 44.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 46
كالكذب ممّا يمكن أن يرتفع قبحه بعروض جهة محسّنة له، مكافئة لما يقتضيه من القبح، لكن نقول بأنّ العقل مستقلّ في المثال بقبحه، ضرورة عدم صلاحيّة العنوان الحسن الذي لم يقصده الفاعل في رفع صفة القبح، عن فعل اختياري قبيح كالكذب، المصادف لمصلحة راجحة غير مقصودة للفاعل، أو الضرب بقصد الإيذاء و الإهانة الذي قارنه التأدّب.
قوله قدّس سرّه: و لم يعلم معنى محصّل لهذا الكلام‏ «1».
أقول: و لعلّ غرضه من التداخل، اجتماع العنوانين في التأثير مع وحدة الأثر، كما تقول «لو وقع في البئر شاة و خنزير دفعة يتداخل مقدارهما»، فلا يتوجّه على هذا التفسير لزوم الترجيح من دون مرجّح، أو الالتزام بزيادة العقاب، و لكن يتوجّه عليه أنّ اجتماع السببين لا يمنعهما عن تأثير كلّ منهما مستقلّا، و المحلّ قابل للتأثير، فيجب حصول أثريهما كسائر العناوين المحرّمة المتصادقة على موضوع واحد، هذا كلّه بناء على كون معلوم الحرمة، بنفسه موضوعا للحرمة الشرعية في عرض الواقع، فيكون الحرام المعلوم مصداقا لكلا العنوانين.
و امّا لو قلنا بأنّ معلوم الحرمة ليس موضوعا للحرمة الشرعية، و إنّما هو نفس متعلّقه لا غير، و إنّما يحسن عقاب المتجرّي لا لارتكابه محرّما شرعيا، بل لأجل كون التجرّي بحكم المعصية، فلا يعقل اجتماعه مع المعصية الحقيقية، حتّى يستحق عقابين، فهو إمّا متجرّ أو عاص، فلا يعقل تعدّد العقاب حتّى يقال بالتداخل أو عدمه، كما هو ظاهر.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 7 سطر 7، 1/ 45.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 47
قوله قدّس سرّه: فتأمّل‏ «1».
أقول: لعلّه إشارة إلى منع دلالة الآية على حرمة الأكل، لأجل اعتقاد طلوع الفجر، من حيث نفس الاعتقاد، بل لأجل أنّه رأى الفجر و علم به دون الآخر الذي لم يعتقد بطلوع الفجر، فانّه يجوز له الأكل في الواقع، لأنّ الجواز دائر مدار عدم حصول التبيّن له.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 11 سطر 6، 1/ 58.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 48
[في المقدمات العقليّة]
قوله قدّس سرّه: فإن قلت لعلّ نظر هؤلاء … الخ‏ «1».
أقول: حاصل التوجيه أنّ المستفاد من الأخبار، إنّما هو تقييد وجوب إطاعة الشارع بما إذا كان الحجّة واسطة في تبليغ أوامره و نواهيه لا مطلقا.
قوله قدّس سرّه: و ممّا يشير إلى ما ذكرنا … الخ‏ «2».
أقول: ما استظهره المصنّف قدّس سرّه من عبارته، أعني إرادته مدخلية تبليغ الحجّة في وجوب الإتيان و الترك، هو الظاهر منها، و احتمال إرادته بيان كون التبليغ مأخوذا في موضوع الأحكام الواقعيّة، فيكون مقصوده أنّ وجوب الامتنان مقيّد بالبلوغ مع الواسطة، لا لأجل التقييد في الإطاعة، بل لأجل أنّ المأتي به و المتروك وجوبهما مقيّد بذلك في غاية البعد، فانّ صدور كلامه و إن كان قد يتراءى منه ذلك بعد ارتكاب التأويل في بعض ألفاظه، إلّا أنّه ينافيه ما ذكره في ذيل كلامه بقوله «لا
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 7، سطر 7، 1/ 45.
(2)- فرائد الأصول: ص 11 سطر 17، 1/ 59.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 49
أنّه يجب فعله أو تركه، أو لا يجب مع حصولهما من أيّ طريق»، لأنّ ظاهره أنّ الأحكام الواقعية لو وصلت إلينا بواسطة الحجّة، يجب امتثالها، و لو حصل العلم بها من طريق آخر لم يجب. كما يؤيّد إرادته لذلك ما نقله المصنّف قدّس سرّه عنه في صدر البحث، من منع حجّية حكم العقل في الشرعيات لكثرة الخطأ فيه، لا لادّعائه كون نفس الأحكام مشروطة بوصولها بطريق سمعي.
و كيف كان، فإن أراد المعنى الأوّل كما هو الظاهر، يتوجّه عليه ما أورده المصنّف قدّس سرّه في الكتاب، و إن أراد المعنى الثاني- و إن كان بعيدا- يتوجّه عليه أنّ ما التزمه تقييد في إطلاقات الأدلّة من دون مقيّد صالح لذلك، مع أنّه إن أمكن الالتزام به ففي غير المستقلّات، و أمّا فيها كوجوب مقدّمة الواجب، أو حرمة الضدّ- على القول بهما- أو وجوب ردّ الوديعة، و حرمة الظلم، و غيرهما من الأحكام العقليّة فلا، لعدم قابليتها للتقييد، حيث أنّ مناطها بيد العقل، فلا يجدي الالتزام به في الفرار عن حجّية حكم العقل في المستقلّات.
هذا، مع أنّ غير المستقلّات أيضا ربّما لا تصلح للتقييد، لاباء دليلها عن ذلك، و ظهور أدلّتها السمعية في كون متعلّقاتها هي الأحكام الواقعية، و كون الأدلّة طريقا لها لا من مقوّمات موضوعها، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: قلت أوّلا … الخ‏ «1».
أقول: حاصل الجواب أنّ وجوب إطاعة اللّه تعالى من المستقلّات العقلية الغير القابلة للتخصيص، و في كلامه إشارة إلى أنّ المناط في وجوب الإطاعة، و حرمة المعصية، إنّما هو إحراز كون الشي‏ء محبوبا عند اللّه تعالى، بحيث لا يرضى‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 117 سطر 20، 1/ 60.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 50
بتركه، أو كونه مبغوضا على وجه لا يرضى بفعله، فيندفع بذلك ما قد يتوهّم، من أنّ غاية ما يمكن ادّعائه، إنّما هو إدراك العقل كون ما رآه حسنا أو قبيحا، محبوبا أو مبغوضا عند اللّه تعالى، و امّا أنّه صدر منه تعالى أمر أو نهي مولوي يجب إطاعته فلا، لأنّ وجوب الإطاعة من آثار الالتزام بالفعل أو الترك بخطاب مولوي، لا مجرّد المحبوبية و المبغوضية، فمن الجائز أن لا يتحقّق إنشاء الحكم الذي هو عبارة عن الالتزام بالفعل أو الترك، إلّا ببيان الحجج الذين ورد فيهم أنّهم لسان اللّه الناطق.
توضيح الاندفاع: إنّ وجوب إطاعة العبد لمولاه، من آثار إرادته النفسانيّة المستكشفة بإنشاء الحكم، لا من آثار نفس الإنشاء من حيث هو، مع أنّ من يدّعي استكشاف الحكم الشرعي بواسطة العقل، بقاعدة الملازمة، إنّما يدّعى استكشاف صدور أمر مولوي من الشارع بقاعدة اللّطف.
و امّا الكلام في أنّ أمر اللّه تعالى الذي يجب على العباد امتثاله، هل هو إرادته للفعل، أو أمر وراء ذلك؟ فهو أجنبيّ عن المقام، خصوصا بعد أن ثبت بالنصّ و الإجماع أنّ للّه تعالى في كلّ واقعة حكما، حتّى أرش الخدش‏ «1»، فيجب على العباد اتّباعه بعد إحرازه بأي طريق كان، سواء قلنا بأنّ تبليغ الحجج كان شرطا في تحقيقه أم لم نقل، ضرورة أنّ ثبوت الحكم لكلّ واقعة فرع حصول شرطه، فيكشف النصّ و الإجماع الدالّان عليه أن تبليغ الحجّة- على تقدير كونه شرطا- كان حاصلا، و لو
______________________________
(1)- إشارة منه قدّس سرّه لصحيحة أبي بصير المروية في باب 48 من كتاب الديات، الحديث الأوّل من كتاب (وسائل الشيعة) و إليك نصّها:
محمّد بن يعقوب، عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن عبد اللّه الحجّال، عن أحمد بن عمر الحلبي، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في حديث: «قال: إنّ عندنا الجامعة، قلت: و ما الجامعة؟ قال: صحيفة فيها كلّ حلال و حرام، و كلّ شي‏ء يحتاج إليه النّاس حتّى الأرش في الخدش …».
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 51
في ضمن خطابات مجملة لم نتعقل تفصيلها، أو خطابات غير واصلة إلينا.
هذا، مع أنّ كثيرا من العقليات الغير المبنية على قاعدة التحسين أو التقبيح، بل أكثرها أحكام عدميّة تترتّب عليها آثار شرعيّة، و لا يعقل إنشاء الحكم فيها، كمسألة الضدّ، و اجتماع الأمر و النهي و النهي في العبادات، و نظائرها ممّا يعمّ الابتلاء بها في المسائل الفقهية، التي هي في الحقيقة مطرح أنظار المثبتين و النافين، دون العقليات المبتنية على التحسين و التقبيح العقليين، التي لم نعثر على مورد لها لم يف بإثبات حكمها دليل سمعي.
نعم، كثيرا ما نستدلّ في بعض الموارد بأنّ هذا قبيح فهو حرام، أو أنّ تركه كذلك، لكن هذا إذا كان ذلك الشي‏ء مندرجا في موضوع كلّي كالظّلم الذي حكمه ضروري عقلا و نقلا، و تشخيص موضوع ذلك الحكم الكلّي بالعقل، ليس إلّا كتشخيصه بغيره من الامور الخارجية، ليس بيانها من وظيفة الشارع، فليتدبّر.
و لقد أعجب بعض الأفاضل- فيما حكي عنه- في تعليقاته على الكتاب، معترضا على المصنّف قدّس سرّه بأنّ مذهبهم- أي الاخباريّين- مبنيّ على كون العلم المأخوذ في وجوب الامتثال و تنجزه، إنّما هو العلم الموضوعي الخاص الذي يتبع في تعيين سببه و غيره من جهاته تعيين المولى و جعله، و هم يدّعون تعيينه بالسّماع من الإمام عليه السّلام، كما يساعد عليه الاخبار، و هذا أمر معقول لا إشكال فيه، و شدّة إنكاره قدّس سرّه عليهم مبنيّ على كونه طريقا، بمعنى أنّ المعتبر فيه هو العلم بالتكليف من أيّ سبب كان، و نسب إليه الغفلة عنه و المغالطة في هذا الإنكار!
و فيه ما لا يخفى، فانّ وجوب الامتثال حكم عقلي، و تنجّز التكاليف عبارة عن عدم معذورية المكلّف في المخالفة، فهذا معنى تنجّزه، و إن اريد به معنى آخر فلا دليل على اعتباره في وجوب امتثال الواجبات الواقعية، بل العقل قاض بخلافه، فشدّة الإنكار عليهم إنّما هو لزعمهم أنّ العلم المأخوذ في موضوع وجوب الإطاعة،
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 52
هو العلم الحاصل من سبب خاص، و هو غير معقول، حيث أنّ العلم المأخوذ في موضوع حكم العقل بوجوب الامتثال، هو العلم الطريقي المحض، و لا يعقل أن يتصرّف الشارع في موضوع حكم العقل، لأنّ مرجعه إلى التناقض بنظر القاطع، كما عرفته في صدر المبحث، و إنّما الممكن أن يأخذ الشارع العلم مطلقا، أو على وجه خاص في موضوع حكمه الشرعي، فكأنّ هذا الكلام نشأ عن الغفلة عن تشخيص الموضوع، الذي يمكن أخذ العلم بعنوانه الظاهر قيدا فيه، و عدم الالتفات إلى أن محطّ النظر في هذا الباب إنّما هو هدم هذا المبنى، فجعل مدّعاه من وجوه الردّ على الدليل! و لم يصل إلى عين عبارته، فيحتمل وقوع خلل في نقل مرامه، و يكون غرضه إرجاع نزاع الاخباريّين إلى ادّعاء كون العلم الخاص في موضوع الحكم المنجّز الذي يجب امتثاله- أي الحكم الفعلي- لا في موضوع وجوب الامتثال، الذي هو حكم عقلي، فيكون محط نظره ما قرّره «صاحب الفصول» في تحرير محلّ النزاع، حيث أنّه بعد أن ذكر اختلاف القائل بالتحسين و التقبيح في الملازمة بين حكمي العقل و الشرع في مقامين.
قال: «المقام الثاني: إنّ عقولنا إذا أدركت الحكم الشرعي، و جزمت به، فهل يجوز لنا اتّباعها، أو يثبت بذلك الحكم في حقّنا أو لا؟ و هذا النزاع إنّما يتصوّر إذا لم يقطع العقل بالحكم الفعليّ، بل قطع بالحكم في الجملة، بأن احتمل عنده اشتراط فعليّته باستفادته من طريق النقل، و امّا لو قطع بالتكليف الفعليّ، بأن أدركه مطلقا غير متوقّف على دلالة سمع عليه، فالشكّ في ثبوته غير معقول …» إلى أن قال:
«و لا يذهب عليك أنّ النزاع على التحرير الأخير- أي التحرير المزبور- يعمّ جميع ما يستقلّ بإدراكه العقل، ممّا يبتني على قاعدة التحسين و التقبيح و ممّا لا يبتني عليها»، انتهى.
و فيه: إنّه كيف يعقل أن يدرك للظّلم أو الكفر، أو تحصيل الأخلاق الذميمة
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 53
التي هي محرّمات عقلية، و كذا لحرمة الضدّ، أو وجوب مقدّمة الواجب، أو بطلان العبادة المنهيّ عنها، و نظائرها أحكاما شرعية مجملة، مردّدة بين مطلقها و مشروطها، حتّى يتنازع في تنجّز التكليف بها و عدمه، و على فرض تعقّله فلا نرى وجها لوجوب اتّباعه، ما لم يحرز فعليته على المكلف.
و ما يقال: من كفاية هذا المقدار من الإدراك العقلي في إثبات الفعليّة بقاعدة المقتضى.
ففيه: إنّه لو سلّم هذه القاعدة، فهو فيما لو احرز المقتضي و شكّ في المانع، لا فيما لو شكّ في كون تأثيره مشروطا بشرط كما هو واضح.
هذا، مع أنّ النزاع على هذا التقدير ليس في وجوب متابعة القطع، إذ المفروض أنّ القطع لم يتعلّق بحكم شرعيّ محقّق، بل النزاع في أنّ إحراز بعض الجهات المقتضية للحكم، يكفي في الحكم بثبوته أم لا؟ فالحقّ حينئذ مع المنكرين بلا شبهة.
هذا، مع أنّك ستسمع في عبارة المصنّف عن «صاحب الفصول» إمكان ردع المولى عبده عن العمل بقطعه، فاذا جاز ذلك، فلم لا يجوز أن يكون نزاع الإخباري في عدم جواز اتّباع قطعه العقلي، المتعلّق بالحكم الفعلي، حتّى يتكلّف في صرف النزاع الى إرادة الحكم الشأني بالمعنى المتقدّم، مع أنّ كلماتهم ناطقة بذلك، و عمدة مستندهم في ذلك ظواهر الأخبار الناهية عن اتّباع العقول في الأحكام الشرعية، فليتدبّر.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 54
[في حجّية قطع القطاع‏]
قوله قدّس سرّه: لكن ظاهر كلام من ذكره … إلخ‏ «1».
أقول: منشأ الظهور شهادة السّياق باتّحاد مورد الحكمين، و إرادة شي‏ء واحد من لفظ «عدم الاعتناء» في كلا الموردين، و من المعلوم أنّ الموارد التي يحكم بعدم اعتبار شكّ كثير الشّك فيها، كالوضوء و الصلاة مثلا، إنّما يراد بعدم الاعتناء بالشّك، عدم ترتيب آثار الشّك، و تنزيل نفسه منزلة المتيقّن بوجود المتعلّق في ترتيب أحكام المتعلّق، إذا كان وجوده نافعا في صحّة العبادة، أو بعدمه إذا كان الوجود مخلّا بها، كما لو شكّ في زيادة ركن في الصلاة، فانّه يبنى على عدمها، بمعنى أنّه يترتّب على فعله آثار صحّته الواقعية، و عدم زيادة الركن، و لا معنى لعدم اعتبار القطع في هذه الموارد، ضرورة أنّه لا يعقل أن يكلّف القاطع بأنّه لم يركع بالبناء على أنّه ركع، أو القاطع بأنّه زاد في صلاته، أو في الركوع بالبناء على عدمه، إلّا أن يراد به بعض التوجيهات التي سيشير إليها المصنّف قدّس سرّه. و الظاهر أنّ مراده عدم‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 13 سطر 19، 1/ 66.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 55
الاعتناء بقطعه الحاصل من أسباب غير متعارفة لا مطلقا، و إلّا ففساده في غاية الوضوح.
قوله قدّس سرّه: و فساده يظهر ممّا سبق … الخ‏ «1».
أقول: حاصل ما ظهر ممّا سبق، امتناع منع المولى عن العمل بعلمه، بعد فرض إناطة أحكامه بالواقع، من حيث هو و علم العبد بذلك، كما هو المفروض، حيث أنّ علمه على هذا التقدير بمنزلة المرآة آلة لملاحظة حال المتعلّق، و ليست واسطة في إثبات حكمه أو رفعه، فمتى رأى بعلمه أنّ المتعلّق حكمه كذا، لا يعقل أن يأمره المولى بعدم العمل بعلمه، بعد اعترافه بإطلاق الحكم، و كونه محمولا على الواقع من حيث هو، فانّ العبد يرى المناقضة بين أمره بذلك، و إطلاق حكمه الواقعي.
نعم، له أن يأخذ السبب الخاص في موضوع حكمه، بحيث لا يكون للواقع من حيث هو حكم، فحينئذ يصحّ منعه عن العمل بعلمه، بمعنى اظهاره له، أنّه لا حكم له في غير المعلومات بعلمه الخاص، و أنّ أوامره الواقعيّة التي أدركها العبد بعقله- لا من هذا السبب الخاصّ- أوامر صورية لا حقيقة لها، كما أنّه يعقل أن يظهر للعبد هذا المعنى، مع كون أحكامه في الواقع محمولة على ذوات موضوعاتها من حيث هي، إذا علم بخطإ علوم العبد غالبا، و كونه جهلا مركّبا في كثير من الموارد، فيجوز حينئذ أن يظهر خلاف الواقع للعبد، بأن يقول له (إنّ أوامري مقيّدة بهذا القيد، فلا تعمل في غير موارد القيد) كما هو واضح.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 14، سطر 15، 1/ 67.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 56
[في العلم الإجمالي‏]
قوله قدّس سرّه: و المتكفّل للتكلّم في المرتبة الثانية … الخ‏ «1».
أقول: وجهه أنّ المقصود بالبحث في المقام، إنّما هو في أنّ العلم الإجمالي، هل هو كالعلم التفصيلي موجب لتنجّز التكليف بالواقع المجمل أم لا؟
و أمّا أنّ هذا- أي تنجّز التكليف بالواقع على سبيل الإجمال- هل يقتضي الإتيان بجميع محتملات الواجب، و الاجتناب عن جميع محتملات الحرام، من باب المقدّمة العلمية و دفع الضرر المحتمل، أم لا يقتضي إلّا حرمة المخالفة القطعية؟ فهو أجنبيّ عمّا نحن فيه، و إن كان له نوع تعلّق بكيفيّة اعتبار العلم، و لذا جعل المصنف قدّس سرّه حرمة المخالفة القطعية، و وجوب الموافقة القطعية مرتبتين لاعتبار العلم، بلحاظ أنّ الكلام في وجوب الموافقة القطعية و عدمه، قد ينشأ من أن اعتباره هل هو على وجه لا يصلح أن يكون الجهل التفصيلي عذرا في مخالفة ما علم بالإجمال أصلا، أو أنّه ليس بهذه المثابة، بل هو عذر في الجملة؟ و لكن المقصود بالبحث في المقام، التكلّم في أصل اعتباره إجمالا، لا في كيفيّته و مقدار ما يقتضيه التأثير.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 14 سطر 22، 1/ 70.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 57
قوله قدّس سرّه: و امّا فيما لا يحتاج سقوط التكليف فيه إلى قصد الإطاعة، ففي غاية الوضوح‏ «1».
أقول: و ليعلم أوّلا: إنّ وجوب إطاعة الشارع عقليّ، و لا يعقل أن يكون شرعيا، للزوم التسلسل، فالعقل مستقل بوجوب الائتمار بما أمره الشارع، و الانتهاء عمّا نهى عنه، بأن يكون أمره باعثا على الفعل، و نهيه داعيا إلى الترك، فيجب على العبد عقلا أن يأتي بما أمر به الشارع بداعي أمره، و يترك ما نهاه عنه امتثالا لنهيه، من غير فرق في ذلك بين أن يكون ما تعلّق به الأمر أو النهي توصّليا أو تعبّديا، إلّا أنّه لمّا لم يتعلّق الغرض من الأمر التوصّلي إلّا بصرف حصول المتعلّق، و من النهي التوصّلي إلّا عدم اختياره الفعل عند الابتلاء، فمتى حصل الفعل المأمور به في الخارج بأي نحو كان، سواء كان بفعل غير المكلّف، أو بفعل المكلّف بلا داع و شعور، أو بداع آخر وراء امتثال التكليف، فقد حصل الغرض، و سقط الأمر، فانتفى موضوع وجوب الامتثال، كما لو أنّه ما لم يتحقّق دواعي ارتكاب المحرم، و لم يتهيأ أسبابه، لا يتنجّز في حقّه النهي، كي يجب عليه امتثاله، فهذا هو الفارق بين التوصّلي و التعبّدي، لا أنّه لا تجب الإطاعة في التوصّليات، كما قد يتوهّم.
و قد ظهر ممّا ذكر أنّ الإطاعة التي استقلّ العقل بوجوبها، عبارة عن إتيان المأمور به بداعي الأمر، و إن شئت قلت إنّها عبارة عن الإتيان بما تعلّقت به إرادة الشارع، على حسب ما تعلّقت به إرادته، لما سنشير إليه، من أنّ العبرة بالخروج عمّا تعلّق به الغرض من الأمر، لا بنفس الأمر من حيث هو.
و كيف كان، فحيث لم يتعلّق غرض الشارع في الواجبات التوصليّة، التي لا تتوقّف صحّتها على القصد، إلّا بإيجاد ذات المأمور به من حيث هو، فلا مجال‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 14 سطر 25، 1/ 71.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 58
للارتياب في حصول إطاعة أوامرها، بإيجاد متعلّقاتها في ضمن محتملاتها بقصد الامتثال، من غير أن يتوقّف ذلك على معرفتها بالتفصيل، بعد أن لم يتعلّق غرض الأمر بذلك، كما هو المفروض.
قوله قدّس سرّه: و امّا فيما يحتاج إلى قصد الإطاعة … الخ‏ «1».
أقول: قد عرفت فيما تقدّم أنّ الإطاعة التي يستقلّ بوجوبها العقل، ليست إلّا عبارة عن باعثيّته للأمر على الفعل المأمور به، بأن يؤتى به بداعي الأمر، فعلى هذا لا مجال للارتياب في حصول الإطاعة و سقوط الأمر في هذا القسم أيضا، إن لم يتعلّق غرض الأمر إلّا بصرف حصول المتعلّق بعنوان الإطاعة من حيث هي، من غير اعتبار قيد زائد فيها، بأن كان مقصوده الإطاعة بكيفية خاصّة، بأن كان مثلا عارفا بوجهه، جازما حال الفعل بكونه بعينه هو المأمور به، أو نحو ذلك، و إلّا فلا يتحقّق اطاعته، إلّا إذا أتى به على نحو تعلّق به غرض الآمر، فلا يكفي حينئذ مجرّد إيجاد المأمور به بداعي الأمر في تحقّق الإطاعة، كما هو واضح، فالجزم بحصول الإطاعة الموجبة لسقوط التكليف في هذا القسم من الواجب الذي نسمّيه بالواجب التعبّدي، موقوف على إحراز أنّ الشارع لم يعتبر كيفية خاصة في الإطاعة، التي اعتبرها شرطا في صحّة المأمور به، عدا ما كان يصدق عليه اسم الإطاعة، على تقدير كونه توصّليا، أي صرف عنوان الإطاعة من حيث هي، و لذا لم يدّع المصنّف قدّس سرّه البداهة في هذا القسم، كما ادّعى في القسم الأوّل، بل عبّر بقوله «فالظاهر أيضا تحقّق الإطاعة … الخ».
و كيف كان، فالأظهر حصول إطاعة الأوامر التعبّدية أيضا، بصرف حصول‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 14 سطر 25، 1/ 71.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 59
متعلّقاتها بداعي الأمر مطلقا، بل يكفي في صحّة العبادات، و سقوط التكليف بها، مجرّد حصولها للّه تعالى، لا لسائر الأغراض النفسانية، و إن لم يكن بداعي أمره، كي يصدق عليها اسم الإطاعة، بل لسائر الغايات الموجبة للقرب إليه تعالى، كتحصيل مرضاته و الإتيان بمحبوبه و نحو ذلك، إذ لا دليل على اعتبار أمر زائد على ذلك في ماهيّة العبادات، و مقتضى الأصل عدمه و براءة الذمّة عنه؛ و شرح ذلك يتوقّف على بسط المقال في تحقيق ما يقتضيه الأصل، عند دوران الواجب بين كونه تعبّديا أو توصّليا، ثمّ التكلّم في أنّه بعد أن ثبت كونه تعبّديا بواسطة أصل أو دليل، فلو شكّ في اعتبار شي‏ء زائد عن عنوان الإطاعة التي استقلّ بوجوبها العقل، كالجزم في النية، أو معرفة الوجه، فهل يجب الاحتياط أو يرجع إلى البراءة؟
فأقول مستعينا باللّه: أمّا الكلام في المقام الأوّل، فهو أنّهم اختلفوا في أنّ الأصل في الواجب كونه تعبّديا أو توصّليا على قولين، أقواهما الأخير، احتجّ للقول الأوّل بامور:
الأوّل: إنّ المتبادر من أمر المولى عبده بشي‏ء، إيجاب إيجاده، لأجل أنّه أمره، فحصول الإجزاء بمجرّد تحقّقه في الخارج لا بداعي الأمر خلاف ظاهر الأمر.
و فيه: إنّ دعوى استفادته من مدلول الخطاب فاسدة جدّا، إذ المادّة في الطلبات موضوعة لمعانيها الواقعيّة، و الطلب إنّما تعلّق بإيجادها بعناوينها المخصوصة بها، الواقعة في حيّز الطلب، أمّا كونه بعنوان الإطاعة و الامتثال فهو تقييد آخر في الواجب، لا يستفاد من المادّة و لا من الهيئة، فكيف تصح استناده إلى ظاهر الدليل، بل لا يعقل استفادته من ذلك الخطاب، لأنّ مرتبة الإطاعة متأخّرة عن الطّلب، فلا يمكن أخذها قيدا في متعلّق الطلب، كما لا يخفى.
و قد ظهر بذلك ما في عكس هذا التوهّم، من الاستدلال بإطلاق الكلام لنفي اعتبار قصد الإطاعة، و إثبات كون الأصل في الواجب كونه توصّليا.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 60
توضيح ما فيه: إنّ التمسّك بإطلاق الكلام فرع صلاحيته للتقييد، حتّى يكون ترك القيد دليلا على إرادة عدمه، و قد عرفت امتناع التقييد فلا يصحّ التمسّك بالإطلاق.
الثاني: حكم العقل بوجوب إطاعة الواجبات، التي قد عرفت أنّها عبارة عن إتيان المأمور به بداعي الأمر.
و فيه: إنّ حكم العقل بوجوب الإطاعة فرع بقاء الوجوب، و عدم سقوط الأمر بحصول ذات الواجب في الخارج، و هذا مبنيّ على كون الإطاعة من حيث هي مقصودة للآمر في أوامره، و كونها بهذه الصفة ممّا لا يدركه العقل، و إنّما يحكم بوجوبها للتوصّل إلى اسقاط التكليف بإيجاد المكلّف به، على نحو تعلّق به غرض الآمر، و لذا لو علم بحصول غرضه في الخارج و لو من غير هذا الشخص- كما في التوصّليات- لا يحكم بوجوب الإطاعة، لا لكونه تخصيصا في الحكم العقلي، أعني وجوب الإطاعة بغير التوصّليات، بل لكون حكم العقل بالوجوب مقدّميا، فيرتفع عند حصول ذي المقدّمة، و المفروض عدم دلالة الخطاب على وجوب ما عدا المادّة، و عدم نهوض دليل آخر على اعتبار عنوان الإطاعة في قوام ماهيّة الواجب الواقعي، الذي تعلّق غرض الآمر بتحقّقه في الخارج، فالأصل عدم وجوبه و اعتباره في ماهيّة الواجب، و لا نعني بالأصل أصالة الإطلاق حتّى يتوجّه علينا فساده في حدّ ذاته أوّلا- كما عرفت- و فرض إهمال الدليل ثانيا، بل المقصود اصالة براءة الذمة عن وجوب إتيان الواجب بهذا العنوان، كغيره من الشرائط و الاجزاء التي يشكّ في اعتبارها في الواجب، لأنّ المناط في جريان أصل البراءة هو الشكّ في إيجاب الشارع أمرا بكون بيانه وظيفة له، سواء كان الواجب نفسيّا أو غيريّا، على ما تقرّر في محلّه، و هذا المناط محقّق فيما نحن فيه، لأنّ تعلّق غرض الآمر في أوامره بامتثال الأوامر على نحو تكون الإطاعة و الامتثال فيها مقصودة بالذات، لا لأجل‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 61
الوصلة إلى تحصيل غرض أمر لا طريق لها إليه إلّا من قبله، فالعقاب عليه من دون بيان غرضه قبيح.
و لا ينافي هذا ما ذكرناه سابقا من عدم إمكان أخذه قيدا في الخطاب الذي دلّ على وجوب المأمور به، إذ لا تنافي بين الأمرين، فعليه بيان مقصوده من أمره بخطاب آخر، كما هو الشأن في جميع الواجبات التعبّدية، التي استكشفنا شرطية الإطاعة فيها في حصول الغرض من دليل مستقلّ كالإجماع و الضرورة.
توضيح المقام: إنّه إذا أمر المولى عبده بشراء اللحم، فربّما يتعلّق غرضه بتحصيل اللحم و إحضاره عنده ليصرفه في حوائجه، و ربّما يقصد بذلك إطاعة العبد، إمّا تمرينا أو لأغراض أخر ممّا في نفس المولى، فإن كان من هذا القبيل يجب عليه إعلامه، حتّى لا يقتصر في رفع اليد عن الأوامر بحصول متعلّقاتها في الخارج، و لو من دون قصد الإطاعة، فيقبح عقابه لو اقتصر في رفع اليد عنها بذلك معتذرا بجهله بالمقصود.
و الحاصل: إنّه كما يقبح العقاب على التكاليف إلّا بعد بيانها، كذلك يقبح العقاب على تفويت الغرض الباعث على التكليف، و لو كانت معرفته محتاجة إلى بيان زائد مغاير لبيان أصل التكاليف.
و توهّم: عدم الحاجة إلى بيان زائد فيما نحن فيه، بعد استقلال العقل بوجوب الإطاعة، مدفوع بما عرفت من أنّ حكم العقل بوجوب الإطاعة للتوصّل إلى حصول ذات المأمور به، الموجب لارتفاع الطلب، و سقوط التكليف، فلا يعقل بقائه بعد حصول الواجب في الخارج، بل و لا مع الشّك فيه، ما لم يكن أصل موضوعي يحرز به بقاء الأمر، إذ لا يعقل أن يحكم العقل بوجوب إيجاد شي‏ء بقصد الامتثال، ما لم يحرز كونه بالفعل مأمورا به.
إن قلت: لا يجوز رفع اليد عن الإطاعة التي استقلّ العقل بوجوبها، بمجرّد
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 62
احتمال سقوط الأمر، و حصول الغرض، بل لا بدّ من القطع بالفراغ، لقاعدة الشغل فما نحن فيه، من قبيل الشبهات المصداقية التي يجب فيها الاحتياط.
قلت: إن اريد بذلك إعمال القاعدة بالنسبة إلى وجوب الإطاعة، الذي هو حكم عقلي، فقد عرفت أنّ بقائه على تقدير حصول المأمور به، بل و مع الشّك فيه، الموجب للشكّ في بقاء الطلب، غير معقول ما لم يحرز موضوعه، و لو بالأصل.
و إن اريد اعمالها في متعلّقه، بدعوى أنّه متى ثبت تعلّق التكليف بشي‏ء لا يجوز رفع اليد عنه، ما لم يحصل القطع بحصول المكلّف به، على نحو تعلّق به غرض الآمر، لأنّ الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية.
ففيه: إنّه لا شكّ و لا شبهة في سقوط التكليف و ارتفاع الطلب، على تقدير انحصار غرضه من أوامره فيما يكون بيانه وافيا ببيانه، و احتمال تعلّق غرضه بما يقصر عن إفادته ما بيّنه من التكاليف، المستلزم لبقاء الأمر، مدفوع بالأصل.
إن قلت: مقتضى الأصل بقاء التكليف، و عدم سقوط الطّلب، بمجرّد حصول متعلّقه في الخارج كيفما اتّفق، فاستصحاب التكليف حاكم على قاعدة البراءة.
قلت: الشّك في بقاء التكليف، مسبّب عن الشّك في تعلّق الطلب النفس الأمري و التكليف الواقعي بما يقصر عن إفادته الخطاب الشرعي، و هو منفي بالأصل و القاعدة، فلا يبقى معهما مجال لاستصحاب التكليف، كما لا يخفى على المتأمّل.
ثمّ إنّ في المقام توهّمات أخر مقتضية لوجوب الاحتياط، لكنّها غير مختصّة بالمقام، بل لو تمّت لعمّت الاجزاء و الشرائط المشكوكة مطلقا، و تمام الكلام فيها موكول إلى محلّه، و المقصد الأهمّ في المقام إثبات عدم الفرق بين هذا الشرط و بين غيره من الشرائط المعتبرة في الواجبات التي يرجع فيها مع الشّك إلى البراءة كما نعرفه في محلّه إن شاء اللّه تعالى.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 63
و امّا الكلام فيما يقتضيه الأصل، بعد العلم بأنّه لم يتعلّق الغرض من الواجب بإيجاد متعلّقه في الخارج كيفما اتفق، بل اريد إيجاده قاصدا بفعله التقرّب و الإطاعة، فقد يقال:
متى شكّ في أنّه هل تعلّق الغرض بإيجاده بداعي الأمر مطلقا، و لو في ضمن محتملاته، أو اريد إتيانه عارفا بوجه الفعل من الوجوب و الندب، أو جازما حال الفعل بكونه بعينه هو المأمور به أو نحو ذلك، يجب الاحتياط.
و إن قلنا بالبراءة عند الشّك في شرائط الواجب و أجزائه، فإنّ هذه الامور على تقدير اعتبارها عن مقوّمات مفهوم الإطاعة، فإنّ الإطاعة عبارة عن الإتيان بالفعل على وجه يوافق غرض الآمر، لا مجرّد إيجاده بداعي الأمر، فما لم يحرز موافقة الغرض لا يعلم بحصول الإطاعة و سقوط الأمر.
و امّا حكم العقلاء، بحصول الإطاعة بمجرّد إتيان المأمور به بداعي الأمر في أوامرهم العرفية، فإنّما هو لأجل معلوميّة الغرض عندهم غالبا في تلك الموارد، و إلّا فلو علم في مورد أنّ غرض المولى من الأمر شي‏ء آخر وراء نفس المأمور به، و لا يعلم بحصوله، لا يحكمون بحصول الإطاعة بمجرّد إيجاد المأمور به بداعي الأمر.
هذا، مع أنّه يكفي الشّك في كون الإطاعة التي اعتبرت قيدا في الواجبات التعبّدية- أي شرطا لصحّتها- عبارة عن موافقة الغرض، لا مجرّد الإتيان بداعي الأمر في وجوب الاحتياط، لأنّ الشّك فيه شكّ في المكلّف به لا في التكليف، كما يشير إليه المصنّف قدّس سرّه في ذيل العبارة.
و لا يخفى عليك أنّه إن تمّ ما ذكر، فمقتضاه كون الأصل في الواجبات التعبّدية.
و كيف كان، فيتوجّه عليه أوّلا: ما تقدّمت الإشارة إليه مرارا من أنّ الإطاعة ليست إلّا عبارة عن إتيان المأمور به بداعي الأمر، و التشكيك في حصول الإطاعة- بعد فرض إتيان المأمور به امام الأجزاء و الشرائط، بقصد الامتثال و الخروج عن‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 64
عهدة التكليف- من قبيل التشكيك في الضروريّات.
و ثانيا: إنّ الإطاعة و المعصية من الموضوعات التي يستفاد حكمها من العقل، كما عرفته مفصّلا، فلا بدّ من أن يؤخذ الموضوع من نفس الحاكم، و لا معنى للرجوع إلى غيره في تشخيص موضوعه، فكلّ من يحكم عقله بوجوب الإطاعة، يجب أن يكون موضوع حكمه مشروحا لديه، متصوّرا بجميع خصوصياته التي لها مدخلية في تعلّق الحكم، فلا يعقل الإجمال و الترديد في نفس الموضوع، حتّى يقال إنّ احتمال كون معنى الإطاعة كذا كاف في وجوب الاحتياط.
نعم قد يشكّ في حصولها لا لإجمال المفهوم، بل لوجود المصداق في الخارج.
إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ العقل يحكم بلزوم إيجاد العبد الفعل الذي ألزمه المولى بفعله بداعي الزامه، بشرط علم العبد بالزامه لا بدونه، لأنّ العلم بالحكم مأخوذ في موضوع حكم العقل عقلا، و هذا الإيجاد الخاص اسمه الإطاعة عرفا، و حكمه الوجوب عقلا، و لا يعقل التصرّف في هذا الحكم العقلي أصلا، و لا في موضوعه أبدا، لا من الشارع و لا من غيره، فكلّما يفرض قيد للإطاعة كمعرفة الوجه تفصيلا، و الجزم في النيّة، أو غيرها ممّا يحتمل اعتباره شرعا أو عرفا، لا بدّ و أن يرجع لدى التحليل إلى تقييد الفعل الواجب، إذ لا يحكم العقل إلّا بوجوب إيجاد ما بداعي طلبه، بل لا نتعقل بقاء الوجوب بعد إيجاد الواجب، على النحو الذي أوجبه، بداعي وجوبه، فهذه الكيفيات إن كانت ممّا أوجبها بتصريحه، أو بشهادة العرف أو العقل عليها يجب تحصيلها، و إلّا فلا كغيرها من الشرائط و الاجزاء المعتبرة في الواجبات، و مرجع الشّك في الجميع إلى الشّك في أصل التكليف، و المرجع فيه البراءة، كما يأتي تحقيقه في مبحث أصل البراءة إن شاء اللّه تعالى.
و عدم إمكان أخذ هذه الكيفيات قيدا للمأمور به صورة، لا يصلح فارقا بين الموارد، بعد ما أشرنا إليه من أنّها على تقدير اعتبارها من قيود الواجب الواقعي‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 65
و المحبوب النفس الأمري، كعنوان الإطاعة المأخوذة قيدا في الواجبات التعبّدية، و قد عرفت أنّ المرجع عند الشّك في اعتبار الإطاعة قيدا في الواجبات- أي كونها تعبّدية- البراءة مع أنّ وجوبها عقليّ، و اعتبارها قيدا في التعبّديات شرعي، فكيف في مثل هذه التفاصيل التي لا وجوب لها عقلا!، فشرطيّتها على تقدير تحقّقها منتزعة عن الإيجاب الشرعي، كغيرها من الشرائط.
و الحاصل: إنّه كلّما يشكّ في اعتباره قيدا للواجب الواقعي، و المحبوب النفس الأمري، سواء أمكن أخذه قيدا للمأمور به في العبادة أم لا، يرجع فيه إلى البراءة.
نعم، لو علم تعلّق غرضه بشي‏ء ممّا يوجد مع المأمور به أحيانا، أو بإتيانه بكيفيّة خاصّة، يجب إحرازه، و القطع بحصوله جزما، لأنّ عنوان الواجب الواقعي على هذا التقدير ما يحصل به الغرض المعلوم لا المأمور به، لأنّ الموضوع في حكم العقل بوجوب الإطاعة، ما علم محبوبيّته للمولى، و أنّه لا يرضى بتركه سواء و في ببيانه لفظه أم لا، و المدار في ذلك على العلم بذلك لا على الشّك، لما ذكرنا من أنّ العلم معتبر في موضوع حكم العقل بوجوب الإطاعة، فلو شكّ في تعلّق غرضه بشي‏ء ممّا يمكن انفكاكه عن المأمور به، لا يلتفت إليه أصلا، و لا يجب القطع بحصوله جزما، لأنّ إظهار ما في ضميره، و التكليف بما يفي بتمام غرضه، من وظيفته، و العقاب على ما تعلّق به غرضه، من دون بيانه للعبد و علم العبد به قبيح.
و ممّا ذكرنا ظهر ما في تقريب الاستدلال من المغالظة، لظهور الفرق بين العلم بتعلّق غرضه بشي‏ء غير حاصل و احتماله، و ما نحن فيه من الثاني لا الأوّل، و قد عرفت أنّه يجب الاحتياط في الأوّل من دون الثاني.
و امّا ما ذكر من أنّ مقاصد العقلاء في أوامرهم غالبا معلومة، و أنّهم لا يرتابون في حصولها بوجود المأمور به، و لذا يحكمون بحصول الإطاعة في أوامرهم العرفيّة، بمجرّد إيجاد المأمور به بداعي الأمر.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 66
ففيه منع ظاهر، إذ كثيرا ما يشتبه على العبد أغراض مواليهم، مع أنّهم غير ملتزمين بالاحتياط فيما يحتملون تعلّق غرض المولى بحصوله، بل لا يلتفتون إلى ذلك، لما هو المغروس في أذهانهم من كفاية إيجاد المأمور به بداعي الأمر، في سقوط التكليف و حصول الامتثال.
إن قلت: تعلّق غرض الشارع في العبادات بما عدا وجود المأمور به، من حيث هو معلوم، و حصول غرضه بمجرّد إتيان المأمور به، بداعي الأمر مجرّدا عن التفاصيل المحتمل اعتبارها غير معلوم، فيجب الاحتياط.
قلت: تعلّق غرضه فيها بإيجادها بعنوان الإطاعة التي قد عرفت أنّها عبارة عن إيجاد المأمور بداعي الأمر معلوم، و قد حصل بالفرض، و تعلّق غرضه بشي‏ء آخر غير معلوم، و الأصل ينفيه.
و ربّما يستدلّ لعدم جواز الاحتياط بالتكرار، بتعذّر قصد التقرّب في كلّ من المحتملين، و القدر المشترك بينهما ليس أمرا ثالثا حتّى ينوي به التقرّب.
و فيه: مع أنّ مقتضاه عدم مشروعية الاحتياط، حتّى مع تعذّر المعرفة التفصيلية، مع أنّه واضح الفساد، أنّه لا شبهة في تحقّق ذات المأمور به في ضمن محتملاته، و انبعاثه عن داعي الامتثال، فكيف لا يكون مقصودا به التقرّب، و يأتي مزيد توضيح لكيفية قصد التقرّب في عبارة المصنّف قدّس سرّه في طيّ مقدّمات دليل الانسداد، و يتلوه في الضعف الاستشهاد له بمخالفته لسيرة المتشرعة و الاجماع، ضرورة عدم كاشفية السيرة في التروك بعد تسليمها عن عدم الجواز.
و امّا الإجماع، فعلى تقدير تحقّقه، فمنشؤه على الظاهر التزامهم باعتبار قصد الوجه في تحقّق الإطاعة، و قد بيّنا خلافه، و ربّما يستشهد له الظاهر بأنّ من أتى بصلوات كثيرة، كأن صلّى عشرين صلاة عند اشتباه القبلة في الجهات الأربع، و ثوبه الطاهر في خمسة أثواب، مع تمكّنه من المعرفة التفصيلية، يعدّ في العرف لاعبا لاهيا
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 67
بأمر المولى، و الفرق بين الصلاتين و الصلوات الكثيرة ممّا لا يرجع إلى محصّل.
و فيه ما لا يخفى، فانّه إنّما يعدّ لاعبا لاهيا إذا كان غرضه الاستهزاء بالأمر، و امّا إذا لم يقصد به إلّا الامتثال، و كان الباعث على التكرار غرض عقلائي ككونه أسهل من تحصيل المعرفة التفصيلية، فلا يعدّ إلّا عبدا مطيعا شديد الاعتناء بأمر مولاه، بل ربّما يعدّ بترك التكرار و السّعي في تحصيل الجزم في مثل الفرض لاعبا لاهيا، أ لا ترى أنّه لو كلّفه المولى بأن يسلّم على شخص و غاب المولى، ثمّ تردّد ذلك الشخص بين شخصين حاضرين عند العبد، فتكلّف العبد في الحضور عند المولى لتحصيل الجزم بالنية يعدّ لاعبا، و كذا لو أمره بإعطاء درهم عليه، فتردّد بين شخصين، فصرف العبد درهمين في طريق تحصيل الجزم يعدّ سفهيا كما هو واضح، و إن أردت مزيد توضيح لما يتعلّق بكيفيّة الإطاعة، فعليك بمراجعة ما حقّقناه في نيّة الوضوء في كتابنا المسمّى ب «مصباح الفقيه»، فانّ ما أردناه في المقام شطر ممّا سطرناه في ذلك المبحث، فتبصّر.
قوله قدّس سرّه: فيكفي في عدم جواز الاحتياط بالتكرار، احتمال عدم جوازه‏ «1».
أقول: يعني يمتنع حصول الاحتياط بذلك، حيث أنّ مقتضى الاحتياط، الأخذ بما يحصل معه القطع بالفراغ كما لا يخفى.
قوله قدّس سرّه: مع إمكان أن يقال … الخ‏ «2».
أقول: هذا أحد الوجوه التي يستدلّ بها للقول بوجوب الاحتياط، في مسألة
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 15 سطر 22، 1/ 73.
(2)- فرائد الأصول: ص 16 سطر 13، 1/ 75.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 68
الشّك في الشرطية و الجزئية، بل أقواها، و يظهر ضعفه ممّا حقّقه المصنّف في ذلك المبحث، كما أنّه ظهر ذلك بما حقّقناه آنفا من أنّ المرجع فيما زاد على القدر المتيقّن البراءة.
قوله قدّس سرّه: بل لا يجوز «1».
أقول: أي بالنظر إلى الوجه الذي أشار إليه بقوله «مع إنكار …» إلخ.
قوله قدّس سرّه: في جميع موارد إرادة التكرار «1».
أقول: يعني في جميع الموارد التي تعلّق غرض المكلّف بتحصيل الواقع، على ما هو عليه، لإدراك مصلحته الواقعية، و إن لم يجب عليه ذلك بمقتضى تكليفه الظاهري، بعد أن اخرج عن عهدته بسلوك طريق معتبر.
قوله قدّس سرّه: بتحصيل الواقع أولا … الخ‏ «1».
أقول: ظاهره لزوم تقديم المظنون في مقام العمل، و سرّه أنّه لو أتى بالموهوم أوّلا من باب الاحتياط، فقد أتى به حال تمكّنه من الخروج عن عهدة الواجب، لو أتى بما يجزم بكونه هو ذلك الواجب، بحسب ما يقتضيه تكليفه في مرحلة الظاهر، و هو خلاف الاحتياط، و هذا بخلاف ما لو أخّره عن المظنون الذي يجب عليه في الظاهر بظنّه المعتبر، حيث أنّه لم يحتط حينئذ بفعل الموهوم، إلّا بعد أن تعذّر عليه الامتثال الجزمي.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 16 سطر 16، 1/ 75.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 69
و يمكن أن يقال: إنّ تقديم الموهوم مخلّ بالجزم بالوجوب حال الإتيان بما هو واجب عليه في الظاهر، لاحتمال كون الموهوم واجبا في الواقع، فلا يقطع بتوجّه الأمر عليه حال الإتيان بالمظنون، و هذا بخلاف ما لو قدّم المظنون، فانّه جازم حال إتيانه بتنجّز الواجب عليه، و كونه في مقام امتثال الواجب الواقعي، فليتدبّر.
قوله قدّس سرّه: عدا السيّد أبي المكارم في ظاهر كلامه‏ «1».
أقول: قال السيّد في محكي «الغنية»:
و «تعلّق من ذهب إلى أنّ مطلقه يقتضي الوجوب، بذمّ العقلاء العبد على مخالفة مولاه باطل».
إلى أن قال: «و تعلّقهم بأنّ الأمر إذا احتمل الإيجاب و الندب، وجب حمله على الإيجاب، لأنّه أعمّ فائدة و أحوط في الدّين، ظاهر الفساد».
إلى أن قال: «و قولهم إنّ ذلك أحوط في الدين غير صحيح، بل هو ضدّ الاحتياط، لأنّه يؤدّي إلى أفعال قبيحة، منها اعتقاد وجوب الفعل، و منها العزف على ادائه على هذا الوجه، و منها اعتقاد قبح تركه، و ربّما كرّه هذا الترك، و كلّ ذلك قبيح، لأنّ من أقدم عليه يجوّز قبحه لتجويز كون المأمور به غير واجب، و الاقدام على ما لا يؤمن قبحه في القبح، كالاقدام على ما يقطع على ذلك» انتهى.
و في ظهور كلامه في ما ذكره المصنّف قدّس سرّه نظر، فانّ غرضه بحسب الظاهر ليس إلّا إبطال الاستدلال بالاحتياط، للقول بأنّ الأمر للوجوب ببيان مفاسده التي ملخّصها التدين و القول على اللّه بغير علم، و هو ضدّ الاحتياط كما هو واضح، لا أنّ الاحتياط في المأمور به من حيث هو مستلزم لهذه المفاسد، كي يظهر منه نفي‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 16 سطر 23، 1/ 76.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 70
مشروعية الاحتياط رأسا، فليتدبّر.
قوله قدّس سرّه: و سيأتي ذكره عند الكلام على الاحتياط «1».
أقول: الظاهر أنّه قدّس سرّه لم يتعرّض لكلام السيّد قدّس سرّه في طيّ مقدّمات دليل الانسداد، و يمكن أن يكون مقصوده ذكر عدم اعتبارية الوجه في مقام الاحتياط، لا ذكر كلام السيّد.
قوله قدّس سرّه: دفعة أو تدريجا «2».
أقول: ارتكاب كلا طرفي الشبهة دفعة، امّا بفعل واحد، كما إذا جمعهما في لقمة واحدة، أو جعلهما ثمنا في بيع واحد، فهو على هذا التقدير بنفسه مخالفة للعلم التفصيلي، أو بفعلين في زمان واحد، كما إذا شرب أحد الإناءين، و أراق الآخر في المسجد مثلا، فانّه يعلم إجمالا بأنّ أحد الفعلين محرّم عليه، فلو سجد في ذلك المكان يتولّد من علمه الإجمالي علم تفصيلي ببطلان صلاته، إمّا لنجاسة مسجده أو بدنه، و القائل بجواز ارتكابهما دفعة بحسب الظاهر لا يقول إلّا في الفرض الأخير، و امّا الأوّل فممّا لا يظنّ بأحد الالتزام به لكونه بديهي الفساد، و اللّه العالم.
قوله قدّس سرّه: كما لو اشترى بالمشتبهين … الخ‏ «3».
أقول: هذا فيما إذا تعدّد البيع، و إلّا فهو بنفسه مخالفة تفضيلية.
اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ البيع في حدّ ذاته لا يعدّ مخالفة، و أنّ المخالفة تحصل‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 16 سطر 24، 1/ 76.
(2)- فرائد الأصول: ص 17 سطر 22، 1/ 80.
(3)- فرائد الأصول: ص 17 سطر 23، 1/ 80.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 71
بالتصرّفات المترتّبة على البيع، و هو لا يخلو من وجه.
قوله قدّس سرّه: فنقول مخالفة الحكم المعلوم بالاجمال يتصوّر على وجهين … الخ‏ «1».
أقول: يعني مخالفته من حيث كونه معلوما، أي مخالفة العلم الإجمالي، و إلّا فمخالفة نفس الحكم من حيث هو عملية لا محالة.
و كيف كان، فنقول في توضيح المقام إنّ العلم الإجمالي امّا أن يكون على تقدير اعتباره و كونه كالتفصيلي، مؤثّرا في توجيه خطاب منجز بفعل شي‏ء أو تركه في مقام العمل أم لا؟
فالأوّل: كما لو تردّد الواجب أو الحرام بين أمرين أو امور يمكن الاحتياط فيها، أو دار الأمر بين وجوب شي‏ء و حرمة شي‏ء آخر، و بين وجوب شي‏ء في وقت و حرمته في وقت آخر، إلى غير ذلك من موارد الشّك في المكلّف به، مع العلم بنوع التكليف أو جنسه مع إمكان الاحتياط فيه.
و أمّا أن لا يكون له أثر في مقام العمل، كما لو علم إجمالا بارتفاع نجاسة أحد الإنائين الذين يعلم نجاستهما بالتفصيل، فانّ علمه الإجمالي في الفرض لا يؤثر في حقّه تكليفا منجزا، لأنّ أثر معلومه بالإجمال ليس إلّا جواز الارتكاب، فلا يتحقّق بالنسبة إليه إطاعة أو معصية في مقام العمل، و مثل ما لو توضّأ غفلة بمائع مردّد بين الماء و البول، فانّه يعلم إجمالا إمّا بنجاسة بدنه أو ارتفاع حدثه، إلّا أنّه ليس لعلمه الإجمالي أثر أصلا، ضرورة أنّه لا يجوز الاقتصار على احتمال رفع الحدث في مقام امتثال الأمر بالصّلاة، كما أنّه لا يجب عليه غسل ثوبه بمجرّد احتمال ملاقاته للنجس،
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 19 سطر 1، 1/ 83.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 72
و ليس للقدر المشترك بين الأمرين أثر شرعي حتّى يرتّبه على ما علمه بالإجمال.
و مثل ما لو دار الأمر بين وجوب شي‏ء أو حرمته، و كان الحكم المعلوم بالإجمال توصّليا على كلّ تقدير، دون ما لو كان تعبّديا مطلقا، أو على تقدير وجوبه دون الحرمة و بالعكس، فانّه يندرج حينئذ في القسم الأوّل، لأنّه يتولّد من علمه الإجمالي علم تفصيلي بعدم جواز إيجاده أو تركه في الخارج لا بقصد القربة، لكون كلّ منهما مخالفة تفصيلية للمعلوم بالإجمال، على تقدير كون المعلوم بالإجمال تعبّديا على كلّ تقدير، و لو كان تعبّديا على تقدير وجوبه يعلم بكون إيجاده لا بقصد القربة مخالفة تفصيلية للمعلوم بالإجمال، و لو كان تعبّديا على تقدير حرمته- أي وجوب تركه- بكون تركه لا بقصد الوجوب معلوم الحرمة، فقول المصنّف قدّس سرّه «مع عدم كون أحدهما المعيّن تعبّديا» بيان للفرد الخفيّ، و تقييده بالمعيّن للبيّنة على أنّ العلم بكون أحدهما على سبيل الترديد تعبّديا ممّا لا يرجع إلى محصّل، فانّه و إن أمكن تصويره فيما لو صدر من الشارع تكاليف واجبة و تكاليف محرّمة، و علم بكون أحد القسمين بأسره تعبّديا، و الآخر توصّليا على سبيل الإجمال، ثمّ علم إجمالا مثلا أنّ لبث الجنب المعتكف في المسجد مندرج في موضوع أحد القسمين، من تلك التكاليف المعلوم كون أحدهما لا بعينه تعبّديا، لكن هذا مرجعه إلى [أنّ‏] مجرّد احتمال كون الحكم المعلوم بالإجمال تعبّديا، احتمالا ناشئا من العلم بصدور بعض أحكام شرعية تعبّدية، يحتمل كون ذلك الحكم من جملتها، فلا ربط له بما نحن فيه، من أنّه هل يجوز مخالفة العلم الإجمالي في مقام العمل أو الالتزام أو لا يجوز؟ كما هو واضح.
ثمّ إنّ الكلام في أنّ العلم الإجمالي كالتفصيلي في تنجيز الواقع، و عدم جواز مخالفته، يقع تارة في القسم الأوّل، أعني ما كان لعلمه الإجمالي على تقدير اعتباره أثر عملي، و اخرى فيما لا أثر له في مقام العمل:
أمّا القسم الأوّل: فسيأتي الكلام في تحقيقه.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 73
و امّا الكلام في القسم الثاني: فحيث أنّ المفروض أنّه لا مخالفة له من حيث العمل، فمرجعه إلى أنّ الالتزام بحكم اللّه الواقعي على ما هو عليه في حدّ ذاته واجب في مرحلة الظاهر، فلا يجوز مخالفة المعلوم بالإجمال، و الرجوع إلى الاصول الجارية في أطراف العلم الإجمالي، أم لا؟
فإن جوّزنا ذلك، و قلنا إنّ العلم الإجمالي الذي لا أثر له بمنزلة العدم، فنقول في الإناءين المشتبهين الذين علم سبق نجاستهما، أنّ حكم اللّه الظاهري في مقام العمل نجاستهما للاستصحاب، و كذا في مسألة التوضّي بالماء المشتبه، بقاء الحدث و طهارة البدن، لأجل الاستصحاب، و في مسألة دوران الأمر بين المحذورين، الإباحة و براءة الذمّة عن كلّ واحد من التكليفين.
و هذا بخلاف ما لو قلنا بأنّ الالتزام بالحكم الواقعي الذي تعلّق به العلم واجبة، فانّه لا يجوز على هذا التقدير الرجوع إلى الاصول المذكورة، أعني الحكم بنجاسة الإناءين، أو ببقاء الحدث، و طهارة البدن، أو الاباحة في مسألة دوران الأمر بين المحذورين، كما لا يخفى.
بقى في المقام شي‏ء؛ و هو إنّا و لو قلنا بأنّه لا أثر للعلم الإجمالي في مثل العوض من حيث التكليف، إلّا أنّ وجوده مانع عن اجراء الاصول المذكورة في موارد العلم الإجمالي، لما سينتج تحقيقه فيما بعد من أنّ العلم الإجمالي كالتفصيلي رافع لموضوع الأصل.
نعم، لو قلنا بأنّ المانع عن اجراء الاصول في أطراف العلم الإجمالي معارضة الاصول، و استلزام العمل بكلّ منهما الترخيص في معصية الحكم المعلوم بالإجمال، لاتّجه ما ذكرنا، إلّا أنّه في معرض المناقشة بل التحقيق، كما سيوضّحه المصنّف قدّس سرّه، أنّ أدلّة الاصول قاصرة عن شمول أطراف العلم، فعلى هذا لا بدّ في الموارد المذكورة من الرجوع الى القواعد، في كلّ مورد بحسبه، لا إلى الاصول المذكورة. و لا ينافي ذلك ما
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 74
تسمعه إن شاء اللّه تعالى في باب الشبهة المحصورة، من أنّ العلم الإجمالي الغير المؤثر في تنجّز التكليف، بالاجتناب عن الحرام المشتبه بواسطة خروج بعض أطراف الشبهة عن مورد الابتلاء، أو كونه مورد التكليف فعلي منجزا و نحو ذلك، غير مانع عن اجراء الاصول في أطراف الشبهة، لما ستعرف في محلّه من أنّ الأصل في تلك الموارد لا يجري إلّا في بعض الأطراف، فلا يكون العلم الإجمالي مانعا عنه، لأنّ العلم الإجمالي إنّما يمنع عن اجراء الاصول المنافية له، لا الأصل الجاري في بعض أطراف العلم، السّالم عن معارضته بجريانه في الآخر، كما هو واضح.
ثمّ لو سلّم أنّ المانع عن اجراء الاصول إنّما هو مخالفة الحكم المعلوم بالإجمال في مقام العمل، يتوجّه على ما تقدّم كلام آخر، و هو أنّ الرجوع إلى الأصل إنّما يصحّ فيما لو كان للأصل أثر عملي، إذ لا معنى لاجراء الأصل إلّا ترتيب الأثر في مرحلة الظاهر، و هذا إنّما يعقل فيما لو كان له أثر قابل لأن يترتّب عليه، و هذا إنّما يتمّ في مثل استصحاب نجاسة الإناءين، و كذا مسألة التوضّي بالماء المشتبه، فانّ أثر الاستصحاب في الإناءين وجوب الاجتناب عنهما، و كذا في المثال الثاني أثره عدم وجوب غسل الثوب، و عدم الدخول في الصلاة، و لا ينافي ذلك ثبوت هذه الأحكام بقواعد أخر لو لا الاستصحاب، كقاعدة الاحتياط، و أصالة الطهارة، أمّا الرجوع إلى سائر الاصول موقوف على عدم جريان الاستصحاب كما سيتّضح في محلّه.
و أمّا دوران الأمر بين المحذورين فلا، إذ لا معنى للرجوع إلى أصل الإباحة فيه، مع كونه مضطرّ إلى الفعل أو الترك، و أدلّة أصل الإباحة إنّما يعمّ الموارد التي يمكن نهي الشارع عنها، لأنّ الاباحة التي هي عبارة اخرى عن الرّخصة فرع أن يكون للرّخصة تأثير في الجواز، و هو في غير مثل الفرض، لأنّ جواز الارتكاب ضروري الثبوت له، بنفس الترديد و الاشتباه، بعد فرض دوران الأمر بين المحذورين، و عدم المرجّح بنظر العقل- كما هو المفروض- لا بترخيص الشارع.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 75
اللهمّ إلّا أن يقال، إنّ هذا إنّما هو بعد الالتفات إلى العلم الإجمالي، و فرض كون الأمر دائرا بين المحذورين، و المفروض أنّ هذا العلم كعدمه غير مانع عن ملاحظة كون الشي‏ء من حيث هو مشكوك الوجوب و الحرمة، فبهذه الملاحظة يندرج في موضوع العمومات الدالّة على حليّة كلّ شي‏ء لم يعلم حرمته أو وجوبه.
لكن لقائل أن يقول: إنّ اندراجه في موضوع أدلّة الحلية الظاهرية، موقوف على احتمال إباحته في الواقع، لأنّ الأحكام الظاهرية مجعولة للشّاك، فكيف يندرج في موضوع عمومات الحلّ، الشي‏ء الذي لا شكّ في عدم حلّيته؟
و دعوى أنّ ما جعل غاية للحكم بالإباحة و الحلّية الظاهرية في أدلّتها، إنّما هو العلم بحرمة ما يشكّ في حرمته، أو وجوب ما يشكّ في وجوبه، فكلّ شي‏ء لم يعلم بحرمته و لا بوجوبه هو مندرج في موضوع أصل الاباحة، سواء علم بعدم إباحته في الواقع أم لا.
ضعيفة جدّا، ضرورة أنّ المقصود بقوله: «كلّ شي‏ء لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام» و نظائره ليس إلّا الرخصة في ارتكاب ما يشكّ في حلّيته و حرمته، لا مطلق ما لم يعلم حرمته، حتّى يعمّ مثل الفرض الذي علم بأنّه ليس بحلال، و يأتي في مبحث الاستصحاب عند التكلّم في أصالة عدم التذكية مزيد توضيح لذلك إن شاء اللّه تعالى.
قوله قدّس سرّه: فإنّ المخالفة في المثالين … إلخ‏ «1».
أقول: يعني أنّه ليس للعلم الإجمالي في الفرض مخالفة عملية، لأنّ غاية ما يقتضيه العلم في مثل المقام الموافقة الاحتمالية، و هي حاصلة قهرا على كلّ تقدير.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 19 سطر 4، 1/ 84.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 76
قوله قدّس سرّه: لمن توضّأ غفلة … الخ‏ «1».
أقول: التقييد بالغفلة لأن يتأتى منه قصد التقرّب.
قوله قدّس سرّه: نعم صرّح غير واحد من المعاصرين … الخ‏ «2».
أقول: مقتضى إطلاق القول المحكيّ عنهم جواز العمل بالأصلين المتنافيين، و لو مع استلزامه طرح قول المعصوم من حيث العمل، كما لو اختلفت الأمّة في كفّارة النذر مثلا بين وجوب العتق مثلا أو وجوب الصوم، كذلك حيث يعلم إجمالا أنّ أصالة عدم وجوب العتق، و عدم وجوب الصوم أحدهما مخالف للواقع، فإذا جاز العمل بكليهما، جازت مخالفة الحكم المعلوم بالإجمال من حيث العمل.
قوله قدّس سرّه: لكن هذا المقدار من الفرق غير مجد «3».
أقول: يعني أنّه و إن أثّر في بطلان القياس، إلّا أنّه لا يؤثّر في عدم جواز العمل بالأصلين، لأنّ مناط الجواز و عدمه لزوم المخالفة العملية و عدمه، سواء كانت في الشّبهة الموضوعية أو الحكمية، فالمانع عن الرجوع إلى الاصول مخالفة الشارع من حيث العمل، من دون فرق بين المقامين.
قوله قدّس سرّه: فانّ ظاهر كلام الشيخ قدّس سرّه … الخ‏ «4».
أقول: الاستشهاد بكلام الشيخ قدّس سرّه لجواز طرح قول الإمام عليه السّلام من حيث‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 19 سطر 9، 1/ 84.
(2)- فرائد الأصول: ص 20 سطر 15، 1/ 89.
(3)- فرائد الأصول: ص 20 سطر 22، 1/ 90. و في الأصل: لكن هذا الفرق غير مجد.
(4)- فرائد الأصول: ص 21 سطر 2، 1/ 90.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 77
الالتزام لا يخلو من نظر، حيث أنّ الشيخ قدّس سرّه ذهب إلى هذا القول فرارا من طرح قول الحجّة، و جعل لزوم الطّرح دليلا على بطلان القول بالتساقط و الرجوع إلى الأصل، و لذا اعترض عليه المحقّق قدّس سرّه و غيره، بأنّ في التخيير أيضا طرح قول الحجّة.
و الظاهر أنّ مراد الشيخ قدّس سرّه أنّ اختلاف الأمّة على قولين، مع عدم دليل معتبر في المسألة دليل على أنّ الحكم الواقعي فيها التخيير، بمعنى جواز الفعل و الترك، و لا يجب على الإمام عليه السّلام ردع الأمّة عن اعتقادهم في مثل الفرض، حيث لا يترتّب عليه مخالفة الشارع، فكلّ من القولين في الجملة موافق لقول الإمام عليه السّلام، فلا يجوز طرحهما رأسا و الرجوع إلى الاصول العمليّة.
و يدلّ على أنّ مراده ما ذكرناه، ما فرّعه على مذهبه من عدم جواز انعقاد الاجماع على أحد القولين في الفرض، معلّلا باستلزامه أن لا يكون الحكم الواقعي التخيير، و قد تبيّن خلافه.
قوله قدّس سرّه: و امّا المخالفة تدريجا … الخ‏ «1».
أقول: يعني جواز المخالفة القطعيّة- على تقدير الرجوع إلى أصل الإباحة- لازم قطعا، و هو ينافي حكم العقل بقبح المخالفة عن قصد و علم، فلا يعقل أن يكون حكمها الجواز، و امّا نفس المخالفة القطعية فغير لازمة قطعا، ضرورة إمكان اختيار الترك في كلّ واقعة أو الفعل كذلك.
قوله قدّس سرّه: فتأمّل‏ «2».
[أقول‏]: لعلّه إشارة إلى أنّ أصل الإباحة، على تقدير القول بجريانه مع العلم‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 21 سطر 6، 1/ 91.
(2)- فرائد الأصول: ص 21 سطر 14، 1/ 92.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 78
الإجمالي في خصوص كلّ واقعة، فهو حكم ظاهري بالنسبة إلى كلّ واقعة، كالتخيير الشرعي أو التقليد.
و إن قلنا إنّ العلم الإجمالي مانع عن اجراء الأصل، فلا فرق بين أصل الإباحة و غيره من الأحكام التعبّدية.
قوله قدّس سرّه: و امّا المخالفة العملية … الخ‏ «1».
أقول: الأقوى تبعا للمصنّف قدّس سرّه، عدم جواز المخالفة القطعيّة للحكم المعلوم بالإجمال مطلقا، من دون فرق بين أن تكون المخالفة لخطاب تفصيلي، أو إجمالي في الشبهة الموضوعيّة أو الحكميّة، لأنّ الأحكام الشرعيّة محمولة على الموضوعات الواقعيّة، من دون اشتراطها بعلم المكلّف أو جهله بالأحكام أو بموضوعاتها، لعدم معقوليّة الأوّل، أعني اشتراط التكاليف الواقعيّة بعلم المكلّف بها أو جهله. و امّا اشتراطها بالعلم بموضوعاتها، و إن كان معقولا، إلّا أنّه خلاف الفرض، لما عرفت من أنّ الكلام في المقام إنّما هو فيما إذا علم إجمالا بثبوت حكم لم يكن العلم مأخوذا في موضوعه.
و حينئذ نقول: ثبوت الأحكام الشرعية في الواقع مقتض لوجوب امتثالها، و الذي يصلح أن يكون مانعا عن تنجيزها، بمعنى كون المكلّف معذورا في ترك امتثالها، ليس إلّا جهل المكلّف، و هو مع وجود العلم الإجمالي لا يصلح للمانعية لا عقلا و لا نقلا.
امّا عقلا: فلعدم استقلال العقل بقبح عقاب الجاهل، مع علمه الإجمالي بالتكليف، و تمكّنه من الامتثال، بل النقل مستقل بعدمه، إذ لا فرق بنظر العقل في قبح‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 21 سطر 15، 1/ 93.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 79
مخالفة المولى بين أن يعرف حكمه بالإجمال أو مفصّلا.
و امّا نقلا: فلعدم الدليل عليه على تقدير جوازه، و عدم مخالفته للعقل المستقل، و يأتي توضيحه في الشبهة المحصورة إن شاء اللّه.
و لو منعنا كون العلم الإجمالي كالتفصيلي موجبا لتنجّز الأحكام الواقعيّة، و قلنا إنّ الجهل التفصيلي بالحكم الواقعي عذر عقلي أو شرعي، فالمتّجه جواز المخالفة القطعية مطلقا في جميع الصور.
و أمّا القول بالتفصيل بين مخالفة الخطابات التفصيلية و الاجماليّة، ففي غاية الضعف، خصوصا فيما إذا كان الحكم المشتبه في موضوعين متّحدا بالنوع، كما لا يخفى.
ثمّ، إنّا لو قلنا بهذا التفصيل، فلا يتوجّه عليه النقض، بما لو تولّد من الخطابات الإجمالية علم تفصيلي بحرمة شي‏ء أو وجوبه، في الشبهات الموضوعية أو الحكميّة، كما لو تردّد مائع معيّن بين كونه بولا أو خمرا، أو علم إجمالا بوجوب إكرام العالم أو العادل، فتصادق العنوانان على فرد، مع أنّ البديهة تشهد بعدم جواز المخالفة في مثل الفرض، ضرورة أنّ المقصود بالخطاب التفصيلي- الذي يلتزم هذا القائل بحرمة مخالفته- أعمّ من أن يكون بدليل سمعيّ أو عقليّ، فلا عبرة بإجمال الخطاب السمعي المتوجّه إلى المكلّف، بعد أن استنتج منه بحكم عقليّ حرمة هذا الشي‏ء، فيعلم تفصيلا بأنّ الشارع نهاه عن هذا الشي‏ء، إلّا أنّه لا يعلم وجه حرمته، و لا مدخلية لمعرفة وجه الوجوب أو الحرمة في وجوب الامتثال، كما هو واضح.
قوله قدّس سرّه: المخالف لقول الشارع اجتنب عن النجس‏ «1».
أقول: كان الأولى أن يعبّر عن النجس بنوع من أنواع النجاسات، كالخمر
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 21 سطر 17، 1/ 93.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 80
و البول و الدّم و غيرها، لأنّ كون هذا العنوان العامّ موضوعا للحكم بوجوب الاجتناب في الخطابات الشرعيّة محلّ كلام، فتأمّل.
قوله قدّس سرّه: فانّ كلّا منهما شاك في توجّه هذا الخطاب إليه‏ «1».
أقول: الأولى التعبير بالتنجّز بدل التوجّه، لأنّ توجّه الخطابات الواقعية إلى المكلّفين غير مشروط بالعلم بها و لا بموضوعاتها.
امّا الثاني: فلمخالفته لظواهر أدلّتها.
و امّا الأوّل: فغير معقول، لتأخّر مرتبة العلم عن توجيه الخطاب، و إنّما المشروط بالعلم تنجّزه، بمعنى عدم كون المكلّف معذورا في ترك امتثاله، فالتعبير بالتوجّه لا يخلو عن مسامحة.
قوله قدّس سرّه: دخل في المخالفة القطعيّة المعلومة تفصيلا … الخ‏ «2».
أقول: يعني يخرج حينئذ عن محلّ الكلام، إذ لا عبرة بإجمال الخطاب، بعد أن تولّد منه علم تفصيليّ بالحرمة، كما عرفته آنفا.
قوله قدّس سرّه: و إن جعلناهما متغايرين في الخارج كما في الذهن‏ «3».
أقول: بأن قلنا بأنّ الإدخال يحصل بالحمل الذي هو فعل آخر مقارن للدّخول الذي يتحقّق بالمشي إلى المسجد، لا بمشيه حاملا حتّى يتّحد الفعلان في الوجود، فحينئذ يكون بمنزلة ما لو أوجد كلّا منهما بفعل مستقل متمايز عن الآخر لا بالحمل،
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 22 سطر 23، 1/ 96.
(2)- فرائد الأصول: ص 23 سطر 3، 1/ 97.
(3)- فرائد الأصول: ص 23 سطر 4، 1/ 97.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 81
كما لو دفع الآخر أوّلا إلى المسجد، فدخل هو بنفسه بعده، أو دخل في المسجد أوّلا فجرّ الآخر إليه و أدخله، فيعلم إجمالا بكون أحد الفعلين مخالفا لخطاب معلوم بالإجمال، لو لم نقل برجوعهما إلى عنوان محرّم واحد، و هو مطلق إدخال الجنب الصادق على إدخال نفسه أو غيره، و إلّا فيندرج في المخالفة الإجماليّة لخطاب تفصيليّ.
قوله قدّس سرّه: مع قطع النظر عن حرمة الدخول، أو الإدخال عليه، أو فرض عدمها «1».
أقول: أي على الحامل، يعني أنّ الكلام إنّما هو في تكليف المحمول من حيث علمه الإجمالي بأنّه أو أجيره جنب، مع قطع النظر عن أنّ فعل الحامل محرّم، فيكون استيجاره إعانة على الإثم.
قوله قدّس سرّه: أمّا الكلام في الخنثى، فيقع تارة في معاملتها مع غيرها … الخ‏ «2».
أقول امّا معاملتها مع غيرها من معلوم الذكوريّة و الانوثيّة، فسيأتي التصريح بها فيما بعد.
و امّا معاملتها مع مجهولهما، أي خنثى اخرى مثلها، فلم يتعرّض لبيانه صريحا.
فنقول: امّا معاملة الخنثى مع خنثى اخرى، كمعاملة غير الخنثى مع الخنثى، فيجوز له النظر إلى الخنثى إن قلنا بأنّه يجوز لكلّ من الرجل و الانثى النظر إليه، لأنّ علمه إجمالا بأنّه بنفسه إمّا رجل أو انثى، لا يقتضي حرمة النظر إلى هذا الشخص المجهول الحال، بعد أن جاز لكلّ من الرّجال و النساء النظر إليه بمقتضى ظاهر
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 23 سطر 8، 1/ 97.
(2)- فرائد الأصول: ص 23 سطر 19، 1/ 98.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 82
تكليفهم، فانّ غاية ما يقتضيه هذا العلم، ليس إلّا وجوب الاحتياط، بالجمع بين تكاليف الرجال و النساء، و المفروض أنّه لا يحرم على كلّ من الطائفتين النظر إليه، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: فمقتضى القاعدة احترازها … الخ‏ «1».
أقول: يعني مقتضى القاعدة المقرّرة في محلّها، من وجوب الموافقة القطعية للحكم المعلوم بالإجمال.
و لا يخفى عليك أنّ الكلام في هذا المقام أصالة إنّما هو في حرمة المخالفة القطعية، فتعرّض المصنّف قدّس سرّه لتفصيل الأحكام المتعلّقة بالخنثى من حيث معاملتها مع الغير، أو معاملة الغير معها، مع ابتنائها على وجوب الموافقة القطعية، إنّما هو للاستطراد، و تحقيق المطلب، بعد البناء على وجوب الموافقة القطعيّة، كما هو التحقيق على ما يتّضح في مسألة البراءة و الاحتياط.
قوله قدّس سرّه: و قد يتوهّم … الخ‏ «2».
أقول: هذا التوهّم إنّما يجدي لو قلنا بالتفصيل بين ما لو كانت المخالفة العملية لخطاب تفصيليّ أو إجمالي، و لكنّك عرفت أنّ الأقوى عدم جواز مخالفة الحكم المعلوم بالإجمال مطلقا.
قوله قدّس سرّه: كما تقدّم في الدخول و الإدخال‏ «3».
أقول: قد عرفت فيما تقدّم أنّ عدم العبرة بإجمال الخطاب، إنّما هو فيما إذا تحقّق‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 23 سطر 21، 1/ 99.
(2)- فرائد الأصول: ص 23 سطر 22، 1/ 99.
(3)- فرائد الأصول: ص 23 سطر 25، 1/ 99.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 83
العنوانان بفعل واحد، و إلّا فيكون مخالفة لخطاب إجمالي، لو لم نقل برجوع النهي عن العنوانين إلى النهي عن القدر المشترك بينهما، ففيما نحن فيه أيضا كذلك، فانّ تحقّق نظره إلى الطائفتين بفعل واحد اندرج في المخالفة القطعيّة التفصيليّة، فلا عبرة حينئذ بإجمال الخطاب، و إلّا فمن المخالفة الإجماليّة للخطاب المردّد، إلّا أن يقال بإرجاع الخطابين إلى خطاب واحد تفصيلي، فليتدبّر.
قوله قدّس سرّه: أو يقال إنّ رجوع الخطابين … الخ‏ «1».
أقول: قد عرفت أنّ هذا القول إنّما يجدي، بناء على أن لا يكون الخطاب المردّد مؤثّرا في تنجّز التكليف، و هو خلاف التحقيق، و محصّل هذا القول دعوى أنّ مرجع الخطابين إلى إيجاب غضّ البصر على كلّ مكلّف عن مجموع من عداه، أعني كلتا الطائفتين، لا عن كلّ من عداه إلّا ما استثنى، فالنظر إلى إحدى الطائفتين ليس مخالفة معلومة لهذا الخطاب، و لا للخطاب المتوجّه إلى خصوص الرجال أو النساء، فالمخالفة العمليّة الحاصلة من النظر إلى إحدى الطائفتين، لو فرض عدم مماثلتها لها، لا تكون إلّا للخطاب المردّد بين الخطابين، لا لهذا الخطاب التفصيلي المتولّد من الخطابين. نعم لو نظر إلى كلتا الطائفتين يحصل مخالفته هذا الخطاب.
قوله قدّس سرّه: فتأمّل‏ «2».
أقول: وجه التأمّل أنّ الشّك في مصداق المخصّص، فلا يجوز التمسّك بالعموم كما
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 24 في هامش سطر 23، 1/ 99.
(2)- فرائد الأصول: ص 24 سطر 13، 1/ 101.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 84
تقرّر في محلّه، لكن في بعض الحواشي المنسوبة إليه، بعد أن ذكر وجه التأمّل كما ذكرنا، قال:
«و يمكن أن يقال إنّ ما نحن فيه من قبيل ما تعلّق غرض الشارع بعدم وقوع الفعل في الخارج، و لو بين شخصين، فترخيص كلّ منهما للمخالطة مع الخنثى مخالف لغرضه المقصود من عدم مخالطة الأجنبي مع الأجنبية، فلا يردّ النص بترخيص ذلك في الشّبهة الابتدائية، فما نحن فيه من قبيل ترخيص الشارع لرجلين في تزويج كلّ منهما لإحدى المرأتين اللّتين يعلم إجمالا أنّهما ابنتان لأحد الرجلين، فافهم» انتهى.
أقول: إنّما يصغى إلى مثل هذا القول في مقابل إطلاق أدلّة الاصول، فيما إذا كان ذلك الشي‏ء المنهيّ عنه، من الأشياء التي وجب على كلّ مكلّف الاجتناب عنها، و منع الغير أيضا عن فعلها مهما أمكن، و إن لم يكن ذلك الغير مكلّفا أو معذورا في فعله، لغفلة أو جهل أو نسيان، كما في قتل النفوس، و ارتكاب الفواحش التي علم من طريقة الشارع أنّه لم يرض بوجودها في الخارج، و أنّه يجب فيها تنبيه الغافل، و إرشاد الجاهل، ففي مثل هذه الموارد بعد أن علم المكلّف إجمالا بأنّ ذلك المنكر امّا يحصل بفعله أو بفعل غيره، وجب عليه السعي في منعه، بترك فعله الذي يحتمل مصادفته له، و منع ذلك الغير أيضا عن ذلك مع الإمكان، فلا يجوز له الرجوع حينئذ إلى الأصل بعد أن كان لعلمه الإجمالي- على كلّ تقدير- أثر فعليّ في حقّه، و المثال الذي فرضه المصنّف قدّس سرّه، أي تزويج البنت بحسب الظاهر من هذا القبيل.
و امّا النظر إلى الأجنبيّة، فلم يثبت كونه كذلك، فالأصل في حقّ كلّ من الطائفتين سليم عن المعارض، و تنظيره على المثال محلّ نظر، فليتأمّل.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 85
قوله: لأصالة عدم ذكوريته … الخ‏ «1».
أقول: هذا الأصل ممّا لا أصل له، لكونه من قبيل تعيين الحادث بالأصل، فالمرجع إنّما هو اصالة عدم تأثير العقد، و عدم انعقاد علاقة الزوجية، فليتأمّل.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 24 سطر 14، 1/ 101.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 86
[المقصد الثانى فى الظن‏]
[في إمكان التّعبد بالظّن‏]
قوله قدّس سرّه: الأوّل أنّه لو جاز التعبّد بخبر الواحد … الخ‏ «1».
أقول: توضيح الاستدلال أنّ جواز التعبّد بخبر الواحد في الأخبار عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله، يلزمه جواز التعبّد في الأخبار عن اللّه تعالى، لأنّ كلا الواقع منهما إخبار عن حكم اللّه الواقعي، مورّث للظنّ به، فلو جاز التعبّد بأحدهما، لجاز التعبّد بالآخر لعدم الفارق فيما هو مناط الإمكان، و كون النبيّ صلّى اللّه عليه و آله واسطة في الأوّل لا يصلح فارقا بين المقامين.
و يتوجّه على هذا الاستدلال- مضافا إلى ما سيذكره المصنّف قدّس سرّه- أنّ الأخبار عن اللّه تعالى يتضمّن إدّعاء مرتبة الرسالة، و صفاء النفس و كمالها، فدواعي الكذب فيها شديدة، بحيث لو بني على تصديق كلّ من يدّعيه للزم الهرج و المرج، و هذا بخلاف الأخبار عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و الأئمّة عليهم السّلام، هذا مع أنّ الثاني مستند إلى ما يدرك بالحواس الظّاهرة، فيبعد وقوع الخطأ فيها بخلاف الأوّل، فمن الجائز أن يكون‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 24 سطر 19، 1/ 106.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 87
الإغماض عن مخالفة الواقع أحيانا- الذي هو من لوازم حجّية الخبر- قبيحا في الأخير دون الأوّل.
ثمّ، لو فرض مساواة الخبرين من جميع الجهات، و لو بالنسبة إلى شخص خاص،- بأن لم يكن احتمال مخالفته للواقع إلّا كاخباره عن النبي صلّى اللّه عليه و آله- لم يكن تصديقه مستلزما لأمر قبيح زائدا على ما يستلزمه الأخبار عن النبي صلّى اللّه عليه و آله، كما إذا فرض التعبّد بتصديقه في بعض فروع الدين من حيث هو، من دون أن يجب الإذعان بنبوّته أو غيرها ممّا هو من لوازم صدقه في الواقع، ممّا يترتّب عليه مفاسد لا يترتّب على الأخبار عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فتمنع استحالته عقلا، إلّا أنّه غير واقع، حيث أنّ وقوعه يتوقّف على دليل قطعي كاخبار النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بوجوب تصديقه تعبّدا فيما يخبر عن اللّه تعالى بدعوى الإلهام أو الوحي، من غير أن يخبر بصدقه في الواقع، فيجب حينئذ تصديقه و لو لم يحصل للمكلّف الجزم بصدقه، و لا يكفي في إثبات ذلك أدلّة حجّية خبر الثقة، لا لمجرّد الإجماع على اختصاصها بما عدى هذا الخبر، أو ظهورها في الخبر الحسّي بل للقطع بعدم إرادته منها، فضلا عن انصرافها عنه.
قوله قدّس سرّه: و استدلّ المشهور … الخ‏ «1».
أقول: لا يخفى أنّ دعوى القطع بالمدّعي خارجة عن طريقة الاستدلال، لما عرفت فيما سبق من أنّ الدليل ما يقع وسطا لإثبات أحكام المتعلّق، و لا يقع القطع وسطا، فلا يكون دليلا مع أنّ هذه الدعوى غير مجدية إلّا لمدّعيها.
فتقريب الاستدلال المشهور: إنّ ما لا يكون بذاته محالا كاجتماع النقيضين، و لا
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 24 سطر 22، 1/ 106.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 88
مستلزما لأمر محال، فهو ممكن الوجود، و التعبّد بالظنّ ليس محالا بذاته في حدّ ذاته، و لا مستلزما لأمر محال، فيجب أن يكون ممكنا.
أمّا المقدّمة الاولى- أعني عدم كونه في حدّ ذاته محالا- كالمقدّمة الثالثة- أعني ما ليس ممتنعا فهو ممكن، فهو من الضروريات- لا يحتاج إثباتها إلى وسط.
و امّا انّه لا يستلزم محالا، فثبوته يتوقّف على الإحاطة بجميع جهاته التي يمكن أن تكون مؤثّرة في قبحه، ككونه مؤدّيا إلى مخالفة الواقع، و مستلزما لاجتماع حكمين متضادين في موضوع واحد على تقدير المخالفة، و اجتماع المحبوبيّة و المبغوضية، و التكليف بما لا يطاق، إلى غير ذلك من الجهات التي يمكن كونها مؤثّرة في قبحه، فلا بدّ من الإحاطة بها، و العلم بعدم تأثيرها في القبح، و القطع بأنّه ليس فيه جهة اخرى مقبحة غير ما أدركه المستدلّ بعقله، و لا يخفى أنّ حصول القطع بانحصار الجهات فيما أدركه العقل بعيد، لكونه كالشهادة على النفي، و لذا أنكر المصنّف قدّس سرّه حصول القطع فيما نحن فيه.
و لا يقاس ما نحن فيه بالمستقلّات العقليّة، كحسن الاحسان و قبح الظلم، حيث أنّ العقل يحكم بأنّه ليس في الأوّل جهة مقبّحة، و لا في الثاني من جهة محسنة أصلا، لأنّ حكم العقل في الأحكام المستقلّة إنّما هو على الموضوع الذي أحاط به بجميع جهاته، بحيث جعل الجهات المغفولة عنوانا لتشخيص المعنون، فليس المعنون وراء ما يصدق عليه العناوين المعقولة.
نعم، حكم العقل على مصاديق تلك العناوين المعقولة، كحكمه على الضّرب الشّخصي الصادر من زيد بأنّه قبيح مطلقا، موقوف على إحراز أنّه ليس فيه جهة محسّنة يخرج بسببها عن كونه ظلما، فيكون نظير ما نحن فيه.
كما أنّ حكم العقل بوجوب سلوك الطريق الظنّي حال الانسداد، لكونه أقرب إلى الواقع من غيره، من قبيل الأوّل، أعني الاحكام المستقلّة التي تكون الجهة
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 89
المحسّنة عنوانا لتشخيص الموضوع.
و قد ظهر لك أنّ الأولى أن يقرّر دليل الجواز، كما قرّره المصنّف قدّس سرّه بقوله «إنّا لا نجد في عقولنا بعد التأمّل ما يوجب الاستحالة» «1»، و هذا طريق يسلكه العقلاء في الحكم بالإمكان.
و قد اعترضت في الأزمنة السابقة على هذا التقرير بقولي:
«و فيه: إنّ هذا لا يوجب القطع بالإمكان، لأنّ عدم وجدان الدليل أعمّ من العدم في الواقع.
و امّا ما ذكره من كونه طريقا يسلكه العقلاء في الحكم بالإمكان، فهو بحسب الظاهر إشارة إلى ما هو المحكيّ عن الشيخ الرئيس و غيره من أنّ «كلّما قرع سمعك فذره في بقعة الإمكان، ما لم يذره قائم البرهان»، و هو غفلة، إذ المقصود منه ليس الحكم بالإمكان الذاتي أو الوقوعي من دون دليل، بل المراد الإمكان الاحتمالي، بمعنى تجويز العقل صدق المسموع، فالمقصود بذلك أنّه لا يجوز المبادرة في الإنكار فيما يسمع بمجرّد الاستبعاد، بل يلتزم بإمكان صحّته، بمعنى احتمالها بنظر العقل» انتهى.
و فيه: إنّ الاعتراض نشأ من الغفلة عن فهم المراد، لأنّ المقصود بالاستدلال دعوى استقرار طريقة العقلاء على ترتيب أثر الممكن في مقام العمل، كما هو الشأن في سائر الاصول العملية المعمول عليها لدى العقلاء، لا البناء على إمكانه بمعنى اعتقاد أنّه ممكن، ضرورة امتناع حصول الاعتقاد مع الشّك.
و معنى ترتيب أثر الممكن عليه، أنّهم لا يطرحون الدليل الدالّ على وجود شي‏ء بمجرّد احتمال استحالته، بل يلتزمون بترتيب أثر الوجود عليه ما لم يعلم استحالته، إذ ليس للممكن في حدّ ذاته أثر قابل لأن يترتّب عليه حال الشّك‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 24 سطر 25، 1/ 106.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 90
إلّا هذا، أعني أثر وجوده عليه عند قيام طريق معتبر عليه، أ لا ترى أنّه لو قال المولى لعبده «صدّق زيدا فيما يخبرك» فاخبره زيد بمجي‏ء عمرو من سفره، يجب على العبد ترتيب آثار مجيئه، و لا يجوز له طرح خبر زيد بمجرّد احتمال استحالته، و كذا لا يجوز بشهادة العقل و العقلاء طرح الآثار الشرعيّة و تأويلها بمجرّد احتمال استحالته، فالعقلاء استقرّت طريقتهم على ترتيب أثر الوجود على ما قام عليه طريق ما لم يثبت امتناعه، و لا يجوز لديهم طرح الدليل المعتبر بمجرّد الاحتمال، مع أنّ الوجود أخصّ من الإمكان، فهذا دليل على أنّ عدم ثبوت الامتناع كاف لدى العقلاء في معاملة الإمكان، بمعنى الالتزام بالعمل على طبق الطريق المؤدّي إلى وقوعه.
و قد اتّجه بما ذكرنا ما صدر من بعض المتكلمين من الاستدلال بأصالة الإمكان في بعض مقاصدهم الكلامية، كالمعاد، و المعراج الجسمانيين، و خلود الكفّار في النار، و كونهم معذّبين فيها، و كون الجنّة و النار مخلوقتين بالفعل، و نظائر هذه الموارد، فانّ معنى التشبّث بالأصل في مثل هذه الموارد، وجوب التديّن و الالتزام بمضمون الآيات و الأخبار الدالّة عليها، و عدم جواز ارتكاب التأويل، أو الطرح فيها بواسطة بعض الشكوك و الشبهات الموهمة استحالتها.
و لكن قد اعترض بعض محققيهم في تعليقاته على بعض شروح «التجريد» على التمسّك بأصالة الإمكان، بعين ما صدر منّا سابقا من الاعتراض على المتن حرفا بحرف، إلّا في مجرّد التعبير.
و قد عرفت أنّه لا وقع لهذا الاعتراض على ما وجّهنا به كلامهم، و إلّا فمن الواضح أنّه لا مسرح للاصول في إثبات كون الشي‏ء ممكنا في الواقع، و إنّما يعوّل عليها في مقام ترتيب الأثر، كما يأتي لذلك مزيد توضيح في مبحث الاستصحاب إن شاء اللّه تعالى.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 91
قوله قدّس سرّه: بل القطع أيضا … الخ‏ «1».
أقول: قد يتوهّم بطلان النقض بالقطع، لا للوجه الذي سيذكره المصنّف قدّس سرّه، بل لأجل أنّ القطع طريق بنفسه لا بجعل جاعل، حتّى يصلح للاتّصاف بالقبح على تقدير التخلّف، فيكون شاهدا لما نحن فيه.
و فيه: انّ مناط النقض ليس كون الطريق مجعولا أو منجعلا بنفسه، بل المناط إنّما هو جواز اتّباع طريق قد يتخلّف عن الواقع، سواء كان اتّباعه بالزام العقل أو بأمر الشارع، فكما أنّه يجوز للعقل الالزام باتّباع القطع، مع أنّه قد يتخلّف عن الواقع، كذلك يجوز للشارع الإلزام باتّباع الظّن، إذ لا فرق في القبح بين كون الحاكم هو العقل أو الشارع، فانحصر دفع هذا النقض بما أفاده المصنّف قدّس سرّه من أنّ باب احتمال التخلّف عن الواقع منسدّ عند القاطع، فلأجل ذا يحكم عقله بوجوب اتّباع قطعه.
نعم، لو جاز قيام هذا الاحتمال لدى القاطع، و ألزمه مع ذلك عقله بوجوب اتّباع قطعه، مع تمكّنه من سلوك طريق لم يكن فيه هذا الاحتمال، لكان النقض وجيها، إلّا أنّ الفرض غير ممكن.
قوله قدّس سرّه: و اخرى بالحلّ … الخ‏ «2».
أقول: حاصله أنّ الممتنع إنّما هو اجتماع حكمين متضادّين في موضوع واحد في مرتبة واحدة، من حيث الفعليّة أو الشأنيّة، بأن يكونا إمّا فعليين أو شأنيين. و امّا إذا كانا مختلفين- كما هو المسلّم لزومه في المقام- فلا استحالة فيه، كما سيتّضح لك وجهه إن شاء اللّه.
و المراد بالحكم الفعلي هو الحكم المنجّز الذي لا يعذر المكلّف في مخالفته،
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 25 سطر 5، 1/ 107.
(2)- فرائد الأصول: ص 25 سطر 5، 1/ 107.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 92
و بالشأني ما يكون معذورا في المخالفة بواسطة جهله بالواقع لا عن تقصير، فتسميته الأحكام الواقعيّة أحكاما شأنية لا يخلو عن مسامحة، إذ الحقّ أنّها أحكام متحقّقة صدرت لغرض الامتثال، و لذا يجب الفحص عنها، و لا يعذر المكلّف الجاهل بها في المخالفة ما دام مقصّرا، و لكن العلم بها إجمالا أو تفصيلا شرط عقلي في تنجّزها، أي في التزام المكلّف بها، و حسن المؤاخذة على مخالفتها، فهو شرط في تنجّز التكليف بها عقلا، أي في وجوب امتثالها الذي هو حكم عقليّ، و لا يعقل أن يكون كالقدرة على الفعل شرطا واقعيّا للأحكام الشرعيّة، للزوم الدور، فالحكم الشرعيّ عبارة عن إلزام الشارع بفعل شي‏ء، أو تركه أو الرخصة فيه، و هذا مقدّم في الرتبة على العلم به، فلا يعقل أن يكون للعلم به دخل في تحقّقه، و لكنّه شرط عقلي في ترتّب الأثر عليه، أي وجوب الخروج عن عهدته، و جواز المؤاخذة على مخالفته، فإطلاق الحكم الشأني على الأحكام الواقعيّة المجهولة، بلحاظ عدم كون المكلّف ملتزما بها بالفعل في مقام العمل، و كونه معذورا في مخالفتها، لا عدم كونها أحكاما فعليّة في الواقع، كما لو اضطرّ إلى ارتكاب محرّم، أو ترك واجب لا بواسطة الجهل، فانّه يصير حينئذ الحكم الواقعيّ الثابت للشي‏ء من حيث هو، بواسطة الاضطرار المانع عن فعليّته ما ينافي الواقع حيث أنّ عدم الاضطرار إلى مخالفتها شرط واقعي في تنجّزها، بخلاف عدم الجهل.
قوله قدّس سرّه: و امّا القسم الثاني فهو على وجوه‏ «1».
أقول: قد نبّه المصنّف قدّس سرّه على ثلاث منها، و هاهنا وجه رابع، و هو أن يكون للأمارة القائمة على الواقعة تأثير في الفعل الذي تضمّنت الأمارة حكمه، و لكن لا
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 27 سطر 6، 1/ 113.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 93
على وجه تؤثّر في انقلاب حكمه الواقعي، و هذا يتصوّر على قسمين:
أحدهما: أن تكون مصلحتها مقصورة على صورة المطابقة، كما لو كان تصديق العادل، و حسن الظّن به، و التعبّد بقوله أمرا راجحا محبوبا عند اللّه، لكن على تقدير كونه صادقا في الواقع، ففي موارد الكذب لا مصلحة فيه، و لكن لعدم امتيازها عن موارد الصّدق، يدور الأمر بين الأمر بتصديقه مطلقا و عدمه، فلو كانت مصلحته فائقة على المفسدة المرتّبة عليه في موارد التخلّف، يكون الأمر به حسنا حيث أنّ فيه خيرا كثيرا و شرّا قليلا بالإضافة إلى خيره.
الثاني: أن يكون المصلحة بلحاظ نوع الأمارة، بمعنى أنّ تصديق العادل على الإطلاق ما لم يعلم مخالفته للواقع، مشتمل على مصلحة مقتضية للأمر به فائقة على مفسدة فوت الواقع أحيانا، لكن لو لوحظ مصاديقه، ففي كلّ مورد ليس على وجه تكافؤ مفسدة مخالفة الواقع، فشرب التتن لو كان حراما، و قد أخبر العادل بحلّيته، فاخباره و إن كان من الجهات الموجبة لحسنه، لكن لا تعارض مفسدة الواقع، فجواز الأمر بسلوكه على الإطلاق مع عدم صلاحية مصلحته لتغيّر الواقع على تقدير المخالفة، إنّما هو بلحاظ سائر الموارد السليمة عن المفسدة القاهرة، كالصورة السابقة، لكن مقتضى هذا الوجه الفرق بين ما لو كان الحكم الواقعي الوجوب أو الحرمة، فأخبر العادل بخلافه، أو الإباحة، ففي الأوّلين لا يتبدّل الحكم الواقعي بعد فرض مقهورية الجهة العارضة للجهة المقتضية للوجوب أو الحرمة، و في الأخير يتبدّل، لأنّ جهات الإباحة لا تزاحم الجهات المحسّنة أو المقبّحة، لكن لا محذور في الالتزام به، لأنّ تبدّل حكم المباح الواقعي بالعناوين الطارئة، كإطاعة الوالد، أو الوفاء بالنذر. و العهد. و العقد و غير ذلك غير عزيز، فيمكن الالتزام بأنّ إخبار العادل بوجوبه أو حرمته أيضا من هذا القبيل، و لا يلزمه القول بالتّصويب، فليتأمّل.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 94
قوله قدّس سرّه: إلّا أنّ العمل على طبق تلك الأمارة … الخ‏ «1».همدانى، رضا بن محمد هادى، حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، 1جلد، محمد رضا انصاري قمي – قم – ايران، چاپ: 1.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد) ؛ ص94

ول: يعني أنّ المصلحة إنّما هي في نصب الطريق، و تنزيل شي‏ء منزلة العلم، كالتسهيل على المكلّف و نحوه، من غير أن يكون له دخل في حسن متعلّقه، كنفس العلم الذي هو طريق عقليّ، و بهذه التقرير لا يبقى مجال لتوهّم رجوع هذا الوجه إلى الوجه الثاني كما لا يخفى.
قوله قدّس سرّه: فقد يشكل الفرق بينه و بين القول بالتّصويب‏ «2».
أقول: هذا إنّما هو في بادئ الرأي، و إلّا فالقول بالأجزاء يناقض التصويب كما سيشير إليه المصنّف قدّس سرّه، لأنّ القائل بالأجزاء ملتزم بكون الواقع باقيا على وجوبه، و لكن يزعم أنّ ما أدّى إليه نظر المكلّف، بالنظر إلى الأدلّة الشرعيّة، أو بحسب اعتقاده أيضا، يقوم مقام الواقع في إسقاط ذلك التكليف، بمعنى أنّ الشارع يقبله بدلا عن الواقع، إمّا تفضّلا أو لكون اعتقاده أو قيام الطريق عليه من الجهات الموجبة لإفادته فائدة المأمور به، فيسقط أوامرها بفعل ما أدّى إليه نظره لحصول الغرض، فأين هذا من التّصويب الذي هو عبارة عن تبدّل أمره الواقعي بالأمر الظاهري.
و الحاصل: إنّه فرق بين تبدّل الأمر الواقعي بالظاهري بواسطة الجهة العارضة، و بين اقتضاء الجهات المعارضة قيام هذا الشي‏ء مقام الواقع في إسقاط طلبه، فعلى الأوّل لو أتى بالواقع لا يجديه في إسقاط ما هو واجب عليه بالفعل، بخلاف الثاني، و على الثاني لو ترك الواقع، و لم يمتثل الأمر الظاهري أيضا، لكانت ذمّته مشغولة بالواقع، و على الأوّل لا واقع أمر ما كان مكلّفا به في الظاهر.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 27 سطر 18، 1/ 114. و في الأصل: (إلّا أنّ الأمر بالعمل …).
(2)- فرائد الأصول: ص 29 سطر 6، 1/ 119.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 95
قوله قدّس سرّه: فغاية الأمر التخيير بينهما أو تقديم الظّن … الخ‏ «1».
أقول: ليس مقتضى المقدّمات التي رتّبها جواز الالتزام و التعبّد بالظّن في الفرض، و لو على سبيل التخيير، إذ غاية الأمر أنّه بحكم العقل مخيّر بين ترك الفعل الذي ظنّ بوجوبه، فيكون عمله مطابقا لأصالة البراءة، و بين أن يأتي بالفعل فيكون عمله مطابقا للظّن.
و امّا جواز العمل بالظّن بمعنى التّدين به و الالتزام بأنّ مؤداه تكليفه في مقام العمل، بحيث يجعله وسطا في إثبات متعلّقاته، أو التعبّد بالأصل كذلك فلا، و ما ذكره في وجه تقديم العمل بالظّن فهو إنّما يؤثّر في الزام العقل باتّباعه، إذا علم إجمالا بثبوت تكاليفه، و لم يتمكّن من امتثاله بطريق العلم، فيجب عليه حينئذ متابعة الظّن، كما سيتّضح لك في تقرير دليل الانسداد.
و من المعلوم أنّ التكلّم في المقام ليس مبنيّا على هذه المقدّمة، إذا التكلم في المقام إنّما هو في جواز العمل بالظّن في خصوص مورد تعذّر فيه تحصيل العلم، بحيث لو كان الأصل الجاري فيه حجّة، و لم يكن اعتباره مقيّدا بعدم الظّن على خلافه، لكان المتعيّن الرجوع إليه.
و الحاصل: إنّ الكلام في هذا المقام ليس مبنيّا على دعوى العلم الإجمالي بثبوت تكاليف في الشريعة، حتّى يتعيّن العمل بالظنّ عند تعذّر العلم، و من المعلوم أنّ الواقع ما لم يعلم تنجيزه عليه لا يجب إطاعته، حتّى يتعيّن العمل بالظنّ عند تعذّر العلم.
و لو قال قائل: إنّ هذا هدم للمبنى، لأنّه رجوع إلى أصل البراءة مع الظّن بالخلاف. و المفروض اختصاص اعتبار الاصول بما إذا لم يظنّ بخلافها.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 33 سطر 11، 1/ 132.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 96
قلنا: هذا أصل عقلي مبني على قبح العقاب بلا بيان، فلا يعقل اشتراطه بعدم الظّن.
اللهمّ إلّا أن يدّعى أنّ العقل لا يستقلّ بالقبح مع ظنّ التكليف، فيجب حينئذ الاحتياط لقاعدة وجوب دفع العقاب المحتمل، لا لكون الشي‏ء مظنونا من حيث هو.
و من هنا يظهر أنّ ما ذكرنا آنفا من أنّ غاية الأمر التخيير في المسألة الفرعية، انّما هو من باب المماشاة، و إلّا فعلى تقدير عدم كون الاصول اللفظيّة، و كذا العمليّة، و لا الظّن المقابل لها حجّة، تكون المسألة ممّا لا طريق للمكلّف إلى العلم به، فإن استقلّ العقل بقبح العقاب عليه- كما هو الواقع فهو- و إلّا وجب الاحتياط تحرّزا عن العقاب المحتمل.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 97
[في الظنون المعتبرة]
قوله قدّس سرّه: و مرجع الكلّ إلى أصالة عدم القرينة … الخ‏ «1».
أقول: قد يتخيّل أنّ إرجاع أصالة الحقيقة، بل و كذا أصالة العموم و الإطلاق و نحوها إلى أصالة عدم القرينة في غير محلّه، لأنّ هذه الاصول بنفسها أصول معتبرة معتمد عليها لدى العقلاء، ربّما يتشبّث بها في مجاريها مع العلم بعدم القرينة، كما إذا قال المتكلّم «رأيت أسدا» أو قال «اعط كلّ فقير درهما» أو «أكرم عالما» فانّه كثيرا ما نقطع بعدم نصب القرينة على إرادة خلاف الظاهر و مع ذلك نشكّ في إرادة الظاهر، فيحمل اللفظ عليه بواسطة أصالة الحقيقة في الأوّل، و أصالة العموم في الثاني، و الإطلاق في الثالث، و لا يجري في مثل الفرض أصالة عدم القرينة، لأنّ المفروض حصول الشّك مع القطع بعدمها، فاصالة عدم القرينة في مثل الفرض- مع أنّها لا تجري بواسطة القطع بالعدم- لا تجدي، لعدم ارتفاع الشّك بها، فكيف يكون مرجع تلك الاصول إليها!
نعم، قد يكون الشّك في إرادة المعنى الحقيقي و العموم أو الإطلاق مسبّبا عن‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 34 سطر 2، 1/ 135.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 98
احتمال وجود القرينة الصارفة، فيكون حينئذ اصالة عدم القرينة في مثل الفرض حاكمة على تلك الاصول مانعة عن جريانها، فعلى هذا التقدير أيضا لا يكون مرجع تلك الاصول إلى اصالة عدم القرينة، بل لا تجري تلك الاصول بواسطة الأصل الحاكم، فلا يتّجه إرجاع تلك الاصول إلى أصالة عدم القرينة في شي‏ء من مواردها.
و يدفعه: إنّ الحق أنّ الاصول الوجودية الجارية في مباحث الألفاظ لا تأصّل لها بنفسها، بل و كذا كلّ أصل وجودي معتبر لدى العقلاء، كأصالة الصحّة، و استصحاب الحالة السابقة، و مرجعها إلى اصول عدمية يتفرّع عليها تلك الوجودات، فهي بنفسها من حيث هي غير متأصّلة- كما يأتي تحقيقه في مبحث الاستصحاب إن شاء اللّه تعالى-. فمرجع استصحاب الحالة السابقة إلى أصالة عدم ما يرفعها، التي هي عبارة اخرى عن عدم الاعتناء باحتمال وجود الرافع، و مرجع الاصول الجارية في مباحث الألفاظ إلى عدم الاعتناء بالاحتمالات المنافية لها، من احتمال وجود القرينة، أو غفلة المتكلّم عن نصبها أو غلطه، أو إرادته لإظهار خلاف مراده لتقيّة و نحوها من الامور المقتضية لإرادة خلاف الظاهر، و سيأتي في عبارة المصنّف قدّس سرّه عند توجيه كلام المحقّق القمّي قدّس سرّه الإشارة إلى ما نبّهنا عليه، من رجوع الاصول الجارية في مباحث الألفاظ إلى عدم الاعتناء بالاحتمالات المنافية للظّاهر، الذي هو عبارة اخرى عن أصالة عدم تلك المحتملات.
نعم، لو قلنا بأنّ مناط اعتماد العقلاء على هذه الاصول في مجاريها هو الظّن النوعيّ الحاصل من غلبة إرادة الحقيقة و العموم و الإطلاق و نحوها، لا عدم الاعتناء بالاحتمالات المنافية لها، لكانت هذه الاصول في حدّ ذاتها أصولا- كما نبّه عليه المصنّف قدّس سرّه في بعض كلماته- و لكنّه خلاف التّحقيق، و لا يرتضيه المصنّف قدّس سرّه بحسب الظاهر.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 99
إذا عرفت ما ذكرناه، علمت أنّه لا يتوجّه الاعتراض على المصنّف قدّس سرّه فيما ادّعاه من إرجاع الاصول المذكورة إلى أصالة عدم القرينة، لأنّه إنّما فرضها فيما إذا كان الشّك مسبّبا عن احتمال وجود القرينة، بحيث لو علم بعدم القرينة قطع بمراد المتكلّم، ففي مثل الفرض يكون مرجعها إلى اصالة عدم القرينة لا محالة.
و امّا ما أوردناه نقضا عليه من الأمثلة التي فرضنا الشّك فيها مع العلم بعدم القرينة، فهو خارج عن مفروض كلامه، و مرجع الاصول فيها حينئذ هي أصول عدمية آخر جارية بالنسبة إلى الأسباب الموجبة للشّك، فليتأمّل.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 100
[في حجّية ظواهر الكتاب‏]
قوله قدّس سرّه: فأحال معرفة حكم المسح على إصبعه … الخ‏ «1».
أقول: الظاهر أنّه أحال معرفة سقوط المسح على البشرة على ظاهر الكتاب، و امّا استفادة كفاية المسح على المرارة من ظاهر الكتاب- كما هو ظاهر الرواية- فلعلّها بواسطة ما هو المفروض في الأذهان، من أنّ «الميسور لا يسقط بالمعسور» فكأنّ السائل لم يكن تحيّره إلّا في كيفيّة وضوئه، من حيث تعسّر المسح على البشرة، لا في أصل التكليف به، و اللّه العالم.
قوله قدّس سرّه: فإن ثبت جواز الاستدلال بكلّ قراءة … الخ‏ «2».
أقول: يعني في مورد المعارضة، بأن جاز التعبّد في محلّ التعارض أيضا، بأنّ كلّا من القراءات كلام اللّه تعالى في مقام الاستدلال، كما يجوز التعبّد بكونه كذلك في مقام القراءة، فيكون حينئذ حالها حال المتواترات في وجوب التوقّف في محلّ التعارض،
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 37 سطر 1، 1/ 147.
(2)- فرائد الأصول: ص 40 سطر 9، 1/ 158.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 101
من غير ملاحظة الترجيح، كما أنّ الشأن كذلك في اخبار الآحاد لو أوجبنا التعبّد بصدور كلّ منها في محلّ المعارضة، تحكيما لأدلّة أصالة الصدور على أصالة الظهور، لكنّك ستعرف إن شاء اللّه في محلّه ضعفه.
و إن لم نقل بجواز الاستدلال بكلّ منها في محلّ التعارض، بأن خصّصنا أدلّة اعتبارها بغير هذا الفرض، وجب الرجوع إلى المرجّحات، بناء على ثبوت الترجيح في سائر الأدلّة الظنّية عند المعارضة، لا في خصوص الاخبار تعبّدا، ثمّ التوقّف في محلّ التعارض أو التخيير، كما في الخبرين المتعارضين، على احتمال ضعيف كما ستعرفه في باب التعادل و التراجيح، و لو أراد من جواز الاستدلال بكلّ قراءة جوازه من حيث هي- كما قد ينسبق إلى الذهن في بادئ الرأي- لا يستقيم شي‏ء ممّا ذكره، كما لا يخفى على المتأمّل.
قوله قدّس سرّه: لعدم جريان أصالة عدم الغفلة في حقّهم مطلقا «1».
أقول: وجهه واضح إذ لا شكّ في غفلتهم حين صدور الكلام عن أصل الخطاب، فضلا عمّا اكتنف به من القرائن الحالية أو المقالية.
نعم، ربّما يجري في حقّهم أيضا إذا نقل إليهم الخطاب بواسطة أو وسائط، فعرضهم الشّك في غفلة الوسائط، أو غفلتهم عمّا نقل إليهم الواسطة من القرائن، لكن لا يتمشّى هذا في مثل القرآن المعلوم انحصاره فيما بين الدّفتين، كما أنّه قد يشكّ في غفلتهم عن الخصوصيات المحفوفة بالكلام ممّا يؤثّر في اختلاف المفاد، كتقديم ما يستحقّ التأخير و نحوه، و لكن هذا أجنبيّ عمّا تعلّق به غرض المفصّل، فانّه إن جرى أصالة عدم الغفلة بالنسبة إلى مثل هذه الامور، ممّا له دخل بفهم مدلول الكلام من‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 43 سطر 7، 1/ 166.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 102
حيث هو، فلا يتفاوت الحال في ذلك بين كونه مقصودا بالافهام و عدمه، كما هو واضح.
هذا، و لكن توجيه كلام المفصّل بالتفصيل بين أصالة عدم الغفلة و بين مطلق أصالة عدم القرينة لا يخلو من نظر، إذ الظاهر أنّ هذا المفصّل ملتزم باعتبار اصالة عدم القرينة في حقّ من قصد إفهامه، سواء كان شكّه ناشئا عن احتمال غفلته عن خصوصيّات الكلام، أو ما كشف بها من القرائن أم لا، كما لو علم المخاطب بأنّه لم يكن حين التخاطب ملتفتا إلى بعض الجهات- ككون المتكلّم مشيرا بيده إلى شي‏ء، أو كون شخص حاضرا في مجلسه، أو متقدّما ذكره بحيث يعيّن إرادته من الإطلاق، أو كون حاله مقتضيا لإرادة معنى مجازي من اللفظ، أو نحو ذلك من الامور التي يحتمل تحقّقه حال الخطاب، و يعلم بأنّه على تقدير التحقيق لم يكن ملتفتا إليه- فلا يجري في حقّه أصالة عدم الغفلة، مع أنّه لا يظنّ بالمفصّل إنكار اعتبار اصالة عدم القرينة في مثل هذه الفروض التي لا يكون الشّك فيها مسبّبا عن احتمال الغفلة، فالظاهر أنّ المفصّل استند في هذا التفصيل إلى ما يقتضيه دليل الحكمة، من قبح الخطاب بما له ظاهر و إرادة خلافه، حيث أنّ هذا لا يقتضي القبح إلّا إذا كان ترك القرينة مخلّا بما قصد من التفهيم، فإن كان مقصوده بالخطاب أعمّ من الحاضرين و الغائبين و الموجودين و المعدومين، و يجب أن يكون الكلام الموجّه إليهم على وجه يفهمون جميعا مراد المتكلّم، بأن لا يعتمد المتكلّم في إبراز مقصوده على قرينة حالية أو مقالية، أو غيرها من الأشياء التي يختصّ بمعرفتها بعض دون بعض، بل عليه أن يلقي كلامه على وجه يفهمه كلّ أحد كتصنيف المصنّفين، و هذا بخلاف ما لو لم يقصد بالافهام إلّا الحاضرين، فانّه يجوز حينئذ اعتماده على القرائن الحالية و المقالية، بل يجوز أمرهم بتكليف على سبيل التخيير، مع كونه في الواقع واجبا مشروطا، إذا كانوا واجدين للشرط، و هذا بخلاف ما لو كان الخطاب عامّا لسائر الناس كما هو واضح،
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 103
فعلى هذا ليس لغير من قصد افهامه التعويل على الظاهر، و لو مع القطع بعدم القرينة، فضلا عمّا لو احرز ذلك بأصل العدم.
هذا، مع إمكان منع اعتبار اصالة عدم القرينة في حقّ غير من قصد افهامه، بدعوى أن اعتبارها من باب الظّن النوعي، و هي إنّما تفيد نوع الظّن بالعدم، فيما إذا صدر الشّك في القرينة ممّن قصد إفهامه، حيث أنّ الغالب أنّ القرائن التي يعوّل عليها المتكلّم في إفهامه لا يختفي عليه، و هذا بخلاف الأجنبيّ فانّه غالبا لا يعلم بقرائن الأحوال و نظائرها.
هذا غاية ما يمكن أن يقال في توجيه التفصيل.
و يضعّفه ما نبّه عليه المصنّف قدّس سرّه من مخالفته لسيرة العقلاء و العلماء في فهم مداليل الألفاظ، و سنشير في مبحث الاستصحاب عند البحث عن اعتياده من باب بناء العقلاء، إلى ما هو السرّ في عدم الاعتناء باحتمال القرينة و نحوها من الامور المقتضية لإرادة خلاف الظاهر، و عدم ابتنائه على إفادته الظّن، من غير فرق في ذلك بين المخاطب و غيره.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 104
[في حجّية الإجماع المنقول‏]
قوله قدّس سرّه: نظير العلم الحاصل من الحوّاس الظّاهرة … الخ‏ «1».
[أقول‏]: أي بأن يكون حصول الحدس من تلك المبادئ، كحصول العلم بالمحسوسات بواسطة الاحساس.
قوله قدّس سرّه: فظهر من ذلك أنّ نسبة السيّد قدّس سرّه … الخ‏ «2».
أقول: و ظهر من ذلك أنّ المفيد أيضا أضافه إلى المذهب اعتمادا على كونه مرويّا عن الأئمّة عليهم السّلام، و لا يحلّ في مذهبنا ردّ رواياتهم بعد ثبوتها.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 53 سطر 18، 1/ 199.
(2)- فرائد الأصول: ص 56 سطر 1، 1/ 205.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 105
[في حجّية الخبر الواحد]
قوله قدّس سرّه: بل لا يبعد كونه ضروريّ المذهب‏ «1».
أقول: قد قرّرنا في محلّه أنّ مثل هذه المسائل التي نشأت معروفيّتها لدى المتشرّعة، و مغروسيّتها في أذهانهم، من اتّفاق الأصحاب قولا و فعلا، ليست من الضروريّات التي يوجب إنكارها الكفر أو الخروج عن المذهب.
نعم، صدور كثير من هذه الأخبار عن الأئمّة عليهم السّلام، من الامور القطعيّة التي لا يرتاب فيه أحد، و وجوب العمل بما صدر عنهم ضروريّ المذهب، لكن بشرط العلم به تفصيلا، و امّا إجمالا- كما في الفرض- فلا، كيف و قد عرفت فيما سبق أنّ كون العلم الإجمالي كالتفصيلي منجرّا للتكليف من المسائل الخلافية.
قوله قدّس سرّه: فعن الرواية الاولى … الخ‏ «2».
أقول: لا يخفى أنّ ما ذكره قدّس سرّه إنّما هو جواب اسكاتي، و الحقّ في الجواب- بناء
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 67 سطر 9، 1/ 239.
(2)- فرائد الأصول: ص 69 سطر 5، 1/ 246.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 106
على المختار من حجّية خبر الثقة- أنّ أدلّة نصب الطرق حاكمة على مثل هذه الرواية، كما أنّها حاكمة على مثل قوله عليه السّلام: «كلّ شي‏ء حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه»، و قوله عليه السّلام: «لا تنقض اليقين إلّا بيقين مثله» كما لا يخفى.
قوله قدّس سرّه: فالأخبار المخصّصة لها كلّها … الخ‏ «1».
أقول: مراده بالأخبار المخصّصة بحسب الظاهر، هي السّنة القطعيّة التي اقتصر في تخصيص العمومات عليها بزعم المعترض، فمراده بهذا التفريع أنّ هذه الأخبار المخصّصة كلّها، و كذا كثير من عمومات السّنة القطعيّة المقتضية بعمومها لإثبات أحكام منافية لعمومات الكتاب، كأدلة نفي الضّرر، و سلطنة الناس على أموالهم و نحوها، بأسرها مخالفة للكتاب، و لكن يجب العمل بها مع مخالفتها للكتاب، بارتكاب التخصيص في عموماته بالأخبار المخصّصة، و الجمع بينها و بين عمومات السّنة المخالفة لها بما يقتضيه المرجّحات الخارجية أو الداخلية، لكونها قطعيّة، فيمتنع أن يعمّها الأخبار الآمرة بطرح الأخبار المخالفة للكتاب، فلو كانت ظنية لعمّتها تلك الأخبار.
قوله قدّس سرّه: و الثاني أنّه تعالى أمر بالتثبّت … الخ‏ «2».
أقول: حاصل الاستدلال أنّه تعالى جعل موضوع وجوب التثبّت مجي‏ء فاسق بنبإ، و معلوم أنّ الموضوع علّة تامّة للحكم، فإذا جعله من آثار هذا الموضوع العرضي و معلولاته، يكشف ذلك عن عدم صلاحية الذات للعليّة و الموضوعية، و إلّا لكانت الذّات أولى بذلك، و بما ذكرنا من التقريب ظهر اندفاع ما ربّما يتوهّم من أنّ ما ذكره من التعبير ينافي ما سيظهر منه، من كونه استدلالا بمفهوم الصّفة، مع أنّ ما
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 69 سطر 11، 1/ 247.
(2)- فرائد الأصول: ص 71 سطر 7، 1/ 254.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 107
ذكره من التقرير استناد إلى مفهوم العلّة.
توضيح الاندفاع: إنّ ما ذكره ليس منافيا، بل مؤكّد لاستفادة المفهوم من الوصف، لكونه إشارة إلى نكتة زائدة، فكأنّه قال في قولك «أكرم زيدا العالم» أنّ تعليق الحكم على العالم يكشف عن أنّ علّة وجوب الإكرام إمّا العلم بخصوصه، أو له دخل في العلّة، و إلّا لو كان ذات الموصوف من حيث هي موضوعة للحكم و علّة لثبوته مع أنّه يوجب عراء ذكر الوصف عن الفائدة، يلزم استناد الحكم إلى العرضي، مع صلاحيّة الذّات لذلك، و هو قبيح، فليتدبّر.
قوله قدّس سرّه: ففيه أنّ مفهوم الشرط … الخ‏ «1».
أقول: يعني مفهومه شأنا، و إلّا فليس للشرطية على ما هو المفروض مفهوم.
توضيح المقام: انّ القضية الشرطية يستفاد منها حكمان إيجابيّ و سلبيّ لموضوع مذكور، فقولك «إن جاءك زيد فاكرمه» يستفاد منه وجوب إكرام زيد عند مجيئه، و عدمه عند عدم المجي‏ء، و هذه الاستفادة إنّما تكون في الموضوع الصّالح للاتّصاف بكلا الحكمين، و امّا لو لم يصلح إلّا للاتّصاف بالحكم الإثباتي فلا يستفاد منه إلّا هذا، مثلا لو قال «أكرم زيدا إن وجد» لا يفهم منه عرفا حكمه بعدم الوجوب لو لم يوجد زيد، فعدم صلاحية الموضوع للاتّصاف بالعقد السلبي من القرائن العامّة الدالّة على عدم إرادة التعليق الحقيقي من الشرطية، و أنّها مسوقة لبيان ثبوت مجرّد الجزاء عند حصول الشرط.
و امّا إذا كان الموضوع صالحا للاتّصاف بكلا الحكمين، فكثيرا ما أيضا يراد هذا المعنى، لا التعليق الحقيقي- كقولك «إن رأيت زيدا في السوق، أو أتاك اليوم، أو
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 72 سطر 6، 1/ 257.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 108
واجهك في الطريق، اعطه حقّه» إلى غير ذلك من الأمثلة التي لا تحصى- إلّا أنّ حمل اللفظ على هذا المعنى في مثل هذه الموارد يحتاج إلى القرينة الخارجية، و هذا بخلاف القسم الأوّل.
قوله قدّس سرّه: أنّا ندّعي التعارض … إلخ‏ «1».
أقول: إشارة إلى انّ المفاهيم من الأدلّة اللبّية، فلا تتطرّق إليها التصرّف، إلّا تبعا لمناطيقها، لأنّ منشأها الاستلزامات المحقّقة بين المناطيق و المفاهيم، فلا يعقل إبقاء المنطوق بظاهره و ارتكاب التصرّف في مفهومه، لاستلزامه تفكيك الملزوم عن لازمه، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: غير محتاج إليه … الخ‏ «2».
أقول: بل غير صحيح، لأنّ خبر العادل بعد فرض حصول الاطمئنان منه، يخرج عن موضوع الحكم بوجوب التبيّن كالخبر العلمي، كما سيتّضح لك وجهه، فينحصر الإشكال في خبر العادل الذي لا يفيد الاطمئنان، فانّ مقتضى عموم التعليل وجوب التبيّن فيه، و مقتضى المفهوم عدمه، و كون خبر العادل مفيدا للاطمئنان غالبا يصلح نكتة لتخصيص الفاسق بالذكر، لا لدفع الإشكال بعد تسليم أصل المفهوم، كما لا يخفى.
قوله قدّس سرّه: و بالجهالة الشّك‏ «3».
أقول: تفسير الجهالة بذلك بعيد، بل الظاهر أنّ المراد بها إمّا عدم العلم أو أنّ‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 72 سطر 23، 1/ 259.
(2)- فرائد الأصول: ص 73 سطر 13، 1/ 261.
(3)- فرائد الأصول: ص 73 سطر 22، 1/ 262.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 109
المراد منها العمل الصادر من غير رويّة و تفكّر الذي لا ينبغي صدوره من العاقل، و هذا المعنى هو الذي أراد من فسّرها بالسّفاهة، و لعلّ هذا هو المتبادر إلى الذهن من الآية.
و امّا الإيراد عليه بما ذكره المصنّف قدّس سرّه، فيدفعه ما سيذكره فيما بعد، و إن فسّرت بعدم العلم، لا يبعد دعوى عدم شموله عند العرف لما يفيد الاطمئنان، لأنّ قوّة الاحتمال الموجب لسكون النفس منشأ لعدم اعتنائهم بالاحتمال المخالف، فينصرف عنه الإطلاق، و هذا هو السرّ في إطلاق العلم عليه عرفا، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: و منه يظهر الجواب … الخ‏ «1».
أقول: كما يظهر منه الجواب عمّا ربّما يقال، كذلك يظهر منه الجواب عمّا أورده على من فسّر الجهالة بالسّفاهة كما لا يخفى.
قوله قدّس سرّه: و فيه إنّ المراد بالنباء … الخ‏ «2».
أقول: لأنّ هذا هو الذي يصلح أن يجب فيه التبيّن، لا ما علم صدقه أو كذبه، لأنّ إيجاب التبيّن فيه طلب لتحصيل الحاصل فلا يجوز، و من المعلوم أنّ اختصاص الصّلاحية ببعض مصاديق العامّ قرينة على إرادة هذا البعض.
قوله قدّس سرّه: و دعوى أنّه لا يعمّ نفسه‏ «3».
أقول: لأنّه دالّ فلا يعقل أن يكون من أقران المدلول!
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 73 سطر 25، 1/ 262.
(2)- فرائد الأصول: ص 74 سطر 3، 1/ 263.
(3)- فرائد الأصول: ص 74 سطر 18، 1/ 264.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 110
و إن شئت قلت: قول القائل «خبر العادل ليس بحجّة» إنّما يصير خبرا بعد فراغه منه، فلا يعقل أن يكون هذا الخبر موضوعا للحكم المذكور فيه، الذي يتوقّف خبريّته عليه.
قوله قدّس سرّه: فتأمّل‏ «1».
أقول: فكأنّه إشارة إلى أنّ الإجماع في مثل المقام- أعني فيما كان ثبوت الحكم المجمع عليه لموضوعه عند بعض الأمّة- لاندراجه تحت عنوان لم يكن له هذا الحكم عند آخرين، بل ثبوت الحكم له عندهم لأجل دخوله تحت عنوان آخر ليس كاشفا عن قول المعصوم، كما يشير إليه المصنّف في غير موضع.
قوله قدّس سرّه: بل لأنّ المقصود من الكلام … الخ‏ «2».
أقول: لا يمكن أن يكون المراد من الأمر بتصديق العادل في الآية، تصديق السيّد في اختياره بعدم الحجّية، لا لمجرّد ما ذكره المصنّف قدّس سرّه من الاستهجان، بل لعدم معقولية الخطاب إلى الموجودين في زمان صدور الآية، و أمرهم بتصديق السيّد في أخباره، مع تأخّره عنهم، خصوصا على القول باختصاص الخطابات القرآنية بالمشافهين، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: و قد أجاب … الخ‏ «3».
أقول: و لعلّه رحمه اللّه أشار بهذا التعبير إلى أنّ جوابه- مع ما فيه من الايراد
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 74 سطر 21، 1/ 265.
(2)- فرائد الأصول: ص 74 سطر 22، 1/ 265.
(3)- فرائد الأصول: ص 74 سطر 25، 1/ 265.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 111
المزبور- إنّما صدر إلزاما على القائلين بدلالة الآية على وجوب تصديق العادل، فلا وقع لهذا الجواب من أصله أنّه لا محصّل له، لأنّه إن ثبت حجّية ما هو مظنون الاعتبار بدليل قطعيّ، فيكون كظاهر الكتاب من الظنون المعتبرة، و إلّا فلا يجوز الأخذ به، سواء عارضه ظاهر الكتاب أم لا.
قوله قدّس سرّه: و قد يشكل الأمر بأنّ ما يحكيه الشيخ عن المفيد قدّس سرّه … الخ‏ «1».
أقول: محصّل الإشكال انّه إذا قال الشيخ «قال المفيد هذا المائع خمر» مثلا، يكون مجموع هذا الكلام مقولا للشيخ، فهو مصداق خاص خارجي للحكم بوجوب التصديق، فإذا عمّه هذا الحكم ثبت به مضمونه، و هو صدور قول «هذا خمر» من المفيد، فيمتنع أن يندرج ما ثبت بهذا الحكم في موضوعه، فانّ ما هو من لواحق هذا الحكم يمتنع أن يصير معروضا له.
و ملخّص دفعه: إنّ المفيد هو في حدّ ذاته رجل عادل يجب تصديق خبره بحكم الآية، سواء أخبر به الشيخ أم لا، و لكن لا يتنجّز التكليف به إلّا بعد ثبوته بأيّ طريق يكون، فإذا كان الشيخ عادلا يكون خبره طريقا لإثبات خبر المفيد الذي حكمه وجوب التصديق، فلا يتوقّف خبرية خبر المفيد- الذي حكمه وجوب التصديق- على إخبار الشيخ به، بل على صدوره من المفيد، كسائر الأخبار الصادرة منه الثابتة بغير هذا الطريق، كما أنّ قول الشيخ أخبرني المفيد بهذا، ليس إلّا كسائر الأقوال الصادرة منه، التي هي مصاديق لهذا الحكم، فقول الشيخ أخبرني المفيد بكذا مصداق من مصاديق الخبر الذي يجب تصديقه، و ما ثبت به- و هو قول المفيد- مصداق آخر وقع هذا الكلام حكاية عنه، و لا محذور فيه.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 75 سطر 10، 1/ 267.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 112
إن قلت: إنّ خبر المفيد الذي يجب تصديقه بحكم الآية، هي الأقوال الصادرة منه في الواقع، و كون هذا الخبر من جملتها غير معلوم، و إنّما نلتزم به تعبّدا تصديقا للشيخ، فهو مصداق لخبر المفيد تعبّدا، بتصديق الشيخ بحكم الآية، فيمتنع أن يعرضه حكمها ثانيا.
قلت: لا معنى لتصديق الشيخ و التعبّد بقوله، إلّا لو ترتّب أثر ذلك الشي‏ء الذي أخبر به عليه، و المعاملة معه معاملة العلم بذلك الشي‏ء، و إلّا لسرى الإشكال إلى سائر الموضوعات الخارجية الثابتة بأدلّة شرعية، فيقال إنّ نجاسة البول أو حرمة الخمر مثلا ثبتت لمصاديقها الواقعيّة، فلا تعمّ مصاديقها التعبّدية الثابتة بخبر العادل مثلا، و هو كما ترى.
ثمّ، لو سلّم توقّف خبريّة خبر المفيد- الثابت بقول الشيخ- على تصديق الشيخ، و قصور ما دلّ على وجوب تصديق العادل، عن شمول الخبر الذي يتوقّف حصول موضوعه على ثبوت هذا الحكم، فنقول:
قصوره إنّما هو من حيث اللفظ، و إلّا فالمناط منقح نظير ما عرفته في دعوى السيّد الإجماع على عدم حجّية خبر الواحد، بل لا قصور في العبارة أيضا، لكون ما دلّ على حجّية خبر العادل قضية طبيعية غير ملحوظ فيها خصوصيات المصاديق، فهو نظير قول القائل «إذا تكلّمت بكلام يوجع رأسي أو صدري»، أو قال «في أثناء الصّلاة الكلام مبطل للصلاة» إلى غير ذلك من القضايا الطبيعية التي تتحقّق بنفسها مصداق للطبيعة التي تضمّنت حكمها، فلا ينبغي الاستشكال في شمول الآية، على تقدير دلالتها على المفهوم لقول المفيد، الثابت بقول الشيخ، و لكن قد يستشكل في شمولها لقول الشيخ في مثل الفرض، نظرا إلى أنّه لا معنى للأمر بتصديق العادل إلّا التعبّد بمضمونه، أي الالتزام بالآثار الشرعيّة المترتّبة على صدقه، فلا يعقل ذلك إلّا فيما إذا كان للمخبر به في حدّ ذاته أثر شرعي، و ليس لقول المفيد الذي أخبر به‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 113
الشيخ في حدّ ذاته أثر شرعي غير وجوب التصديق الذي نشأ من هذا الطلب، فلا يعمّه هذا الخطاب و إلّا يدور.
و فيه: بعد الغضّ عمّا أسلفناه في توجيه قيام الامارات المعتبرة مقام العلم، المأخوذ جزء للموضوع بعنوان الطريقيّة، ممّا ينحسم به مادّة هذا الإشكال، كما لا يخفى على المتدبّر، إنّ الممتنع إنّما هو توقّف فردية فرد للعام على ثبوت ذلك الحكم لنفس هذا الفرد، و امّا لو توقّف فرديّته على فرديّة فرد آخر له ممّا لا مانع عن فرديته، كخبر المفيد فيما نحن فيه، فلا مانع عنه، فخبر المفيد في حدّ ذاته صار معروضا للحكم بوجوب التصديق حين صدوره منه، سواء أخبر به الشيخ أم لا، فمتى احرز خبره بطريق عقلي أو شرعي، من بيّنة أو شياع أو تواتر و نحوها، وجب ترتيب هذا الأثر عليه، و إذا أخبر به الشيخ، و كان الشيخ عادلا، كان اخباره به كاخباره بسائر الأشياء التي لها آثار شرعيّة، مندرجا في موضوع الحكم بتصديق العادل، فليس اعتبار كون ما أخبر به الشيخ في حدّ ذاته ذا أثر شرعا، شرطا في صحّة إلزام الشارع بتصديقه، مانعا عن أن يعمّه الحكم بتصديق العادل، بعد أن كان هذا الحكم ثابتا لما أخبر به قبل أن يصدر هذا الكلام من الشيخ، و ليس خبر العادل على إجماله موضوعا شخصيّا محكوما بحكم، كي يعتبر الأثر الملحوظ لدى الحكم بوجوب تصديقه غير الأثر الذي ينشأ من قبل هذا الحكم، بل هي قضيّة كلّية، فكلّ من أفراده المتدرجة في الوجود عند حصوله و صلاحيّته، لأن يتعلّق به الحكم بوجوب تصديقه- بأن لم يكن تنجّز التكليف بتصديقه قبيحا، لكونه أجنبيّا عمّا يتعلّق به المقاصد الشرعيّة- يندرج في موضوعه.
نعم، لو أخبر شخص عن شخص بشي‏ء له أثر شرعيّ، فتعلّق أمر خاصّ بتصديقهما معا في تلك القضيّة قد يشكل تعقله، لما فيما بين موضوعيهما من الترتّب، و كون تعلّق التكليف بالأوّل شرطا في صحّة التكليف بالثاني.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 114
و لكن يندفع هذا الإشكال أيضا: بأنّ المصحّح لتوجيه التكليف بالتّصديق هو كون المخبر به ذا أثر حال تنجّز التكليف، أي وقت إرادة الامتثال، لا حين صدور الطلب، فإيجاب تصديقهما معا أثّر في صيرورة متعلّق كلّ من الخبرين ذا أثر في زمان الخروج عن العهدة، كما لا يخفى على المتأمّل.
قوله قدّس سرّه: و الظّن الذي لا يتمسّك به في الاصول هو مطلق الظّن‏ «1».
أقول: الظّن المطلق لا دليل على حجّيته إلّا دليل الانسداد الآتي، و مقتضاه- على تقدير تماميّته- عدم الفرق بين اصول الفقه و سائر المسائل الفرعية، على ما هو مختار المصنّف قدّس سرّه كما ستعرف، و على تقدير عدم تماميّته، لا فرق في عدم جواز التمسّك به بين المسائل الفرعيّة و الاصوليّة، فلم يظهر للتفصيل المذكور وجه وجيه، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: مضافا إلى قوله تعالى … إلخ‏ «2».
أقول: تكفير السيّئات على تقدير تسليم كون الصغائر موجبة للفسق لا يجدي في رفع أثرها الوضعي، و الالتزام بذلك في التوبة ليس بمجرّد ثبوت كونها مكفّرة للذّنوب، كما لا يخفى على المتأمّل، فتأمّل.
قوله قدّس سرّه: و ثالثا إنّه قد فسّر الآية … إلخ‏ «3».
أقول: لا يبعد أن يكون المراد من الآية- بشهادة الجمع بين ما ورد في تفسيرها، و بين الأخبار الآتية- التعريض على المؤمنين، و بيان أنّ النفر إلى التفقّه أيضا كالنفر إلى الجهاد من الامور المهمّة، فكأنّه تعالى قال ما كان لهم أن ينفروا
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 77 سطر 6، 1/ 273.
(2)- فرائد الأصول: ص 77 سطر 14، 1/ 273.
(3)- فرائد الأصول: ص 79 سطر 5، 1/ 278.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 115
بأسرهم إلى الجهاد، فهلّا نفر من كلّ جماعة كثيرة طائفة لتحصيل التفقّه في الدين، مع أنّه كالجهاد في الوجوب، و هذا و إن كان مقتضاه وجوب النفر و إنذار النافرين المتخلّفين، إلّا أنّه يستفاد منه أنّ تكليف أهل المدينة أن يتخلّف بعضهم عند النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لأن يتفقهوا، إذ ليس النفر مطلوبا لذاته، فيكون المتخلّفون في المدينة بمنزلة النافرين في طلب العلم، و اللّه العالم.
قوله قدّس سرّه: لكن لا تدلّ على وجوب العمل … إلخ‏ «1».
أقول: توضيح المطلب: إنّ المقصود من الآية- بحسب الظاهر- وجوب تعلّم الأحكام الواقعيّة، و بعث المكلّفين على العمل بها، أي العمل بما عملوه و فهموه من الأحكام، و من المعلوم أنّ هذا لا ينفع فيما نحن بصدده، لأنّ المقصود إثبات حجّية خبره من حيث نقل قول المعصوم عليه السّلام، لا وجوب العمل بما فهمه من الأحكام الشرعيّة، و بينهما فرق بيّن.
هذا، و لكن الإنصاف أنّه يستفاد بالدلالة التبعية أنّ العمل بقول الثقة من الامور المغروسة في الأذهان، بحيث لا يعتني العقلاء باحتمال مخالفتها للواقع، لأنّ هذه الآية بمنزلة قولك «تعلّموا أحكام الحيض، و علّموا نسوانكم كي يعملن على وفق تكاليفهنّ»، و هذا الكلام ليس مسوقا لبيان حجّية قول الرجال للنسوان، بل الكلام منزّل على ما هو المتعارف، و هو أخذ النساء من رجالهنّ مسائلهنّ من دون التفات إلى احتمال كذب الرجال، و كذا بناء العوام إنّما هو على أخذ المسائل ممّن يعتقدون أنّه يعلم المسائل، و لا يعتنون باحتمال كذبه أصلا، أو غفلته و خطأه، فالآية بحسب الظاهر منزّلة على ذلك، فيكون المراد بها وجوب تعلّم الأحكام و تعليمها،
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 80 سطر 17، 1/ 284.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 116
إلّا أنّ بناء العقلاء عدّ ما يأخذونه من آحاد الأشخاص تعلّما، بمعنى أنّهم لا يعتنون باحتمال كذبه و غفلته، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: لأنّ الغالب … الخ‏ «1».
أقول: لو سلّم غلبة تعدّد من يخرج إلى الحجّ من كلّ ناحية، إلّا أنّ الغالب عدم اخبار مجموعهم لآحاد أهل بلدهم، حتّى يكون كلّ خبر لكلّ أحد متواترا، بل الغالب خلافه، فتنزيل الآية على المتعارف- بعد تسليم المدّعى- يستلزم الالتزام بحجّية خبر كلّ واحد منهم.
قوله قدّس سرّه: على ما يقتضيه الخطاب في «لكم» «2».
أقول: وجه الاقتضاء ظهور الآية، بل صراحتها في الخطاب، متوجّها إلى الذين يؤذون النبي صلّى اللّه عليه و آله.
قوله قدّس سرّه: فإنّ تعليل التصديق … الخ‏ «3».
أقول: و يؤيّده- مضافا إلى ما ذكره- أنّ هذه العلّة لا تصلح علّة إلّا للايمان الصوري لا للعقد القلبي، لعدم المناسبة بينهما.
قوله قدّس سرّه: تعديته في الأوّل بالباء … الخ‏ «4».
أقول: الايمان بالشي‏ء ظاهره الإذعان بتحقّقه، و الأيمان للمؤمنين ظاهره‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 81 سطر 13، 1/ 286.
(2)- فرائد الأصول: ص 83 سطر 8، 1/ 292.
(3)- فرائد الأصول: ص 83 سطر 12، 1/ 293.
(4)- فرائد الأصول: ص 83 سطر 20، 1/ 294.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 117
إظهار الايمان لأجل مراعاتهم، و منشأ ظهور الثاني في الأيمان الصوري ما أشرنا إليه، من عدم المناسبة بين مراعاتهم و العقد القلبي حتّى يصلح للغلبة.
قوله قدّس سرّه: بعد تقييد المطلق منها … الخ‏ «1».
أقول: في العبارة تشويش، فانّها في النسخ الأصلية بمفهوم آية النبأ، و في بعض النسخ المصحّحة بمنطوق آية النبأ، و على تقدير صحّة الأولى فالباء للإلصاق لا السببيّة، إذ لا تنافي بين حجّية خبر العادل و حجّية مطلق الخبر حتّى يتقيّد به الإطلاق.
فملخّص المراد: إنّ المستفاد من مجموع الآيات حجّية قول ما عدا الفاسق مطلقا، و لكن إطلاقه ينصرف- بمقتضى الغلبة- إلى صورة إفادة الخبر الظّن الاطمئناني.
هذا، و لكن يشكل دعوى سببيّة الغلبة لانصراف المفهوم، إذ ليس لنا قضيّة لفظيّة ندّعى فيها الانصراف، و إنّما استفيد حجّية خبر العادل من آية النبأ- على تقدير تسليم الدلالة- من تعليق ردّ الخبر بصدوره من الفاسق، و كون الفسق علّة منحصرة للردّ، فينتفي المعلول عند انتفاء علّته عقلا، و لا يعقل دعوى الانصراف في الاستلزامات العقلية.
نعم يمكن أن يقال: إنّ موضوع الحكم في المنطوق إنّما هو الخبر الموثوق به، و لو وثوقا بدويّا، كما يشهد بذلك اعتماد العقلاء عليه في مورد الآية، فمفهومه جواز العمل بالخبر الموثوق به إذا كان المخبر عادلا، و لكنّك خبير بأنّه على هذا التقدير لا يقتضي تقييد سائر الآيات بما إذا كان خبر العادل مقيدا للوثوق، لما أشرنا إليه من‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 84 سطر 9، 1/ 296.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 118
عدم التنافي بين المفادين، بعد فرض سكوت آية النبأ عن حكم خبر غير الثقة.
نعم، يمكن دعوى الانصراف في نفس تلك الآيات، فبعد تقييدها بمنطوق آية النبأ، يكون محصّل مجموعها حجّية خبر الثقة بشرط كون المخبر عادلا، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: بل هذا أيضا منصرف سائر الآيات‏ «1».
أقول: أي الخبر المفيد للاطمئنان و الوثوق، لا خبر العادل المفيد للوثوق، و إلّا لم يتحقّق المعارضة بينها و بين منطوق آية النبأ، كما هو المدّعى.
هذا مع أنّه لا وجه لدعوى الانصراف إلى خبر العادل، فالمقصود ليس إلّا دعوى الانصراف إلى الخبر المفيد الموثوق لا غير.
قوله قدّس سرّه: حتّى لا يعارض المنطوق‏ «2».
أقول: يعني لو قلنا إنّ مفاد الآيات بمقتضى الانصراف هو حجّية خبر الثقة لا مطلق الخبر، يتعارض مع المنطوق في خبر الفاسق المفيد للوثوق، فلا بدّ في مورد المعارضة من الرجوع إلى المرجّحات الخارجيّة لو كانت، و إلّا فالتوقّف، و هذا بخلاف ما لو منعنا الانصراف، فانّ المنطوق حينئذ أخصّ مطلقا يخصّص به العمومات، فلا معارضة، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: الثاني من وجوه تقرير الإجماع … الخ‏ «3».
أقول: هذا التقرير لا يجدي في إثبات حجّية الخبر بالخصوص، إذ الظاهر أنّ‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 84 سطر 13، 1/ 296.
(2)- لم ترد هذه العبارة في الطبعة الحجريّة، 1/ 296.
(3)- فرائد الأصول: ص 99 سطر 8، 1/ 343.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 119
عمل السيّد بالخبر- على تقدير الانسداد- ليس لأجل خصوصية فيه، بل لأجل كونه موجبا للظنّ المطلق، الذي ينوب مناب العلم عند التعذّر بحكم العقل، و سيجي‏ء فيما بعد أنّ مثل هذا الإجماع لا يجدي في إثبات الحجّية بالخصوص.
قوله قدّس سرّه: و ربّما يدّعى وجوب العمل بكلّ واحد منها مع عدم المعارض … الخ‏ «1».
أقول: هذا هو الذي ينتجه المقدّمات السابقة لو تمّت. نعم لو تعذّر العمل بالمجموع- لأجل العسر و الحرج- يجب الاقتصار على الظّن، لكونه أقرب في مقام الامتثال، إلّا أنّ من المعلوم أنّ الأخذ بالأحكام المستفادة من الأخبار المدوّنة في الكتب المعتبرة لا جرح فيها.
و الحاصل أنّه يجب أوّلا- بمقتضى المقدّمات السابقة بحكم العقل- العمل بكلّ خبر محتمل الصدور، حتّى يحصل القطع بتفريغ الذمّة عن التكاليف التي يتضمّنها الاخبار التي علمنا بصدور بعضها إجمالا، و إن تعذّر ذلك يتعيّن الأخذ بمظنون الصدور، و قد أشرنا إلى أنّ البناء على صدق مجموع هذه الأخبار و الأخذ بمضمونها، لا يستلزم حرجا، فتأمّل.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 103 سطر 20، 1/ 357.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 120
[أدلة حجّية مطلق الظّن‏]
قوله قدّس سرّه: ممّا دلّ عليه الكتاب … الخ‏ «1».
أقول: إثبات الحرمة الشرعية بأغلب هذه الآيات بل جميعها لا يخلو عن تأمّل، لأنّ ظاهرها كونها إرشاديّات، إلّا أنّ الاستدلال بها في مقابل من لم يقل بالتحسين و التقبيح حسن، كما لا يخفى وجهه.
قوله قدّس سرّه: بناء على أنّ المراد العذاب و الفتنة الدنيويّين‏ «2».
أقول: ابتناء الاستدلال على إرادة العذاب و الفتنة الدنيويّين، لأنّ استحقاق ترتّبهما على مخالفة الأمر في الآخرة معلوم فلا يكون حينئذ دليلا على المطلوب، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: لكنّه رجوع عن الاعتراف باستقلال العقل‏ «3».
أقول: في كونه رجوعا عمّا اعترف به تأمّل، لأنّ وجوب التحرّز عن العقاب‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 107 سطر 8، 1/ 369.
(2)- فرائد الأصول: ص 107 سطر 10، 1/ 369.
(3)- فرائد الأصول: ص 109 سطر 5، 1/ 374.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 121
المحتمل- فضلا عن المشكوك- من المستقلّات العقليّة، و لذا نحكم بوجوب الاجتناب عن محتملات الشّبهة المحصورة، فكيف يعترف الخصم بجواز الأقدام عليه بالإجماع و العقل، و إنّما اعترف الخصم بأنّ مشكوك الوجوب أو الحرمة أو موهومهما لا يجب مراعاته عقلا و إجماعا، فالعقل و الإجماع مؤمّنان عن المفسدة المترتّبة على فوت الواقع، و أمّا مظنون الوجوب و الحرمة فحيث لا عقل و لا إجماع يؤمّن المكلّف من تبعة مخالفة الواقع، يجب عليه الاحتياط تحرّزا عن العقاب المحتمل، فضلا عن مشكوكه، و لم يعترف المستدلّ في مقدّمات دليله بأنّ العقاب المحتمل لا يجب التحرّز عنه، فلاحظ.
قوله قدّس سرّه: فتأمّل‏ «1».
أقول: لعلّه إشارة إلى أنّ حكومة الاصول العملية على هذه القاعدة، فرع اعتبارها كالاصول اللفظية، و قد منع المستدلّ اعتبارها في صورة الظّن بالتكليف.
قوله قدّس سرّه: «في الحاشية المنسوبة إليه في بيان وجه الأمر بالتأمّل، بعد أن قال»: «إنّ التوقّف عن ترجيح الراجح أيضا … الخ‏ «2».
أقول: هذا إذا كان الواقع منجّزا على المكلّف، و هو في المقام أوّل الكلام.
إن قلت: إنّ العلم الإجمالي بثبوت تكاليف واقعية يوجب تنجّزها على المكلّف؟
قلت: ليس مبنى هذا الاستدلال على دعوى العلم الإجمالي، و إلّا فيرجع إلى الدليل الآتي، و حيث أنّ الواقع غير معلوم التنجّز على المكلّف، لا مانع عن الرجوع في موارد الظّن إلى البراءة. و الظاهر أنّ هذا هو مراد المجيب، حيث قال: «إنّ وجوب‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 111 سطر 5، هامش 1/ 381.
(2)- فرائد الأصول: ص 111 سطر 5، 1/ 381.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 122
الترجيح فرع الدوران، و حيث أنّ الأمر ليس دائرا بين الأمرين لجواز الرجوع إلى البراءة فلا دليل على وجوب الترجيح أي العمل بالظنّ، فجوابه في الحقيقة يئول إلى ما سيختاره المصنّف قدّس سرّه ردّا للاستدلال، فالإيراد عليه لا يخلو من نظر، فتأمّل.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 123
[دليل الانسداد]
قوله قدّس سرّه: فهي مبنية على أن لا يثبت من الأدلّة المتقدّمة لحجّية الخبر الواحد … إلخ‏ «1».
أقول: بقى في المقام شي‏ء يمكن الاستدلال به لحجّية خبر الواحد بالخصوص في حال الانسداد لم يتعرّض لذكره، و هو أنّه لقائل أن يقول سلّمنا أنّ خبر الثقة ليس حجّة معتبرة لدى العقلاء، كظواهر الألفاظ و المكاتبات، بحيث يكون في عرض العلم، إلّا أنّ من البديهيات التي لا يكاد يرتاب فيه أحد أنّ خبر الثقة ليس في عرض سائر الظنون الاجتهادية التي لا تنتهي إلى أصل معتمد، كالقياس و الاستحسان و المصالح المرسلة، و الظّن الحاصل من الرؤيا، أ ترى أنّ العقلاء يرخّصون العبد المأمور من قبل مولاه بتكاليف كثيرة، لا بدّ له من امتثالها، و لم يتمكّن من معرفتها تفصيلا، و لا من الاحتياط في امتثالها في ترك الاعتناء بقول الثقات الوسائط بينه و بين المولى، و الرجوع إلى ظنونه الاجتهادية، أو ترى أنّ‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 112 سطر 11، 1/ 386.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 124
العقلاء يعدّونه معذورا لو لم يعمل بخبر الثقة، معتذرا بأنّي رأيت رؤيا ظننت بصدق مظنونها فطرحت لأجله الخبر، حاشاهم عن ذلك! بل الإنصاف أنّ خبر الفاسق الغير المتحرّز عن الكذب أيضا ليس لديهم في عرض سائر الظنون الاجتهادية، بل يرونه حجّة معتبرة على تقدير تعذّر تحصيل العلم أو الرجوع إلى من هو أوثق منه، بخلاف الظّن الحاصل من النوم و القياس و أشباهه.
و لعلّ هذا هو الذي ألجأ بعض الأعلام في الالتزام بأنّ نتيجة دليل الانسداد حجّية الظّن في الطريق دون الواقع، حيث أنّه رأى أنّ الالتزام بجواز طرح ما بأيدينا من الأخبار، و الرجوع إلى سائر الظنون الاجتهادية مصاديق للضرورة، و لم يقم لديه على اعتبارها دليل بالخصوص، فظنّ أنّ منشأه أنّ دليل الانسداد لا يثبت إلّا حجّية الظّن في الطريق، و تكلّف في توجيهه، و غفل عن أنّ منشأه عدم كون الخبر لدى العقلاء كسائر الظنون المبنيّة على الحدس و التخمين، و إلّا فلا يظن به الالتزام بحجّية ظنّ حصل له الظّن باعتباره من النوم، و لو ظنّ باعتبار هذا الظّن أيضا من ظنّ حاصل من نوم آخر أو شي‏ء آخر مثل النوم، و هكذا و لو بعشرين درجة، بل الذي أجده من نفسي أنّي لا أرى العمل بالظنّ المطلق أصلا، إلّا إذا فرض عدم التمكّن من الوصول إلى الآثار المرويّة عن الأئمّة عليهم السّلام، و لو في ضمن فتاوى الأعلام، بمعنى أنّه لو تمكّن من الوصول إلى رسالة عملية من علمائنا الماضين المقتبسين فتاويهم من الأخبار المأثورة، لا يجوز التخطّي عنها و الرجوع إلى الظّن المطلق، و اللّه العالم.
قوله قدّس سرّه: مرجع الإجماع قطعيّا أو ظنّيا … الخ‏ «1».
أقول: حاصل مرامه أنّ الرجوع إلى الاصول في المشكوكات فرع صيرورة
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 125 سطر 21،
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 125
المشكوكات مجاري لها، فلا يرجع إلى الاصول النافية للتكليف، إلّا على تقدير الشّك فيه، و امّا مع العلم بتحقّقه، و الشّك في تعيين المكلّف به، فلم يقل أحد بالرجوع إلى الاصول النافية للتكليف، عدا ما ستسمعه في محلّه من بعض متأخّري المتأخّرين، فضلا عن أن يكون إجماعيّا، فالإجماع على الرجوع إلى الاصول موقوف على الإجماع على كونها مجاري لها، و هو ينحلّ إلى الإجماع على الحجّة الكافية الموجبة لارتفاع أثر العلم الإجمالي، و صيرورة المشكوكات بمنزلة الشكوك الابتدائية، و مرجعه إلى دعوى الإجماع على حجّية الظّن بعد الانسداد، إذ لا شي‏ء غيره ممّا يتوهّم الاجماع على حجّيته.
و الحاصل: إنّ الإجماع الذي يمكن ادّعائه في المقام، و اعترف بكونه مظنونا عند تلقين خصمه، هو الإجماع على قيام الظّن مقام العلم، و اقتصار الشارع على الإطاعة الظنّية، و إلّا فلا إجماع على الرجوع في المشكوكات التي هي من أطراف العلم الإجمالي المنجّز للتكليف إلى البراءة، بل الإجماع على عدمه.
و قد عرفت أنّ الإجماع على حجّية الظّن ما لم ينته إلى حدّ العلم لا يجدي.
و الأولى أن يجاب عن الإيراد بما يستفاد من النسخ الأصلية، من أنّ عدم الفرق بين الظّن المتعلّق بالواقع و الطريق، إنّما هو على تقدير حجّية الظّن بدليل الانسداد، و هي في المقام أوّل الكلام.
إن قلنا: إذا انعقد الإجماع و استقلّ العقل بعدم وجوب الاحتياط في موهومات التكليف، أعني ما يظنّ عدمه، فمقتضاه عدم وجوب الاحتياط في المشكوكات، بعد أن ظنّ بأنّ المرجع فيها إلى البراءة، حيث يظنّ بعدم كونها مكلّفا بها في مرحلة الظاهر، و لا فرق بنظر العقل بين أن يكون تكليفه الواقعي موهوما أو الظاهري.
قلت: امّا الإجماع فالقدر المتيقّن منه ما إذا كان احتمال التكليف في الواقع موهوما، و امّا إذا كان في قوّة احتمال عدمه فلا قطع بالإجماع، و لكنّه باعتراف‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 126
المصنّف قدّس سرّه مظنون و مرجعه إلى الإجماع على حجّية الظّن، و هو لا يجدي ما لم يكن قطعيا.
و امّا العقل فهو مستقلّ بوجوب الاحتياط في المشكوكات، بعد فرض عدم استلزامه الحرج، و الظّن بكون المرجع فيها إلى البراءة مرجعه- كما نبّه عليه المصنّف قدّس سرّه- إلى الظّن بأنّ الشارع اقتصر في مقام الامتثال على الامتثال الظنّي، و هو غير مجد ما لم ينته إلى حدّ العلم، و بهذا ظهر وجه اقتصار المصنّف قدّس سرّه في الجواب على ما ذكره، و إن كانت عبارته غير خالية عن شوب الإجمال، فتدبّر.
قوله قدّس سرّه: و يحصل ممّا ذكر إشكال آخر … الخ‏ «1».
أقول: لقائل أن يقول بعد منع طرو الإجمال على الظواهر لا مخلص عن هذا الإشكال، و لو على القول باقتضاء دليل الانسداد حجّية الظّن، لأنّه لا يقتضي إلّا حجّيته فيما انسدّ فيه باب العلم و الظّن الخاصّ، و المفروض خلافه، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: و بالاصول المثبتة للتكليف من الاحتياط و الاستصحاب، مستلزم للحرج‏ «2».
أقول: فعلى هذا لا يجب الرجوع إلى تلك الاصول، و لو على القول بأنّ العلم الإجمالي بالخلاف لا يمنع عن الرجوع إلى الاصول المثبتة للتكليف، حيث لا يترتّب على اعمالها في مجاريها إلّا مخالفة التزامية، و هي غير قادحة في حجّيتها.
و لكن قد يتوهّم: إنّ دعوى استلزام العمل بتلك الاصول الحرج مجازفة، كيف و هو ممّا لا بدّ منه على كلّ تقدير، إذ لا يقول أحد بجواز مخالفة الاحتياط عند الشّك‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 126 سطر 8، 1/ 427.
(2)- فرائد الأصول: ص 126 سطر 24، 1/ 429.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 127
في المكلّف به أو في الاستصحابات المثبتة للتكاليف.
و لكن يندفع هذا التوهّم: بعد الالتفات إلى أنّه على تقدير الانسداد، و عدم حجّية الظّن الحاصل من الاخبار، أو غيرها من الأمارات، يصير أغلب الموارد مجاري قاعدة الاحتياط، و لو مع الغضّ عن العلم الإجمالي الكلّي المقتضي لوجوب الاحتياط في الجميع، لأنّ لنا علوما جزئيّة في مثل الصلاة و الصوم و المعاملات و سائر العبادات أنّ فيها شرائط و أجزاء غير معلومة، و مقتضاها الاحتياط في خصوص أطرافها، بل يكفي في لزوم الخروج رعاية الاحتياط في خصوص الأجزاء و شرائط العبادات، كما هي بعض مجاريه عند بعض، و لو على تقدير عدم كونها من أطراف العلم الإجمالي، و ما ترى من أنّا نلزم بالاحتياط عند الشّك في تلك الموارد، و لا يكون حرجا، فمنشؤه الاقتصار على الاحتياط فيما عدا مورد الامارات، كما لا يخفى على المتأمّل.
إن قلت: فعلى هذا قلّما يوجد للاصول النافية للتكليف مورد، فإنّ لنا أن نلاحظ كلّ واقعة مشكوكة الحكم كشرب التتن مثلا مع بعض الوقائع الأخر، بحيث يحصل لنا العلم الإجمالي بمخالفة الأصل فيها للواقع، فيصير حينئذ مورد الاحتياط، و لو مع الغضّ عن العلم الإجمالي الكلّي، فكيف يستقيم ما إدّعاه من أنّ العمل بالاصول النافية، عند ملاحظة الوقائع في حدّ ذاتها- مع قطع النظر عن العلم الإجمالي الكلّي- مستلزم للمخالفة القطعية الكثيرة؟
قلت: ليس كلّ علم إجمالي مؤثرا في تنجيز التكليف بالاحتياط، فإنّ مثل هذه العلوم الجزئية كثيرا ما ليس جميع أطرافها مورد ابتلاء المكلّف.
و الحاصل: إنّ مجاري الاصول العدمية أيضا- بعد الإغماض عن العلم الإجمالي الكلّي، خصوصا الاستصحابات النافية للتكليف- فوق حدّ الإحصاء، كما لا يخفى على المتأمّل.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 128
قوله قدّس سرّه: تعيّن وجوب تحصيل الظّن بالواقع فيها … الخ‏ «1».
أقول: قد يقال إنّ هذا انّما يتمّ على تقدير الحكومة، و امّا على الكشف فلا، إذ لا امتناع في نصب الشارع ما هو أبعد بنظر المكلّف، كما هو الشأن في بعض الطرق المنصوبة، و ستسمع عن المصنّف قدّس سرّه أنّه جعل احتمال نصب الشارع شيئا آخر وراء الظّن- على تقدير الكشف- من وجوه بطلان هذا القول.
و يمكن التفصّي عن ذلك بأنّ مناط حكم العقل بوجوب النصب، إذا كان بقاء التكاليف الواقعيّة، فلا يعقل تجويزه نصب ما هو الأبعد، و احتمال كون الأبعد بنظره أقرب في الواقع و في نظر الشارع، كاحتمال كونه مشتملا على مصلحة يتدارك بها مفسدة كثرة التخلّف، ممّا لا يوجب توقّف العقل في كون المنصوب من أفراد الظنون، إذ لو كان غيره منصوبا لوجب على الشارع بيانه، حيث لا طريق للعقل إلى معرفته، بخلاف ما لو كان المنصوب ما يدرك العقل أقربيته إلى الواقع، فإنّ إدراكه كاف في مقام البيان.
و لا يتوهّم أنّ هذا يئول إلى تقرير الحكومة، لوضوح الفرق بين المقامين.
نعم، لقائل أن يقول في هذا الفرض- أعني فرض بقاء الأحكام الواقعية بحالها، و انحصار الطريق الأقرب في الظن في الواقع و في نظر الآمر و المأمور، و عدم مصلحة يتدارك بها مفسدة كثرة التخلّف في سائر الامور المحتملة- أنّ الظّن بنفسه طريق عقلي حينئذ، و ليس حجّيته قابلة لجعل الشارع إثباتا و نفيا، كالعلم في حال الانفساخ، فلو ثبت التصريح من الشارع بالعمل بالظنّ، لا يكون أمره إلّا إرشاديا، كالأمر باتّباع العلم في حال الانفتاح.
إلّا انّ هذا إيراد على أصل القول بالكشف، لا على التزامه بأنّ الطريق المنصوب من افراد الظنون فليتأمّل.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 128 سطر 20، 1/ 435.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 129
قوله قدّس سرّه: لأنّ مورد العمل بالطريق المحتمل إن كان الأصول على طبقه … الخ‏ «1».
أقول: توضيح المقام إنّه بعد أن علم إجمالا أنّ بعض ما بأيدينا من الطّرق منصوب من قبل الشارع، لا يبقى لعلمنا الإجمالي الكلّي المتعلّق بأنّ لنا في الشريعة تكاليف في ما عدا مورد الامارات أثر، بل يرجع في كلّ واقعة إلى ما يقتضيه الأصل الجاري في تلك المسألة، سواء كان الأصل مثبتا للتكليف أم نافيا له.
و امّا في موارد الأمارات، فإن كانت الامارات المحتمل نصبها بأسرها متصادقة على حكم، ثبت ذلك الحكم، سواء وافق الأصل أم خالفه، حيث علم إجمالا بكون بعضها حجّة، و كذا لو قام عليه بعض الامارات و لم يعارضه اخرى، و كان الحكم موافقا للأصل، لأنّه إن كانت الامارة حجّة في الواقع فهي الحجّة، و إلّا فالأصل.
و امّا إن اقتضى الأصل حكما مخالفا لما يؤديه بعض الامارات، فيشكل الأمر حينئذ، حيث لم يعلم بكون ذلك البعض حجّة كي يجوز رفع اليد بواسطته عمّا يقتضيه الأصل، و لا يجوز العمل بالأصل الجاري في ذلك المورد، لكونه من أطراف العلم الإجمالي، حيث علم إجمالا بأنّ بعض الأمارات المخالفة للاصول حجّة، و هذا العلم الإجمالي و إن كان موجبا لسقوط الاصول عن الاعتبار، و مانعا عن اجرائها في مجاريها، لكن لا بمعنى أنّه يجوز رفع اليد عنها و إلغائها بالمرّة، بل بمعنى انّه لا يجوز التمسّك بالاصول في شي‏ء من مواردها بالخصوص، لأجل المعارضة بالمثل، أو استلزام استعماله في الجميع طرح العلم الإجمالي.
و امّا اعمالها في مجاريها على سبيل الإجمال بالنسبة إلى ما عدا القدر المتيقّن‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 132 سطر 2، 1/ 445.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 130
الذي علم مخالفته للواقع فلا مانع عنه؛ و لذا يجب الاحتياط في موارد استصحابات النجاسة أو الحرمة أو الوجوب، إذا علم إجمالا بمخالفة بعضها للواقع، فلو كانت عدّة أشياء مستصحبة لنجاسة، ثمّ علم إجمالا بطهارة بعضها، أو شهدت البيّنة بذلك سقطت الاستصحابات عن الحجّية، بمعنى أنّه لا يجوز التمسّك بالاستصحاب للحكم بنجاسة شي‏ء منها بالخصوص، لا أنّه يلغى بالمرّة بحيث يرجع في تلك الموارد إلى قاعدة الطهارة.
نعم، لا أثر للاستصحابات النافية للتكليف، إذا علم إجمالا بمخالفة بعضها للواقع، حيث أنّه يجب حينئذ الاحتياط في أطراف الشبهة، و لو مع العلم بنفي التكليف في ما عدا القدر المتيقّن، فضلا عن استصحابه، ففيما نحن فيه يجب في مورد التنافي بين مقتضيات الاصول و الامارات الاحتياط، بالأخذ بأحوط الأمرين ممّا يقتضيه الأصل أو الامارة، فما كان منهما في مورد التنافي مثبتا للتكليف يعمل على حسبه من باب الاحتياط، فالعمل مطلقا في مورد التنافي على الاحتياط.
قوله قدّس سرّه: فتأمّل‏ «1».
أقول: لعلّه إشارة إلى منع لزوم الحرج لانحصار مورد الإشكال الذي نلتزم فيه بوجوب الاحتياط، فيما إذا تحقّق التنافي بين مؤدّى الأصل و الامارة من حيث إثبات التكليف و نفيه، و هذا ليس من الكثرة بمكان يلزم منه الحرج، و لو بضميمة الاحتياطات الجزئية، الجارية في سائر المسائل الخالية عن الامارات التي يكون الشّك فيها في المكلّف به، فليتأمّل!.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 132 سطر 9، 1/ 446.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 131
قوله قدّس سرّه: فتأمّل‏ «1».
أقول: لعلّه إشارة إلى أنّ عدم جواز عمل القاضي بعلمه ليس مسبّبا عن عجزه عن تشخيص الواقع بالظنّ، بل لأنّ دليل الانسداد لا يقتضي إلّا حجّية الظّن بالنسبة إلى الأحكام الشرعيّة الكلّية، و امّا الوقائع الجزئية، كبقاء طهارة الثوب، أو كون هذا الشي‏ء ملكا لزيد فلا، كما سيتّضح لك فيما بعد إنشاء اللّه تعالى من أنّ جواز العمل بالظنّ لأجل دليل الانسداد لا يوجب جوازه مطلقا، حتّى بالنسبة إلى تعيين الموضوعات الخارجية.
اللهمّ إلّا أن يجري في الامور الخارجية- التي هي موضوعات الأحكام- دليل الانسداد في خصوص مواردها، كما قد يدّعى في باب الضّرر.
قوله قدّس سرّه: هذا كلّه مع ما علمت سابقا في ردّ الوجه الأوّل … الخ‏ «2».
أقول: لا يخفى عليك عدم ابتناء هذا الوجه على دعوى العلم الإجمالي بوجود طريق منصوب كي يتوجّه عليه هذا الايراد، ضرورة أنّ مقتضاه- على تقدير صحّته- أنّه لو كان خبر الواحد مثلا مظنون الاعتبار، لم يجز التعدّي عنه و العمل بالشهرة و غيرها، فانّه لو عمل بالخبر، يحصل معه الظّن برضا الشارع و إمضائه لعمله، و حكمه ببراءة ذمّته، بخلاف ما لو عمل بغيره ممّا لا يظنّ بحجّيته، سواء علم إجمالا بوجود طريق معتبر فيما بأيدينا من الامارات أم لا، فلاحظ و تدبّر.
قوله قدّس سرّه: فتأمّل‏ «3».
أقول: إشارة إلى أنّ الملاك في حكم العقل بوجوب الإطاعة الظنّية، و قبح‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 133 سطر 18، 1/ 449.
(2)- فرائد الأصول: ص 137 سطر 21، 1/ 460.
(3)- فرائد الأصول: ص 140 سطر 7، 1/ 468.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 132
المؤاخذة على مخالفة الواقع الذي يؤدّى إليه الامتثال الظنّي، هو عدم التمكّن من تحصيل العلم، و عدم ثبوت طريق خاص، لا عدم وجوده في الواقع، فاحتماله لا يوجب إهمال النتيجة و إجمالها ما لم يتحقّق، كما تقدّم التنبيه على ذلك في بعض المقدّمات المتقدّمة.
قوله قدّس سرّه: فتأمّل‏ «1».
أقول: الظاهر أنّه إشارة إلى أنّ دعوى الإجماع في مثل هذه المسائل المستحدثة غير مسموعة، و لكنّك عرفت في بعض كلماتنا المتقدّمة، عند تعرّض المصنّف رحمه اللّه لبيان نتيجة مقدّمات دليل الانسداد، إمكان التفصّي عن هذا الإيراد، فراجع.
قوله قدّس سرّه: فتسميته دليلا عقليا لا يظهر له وجه … الخ‏ «2».
أقول: قد يتوهّم أنّ توقّف إثبات العموم على الإجماع لا يقتضي خروج الدليل عن كونه عقليا، إذ لا يجب في تسمية الدليل عقليّا أن يكون جميع مقدّماته عقلية، فكما أنّ نفي وجوب الاحتياط، و عدم جواز الرجوع إلى الاصول لقاعدة نفي العسر و الإجماع، و غيرهما من الأدلّة السمعية، لا ينافي كون الدليل عقليّا- على تقدير الحكومة- كذلك ثبوت العموم بالإجماع، بعد كون حجّية الشي‏ء في الجملة مستفادة من العقل، لا يضرّ في كون الدليل عقليّا.
و يدفعه: إنّ المناط في اتّصاف الدليل بكونه عقليّا، إنّما هو كون الأكبر من لوازم الأوسط عقلا، و امّا إحراز تحقّق ذات الأصغر أو الدليل بكونه عقليّا، إنّما هو
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 140 سطر 12، 1/ 469.
(2)- فرائد الأصول: ص 140 سطر 7، 1/ 468.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 133
كون الأكبر من لوازم الأوسط عقلا، و امّا إحراز تحقّق ذات الأصغر، أو كونه مصداقا للأوسط بحكم العقل، فلا مدخلية له في الاتّصاف.
نعم، إذا كانت الصغرى سمعية يعدّ الدليل من العقليّات الغير المستقلّة.
و كيف كان، فقد عرفت أنّ كون الظّن حجّة في الجملة لا يجدي في مقام العمل، و إنّما المجدي تعيين ما هو الحجّة حتّى يتّصف فعلا بالحجّية، و هذا لا يكون في الفرض إلّا بالإجماع، فنقول عند ترتيب القياس إذا كان الظّن حجّة في الجملة، كان الظّن الفلاني مثلا، أو مطلق الظّن حجّة إجماعا، لكن المقدّم ثابت عقلا، فمطلق الظّن أو الظّن الفلاني حجّة بالفعل إجماعا، فالدليل على إثبات حجّية الظّن بالفعل ليس إلّا الإجماع، و هذا بخلاف تقرير الحكومة، فإنّ الحاكم بحجّية الظن بالفعل على تقدير انسداد باب العلم، و عدم كون البراءة أو الاحتياط مرجعا ليس إلّا العقل، و قد أشرنا إلى أنّ إحراز انسداد باب العلم، أو عدم كون الاحتياط و البراءة مرجعا بأيّ طريق كان، لا مدخلية له في تسمية الدليل عقليا، فحكم العقل بكون الظّن حجّة في الجملة- على تقدير الكشف- طريق لإحراز المقدّم في القياس الاستثنائي، فلا مدخلية له في الاتّصاف، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: فتأمّل‏ «1».
أقول: لعلّه إشارة إلى أنّ حجّية هذا الظّن المتيقّن الاعتبار بخصوصه لم يثبت في الفرض بدليل الانسداد، و إنّما دلّ دليل الانسداد على أنّ لنا حجّة في الجملة، و هو لم يجد في حجّية هذا الظّن بالفعل، كما تقدّمت الإشارة إليه، فلم يثبت اعتبار هذا الظّن بدليل الانسداد، فليتأمّل.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 141 سطر 2، 1/ 472.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 134
قوله قدّس سرّه: فتأمّل‏ «1».
أقول: لعلّه إشارة إلى أنّ التعدّي إلى المتيقّن بالإضافة لا ينفع في إزالة أثر العلم الإجمالي المفروض كما هو ظاهر.
هذا مع جريان مثل هذا الكلام في نفس المتيقّن، بالإضافة للعلم الإجمالي بتقييدها و تخصيصها في الجملة، كما لا يخفى.
قوله قدّس سرّه: إذ لا يستحيل أن يعتبر الشارع في حال الانسداد … الخ‏ «2».
أقول: يمكن التفصّي عن ذلك بما وجّهنا به كاشفية العقل، عن كون الطريق المنصوب من افراد الظّن دون غيره، بدعوى أنّه لو كان الطريق المنصوب غير الظّن القويّ الذي يدرك العقل طريقته، لوجب على الشارع بيانه، دون ما إذا كان المنصوب ما يدركه العقل، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: فتأمّل‏ «3».
أقول: لعلّه إشارة إلى أنّ دليل الانسداد- على تقدير الكشف- طريق للعلم بثبوت طريق واقعي منصوب في حال الانسداد، لا مقيّدا بحال الانسداد، فالظنّ بكونه طريقا، واقعيّا مطلقا يستلزم الظّن بطريقيته في حال الانسداد، فيظنّ بأنّه هو الطريق الذي علم كونه منصوبا بدليل الانسداد.
قوله قدّس سرّه: فانّ الأوّل محال لا قبيح‏ «4».
أقول: هذا فيما إذا كان الموجد موجبا لا مختارا، و إلّا فكالثاني، فانّ ملاك الفرق‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 142 سطر 5، 1/ 475.
(2)- فرائد الأصول: ص 142 سطر 9، 1/ 475.
(3)- فرائد الأصول: ص 144 سطر 5، 1/ 480.
(4)- فرائد الأصول: ص 146 سطر 13، 1/ 486.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 135
مدخليّة العزم و الاختيار في فاعليّة الفاعل، فإن كان مختارا في فعل كإلزام الغير بعمل، أو إيجاده مباشرة، فارتكبه لبعض دواعيه النفسانيّة الغير المقتضية له في نظر العقل أو العقلاء، فقد فعل فعلا قبيحا يستحق عليه المذمّة لدى العقلاء.
و امّا إذا كان الفاعل موجبا، فيمتنع صدور الترجيح منه من دون اجتماع شرائط التأثير، و معه يجب، فلا يوصف فعله بالقبح، و يستحيل الترجيح منه بلا مرجّح، و كذلك الكلام بالنسبة إلى أثر الفاعل المختار بالنظر إلى جهاته الخارجة عن اختياره، و قد اشير بقولنا «فارتكبه لبعض دواعيه النفسانيّة» إلى أنّ الترجيح بلا مرجّح على الإطلاق- حتّى في نظر الفاعل بوجه من الوجوه، كما زعمه الأشاعرة القائلون بجوازه- غير معقول، لرجوعه إلى الترجيح بلا مرجّح، فهو محال.
قوله قدّس سرّه: فتأمّل‏ «1».
أقول: لعلّه إشارة إلى ابتناء المدّعى على عدم الفرق بين المسائل الاصوليّة و الفرعيّة، في اعتبار القدر المتيقّن بالنسبة إليهما، و فيه كلام سيأتي.
قوله قدّس سرّه: و من المعلوم أنّ العمل بها لأجل ذلك … الخ‏ «2».
أقول: في العبارة إشعار باقتضاء العلم الإجمالي للعمل بمشكوكات الاعتبار التي هي من أطراف العلم الإجمالي. و أنت خبير بأنّ مقتضاه الاحتياط في أطراف الشبهة، بالأخذ بما هو الأحوط من الظنون المظنونة الاعتبار، و ما يخالف ظواهرها من مشكوكات الاعتبار.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 146 سطر 25، 1/ 488.
(2)- فرائد الأصول: ص 149 سطر 22، 1/ 496.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 136
قوله قدّس سرّه: الثالث من طرق التعميم … الخ‏ «1».
[أقول:] توضيح الاستدلال إنّه بعد أن علم إجمالا بوجود طريق منصوب كاف فيما بأيدينا من الامارات، يجب بحكم العقل الاحتياط في جميعها، تحصيلا للجزم بسلوك الطريق المنصوب. و قد أشرنا في بعض التعليقات المتقدّمة أنّ فائدة الاحتياط في الامارات، جواز الرجوع إلى الاصول في الموارد الخالية عنها، مثلا إذا علمنا إجمالا بحرمة شاة في قطيع غنم يبلغ مجموعها عشرة، فمقتضى الاحتياط اللازم وجوب التحرّز عن الكلّ، و لكنّه لو نصب الشارع طريقا تعبّديا لتعيين الحرام، و قام على حرمة واحد معيّن على وجه أثّر في زوال أثر المعلوم بالإجمال، بأن كان مؤدّاه حرمة ذلك الفرد، من زمان سابق على الزمان الذي علم بحرمة بعضها إجمالا، فيرجع فيما عدا ذلك الفرد إلى أصل الإباحة، فإذا اشتبه هذا الطريق المنصوب بين امارات قامت كلّ واحدة منها على حرمة واحدة من تلك الأغنام، يجب الاحتياط بالنسبة إلى مؤدّيات الامارات، و يرجع فيما عداها إلى أصل الإباحة، كما لا يخفى وجهه.
و لكن يتوجّه على هذا الوجه من التعميم، أنّه يتمّ ما لم يعارض الاحتياط في المسألة الاصولية أصلا مثبتا للتكليف من الاستصحاب، و قاعدة الاحتياط- في الموارد التي نلتزم فيها بوجوب الاحتياط، كأطراف الشبهة المحصورة- فانّه لا يجوز رفع اليد عن الاصول المعتبرة المثبتة للتكليف، لأجل قيام امارة غير معلومة الاعتبار على خلافها.
و امّا ما قرع سمعك من تقديم الاحتياط في المسألة الاصولية على الاحتياط في المسألة الفرعية، فانّما هو في مثل المثال المتقدّم ممّا يوجب الاحتياط في المسألة
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 150 سطر 8، 1/ 497.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 137
الاصولية ارتفاع أثر الحكم المعلوم بالإجمال، و جعل ما عدا مورد الامارات كالشكوك الابتدائية، فلاحظ و تدبّر.
قوله قدّس سرّه: و امّا دعوى أنّه إذا ثبت جواز العمل بكل ظنّ … الخ‏ «1».
أقول: حاصلها إنّه إذا جاز العمل بالشهرة مثلا في مورد من الموارد، جاز العمل بها مطلقا، لعدم القول بالفصل.
و فيه: إنّ جواز العمل بها في مقابل البراءة لأجل مراعاة الاحتياط بالنسبة إلى الطريق المنصوب، لا يقتضي جواز العمل بها في مقابل سائر الاصول المثبتة للتكليف.
و دعوى عدم القول بالفصل حسنة، على تقدير ثبوت حجّيّتها في بعض الموارد، لا مجرّد تطبيق العمل عليها من باب الاحتياط، كما لا يخفى.
قوله قدّس سرّه: ما يحتمل أن يكون واجب الارتكاب‏ «2».
أقول: ينبغي تقييد محتمل الوجوب بما إذا كان من أطراف واجب معلوم بالإجمال، و إلّا فمجرّد الاحتمال لا يؤثّر في جواز الفعل مع كونه من محتملات الحرام المعلوم، كما لا يخفى.
قوله قدّس سرّه: فيثبت وجوب العمل بمطلق الظّن، و وجوب الرّجوع في المشكوكات إلى مقتضى الأصل … الخ‏ «3».
أقول: لزوم العسر من الاحتياط في المشكوكات، مقتضاه عدم رعاية
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 151 سطر 12، 1/ 500.
(2)- فرائد الأصول: ص 152 سطر 22، 1/ 504.
(3)- فرائد الأصول: ص 153 سطر 10، 1/ 506.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 138
الاحتياط فيها، و جواز ارتكاب مشكوك الحرمة، و ترك مشكوك الوجوب، لا إلغاء أثر العلم الإجمالي، كي يصير الاصول الجارية فيها من حيث هي حجّة، و إلّا ففي الموهومات أيضا يكون الأمر كذلك، فكيف يرفع اليد عن الاصول المثبتة للتكليف بالظنّ المخالف له، بعد فرض عدم حجّية ذلك الظّن؟
فبذلك يظهر أنّ ما ذكره من المساواة بين القول بحجّية الظّن، و القول بتبعيض الاحتياط- بعد فرض استلزام الاحتياط في المشكوكات الحرج- لا يخلو عن مناقشة، فانّه على تقدير حجّية الظّن يصير الاصول الجارية في المشكوكات حجّة في مجاريها، و في الموهومات ساقطة عن الاعتبار، لأجل قيام الدليل على خلافها.
و امّا على تقدير تبعيض الاحتياط:
فإن قلنا بأنّ العسر موجب لإلغاء أثر العلم الإجمالي في مواقع العسر، و صيرورتها بمنزلة الشكوك البدوية في كونها مجاري للاصول، فلا يتفاوت الحال في ذلك بين المشكوكات و الموهومات، فكما لا يجوز مخالفة الاصول المثبتة للتكليف في المشكوكات، كذلك لا يجوز مخالفتها في الموهومات.
و إن لم نقل بذلك، فلا يتفاوت الحال في مشكوكات أيضا كالموهومات، بين أن يكون مقتضى الأصل الجاري فيها من حيث هي ثبوت التكليف أو عدمه.
اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ مقتضى لزوم العسر من الاحتياط، إلغاء أثر العلم الإجمالي المقتضي له، و الرجوع إلى الاصول الجارية في الموارد من حيث هي، و لكن الاعتناء بالاحتمالات الموهومة، الموجبة للرجوع إلى الاصول الجارية فيها، مستلزم للحرج، مع أنّ الرجوع إلى الاصول المخالفة للظنّ ممّا يعلم إجمالا بمخالفة كثير منها للواقع، فتسقط الاصول بالنسبة إليها عن الاعتبار، و هذا بخلاف المشكوكات، فانّه لا يعلم بمخالفة الاصول الجارية فيها للواقع، فليتأمّل.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 139
قوله قدّس سرّه: فلو فرض عدم حصول الظّن بالصدور … الخ‏ «1».
أقول: هذا إذا لم يعلم إجمالا بمخالفة هذا الظاهر للواقع في كثير من الأخبار، و إلّا فيسقط الظهور عن الاعتبار، كما أنّ حجّية ظواهر الأخبار بالخصوص مبنيّ على أن لا يعلم إجمالا بإرادة خلاف الظاهر منها في كثير من الموارد، فكثرة الأخبار التي يطمئن بصدورها غير مجدية، إلّا على هذا التقدير.
قوله قدّس سرّه: فلا أرى الظّن الاطمئناني الحاصل من الأخبار … الخ‏ «2».
أقول: عدم كونها أقل عددا من تلك لا يستلزم اندفاع العسر، و إن قلنا بكفاية الأخبار المصحّحة بعدلين في الفقه، بحيث يرجع في موارد فقدها إلى الاصول، لأنّ العمدة فيما يندفع به العسر إنّما هو الأخذ بالقواعد الكلية النافية للتكليف، كأصالة البراءة و قاعدتها، و قاعدة الحلّ و الاباحة و الطهارة، فعلى القول بحجّية الأخبار المصحّحة بعدلين، يرجع في جميع هذه الموارد إلى الاصول النافية للتكليف، و على تقدير تبعيض الاحتياط يجب الاحتياط في الجميع، إلّا إذا اطمئن بنفي التكليف فيها بالخصوص، لا بعنوان كونها مشكوكة الحكم، و امّا بهذا العنوان فهو ظنّ في مسألة اصولية لم يعلم حجّيته، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: فإنّ ادعاء ذلك ليس كل البعيد «3».
أقول: بل قريب جدّا، لأنّ علمنا الإجمالي بثبوت التكاليف نشأ ممّا علم بالضّرورة من الدين، من اشتراكنا مع الحاضرين في زمان النبي صلّى اللّه عليه و آله و الأئمّة عليهم السّلام في‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 153 سطر 18، 1/ 507.
(2)- فرائد الأصول: ص 153 سطر 24، 1/ 508.
(3)- فرائد الأصول: ص 154 سطر 19، 1/ 510.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 140
تكاليفهم، و كونهم مكلّفين بأزيد ممّا وصل إليهم و أخبروا به غير معلوم و كونهم مخبرين بتكاليف لم تتضمنها الأمارات الواصلة إلينا غير معلوم، بل لا يبعد دعوى الظّن بعدمه، و اللّه العالم.
قوله قدّس سرّه: لأنّ المعلوم إجمالا صار معلوما بالتفصيل … الخ‏ «1».
أقول: قد أشرنا مرارا، و سيأتي تحقيقه في مبحث أصل البراءة، إلى أنّ قيام الأمارة المعتبرة على حرمة بعض القطع، لا يؤثّر في انحلال العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي و شكّ بدوي، بخلاف ما لو حصل له علم تفصيلي بحرمة البعض، فانّه يؤثّر في الانحلال أحيانا لا مطلقا، كما سينبّه عليه المصنّف قدّس سرّه في الشّبهة المحصورة، و لكن قيام الأمارة يؤثر في إلغاء أثر العلم الإجمالي، و صيرورته بمنزلة ما لو انحلّ في عدم اقتضائه لوجوب الاحتياط، لأنّه إذا قامت البيّنة مثلا على كون بعض القطيع محرّما، يصير ذلك بمنزلة ما لو شهدت البيّنة بذلك قبل حدوث العلم الإجمالي، و ستعرف في محلّه أنّه إذا كان الأمر كذلك لا يؤثّر العلم الإجمالي في وجوب الاحتياط، فالتعبير بصيرورته معلوما بالتفصيل مسامحة.
قوله قدّس سرّه: نعم بعض من وافقنا واقعا أو تنزلا في عدم الفرق في النتيجة … الخ‏ «2».
أقول: لا مناص عن الالتزام بحجّية الظن المانع على المختار، من عدم الفرق بين الظّن المتعلّق بالمسائل الاصولية و الفرعية، لأنّ المناط في حكم العقل إنّما هو الظّن بتفريغ الذمّة عمّا هو المكلّف به فعلا في مقام العمل، بحيث لا يكون المكلّف معذورا
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 155 سطر 20، 1/ 513.
(2)- فرائد الأصول: ص 162 سطر 12، 1/ 533.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 141
من قبله، غاية الأمر إنّا بنينا في ردّ من زعم اختصاص النتيجة بالظنّ في المسألة الاصولية، أنّ الظّن باداء الواقع لا ينفكّ عن الظّن ببراءة الذمّة، و خروج المكلّف عن عهدة التكاليف الواقعية، كما أنّ القطع بادائها لا ينفكّ عن القطع بتفريغ الذمّة.
و ليس التكليف بسلوك الطرق الظنّية تكليفا آخر في عرض الواقعيّات، حتّى يعتبر الظّن بسلوك ما هو المنصوب شرعا.
و كيف كان فنقول في هذا المقام: إنّه إذا نهى الشارع عن العمل بالقياس، و حصل الظّن من القياس بحكم فرعيّ توصّلي، فلو عملنا بالقياس فلا محالة نظنّ ببراءة ذمّتنا عن التكليف الواقعي، و لكنّا نقطع بعدم رضا الشارع بعملنا، و عدم كوننا معذورين على تقدير التخلّف، و هذا بخلاف ما لو تركنا العمل بالقياس اعتمادا على نهي الشارع، فانّا نقطع بكوننا عاملين بما هو تكليفنا في مرحلة الظاهر، و أنّه لا يترتّب على مخالفة الواقع المظنون مفسدته، و من المعلوم أنّ العقل في مثل المقام لا يلاحظ الواقع أصلا، و إنّما يلزم المكلّف بترك العمل بالقياس لما فيه من القطع بالسّلامة، هذا إذا كان النهي قطعيّا.
و امّا إذا كان ظنّيا، فيظنّ بإدراك الواقع بسلوكه، و لكنّه يظنّ بأنّ الشارع لا يرضى بهذا العمل، و يظنّ بأنّ رضا الشارع في عدم الاعتناء، و أنّ مفسدة فوته عند عدم الاعتناء متداركة، و من المعلوم أنّ المناط لدى العقل في باب الإطاعة إنّما هو الإتيان بما فيه رضا الشارع في مقام العمل، من دون التفاته إلى المصلحة و المفسدة أصلا، فإذا ظنّ بأنّ تكليفه الفعلي هو ترك الاعتناء بامارة في حال الانسداد، لا يلتفت العقل إلى كون الحكم الواقعي مظنونا، لأنّ تنجّزه في حقّه موهوم، و المدار عليه لا على الواقعيّات من حيث هي، و لذا لم يرخّصنا العقل في الاعتناء بما نعلم كونه منهيّا عنه، و لو سمح في ذهنك بعض الإشكالات فمنشؤه إنّما هو الإشكال في توجيه أصل النهي عن الامارة في حال الانسداد، و قد فرغنا عن هذا الإشكال‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 142
و وجّهناه بالنسبة إلى القياس، و حيث تعلقها بأصل المطلب، فكما أنّ النهي إذا صار قطعيّا يوجب القطع بالحكم الظاهري الفعلي، و عدم ملحوظية الواقع، كذلك الظّن به يوجب الظّن بذلك، و المدار في باب الإطاعة و المعصية على التكليف الفعلي، فلاحظ و تدبّر.
قوله قدّس سرّه: و فيه أوّلا إنّه لا يتمّ … الخ‏ «1».
أقول: التفكيك بين امارة متّحدة بالجنس بعيد، إذا كان اعتبارها بالتعبّد الشرعي، و امّا إذا كان الحاكم بحجّيتها العقل، فقد تقدّم غير مرّة أنّه لا مدخلية للأسباب المفيدة للظّن من حيث هي في ذلك، فلو قلنا بأنّ العقل لا يحكم إلّا بحجّية الظّن المانع دون الممنوع، لا يتفاوت في حكمه بين كونهما من جنس امارة واحدة، بل لا مانع من التفكيك في مفاد فرد من أفراد الشّهرة إذا لم يقتض الدليل العقلي إلّا حجّيتها في بعض مفادها، كما لا يخفى.
قوله قدّس سرّه: معارضة بانّا لا نجد من أنفسنا القطع … الخ‏ «2».
أقول: ما ذكره قدّس سرّه من عدم القطع بعد حصول الامتثال، منشؤه أنّ دليل الانسداد يقتضي كفاية الامتثال الظنّي، فحيثما حصل من الشّهرة الظّن بعدم اعتبار الأولوية، يظنّ بأنّ الأفعال الصادرة منّا، الناشئة من عدم الاعتناء بالأولوية مرضية لدى الشارع، و لكنّا نحتمل أن يكون رضاء الشارع في العمل بمؤدّى الأولوية، فلو عملنا بالأولوية لا يحصل لنا القطع بأنّ الشارع لا يرضى بفعلنا، إذ ليس عدم اعتبارها قطعيّا بل نظنّ بذلك، و حيث أنّ مفاد دليل الانسداد وجوب‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 162 سطر 24، 1/ 534.
(2)- فرائد الأصول: ص 163 سطر 7، 1/ 535.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 143
العمل بما يظنّ بأنّ فيه رضا الشارع دون العمل بما يظنّ بأنّ رضا الشارع في طرحه يتعيّن الأخذ بالأوّل و طرح الثاني فيكون دليل الانسداد موجبا للقطع بمعذورية المكلّف في عدم الاعتناء باحتمال كون علمه مخالفا لما هو تكليفه في مرحلة الظاهر عند كون الاحتمال موهوما كما في الفرض لا القطع بعدم حصول الامتثال عند العمل بالاحتمال الموهوم، فليتدبّر.
قوله قدّس سرّه: ثمّ إنّ الدليل العقلي … الخ‏ «1».
أقول: بمنزلة التفريع على ما تقدّم، فكأنّه بعد أن ادّعى عدم القطع باندراج شي‏ء منهما بالخصوص في موضع حكم العقل، أراد أن يبيّن ما هو المعيار في تشخيص المصاديق التي يستقل بحكمها العقل.
و حاصله: أنّ العقل لا يحكم بشي‏ء إلّا بعد تشخيص موضوعه، فلا يعقل تردّده في حكمه، فالتردّد في حكم المصداق دليل على خروجه عن الموضوع الذي يستقل العقل بحكمه.
قوله قدّس سرّه: إلّا أن يقال إنّ القطع بحجّية المانع … الخ‏ «2».
أقول: لما يفرّق بين ما نحن فيه و بين مسألة الاستصحاب، أراد أن يصحّح التشبيه بدعوى أنّ دخول الظّن المانع عين خروج الممنوع، فإذا لاحظنا الظّن المانع، فليس الظّن الممنوع فردا آخر بالنسبة إلى العامّ، و امّا إذا لاحظنا الظّن الممنوع، فالظنّ المانع فرد آخر يلزم خروجه عن موضوع الحكم- بسبب دخول الممنوع- و من القاعدة المقرّرة أنّ كلّ فرد يستلزم دخوله خروج فرد آخر، فهو بنفسه ليس‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 163 سطر 9، 1/ 535.
(2)- فرائد الأصول: ص 163 سطر 15، 1/ 535.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 144
بفرد للعام، فهذا المعنى بالنسبة إلى الظّن الممنوع محقّق دون المانع، فمن هنا ينقدح الخدشة فيما ذكره ثانيا، من أنّ الظّن المانع إنّما يكون على فرض اعتباره دليلا على عدم اعتبار الممنوع، حيث أنّ فرض اعتباره بنفسه عبارة اخرى عن فرض عدم اعتبار الممنوع، لا أنّه دليل عليه، فقوله «إلّا أن يقال» استثناء عمّا ذكر، و مقتضاه اندفاع المناقشة الثانية.
و لكنّك خبير بأنّ مادّة الإشكال لا تنحسم بذلك بعد، إذ ادّعى عدم القطع بشمول حكم العام للظنّ المانع، لما عرفت من أنّ الترديد و التشكيك في موضع حكم العقل غير معقول، و لذا قال «فالأولى أن يقال … الخ».
أقول: يرد على هذا القول أوّلا:
المعارضة بمثل ما ذكره في الإيراد على القول بحجّية الظّن المانع، من أنّه إذا حصل من الأولوية ظنّ بوجوب شي‏ء، و كان مقتضى الأصل حرمة ذلك الشي‏ء، فلو عملنا بالأولويّة، لا يحصل لنا القطع بالخروج عن عهدة ما هو تكليفنا- بعد فرض حصول الظّن من الشهرة بعدم اعتبارها- و إن كان الظّن الحاصل من الشهرة أضعف من ظنّ الوجوب الحاصل من الأولويّة و إنّما فرضنا المثال من قبيل دوران الأمر بين المحذورين، حتّى تمتاز الحجّة عن غير الحجّة، إذ لو لم يكن الأمر دائرا بين المحذورين، بل كان أحدهما موافقا للاحتياط، لكان العمل به موجبا للقطع بفراغ الذمّة، سواء كان هو الظّن المانع أو الممنوع، لا من حيث كونه عملا بالظنّ، بل لموافقته للاحتياط.
و ثانيا: إنّ ما ذكره قدّس سرّه لو تمّ، فانّما هو على تقدير انحصار الوجه في توجيه خروج القياس باشتماله على المفسدة، و قد عرفت منه المناقشة في هذا الوجه، و أنّ العمدة في توجيه خروج القياس هو الوجه السابع، فلا يستلزم الظّن بالمنع الظّن بالمفسدة، حتّى يتفرّع عليه ما ذكره.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 145
قوله قدّس سرّه: فيدور الأمر بين المصلحة المظنونة و المفسدة المظنونة «1».
أقول: و لكن الفرق بينهما أنّ المصلحة المظنونة يظنّ تداركها، و عدم ترتّب مفسدة على المكلّف في فوتها. و أمّا المفسدة المرتّبة على سلوك الطّريق الذي يظنّ منع الشارع عنه، فلا يظنّ تداركها. و من المعلوم أنّه عند الدوران مراعاة الثاني أولى بنظر العقل، لأنّ احتمال ترتّب المفسدة على فوت الواقع موهوم، و على سلوك الطريق مظنون كما هو ظاهر.
قوله قدّس سرّه: فيلاحظ مرتبة هذا الظّن‏ «2».
أقول: بعد تسليم المقدّمات، و دوران الأمر بين المصلحة المظنونة و المفسدة المظنونة، التحرّز عن المفسدة أولى من جلب المصلحة، إلّا أن تكون المصلحة ملزمة، فيكون في فوتها مفسدة، فحينئذ لا بدّ من مراعاة نفس المفسدتين أيضا، لا مجرّد كون الظّن المتعلّق بإحداهما أقوى، إذ ربّما تكون مفسدة إحداهما أشدّ، بحيث يلزم العقل بالتحرّز عنه عند الدوران، و إن كان احتماله أضعف من الآخر.
هذا كلّه بعد الإغماض عن أنّ الملحوظ في حكم العقل بالنسبة إلى الأحكام الشرعيّة أوّلا و بالذات إنّما هو الطّاعة و المعصية، لا المصالح و المفاسد التي هي من خواصّ الأفعال.
و قد عرفت أنّه إذا كان مناط حكم العقل لزوم تحصيل ما فيه رضا الشارع، فلا محالة يقدّم الظّن المانع، حيث أنّه يظنّ فيه برضا الشارع، و أنّه هو تكليفه الفعلي، و إن ظنّ بكونه موجبا لفوات المصلحة الواقعية، و اللّه العالم.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 163 سطر 21، 1/ 536.
(2)- فرائد الأصول: ص 163 سطر 22، 1/ 536.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 146
[المقصد الثالث فى الشك‏]
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه ربّ العالمين، و الصّلاة و السّلام على خير خلقه محمد و آله الطاهرين، و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.
[في أصل البراءة]
قوله قدّس سرّه: أ لا ترى إنّه لا معارضة و لا تنافي بين كون حكم شرب التتن …
الخ‏ «1».
أقول: عدم التنافي و التعارض بين إباحة الشي‏ء في حال الجهل ظاهرا، و حرمته أو وجوبه في الواقع مسلّم، إلّا أنّ كون وجهه أخذ الشّك في موضوع الحكم الظاهري غير مسلّم، إذ لا يرتفع التنافي و التعارض بين الدليلين بمجرّد اعتبار قيد في موضوع أحد المتعارضين، من دون تقييد موضوع الآخر بعدم هذا القيد، ضرورة تحقّق التنافي بين قولك «أكرم جميع العلماء» و «لا تكرم العالم الفاسق» ما لم يتقيّد
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 191 سطر 6، 2/ 11.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 147
موضوع وجوب الإكرام بما عدا الفاسق.
و حيث أنّ المفروض عدم اختصاص الأحكام الواقعية بالعالمين بها، فلا محالة تجتمع الحرمة الواقعيّة- على تقدير ثبوتها لشرب التتن في الواقع- مع الإباحة الظاهرية في حقّ من جهل حكمه، فلا بدّ في دفع التنافي من الالتزام بعدم التضادّ بين الحكمين، إذا كان أحدهما منجزا و الآخر غير منجّز، لا بكون موضوع أحدهما مقيّدا بالجهل، إذ لا أثر لذلك في رفع التنافي، بعد تسليم إطلاق الموضوع في ذلك الآخر.
نعم، تقييد موضوع أحدهما إنّما يؤثّر في خروج ما عدا مورد وجود القيد عمّا يتوهّم فيه المعارضة، كما أنّه يؤثّر في كون إطلاق تخصيص الأصل بالدليل و نظائره مسامحة في التعبير، و إنّما الإشكال في المقام إنّما هو في تصوّر الإباحة الظاهرية و الحرمة الواقعية في موضوع واحد، إذ كيف يعقل اجتماع طلب ترك الشي‏ء طلبا حتميّا، مع الرخصة في ارتكابه في مقام العمل؟
و كيف يجوز للشارع الحكيم أن يرخّصنا في ارتكاب ما فيه المفسدة؟
و كيف يمكن أن يوجب ارتكاب ما يبغضه ذاتا لو كان مؤدّى الاستصحاب وجوبه؟ بل كيف لم يوجب علينا الاحتياط في موارد الجهل، مع أنّ في ترك إيجابه التفويت لما تعلّق به غرضه؟
و ينحلّ الإشكال بالالتزام بأحد امور على سبيل منع الخلوّ:
أحدها: أن نلتزم بأنّ الأحكام الظاهرية من قبيل الأعذار العقليّة، و الشارع إنّما أمضاها لمصلحة، و لم يوجب الاحتياط و مراعاة الواقع لما في إيجاب الاحتياط من المفسدة.
و هذا الجواب مع أنّه خلاف التحقيق، لا يتمشّى إلّا في بعض الموارد، كموارد أصل البراءة و التخيير، دون الموارد التي أمرنا فيه بالأخذ بالحالة السابقة، كما لا يخفى.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 148
الثاني: أن يكون الأحكام الظاهرية في حدّ ذاتها مشتملة على مصلحة غالبة على مفسدة فوت الواقع أحيانا، كما لو كان تصديق العادل، أو الأخذ بالحالة السابقة، أو الترخيص في المشكوكات، و التوسعة على المكلّف في حدّ ذاته راجحا، لكن لا في كلّ مورد مورد بحيث يكون الحرام الذي أخبر العادل بوجوبه، مصلحة فعله بلحاظ جهة المعارضة له، أقوى من تركه، حتّى يلزمه التصويب، بل بلحاظ كون نفس تصديق العادل، على سبيل الإطلاق، مصلحته أقوى من مفسدة مخالفة الواقع، في صورة التخلّف، ففي خصوص مورد المخالفة ليست مصلحته قابلة لمزاحمة مفسدته الذاتية، لكن لو لوحظ هذا العنوان من حيث هو، فهو شي‏ء فيه خير كثير و شرّ قليل بلحاظ موارد التخلّف، فيجوز الأمر به.
الثالث: أن لا يكون فيها في حدّ ذاتها مصلحة، و لكن في ترك جعلها مرجعا و طريقا للمكلّف، و إلزامه بإحراز الأحكام الواقعية بالاحتياط، أو غيره من الطرق العلمية، مفسدة غالبة على مفسدة مخالفة الواقع، ككونه حرجا أو موجبا لحرمان المكلّف عن بعض الفيوضات التي لا يمكن إحرازها مع تحصيل العلم بالأحكام الواقعية، و الاحتياط في موارد الشبهة.
الرابع: أن لا يكون فيها في حدّ ذاتها مصلحة، و لا في ترك جعلها طريقا مفسدة، و لكن إصابتها للواقع أكثر من خطائها، فحينئذ يجوز الأمر بسلوكها، لكون خيرها أكثر من شرّها، و لكن عند انسداد باب العلم و تعذّر الاحتياط.
و لتمام الكلام فيما يتوجّه على هذه الوجوه من النقض و الإبرام مقام آخر، و قد تقدّم بعض الكلام في ذلك في أوائل مبحث حجّية الظّن، فراجع.
و اعلم أنّ المناقشة في عبارة المصنّف بما ذكر هي التي سنحت بخاطري سابقا، و لكن يتوجّه عليه أنّ تقييد موضوع أحد المتعارضين بحال الشّك، ليس كتقييده بسائر القيود في عدم الجدوى به في رفع المعارضة، ما لم يتقيّد موضع الآخر بما عدا
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 149
مورد القيد، فإنّ التقيّد بالشكّ، كما يجعل موضوع ما تقيّد به أخصّ من موضوع الآخر، كذلك يدلّ على أنّ حكمه حكم ظاهري متأخّر عن الحكم المجعول لذلك الشي‏ء من حيث هو في الرتبة، و التنافي إنّما يندفع بمجموع هذين الأمرين، حيث أنّه لدى تنجّز الحكم الواقعي- أي العلم به- لا موقع للأصل، و بدونه لا منافاة بين الحكمين، لاختلافهما في الرتبة، فقوله قدّس سرّه: «أ لا ترى … الخ» كأنّه إيكال إلى البديهة فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: لمناسبة مذكورة في تعريف الفقه و الاجتهاد «1».
أقول: الأولى أن يعبّر هكذا «لمناسبتهما لما ذكر في تعريف الفقه و الاجتهاد»، لأنّ نفس المناسبة من حيث هي غير مذكورة في تعريفهما، بل ما ذكره في تعريفهما يناسب هذين القيدين كما لا يخفى.
قوله قدّس سرّه: بناء على كونه حكما ظاهريّا … الخ‏ «2».
أقول: و كذلك لو قلنا بأنّه قاعدة عقلائيّة، ثبت التعبّد به من باب بناء العقلاء، لا لأجل إفادته الظّن، كما سيتّضح لك في مبحث الاستصحاب تحقيقه.
قوله قدّس سرّه: و في دلالتها تأمّل ظاهر «3».
أقول: فإنّ المقصود بها- على ما يظهر منها- أنّ غلبة المسلمين على الكفّار مع قلّة المسلمين و ضعفهم لم تكن إلّا من اللّه تعالى، على خلاف ما يقتضيه الأسباب‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 191 سطر 2، 2/ 10.
(2)- فرائد الأصول: ص 192 سطر 6، 2/ 13.
(3)- فرائد الأصول: ص 192 سطر 13، 2/ 25.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 150
العادية، ليظهر الحقّ بهذه المعجزة، و يهلك من هلك عن بيّنة، و يحيي من حيّ عن بيّنة، فهي أجنبية عن المقام، كيف و لو جاز الاستدلال بها للمقام، لجاز الاستدلال بفقرتها الثانية، لعدم جواز الارتكاب إلّا عن بيّنة و علم، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: و لكنّ الإنصاف أنّ غاية الأمر … الخ‏ «1».
أقول: بل الإنصاف عدم قصور الآية عن إثبات المدّعى، لورود الآية تعريضا على من لم يعترف بنبوّته صلّى اللّه عليه و آله و وحيه صلّى اللّه عليه و آله أي اليهود، حيث حرّموا على أنفسهم بعض ما رزقهم اللّه، و من المعلوم أنّ كون ما حرّموه معلوم الإباحة لدى النبي صلّى اللّه عليه و آله، لا يجدي في مقام المحاجّة و إسكات اليهود، و إنّما أورد عليهم بأنّ هذا الذي حرّمتموه على أنفسكم ممّا لا يعلم حرمته، فالتزامكم بحرمته افتراء على اللّه، و التعبير عن هذا المعنى بما عبّر مع أنّ اليهود يجحدون كونه صلّى اللّه عليه و آله ممّن يوحى إليه، لعلّه للتنبيه على أنّ هذا هو طريقه الذي يعرف به الأحكام الإلهية، و عدم تسليم الخصم له غير ضائر في الاحتجاج كما لا يخفى.
و يشهد لما ذكر الآيات المتقدّمة على هذه الآية، كما انّه يتمّ بها بنفسها الاستدلال للمطلوب، و هي قوله تعالى: كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَ لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ* ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَ مِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* وَ مِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَ مِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ* قُلْ لا أَجِدُ … الخ‏ «2» فانّ‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 194 سطر 20، 2/ 26.
(2)- سورة الأنعام: آية 142 لغاية 145.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 151
هذه الآيات كادت تكون صريحة في توبيخهم بتحريمهم على أنفسهم ما لم يعلموا حرمته.
و لا ريب أنّ حال اليهود في زمان النبي صلّى اللّه عليه و آله كان أسوأ من حالنا في هذه الأزمنة من حيث اندراس دينهم، و انطماس كثير من أحكامهم، فالاعتراض على الاستدلال بما سيذكره المصنّف قدّس سرّه غير وجيه.
ثمّ لا يخفى عليك انّ قوله تعالى: كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ* إلى آخر الآيات، تدلّ على إباحة أكل ما لم يعلم حرمته، و عدم وجوب التوقّف و الاحتياط، فلو دلّ دليل على وجوب التوقّف و الاحتياط، لكان معارضا لهذا الظاهر، لا واردا عليه، و اللّه العالم.
قوله قدّس سرّه: أمكن أن يقال أثر حرمة شرب التتن مثلا … الخ‏ «1».
أقول: فعلى هذا لا بدّ من تقدير هذا الأثر على وجه يناسب إرادة العموم من كلمة «ما» للشبهة الموضوعية و الحكمية، بأن يقال مثلا رفع عن امّتي سببية الشي‏ء الذي لا يعلمونه للمؤاخذة.
قوله قدّس سرّه: لكنّ الظاهر بناء على تقدير المؤاخذة «2».
أقول: يعني بناء على أن يكون المؤاخذة هي الأثر الظّاهر ل «ما لا يعلمون» كاخواته، فالظاهر كونها مقدّرة في الجميع على نسق واحد، فيكون هي بنفسها متعلّقة للرفع و منسوبة إلى نفس المذكورات، فيختصّ بالشبهة الموضوعية.
و محصّل مرامه كما فصّله بقوله «و الحاصل … الخ»:
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 195 سطر 18، 2/ 28.
(2)- فرائد الأصول: ص 195 سطر 18، 2/ 29.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 152
إنّه لمّا تعذّر حمل رفع هذه الأشياء على حقيقته، وجب حمله على إرادة الرفع الحكمي، فالمراد بها إمّا تنزيل متعلّقاتها منزلة العدم رأسا، أي بالنظر إلى جميع آثارها، و هذا أقرب إلى معناه الحقيقي، أو بلحاظ ما يقتضيها من المؤاخذة عليها، أو في كلّ منها بالنسبة إلى الأثر الظاهر فيه؟
و حيث أنّ المؤاخذة هي الأثر الظاهر الذي ينسبوه إلى الذهن إرادته في «ما لا يعلمون» أيضا كاخواته، فيكون الفرق بين المعنيين الأخيرين في كيفيّة التقدير، فتارة تقدّر على نسق واحد في الجميع فيقال «رفع عن امّتي المؤاخذة على هذه التسعة»، و تارة تقدّر في كلّ منها بحسب ما يناسبه، فيجعل متعلّق الرفع في «ما استكرهوا عليه، و فيما اضطرّوا إليه» نفس المؤاخذة، و في «ما لا يعلمون» سببيته للمؤاخذة.
و هذا و إن كان أنسب بالنظر إلى كلّ منها من حيث هو، و لكن المتبادر عرفا كون الرفع منسوبا إلى مجموع التسعة على نسق واحد.
هذا غاية ما أمكننا في تحصيل مرامه، و يمكن أن يناقش فيه بوجوه:
امّا أوّلا: فبأنّ إرادة الموضوع من الرواية- بعد تسليمها- لا ينافي الاستدلال، لأنّ معنى الرواية على هذا التقدير رفع عن امّتي الحرام الذي لا يعلمونه، أي لا يعلمون كونه حراما، و هذا أعمّ من أن يكون جهلهم بوصفه العنواني مسبّبا عن الجهل بذاته أو صفته.
و الحاصل: إنّ المدار في اندراج الفعل في موضوع الرواية، على الجهل بكونه حراما- سواء كان منشؤه الجهل بالحكم الشرعي، أو اشتباه- الامور الخارجيّة دون سائر العناوين المتصادقة على الفعل، فلو علم بحرمة فعل خاصّ، لم يندرج في موضوع الرواية، و إن جهل جميع عناوينه، و لو عكس الأمر انعكس.
و ثانيا: إنّه يمكن تقدير المؤاخذة في الجميع على النحو الذي يناسب عموم كلمة «ما» في «ما لا يعلمون» بأن نقول مثلا رفع عن هذه الأشياء سببيّتها للمؤاخذة.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 153
و ثالثا: إنّ المؤاخذة إنّما تترتّب على المخالفة، فمعنى «رفع عن امّتي المؤاخذة على ما اضطرّوا إليه … الخ». انّه رفع المؤاخذة على المخالفة الحاصلة عن اضطرار، فمتعلّق الرفع في الجميع هو فعل المكلّف بعنوان وقوعه مخالفة للشارع، فكأنّه قال في «ما لا يعلمون» رفع عن امّتي المؤاخذة على المخالفة الحاصلة عن عدم العلم، و هو صادق على شرب التتن المجهول، حكمه و على شرب الخمر الذي لا يعلم أنّه خمر.
و لكن يرد على هذا الوجه: إنّ الذي ينسبق إلى الذهن من الرواية و أشباهها، أنّ المؤاخذة إنّما تتعلّق بالفعل بلحاظ المخالفة، فالمخالفة آلة لتعقّل تعلّق المؤاخذة بالفعل، لا أنّها معقولة بنفسها موضوعا للمؤاخذة، فليتأمّل.
هذا كلّه على تقدير تسليم أنّ المتبادر من الرواية رفع خصوص المؤاخذة و هو محلّ تأمّل، بل الظاهر أنّ المراد بها رفع مطلق الآثار، لكن المراد بمطلق الآثار- بقرينة إطلاق الرفع، و ورود الرواية في مقام الامتنان- هي الآثار التي لو لا رفعها لوقع المكلّف من قبلها في كلفة، دون الآثار التي لا يترتّب على وضعها كلفة و خسارة عليه، فضلا عمّا لو كان ثبوتها أرفق بحال المكلّف، كما لو اكره على اداء واجب، أو أدّاه خطأ أو نسيانا، فانّ الرواية لا تدلّ على فساده، و لو على القول برفع جميع الآثار.
هذا، و لكن لا يبعد دعوى انصراف مثل قوله «رفع عن امّتي ما لا يعلمون» إلى الجاهل الغافل أو المعتقد للخلاف. و لكن إثباتها بحيث يخلّ في التمسّك بالإطلاق مشكل، خصوصا مع أنّ التعميم أنسب بالاختصاص بهذه الامّة، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: إذ لا يعقل رفع الآثار الشرعية المترتّبة على الخطأ … الخ‏ «1».
أقول: هذا إنّما هو في الآثار الثابتة لهذه العناوين من حيث هي على الإطلاق‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 196 سطر 22، 2/ 32.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 154
لرجوعه إلى التناقض، و امّا الآثار الثابتة لها في الشريعة السابقة، فيمكن رفعها عن هذه الامّة، كما هو مفاد ظاهر الرواية.
فالأولى أن يقال في إثبات المدّعى: إنّ المراد برفع السهو مثلا أحد معان ثلاث:
الأوّل: أن يكون نفس السّهو من حيث هو ملغى في الشريعة، بأن يكون وجوده كعدمه، فيكون الفعل الصادر سهوا بمنزلة ما لو وقع لا عن سهو، كما لو قال المولى لعبده «لا خطأ عندي» قاصدا بذلك أنّي لا أقبل الاعتذار بالخطإ في مخالفة أوامري، فمعنى رفع السهو رفع قبول الاعتذار به، و هذا المعنى غير مراد بالرواية بالضرورة، ضرورة كونه منافيا للامتثال و ضدّا للمقصود.
الثاني: أن يكون المراد به رفع الآثار الشرعية الثابتة لنفس السهو، من حيث هو، فمعنى رفع عن امّتي السهو، أنّ السهو نزّل في هذه الشريعة منزلة العدم، بلحاظ ما يقتضيه من الآثار الشرعية، فمعناه أنّ الآثار الثابتة للفعل المعنون بهذا العنوان في الشرائع السابقة مرفوعة عن هذه الامّة، فيكون على هذا التقدير ثبوت سجدتي السهو و كفّارة القتل الخطائي مثلا تخصيصا للرواية، فعلى هذا يكون نفس السهو متعلّقا للرفع، كما في الفرض السابق، و لكن بلحاظ آثاره الشرعية.
و الثالث: أن يراد برفع السهو، رفع ما وقع سهوا، أي رفع آثاره، فمعناه أنّ الفعل الصادر سهوا لا يترتّب عليه آثاره الثابتة له من حيث هو، و هذا المعنى هو المراد بالرواية كما يشهد به فهم الأصحاب، مضافا إلى الرواية المتقدّمة عن «المحاسن» و غيرها. و لا يمكن الجمع بين إرادة هذا المعنى و المعنى الثاني لعدم الجامع بينهما، فتأمّل.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 155
قوله قدّس سرّه: و امّا نفس المؤاخذة، فليست من الآثار المجعولة الشرعية «1».
أقول: المراد بالأثر الشرعي، مطلق الامور الراجعة إلى الشارع وضعا و رفعا، القابلة لأن يتعلّق بها الرفع، لا خصوص الأحكام التكليفية أو الوضعية.
و من الواضح أنّ المؤاخذة من الآثار التي مرجعها إلى الشارع، و يمكن أن يتعلّق بها الرفع. و كيف لا، و قد تقدّم آنفا أنّها أظهر الآثار التي ادّعى المصنّف قدّس سرّه ظهور الرواية في إرادتها بالخصوص.
لا يقال: سلّمنا أنّ المؤاخذة من الآثار القابلة للرفع، و لكنّها متفرّعة على الاستحقاق الذي هو أثر عقلي، فلا مانع عن تقدير المؤاخذة في الرواية، و جعلها بنفسها متعلّقة للرفع، و انّما الممتنع من حيث الدلالة اللفظية تعلّق الرفع بنفس الفعل، و إرادة رفع ما هو أثر للازمه، كما في الفرض.
لأنّا نقول: المؤاخذة إنّما هي على الفعل الموجب للاستحقاق، لا على الاستحقاق، فهي من آثار نفس الملزوم من حيث كونه موجبا للاستحقاق، لا من آثار لازمه الذي هو الاستحقاق، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: فإذا فرضنا أنّه لا يقبح في العقل أن يوجّه التكليف بشرب الخمر على وجه يشمل صورة الشّك فيه … الخ‏ «2».
أقول: يعني بتوجيه التكليف تنجيزه على المكلّف، على وجه يوقعه في كلفة الاجتناب، و إلّا فالخطابات الشرعيّة المثبتة للتكاليف الواقعية غير قاصرة عن الشمول لغير العالمين.
و لكن لا يخفى عليك ما في العبارة من المسامحة، فانّ تنجيز التكليف إنّما هو من‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 197 سطر 7، 2/ 33.
(2)- فرائد الأصول: ص 197 سطر 10، 2/ 33.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 156
قبل العقل لا من الشارع. نعم للشارع أن يعمّم الموضوع الذي يراه العقل مورد التكليف، منجز بإيجابه للاحتياط، فيتنجّز حينئذ الواقعيّات المشكوكة التي لو لا إيجابه للاحتياط لكان العقل حاكما فيها بنفي التكليف، تعويلا على قبح العقاب بلا بيان، فنسبة التخصيص بالعالم إلى الشارع، مع عموم الخطابات الشرعية الصادرة منه، المتوجّه إلى المكلّفين الغير المقيّدة بالعلم و الجهل لا يخلو عن مسامحة فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: فتأمّل‏ «1».
أقول: لعلّه إشارة إلى ما سيذكره في تضعيف هذا الاستدلال في محلّه.
قوله قدّس سرّه: و فيه أنّ الظّاهر ممّا حجب اللّه علمه … الخ‏ «2».
أقول: إن اريد بما لم يبيّنه للعباد ما لم يبيّنه رأسا حتّى للنبي و الوصي عليهم السّلام، فلا واقعية له كي يعقل أن يصير علمه محجوبا عن العباد إذ ما من حكم إلّا و بيّنه اللّه لنبيّه و النبيّ للوصي، بل كيف يعقل أن يأمر اللّه عباده بشي‏ء أو ينهاهم عن شي‏ء، و لم يبيّنه لهم أصلا؟ فالمراد ب «ما حجب اللّه علمه عن العباد» ليس إلّا الأحكام المبيّنة المعلومة لدى أهل العلم، فاريد بالرواية بيان كونها موضوعة عمّن لم يقدر على معرفتها كما هو المطلوب، فنسبة الحجب إلى اللّه تعالى كنسبة سائر الأشياء إليه نظير قوله عليه السّلام: «ما غلب اللّه على عباده فهو أولى بالعذر» «3» فتنظيرها على قوله عليه السّلام:
«إنّ اللّه سكت عن أشياء لم يسكت عنها نسيانا» «4» في غير محلّه إذ لا تكليف في الواقع فيما سكت عنه. و هذا بخلاف المقام، فانّ التكليف في الواقع محقّق و لكنّه حجب‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 197 سطر 42، 2/ 35.
(2)- فرائد الأصول: ص 199 سطر 10، 2/ 41.
(3)- بحار الأنوار: ج 2، ص 272.
(4)- وسائل الشيعة: ج 15 باب 24 حديث 20452.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 157
اللّه علمه عن العباد، أي لم يوفّقهم لمعرفتها لا انّه لم يبيّنها أصلا فانّ هذا ينافي ثبوتها في الواقع فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: و فيه ما تقدّم في الآيات من أنّ الاخباريّين لا ينكرون … الخ‏ «1».
أقول: هذه الرواية أوضح دلالة على المدّعى من مرسلة الصدوق الآتية، التي سيعترف المصنّف رحمه اللّه بدلالتها عليه، لسلامتها عن المناقشة التي ستسمعها في تلك الرواية، فانّ معنى قوله عليه السّلام: «الناس في سعة ما لا يعلمون» بناء على كون كلمة «ما» موصولة، أنّهم في سعة الشي‏ء الذي لا يعلمونه، فمن لم يعلم بحرمة شرب التتن مثلا فهو في سعة، أي لا يجب عليه الاحتياط فيه، و على تقدير كونها مصدرية، فمعناها أنّهم في سعة مدّة جهلهم بشي‏ء، فما لم يعلموا بحرمة شرب التتن فهم في سعة منه.
و محصّل المعنيين: إنّه لا يجب على الناس الاحتياط فيما لا يعلمون، و هذا يناقض قول الأخباريين بوجوب الاحتياط فيما لا يعلمون.
لا يقال: بعد أن أمر الشارع بالتوقّف عند الشّبهة و الاحتياط فيه، يخرج شرب التتن المجهول الحكم عن موضوع هذه الرواية، لصيرورة الحكم فيه معلوما.
لأنّا نقول: لنا قلب الدليل، فنقول بعد أن حكم الشارع بأنّ الناس في سعة ما لا يعلمون، يخرج شرب التتن عن كونه من مواقع الشبهة التي امرنا بالتوقّف فيها، و حلّه أنّ الأمر بالتوقّف عند الشّبهة عبارة اخرى عن إيجاب الاحتياط فيما لا يعلمون، و هذا يناقض قوله «الناس في سعة ما لا يعلمون» لأنّ الموضوع متّحد في القضيتين، و الحكمان متناقضان، فلا بدّ فيهما من إعمال قاعدة الجمع أو الترجيح.
نعم لو كان المراد ب «ما لا يعلمون» ما لا يعلمون تكليفهم فيه في مقام العمل، لاتّجه ما ذكره المصنّف من «أنّ الأخباريين لا ينكرون … الخ»، و لكنّه خلاف ظاهر
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 199 سطر 14، 2/ 41.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 158
الرواية، فانّ المتبادر منها إرادة ما لا يعلمونه، لا ما لا يعلمون تكليفهم بالنسبة إليه، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: و دلالته على المطلوب أوضح من الكلّ … الخ‏ «1».
أقول: و يمكن الخدشة في دلالته، بأنّ مفاده ليس إلّا أنّ الأصل في الأشياء- قبل أن يرد فيها النهي- الإباحة لا الخطر، و هذه مسألة اخرى أجنبية عمّا نحن فيه، إذ المقصود في المقام إثبات الرخصة فيما شكّ في أنّه هل ورد فيه نهي و اختفى علينا أم لا؟
و يمكن دفعها بأنّ المقصود بها بحسب الظاهر إرادة الحكم الفعلي، عند عدم العلم بحرمة شي‏ء، فالمراد بعدم ورود النهي فيه، عدم وصوله إلى المكلّف، لا عدم وروده في الواقع، و إلّا لكانت ثمرته علمية لا عمليّة، و هو بعيد عن سوق الاخبار.
نعم، لو كانت الرواية صادرة عن النبي صلّى اللّه عليه و آله في صدر الشريعة قبل إكمالها، لكان المتّجه حملها على إرادة المعنى المزبور، حيث يترتّب عليها حينئذ ثمرة عملية، و هذا بخلاف ما لو صدرت عن الأئمّة عليهم السّلام بعد إكمال الشريعة و ورود النهي في جميع المحرّمات الواقعية، و وصوله إلى أهل العلم الذين لا يختفى عليهم شي‏ء من النواهي الشرعيّة، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: إلّا أنّه إشكال يرد على الرواية على كلّ تقدير … الخ‏ «2».
أقول: يعني سواء حملناها على الشّبهة الموضوعية أو الحكمية.
و توضيح ما يرد على الرواية من الإشكال: إنّه إن اريد بالجهالة في قوله عليه السّلام‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 199 سطر 23، 2/ 43.
(2)- فرائد الأصول: ص 200 سطر 13، 2/ 45.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 159
«فقد يعذر الناس في الجهالة بما هو أعظم من ذلك» الجاهل الغافل، فلا يناسبه تخصيص التعليل بأنّه لا يقدر على الاحتياط الجاهل بالحرمة، لأنّ الجاهل بالعدّة أيضا- بعد فرض كونه غافلا- لا يقدر على الاحتياط.
و إن اريد بها الجاهل المتردّد، فلا يستقيم التعليل، لأنّه لا يقدر على الاحتياط أيضا كالجاهل المتردّد في العدّة.
و إن اريد بها مطلق الجاهل الشامل لكلا القسمين، فالمتردّد من كلّ منهما يقدر على الاحتياط، و الغافل منهما لا يقدر عليه، فلم حكم بأهونية الجهل بالحرمة، لأجل هذه العلّة الغير المطّردة، المشتركة بين القسمين؟
و يندفع الإشكال: بأنّ المقصود بالجهالة، هو مطلق الجهل الشامل للمتردّد و الغافل، فالمراد بالجاهل مقابل العالم، غافلا كان أم متردّدا، و لكنّ الجاهل بحرمة تزويج المرأة بعد وفاة زوجها، ما دامت في العدّة، لا يكاد يوجد له مصداق في الخارج، إلّا على تقدير غفلته عن أصل شرعية العدّة و حكمها الذي هو حرمة التزويج، و إلّا فحرمة تزويج المعتدّة من الضروريات التي لا تكاد تختفي على من التفت إليها، أو إلى موضوعها، أعني مشروعية العدّة في الجملة، كي يبقى متردّدا في ذلك!
و هذا بخلاف الجاهل بأنّها في العدّة مع علمه بحرمة تزويج المعتدّة فانّه بعكس ذلك فانّ الشخص العالم بحرمة تزويج المعتدّة لا محالة عند إرادة تزويج امرأة يلتفت إلى ثيبوبتها و بكارتها و إلى كونها بلا مانع أو مع المانع فلا ينفك إرادة التزويج عادة عن الالتفات إلى كونها في العدّة فجهله بأنّها في العدّة غالبا يجامع التردّد دون الغفلة.
نعم قد يجامع اعتقاد الخلاف الذي هو بحكم الغافل لكن هذا أيضا فرض نادر و الرواية منزلة على الغالب فتنزيل الجهل بالعدّة على المتردّد و الجهل بالحرمة على الغافل ليس تفكيكا في الجهالة بل الجهل في كلا الموردين بمعنى عدم العلم و لكن الاختلاف نشأ من خصوصية الموردين فليتأمّل.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 160
قوله قدّس سرّه: و تقريب الاستدلال كما في شرح الوافية … الخ‏ «1».
أقول: ما ذكره في تقريب الاستدلال لا يخلو عن تشويش. و توضيحه يحتاج إلى بيان محتملات الرواية.
فأقول: ما يحتمل أن يراد بالرواية أحد معان أربعة:
الأوّل: أن يراد من الشي‏ء خصوص المشتبه، و يراد من الضمائر الراجعة إليه ظاهرها من دون تصرّف فيها، فتنطبق الرواية حينئذ على الشّبهة المقرونة بالعلم الإجمالي، محصورة أو غير محصورة.
و هذا المعنى في حدّ ذاته أوفق بظاهر الرواية، فيتعيّن حملها على ما إذا لم يكن العلم الإجمالي منجزا للتكليف، كالشبهة الغير المحصورة، أو المحصورة التي بعض أطرافها خارج عن مورد ابتلاء المكلّف.
و لكن ربّما يعطى التدبّر فيها بلحاظ موردها ظهورها في المعنى الذي سيذكره المصنّف رحمه اللّه، إذ الظاهر انّها رواية عبد اللّه بن سليمان.
قال: «سألت أبا جعفر عن الجبن؟
فقال: سألتني عن طعام يعجبني، ثمّ أعطى الغلام درهما فقال يا غلام ابتع لنا جبنا.
ثمّ دعا بالغداء، فتغدينا معه، و أتى الجبن فأكل و أكلنا.
فلمّا فرغنا قلت: ما تقول في الجبن؟
قال: أو لم ترني آكله!
قلت: و لكن أحبّ أن أسمعه منك.
فقال: سأخبرك عن الجبن و غيره، كلّ ما كان فيه حلال و حرام فهو لك‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 200 سطر 15، 2/ 45.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 161
حلال حتّى تعرف الحرام بعينه فتدعه» «1».
فانّه ظاهر في إرادة حكم الجبن و غيره ممّا هو مثله فيه قسم حلال و فيه قسم حرام لا حكم الشبهة المحصورة.
الثاني: ما ذكره المصنّف رحمه اللّه بالتقريب الذي ذكره.
الثالث: ما قد يتراءى من بعض عبائر «الوافية»، و هو أن يراد بالحلال و الحرام الحلال و الحرام الشأني.
و توضيح هذا المعنى: إنّه كما يمكن إرادة ما ينقسم فعلا إلى الحلال و الحرام من الشي‏ء، كذلك يمكن إرادة ما يتصف بهما شأنا، فيكون سوق الرواية مساق قولك «فعل الإنسان العاقل البالغ فيه حلال و حرام» لا فعل البهائم و المجانين، فيكون ذكر الوصف كناية عن كون الشي‏ء صالحا لأن يتعلّق به حكم شرعي، بأن يكون فعلا اختياريا، فيكون ذكره للاحتراز عمّا لا يصلح لذلك كالأفعال الاضطراريّة، لا ما علم حليته و حرمته، فإنّ العلم بالحلّية أو الحرمة لا يخرجه عن القابليّة ذاتا.
نعم يتحقّق الاحتراز عمّا علم حكمه بجعل المعرفة غاية للحكم، فانّه قرينة على كون الحكم حكما ظاهريا مأخوذا في موضوعه الجهل بالواقع، فلا يكون إلّا مشتبه الحكم، فعلى تقدير أن يكون هذا المعنى مراد صاحب «الوافية» كما يظهر من صدر عبارته، لا يناسبه جعل الامور المعلومة خارجة بنفس هذه الفقرة، و يكون ما ذكره في ذيل كلامه بعبارة اخرى أجنبيّا عن ذلك، و لعلّه إلى هذا نظر من أورد عليه باستعمال اللفظ في معنيين.
الرابع: أن يراد ب «كلّ شي‏ء فيه حلال و حرام» أن يكون فيه احتمال الحليّة و الحرمة، و إلى هذا المعنى يؤول ما ذكره صاحب «الوافية» في ذيل كلامه بقوله‏
______________________________
(1)- وسائل الشيعة: ج 25، باب 61، حديث 31376.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 162
«و بعبارة اخرى … الخ».
و امّا ما ذكره قبل هذه العبارة فظاهره إرادة المعنى السابق، و لكنّه لا يأبى عن إرجاعه إلى هذا المعنى، فلا بدّ من إرجاعه إليه جمعا بين كلماته.
و كيف كان، فلا يخفى عليك ما في حمل الرواية على إرادة هذا المعنى من البعد، إذ لا يتحمله ألفاظها إلّا بالتكليف و التقدير، مع عدم استقامة إرجاع الضمير إليهما، و أبعد منه إرادة المعنى الثالث، فانّه و إن لم يكن استعمال الحرام فيما من شأنه الاتّصاف بهما بعيدا، و لكنّه في غاية البعد عمّا ينسبق إلى الذهن من الرواية، فالمتعيّن حمل الرواية على أحد المعنيين الأوّلين، و قد أشرنا إلى أنّ ثانيهما أظهر، و اللّه العالم.
قوله قدّس سرّه: فمنهم ثقة الإسلام الكليني رحمه اللّه … الخ‏ «1».
أقول: و لعلّ الكليني رحمه اللّه ذهب إلى التخيير في تعارض الخبرين، للأخبار الخاصة الواردة فيه، الدالّة على التخيير، الحاكمة على عمومات أدلّة الاصول.
و امّا ما ورد فيه من الاخبار بوجوب الاحتياط، فستعرف في خاتمة الكتاب أنّها لا تصلح لمعارضة أخبار التخيير، و لا لتقييد إطلاقها، إلّا بالنسبة إلى حال التمكّن من تحصيل العلم، و هو خارج عن محلّ الكلام، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: و منهم الصدوق قدّس سرّه … الخ‏ «2».
أقول: لا يظهر من هذه العبارة التي نقلها عن الصدوق إلّا أنّه قال بأنّ الأصل في الأشياء قبل ورود النهي الإباحة، و هذه مسألة اخرى أجنبيّة عمّا نحن بصدده، كما تقدّمت الإشارة إليه عند التكلّم في دلالة المرسلة على المدّعى.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 202 سطر 9، 2/ 51.
(2)- فرائد الأصول: ص 202 سطر 12، 2/ 52.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 163
نعم، يمكن استفادة المدّعى من عبارة الصدوق بملاحظة استشهاده، لما ذهب إليه بالمرسلة، و افتائه بجواز القنوت بالفارسية تعويلا على أصله، فيفهم من مجموع ذلك أنّ غرضه من ورود النهي، وصوله إلى المكلّف، كما لا يخفى على المتأمّل.
قوله قدّس سرّه: و امّا السيّدان فقد صرّحا … الخ‏ «1».
أقول: نقل عبارتهما الاولى على الظاهر إنّما هو لبيان مرادهما من حكم العقل في عبارتهما الثانية، و إلّا فهذه العبارة بنفسها غير مجدية فيما نحن بصدده، لرجوعها إلى حكم العقل الآتي، الذي لا ينافيه ورود دليل سمعي حاكم بوجوب الاحتياط في الشبهات، فلاحظ.
قوله قدّس سرّه: و إن كان الغرض منه أنّ بناء العقلاء على تجويز الارتكاب‏ «2».
أقول: ستعرف في مبحث الاستصحاب صحّة هذا البناء، و أنّ تجويز العقلاء للارتكاب ليس مبتنيا على قاعدة القبح، لا بمعنى أنّهم يجوّزون الارتكاب على تقدير عدم قبح المؤاخذة، بل يجوّزون الارتكاب بصرف طبعهم، تعويلا على أصالة العدم قبل الالتفات إلى هذه القاعدة، و إلّا فهذه القاعدة أيضا مسلّمة لديهم، كما سنوضّحه في محلّه.
قوله قدّس سرّه: و يشهد له حكم العقلاء كافّة بقبح مؤاخذة المولى عبده … الخ‏ «3».
أقول: الاستشهاد بالتقبيح العقلائي في الصورة المفروضة، يوهم اختصاص محلّ الكلام بما إذا كان البيان من وظيفة الأمر، مع أنّ المدّعى أعمّ من ذلك، حيث إنّا
همدانى، رضا بن محمد هادى، حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، 1جلد، محمد رضا انصاري قمي – قم – ايران، چاپ: 1.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد) ؛ ص163

______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 202 سطر 14، 2/ 52.
(2)- فرائد الأصول: ص 203 سطر 14، 2/ 56.
(3)- فرائد الأصول: ص 203 سطر 18، 2/ 56.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 164
نستدلّ بهذه القاعدة لجواز الارتكاب في الشبهات الموضوعية التي ليس بيانها وظيفة الشارع، و كذا في الشبهات الحكمية التي علم بأنّ الشارع بيّن فيها ما هو وظيفته، و لكن اختفى علينا لبعض دواعي الاختفاء، فالشهادة المزبورة غير مجدية في مثل هذه الفروض، بل لا بدّ فيها من التشبّث بحكم آخر للعقل و العقلاء، و هو قبح المؤاخذة على ما لا طريق للمكلّف إلى العلم به، بإرشاد عقله أو دلالة الشرع، فالمراد بالبيان في المقام هو مطلق طريق معرفة التكليف، لا خصوص الاعلام، كما يوهمه العبارة، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: و الظاهر أنّ المراد ما لا يطاق الامتثال به، و إتيانه بقصد الطاعة … الخ‏ «1».
أقول: هذا التفسير لا يخلو من إجمال.
و توضيحه: إنّه يمتنع أن يلتزم المكلّف بفعل ليس له طريق من عقل أو نقل يرشده إلى لزومه، فإلزام المكلّف بالخروج عن عهدة ذلك الفعل الذي لم يعلم لزومه عليه، تكليف بغير المقدور، و مؤاخذته على ترك امتثال الأمر الواقعي الذي لم يعلمه قبيح، فانّه ما لم يعلم بمطلوبيّة الفعل لا يعقل أن يدعوه طلبه الواقعي المتعلّق به إلى العمل، فلا يكون بعنوان إيجاده بقصد امتثال ذلك الطلب فعلا اختياريا له.
نعم، متى احتمل كونه مطلوبا في الواقع، ربّما يبعثه الاحتمال على الخروج عن عهدة الأمر المحتمل، فيأتي بالفعل برجاء المطلوبية، فيصحّ عبادة، و لكن لا يصدق عليه اسم الإطاعة، و لا يحسن مؤاخذته على ترك الاعتناء بهذا الاحتمال ما لم يكن دليل عقلي أو نقلي يدلّ على لزوم رعايته.
و الحاصل أنّ التزام المكلّف بالخروج عن عهدة تكليف، موقوف على أن‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 204 سطر 4، 2/ 58.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 165
يعرف ذلك التكليف، أو يدلّ دليل عقلي أو نقلي على أنّه متى احتمله يجب عليه الاعتناء بذلك الاحتمال، فيكون تكليفه في مقام العمل حينئذ هو الاحتياط، لا بمعنى أنّ الاحتياط من حيث هو مطلوب نفسي كي يترتّب المؤاخذة على مخالفته من حيث هو، كما يظهر من عبارة المصنّف رحمه اللّه في هذا المقام، بل المقصود بالأمر بالاحتياط تنجيز التكليف بالواقعيّات المجهولة، و التحرّز عن مخالفتها، فيكون الاحتياط وجها من وجوه الواقعيات التي عرف وجوبها بهذا الوجه، و إن لم يميّزها عمّا عداها من المشبّهات، و لا يقدح ذلك في جواز المؤاخذة على مخالفتها بعد قيام الدليل على وجوب مراعاة الاحتمال، و وجوب الاحتياط في كلّ محتمل التكليف من باب المقدّمة العلمية، كما هو المفروض.
فتلخّص ممّا ذكر: إنّ التكليف واقعيّا كان أو ظاهريّا، لا بدّ في تنجزه على المكلّف من أن ينتهي إلى العلم، و إلّا فلا يعقل الالتزام بإطاعته فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: لأنّ الثابت بها ترتب اللوازم المجعولة الشرعيّة على المستصحب‏ «1».
أقول: هذا فيما إذا لم يكن المستصحب بنفسه أمرا شرعيّا، و إلّا فيترتّب عليه جميع لوازمه، كما ستعرفه في محلّه، فما ذكره المصنّف رحمه اللّه في هذا المقام مبنيّ على عدم كون عدم الحرمة أو الوجوب من الامور الشرعية القابلة بنفسها من حيث هي للاستصحاب، نظر إلى أنّ الامور الشرعيّة القابلة للاستصحاب عبارة عن الأحكام الشرعيّة المجعولة، و ليست العدميات منها، ضرورة عدم كونها من المجعولات الشرعية، فلا يعمّها أدلّة الاستصحاب، إلّا بلحاظ آثارها، لو كان لها أثر شرعي مجعول كغيرها من الموضوعات الخارجية.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 204 سطر 16، 2/ 59.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 166
و فيه:- بعد الغضّ عن أنّ التمسّك بالاصول العدميّة، الجارية بالنسبة إلى الأحكام التكليفية و الوضعية في كلمات المصنّف رحمه اللّه، فضلا عن غيره فوق حدّ الاحصاء، كما لا يخفى على من تتبّع كلماته- إنّ المراد بالامور الشرعيّة ليس خصوص الأحكام المجعولة، بل أعمّ منها و من عدمها، إذ يكفي في كونه شرعيّا كون زمام أمره وضعا و رفعا بيد الشارع، و سره أنّه لا مقتضى لصرف الأخبار الناهية عن نقض اليقين بالشكّ عن مثل ذلك، إذ كما يصحّ للشارع أن يقول «من كان على يقين من وجوب الشي‏ء الفلاني فليمض على يقينه»، كذلك له أن يقول «من كان على يقين من عدم وجوب شي‏ء فليمض على يقينه»، فكما أنّ أمر الشارع بالبناء على الوجوب السابق بمنزلة إنشاء الوجوب بالفعل، و كذلك أمره بالبناء على العدم السابق بمنزلة إمضائه لذلك العدم، فلا يقاس هذا بالامور الخارجيّة التي لا يعمّها أدلّة الاستصحاب إلّا بلحاظ آثارها المجعولة، كما لا يخفى على المتأمّل.
قوله قدّس سرّه: و المتبادر من التهلكة في الأحكام الشرعيّة الدينيّة هي الأخروية … الخ‏ «1».
أقول: ليس المراد بالهلكة في هذه الأخبار، نفس المضرّة و المفسدة كي يدّعى انصرافها إلى الآخر منه، إذ لا معنى للاقتحام في الضرر أو العقاب إلّا بلحاظ سببه، أي الفعل الذي يترتّب عليه الضرر أو العقوبة، فقوله عليه السّلام «الوقوف عند الشّبهة خير من الاقتحام في الهلكة» معناه أنّ الوقوف عند ما يحتمل كونه حراما، خير من الاقتحام في الحرام، و إنّما أطلق اسم الهلكة على الحرام بلحاظ كونه مضرّا بحال المكلّف، و موجبا لاستحقاق العقاب على تقدير عدم معذوريته في الارتكاب، فيكفي علاقة لصحّة إطلاق اسم الهلكة على ارتكاب فعل الحرام، كونه مشتملا على‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 208 سطر 1، 2/ 71.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 167
المفسدة المقتضية للنهي عنه، و استحقاق العقوبة على ارتكابه بلا عذر، فلا يفهم من هذا الاستعمال كونه سببا تامّا للمضرّة الخاصّة التي هي العقوبة، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: إيجاب الاحتياط إن كان مقدّمة للتحرّز عن العقاب الواقعي …
الخ‏ «1».
أقول: لقائل أن يقول إنّ إيجاب الاحتياط ليس مقدّمة للتحرّز عن العقاب الواقعي، كي يترتّب عليه المفسدة المزبورة، و لا هو حكم ظاهري نفسي بحيث يعاقب على مخالفته، من حيث هو، بل هو مقدّمة للتحرّز عن الحرام الواقعي، على تقدير تحقّقه، فيكون أمر الشارع بالاحتياط في الشبهات البدوية بعد الفحص و عدم التمكّن من معرفة حكمها، كإلزام العقل به فيما قبل الفحص، و في أطراف الشبهة المحصورة، في كونه موجبا لتنجّز التكليف بالواقعيّات المجهولة، و عدم كون المكلّف معذورا في مخالفتها.
قوله قدّس سرّه: و قد يجاب عن أخبار التوقّف بوجوه غير خالية عن النظر «2».
أقول: هذا إنّما هو لو جعل كلّ واحد منها جوابا عن جميع تلك الأخبار، و إلّا فأغلبها يصلح جوابا عن جملة منها، كما لا يخفى على المتأمّل.
قوله قدّس سرّه: و أمّا قوّة الدلالة في اخبار البراءة فلم يعلم‏ «3».
أقول: منع اقوائيّتها من حيث الدّلالة كما ترى، خصوصا من مثل المصنّف الذي أنكر دلالة تلك الأخبار على وجوب التوقّف، ضرورة أنّ حمل الأمر الوارد
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 208 سطر 3، 2/ 71.
(2)- فرائد الأصول: ص 208 سطر 16، 2/ 73.
(3)- فرائد الأصول: ص 209 سطر 5، 2/ 74.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 168
في تلك الأخبار على الاستصحاب، فضلا عن الإرشاد- الذي ادّعى المصنّف رحمه اللّه أنّه هو الظاهر من سياقها- أهون في مقام التصرّف من ارتكاب التأويل في مثل «كلّ شي‏ء مطلق»، و غيره من الآيات و الأخبار التي بيّنا فيما سبق أنّها كادت تكون صريحة في المدّعى، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: لأنّ الحكم في تعارض النصّين الاحتياط «1».
أقول: مراده بهذا الكلام الجواب عن قبل الخصم بحسب مقامه، و إلّا فستعرف في خاتمة الكتاب أنّ الحكم في تعارض النصّين لدى المصنّف هو التخيير.
قوله قدّس سرّه: و منها أنّ أخبار البراءة أخصّ‏ «2».
أقول: الأولى في الجواب أن يقال إنّ تخصيص أخبار التوقّف بأدلّة البراءة في الشبهة التحريمية، يستلزم طرحها، إذ لا قائل بعدم وجوب التوقّف في الشبهة التحريمية، و وجوبه فيما عداها.
قوله قدّس سرّه: و ما يبقى و إن كان ظاهره الاختصاص … الخ‏ «3».
أقول: حاصل مرامه أنّ أخبار التوقّف و إن كانت أعمّ من هذه الطائفة من الأخبار، إلّا أنّ أدلّة التوقّف لا تنحصر فيها، فانّ منها الإجماع و عدم القول بالفصل، بتقريب أن يقال:
إنّ «كلّ شي‏ء مطلق» مورده إنّما هو في صورة فقد النصّ، و أمّا صورة تعارض‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 209 سطر 7، 2/ 75.
(2)- فرائد الأصول: ص 209 سطر 7، 2/ 75.
(3)- فرائد الأصول: ص 209 سطر 9، 2/ 75.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 169
النصّين فلا، لورود النهي فيها، فيعمّها أخبار التوقّف من دون معارض، فإذا وجب التوقّف في صورة تعارض النصّين، وجب في صورة فقد النصّ أيضا، لعدم القول بالفصل.
و لكنّك خبير بأنّ هذا النحو من الاستدلال خلاف ما يقتضيه الجمع بين الدليلين، فإنّ مقتضى القاعدة تخصيص العام بالخاصّ، و إلحاق ما تعارض فيه النصّان به بعدم القول بالفصل لا العكس، كما يبتني عليه الاستدلال، حتّى يستلزم طرح النصّ لأجل أصالة العموم، نظير ما لو قال «أكرم العلماء»، ثمّ قال «لا تكرم زيدا العالم»، و علم من الخارج مشاركة عمرو العالم مع زيد في الحكم، فانّه يجب تخصيص العالم بكليهما، امّا بالنسبة إلى زيد فواضح، لورود النصّ في خصوصه، و امّا عمرو فهو ملحق به بالدليل الخارجي.
نعم، لو كان التخصيص بالجميع متعذّرا، كما لو انعقد الإجماع على اشتراك جميع من عدا زيد أو أغلبهم، بحيث يتعذّر إخراجهم عن بحث العام، لصار النصّان حينئذ بمنزلة المتباينين، فلا بدّ حينئذ من الرجوع إلى المرجّحات الخارجيّة، و لعلّه لذا أمرنا بالتأمّل.
و يمكن أن يكون الأمر بالتأمّل، إشارة إلى منع عدم شمول «كلّ شي‏ء مطلق» صورة معارضة النصّ الوارد، الدالّ على الحرمة بما يدلّ على الإباحة، إذ ليس المراد من النهي مجرّد صدور لفظ لا يمكن الأخذ بمفاده، بل المقصود معرفة حكم الواقعة، فورود النهي فيه كناية عن معرفة حكمه كما لا يخفى.
و ربّما يحتمل أن يكون مراده باخبار التوقّف، التي تشمل المورد الذي ورد فيه نهي معارض بما دلّ على الإباحة، خصوص ما ورد في تعارض النصّين، فانّه ليس بأعمّ من أخبار البراءة بل مباين لها، فإذا عمل بتلك الرواية في موردها، وجب التوقّف فيما لا نصّ فيه أيضا بالإجماع.
و لكن يبعد هذا الاحتمال- مضافا إلى عدم ملائمته لسوق العبارة، و الغضّ عن‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 170
ابتلاء ما ورد في المتعارضين، ممّا دلّ على التوقّف في خصوص مورده- بالأخبار الدالّة على التخيير، القاضية بحمل ما دلّ على التوقّف على صورة التمكّن من الرجوع إلى الإمام عليه السّلام، كما هو مورده.
إنّ قوله «فإنّ ما ورد فيه نهي معارض بما دلّ على الإباحة … الخ» على هذا التقدير لغو، إذ لا فرق حينئذ بين أن يكون دليل البراء شاملا لهذه الصورة أم لم يكن، فإنّ الخبر الدالّ على التوقّف، بضميمة الإجماع و عدم القول بالفصل، يكون بالنظر إلى ما دلّ على الإباحة بمنزلة العام المطلق، إن أمكن تخصيصه بما عدا المورد المفروض، و إلّا فكالمتباينين الذين يجب فيهما الرجوع إلى المرجّحات، سواء كانت النسبة بينهما المباينة الكلّية أو الجزئية، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: مع أنّ جميع موارد الشبهة … الخ‏ «1».
أقول: حاصله أنّه لا يمكن تخصيص أخبار التوقّف بما عدا الشبهة التحريمية، لكونها نصّا في الشبهات التحريميّة، لأجل ورودها فيها و لو في الجملة، كما لا يخفى على من لاحظها.
هذا، مع أنّ المتبادر من الأمر بالتوقّف في الشبهة، و عدم الاقتحام في الهلكة، ليس إلّا إرادة المنع عن ارتكاب محتمل الحرمة، فهي بظاهرها مخصوصة بالشبهات التحريميّة، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: و منه يظهر أنّه إن كان المشار إليه بهذا … الخ‏ «2».
أقول: أي من كون موردها صورة التمكّن من الاستعلام.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 209 سطر 12، 2/ 75.
(2)- فرائد الأصول: ص 210 سطر 12، 2/ 79.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 171
قوله قدّس سرّه: يجب بمقتضى قوله تعالى: وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا و نحوه‏ «1».
أقول: وجه الحاجة إلى الاستدلال بالآية الشريفة في مثل المقام، مع كون مضمونها من المستقلّات العقلية، دفع ما قد يتوهّم من عدم استقلال العقل بوجوب الاجتناب عمّا عدا ما علم حرمته تفصيلا، و لا يتمشّى هذا النحو من التوهّم في الآية الشريفة، حيث أنّ مفادها وجوب الاجتناب عن جميع المحرّمات الواقعيّة، و بعد أن علم هذا الخطاب تفصيلا، يجب الخروج عن عهدته بالانتهاء عن جميع ما نهى اللّه تعالى عنه في الواقع، لقاعدة الاستيعاب.
قوله قدّس سرّه: أوّلا منع تعلّق تكليف غير القادر … الخ‏ «2».
أقول: مرجع ما ذكره على الظاهر إلى ما نقله عن صاحب «الفصول» قدّس سرّه مقدّمة لإثبات حجّية الظّن بالطريق دون الواقع، عدا أنّ صاحب «الفصول» قال: إنّ مرجع القطعين إلى القطع بأنّ تكليفنا بالفعل هو العمل بمؤدّيات الطرق، و المصنّف رحمه اللّه جعله أخصّ من هذا حيث قال «فهو مكلّف بالواقع بحسب تأدية هذه الطرق، لا بالواقع من حيث هو، و لا بمؤدّى هذه الطرق من حيث هو … الخ» «3».
و كيف كان، فهذا الجواب ليس بمرضي لديه على الظاهر، كما يظهر وجهه ممّا سبق، فالحقّ في الجواب ما ذكره ثانيا.
و توضيحه: إنّ الظّن التفصيلي و إن لم يكن موجبا لانحلال العلم الإجمالي، إلّا أنّه رافع لأثره، فإذا علم اجمالا بعدة محرّمات مثلا في الشريعة بين المشتبهات، ثمّ دلّت الأدلّة على حرمة عدّة أشياء لا تنقص عن عدد ما علم إجمالا، لم يبق لذلك‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 212 سطر 22، 2/ 87.
(2)- فرائد الأصول: ص 213 سطر 16، 2/ 89.
(3)- فرائد الأصول: ص 213 سطر 16، 2/ 89.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 172
العلم الإجمالي أثر، نظير ما لو علم إجمالا بوقوع قطرة بول في أحد إناءين، ثمّ شهدت البيّنة بكون أحدهما المعيّن بولا، و كان واجب الاجتناب من أوّل الأمر، فانّه بعد شهادة البيّنة بذلك يرتفع أثر العلم الإجمالي، و يبقى أصالة الطهارة في الآخر سليمة عن المعارض.
نعم، لو كان مؤدّى البيّنة نجاسته بالفعل، من دون أن يكشف عن كونه نجسا حال حصول العلم الإجمالي، حتّى يستكشف بها عدم كون العلم الإجمالي مؤثّرا في تنجيز الخطاب حين حدوثه، لا يجدي ذلك في إلغاء أثر العلم الإجمالي، و انّما المجدي ما لو ثبت نجاسته من قبل بسبب البيّنة، لا مطلق نجاسته بالفعل، و لا ريب أنّ مؤدّيات الأمارات الشرعيّة ثبوت متعلّقاتها من صدر الشريعة، فيستكشف بها كون متعلّقاتها واجب الاجتناب من أوّل الأمر، فتكون حينئذ بمنزلة ما لو اطّلع عليها تفصيلا قبل حدوث علمه الإجمالي، كما لا يخفى على المتأمّل، و سيأتي له مزيد توضيح إن شاء اللّه تعالى.
قوله قدّس سرّه: الثاني: مقتضى الأدلّة المتقدّمة … الخ‏ «1».
أقول: إن اريد من الإباحة التي يقتضيها الأدلّة المتقدّمة، فانه يعمّ معذورية المكلّف، و قبح عقابه فهو.
و إن اريد منها الرّخصة في الفعل التي هي من الأحكام الخمسة، فيكون مشتبه الحكم موضوعا واقعيّا محكوما بحكم شرعي، فأكثر الأدلّة المتقدّمة، كحكم العقل، و بعض تقريرات الاجماع، و بعض الأخبار و الآيات قاصرة عن إثباتها، كما لا يخفى على المتأمّل.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 216 سطر 7، 2/ 99.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 173
قوله قدّس سرّه: حيث لا يتمسّكون فيه إلّا باستصحاب البراءة السابقة «1».
أقول: استفادة كون اعتباره لديهم من باب الظّن، مبنيّة على ما نسب إليهم من القول بحجّية استصحاب الحالة السابقة الذي هو مستمسكهم، من باب إفادته الظّن، و لكن في تحقّق هذه النسبة نظر يظهر، وجهه ممّا سيأتي في محلّه إن شاء اللّه تعالى.
قوله قدّس سرّه: فتأمّل‏ «2».
أقول: لعلّه إشارة إلى عدم المنافاة بين المنع عن شي‏ء في مقام العمل، و الرخصة في فعله في الواقع، فانّ من الجائز أن يكون نهي الشارع عن ارتكاب المشتبه من باب أشدّية العلمية، للتجنّب عن المحرّمات الواقعيّة، نظير إلزام العقل بالتجنّب عن أطراف الشبهة المحصورة، تحرّزا عن الوقوع في مفسدة الحرام المشتبه، و ستعرف إن شاء اللّه أنّ هذا لا يقتضي حرمة الأطراف من حيث هي، و لا ينافي إباحتها في الواقع، و قد تقدّم في صدر المبحث أيضا ما يندفع به توهّم امتناع مخالفة الحكم الظاهري الواقعي، و ما نحن فيه جزئي من جزئيات تلك المسألة، فانّه لو صحّ ما ذكر من عدم معقوليّة اجتماع المنع الفعلي لدى الجهل، مع الإذن و الترخيص الواقعي، لصحّ ادّعاء عكسه، و كذا ادّعائه بالنسبة إلى سائر الأحكام، كما هو واضح.
قوله قدّس سرّه: بل عرفت في مبحث حجّية العلم المناقشة في حرمة التجرّي … الخ‏ «3».
أقول: قد تقدّم في ذلك المبحث بعض الكلام فيما ذكر، فلا تغفل.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 216 سطر 11، 2/ 99.
(2)- فرائد الأصول: ص 217 سطر 24، 2/ 106.
(3)- فرائد الأصول: ص 218 سطر 12، 2/ 107.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 174
قوله قدّس سرّه: أنّ الأصل فيه الطهارة و الحرمة «1».
أقول: الظاهر أنّ مراده الطهارة حال الحياة، لا بعد الذبح، فلا يتوجّه عليه أنّه إن كان ذلك لأجل العلم بقبوله للتذكية فالمرجع أصالة الحلّ لا الحرمة، و إلّا فأصالة عدم التذكية، المقتضية للحكم بانتفاء الحلية و الطهارة كلتيهما، فلا وجه للتفكيك، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: في الشّبهة في طريق الحكم‏ «2».
أقول: يعني الشبهة الموضوعيّة التي يكون منشأ الشّك فيها اشتباه الامور الخارجية.
قوله قدّس سرّه: و هو فاسد «3».
أقول: وجه فساده أنّ إجمال متعلّق الحكم، أعني لفظ «الغناء» يوجب الجهل بالحكم الشرعي الكلّي المتعلّق بما أجمل فيه اللّفظ، كالصوت المطرب الذي ليس له ترجيع، إذا شكّ في كونه غناء، فانّ هذا المفهوم- أي الصوت المطرب- هو في حدّ ذاته موضوع كلّي يجب عند الجهل بحكمه الرجوع إلى الشارع مع الإمكان، و هذا هو المعيار في كون الشبهة حكمية.
غاية الأمر أنّه لمّا كان الشك فيه ناشئا من الجهل بمفهوم الغناء، أمكن إزالته بالرجوع إلى العرف أو اللغة، و هذا لا يوجب صيرورة الشبهة موضوعيّة، أي شبهة في طريق الحكم، بل هي شبهة في نفس الحكم الشرعي الذي بيانه وظيفة الشارع، و لكن لإزالتها طريقان:
أحدهما: الرجوع إلى الشارع و السؤال عن حكم هذا الموضوع، أي‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 218 سطر 18، 2/ 109.
(2 و 3)- فرائد الأصول: ص 219 سطر 23، 2/ 114.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 175
الصوت المطرب.
الثاني: الرجوع إلى العرف و اللغة، و تشخيص مفهوم «الغناء» الذي نشأ الشّك في حكم هذا الموضوع من الجهل بذلك المفهوم، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: مثل ما في «عوالي اللئالي» من مرفوعة العلّامة … الخ‏ «1».
أقول: لا يخفى عليك أنّ رواية «العوالي»- على تقدير صحّة الاستدلال بها- مفادها أنّ الأصل في تعارض الخبرين- على تقدير التكافؤ- هو التخيير، و لكن موافقة أحد الخبرين للاحتياط من المرجّحات، و هذا مخالف لما أراده المستدلّ.
و يظهر أثر المخالفة فيما لو كان الخبران مخالفين للاحتياط، كما لو دلّ كلّ من الخبرين على جواز ارتكاب بعض أطراف الشبهة المحصورة، بحيث لو عمل بكلّ منهما لزم فيه طرح العلم الإجمالي، أو كانا موافقين للاحتياط، كما لو دلّ أحد الخبرين على حرمة شي‏ء و إباحة غيره، و الآخر بعكسه، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: و الخلاف في المسألة الاولى ينافي الوفاق في الثانية «2».
أقول: لا ينافيه بل يلزمه، فانّ كون الإباحة أصلا في الأشياء غير مسلم، كي يكون الخبر الدالّ عليها مقرّرا، إذا المقصود بالأصل في هذا المقام هي الحالة الأصلية الثانية للشي‏ء، التي لو خلّى الشي‏ء و نفسه لكان عليها، و قد اختلفوا في أنّها هي الإباحة أو الحظر، فمن قال بأنّ الأصل في الأشياء قبل ورود الشرع الحظر، يكون الخبر الدالّ على الإباحة عنده ناقلا، فلو كان تقديم الحاظر على المبيح اتفاقيّا، لوجب أن يكون القائل بكون الحظر أصلا في الأشياء مخالفا في المسألة الاولى، و لو في الجملة.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 219 سطر 25، 2/ 115.
(2)- فرائد الأصول: ص 220 سطر 15، 2/ 117.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 176
اللهمّ إلّا أن يريدوا بالمقرّر في تلك المسألة، ما كان موافقا لبراءة الذمّة عن التكليف، و لكن أصالة براءة الذمّة عن التكليف لدى القائل بأنّ الأصل في الأشياء الحظر غير أصيل، لحكومة أصالة الحظر عليها، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: إلّا أنّ الأمثلة المذكورة فيها … الخ‏ «1».
أقول: و هذا ممّا لا ينافي الاستدلال بها لأصالة الحلّ، إذ ليس مقصود الإمام عليه السّلام بهذه الرواية بيان مجاري أصالة الحل على النحو المصطلح، بل غرضه بيان أنّ الموضوعات التي يبتلى بها المكلّف جميعها من المشتبهات التي لا يعلم واقعها، و مع ذلك لا ينبغي الاعتناء بالشكّ في شي‏ء منها، ما لم يعلم كونه حراما بطريق علمي أو ما يقوم مقامه من بيّنة و نحوها، فهذه الأمثلة بملاحظة كونها موردا لقاعدة اليد، و أصالة الصحّة، تندرج في موضوع هذه القاعدة الكلّية التي بيّنها الإمام عليه السّلام، و هي عدم الاعتناء بالشكّ في الحرمة ما لم تثبت، و عند الإغماض عن هذين الأصلين تكون هذه الموارد ممّا قام على حرمتها ما هو مثل البيّنة، و هو الاصول الموضوعية الثابت اعتبارها بالأدلّة الشرعية، فلاحظ و تدبّر.
قوله قدّس سرّه: لم يسلّم وجوبه شرعا «2».
أقول: يعني انّ العقل انّما يحكم بقبح ارتكاب مظنون الضرر من حيث هو و لا استحالة في أن يرخّص الشارع في ارتكابه لبعض المصالح التي يراها الشارع و لا يدركها العقل و حكم العقل بوجوب التحرّز عنه معلّق على أن لا يكون فيه مصلحة تتدارك بها المضرّة، فليس في الحكم بجواز ارتكابه شرعا تفكيك بين حكم الشرع‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 221 سطر 3، 2/ 120.
(2)- فرائد الأصول: ص 221 سطر 22، 2/ 123.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 177
و العقل كما قد يتراءى من ظاهر العبارة و منع استقلال العقل في المضار الدنيويّة منشؤه عدم كون الضرر فيها ممحضا و إلّا فالعقل مستقلّ بقبح الاقدام على الضرر الموهوم أيضا إذا كان محضا فضلا عن المظنون و حيث لا يكون الضرر في المضار الدنيويّة محضا لا يستقل العقل بوجوب التحرّز عمّا فيه مفسدة من بعض الجهات فضلا عن احتماله أو الشّك فيه، و لذا نحتاج في إثبات حرمته شرعا إلى الآلة التعبّدية.
قوله قدّس سرّه: و الثاني مدفوع … الخ‏ «1».
أقول: ستعرف في مبحث الاستصحاب الإشكال في كفاية أصالة عدم التذكية في الحكم بالحرمة و النجاسة، و إن قلنا بأنّ موضوعهما غير المذكّى، و إنّ الحلّية و الطهارة تتوقّفان على أسباب وجودية مخالفة للأصل، دون الحرمة و النجاسة، فانتظر.
قوله قدّس سرّه: أقواهما العدم‏ «2».
أقول: حكى سيّد مشايخنا (أدام اللّه بقائه) «3» عدم ذكر لفظ «أقواهما» في النسخة المرقومة بخط المصنّف رحمه اللّه، فهو بحسب الظاهر من تحريفات النسّاخ. و كيف لا و من المعلوم من مذهب المصنّف رحمه اللّه جريان الاحتياط في العبادات، و الاكتفاء في صحّة العبادة بحصولها بداعي الأمر المحتمل، على تقدير مصادفة الاحتمال للواقع.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 233 سطر 4، 2/ 128.
(2)- فرائد الأصول: ص 228 سطر 17، 2/ هامش ص 150.
(3)- هو الفقيه المجدد، الإمام الميرزا محمّد حسن الشيرازي، ولد عام 1230 ه بشيراز و درس العلوم الدينيّة في مسقط رأسه و اصفهان و النجف الأشرف عند إعلامها، و تخرج من مدرسة علمين من أعلام النجف البارزين و هما الشيخ محمّد النجفي «صاحب الجواهر»، و الشيخ مرتضى الأنصاري رحمهما اللّه تعالى، اختير مرجعا للشيعة بعد وفاة الشيخ الأنصاري عام 1281 ه إلى حين وفاته سنة 1312 ه. و سيرته معروفة و مشهورة و مدوّنة.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 178
قوله قدّس سرّه: اللهمّ إلّا أن يقال بعد النقض … الخ‏ «1».
أقول: يتوجّه على النقض المزبور أنّه فرق بين أوامر الاحتياط و الأوامر الواقعيّة المتعلّقة بالعبادات، حيث أنّه ثبت في هذه الأوامر بالأدلة الخارجية أنّ المقصود بها ليس صرف إيجاد متعلّقاتها كيف اتّفق، و إنّما المقصود إيجادها بداعي القربة، و هذا بخلاف أوامر الاحتياط، فانّه لم يثبت ذلك فيها، بل ثبت خلافه، فانّ المقصود منها- بشهادة العقل و النقل- ليس إلّا إيجاد متعلّقها أعني الاحتياط، و لذا قلنا إنّ الأوامر المتعلّقة بها كأوامر الإطاعة ليست إلّا للإرشاد، فلا يقاس هذه الأوامر بالأوامر الواقعيّة التي اريد بها الإطاعة من حيث هي.
نعم، لو انحصر متعلّق الأمر بالاحتياط في مثل المقام الذي لا يتأتّى الاحتياط إلّا بقصد القربة، المتوقّف على تعلّق الأمر به- كما هو المفروض- لا بجهة الالتزام بهذا التوجيه كما في الأوامر الواقعيّة، و لكنّك خبير بعدم اختصاص شي‏ء من الأدلّة بذلك، فعدم تأتّي الاحتياط على هذا التقدير، قرينة عقلية لصرف أوامره إلى غير مورد الفرض.
اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ هذا الكلام مبنيّ على حمل أوامر الاحتياط و غيرها- ممّا ذكره المستدلّ- على الطلب الشرعي دون الإرشاد العقلي، و معه لا محيص عن الالتزام بما ذكره لوجهين:
الأوّل: إنّ المنساق من الأوامر الشرعية، إنّما هو إرادة إيجاد ذوات متعلّقاتها المعنويّة، بعناوين موضوعها بالنظر إلى نفسها، من غير ملاحظة توقّفها على قصد القربة، أي المنهية التي لو أتى بها إطاعة للّه صدق عليه عنوان المأمور به، بمعنى أنّ هذه الخصوصيّة غير ملحوظة في متعلّقات الأوامر، سواء كانت معتبرة فيها
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 229 سطر 7، 2/ 152.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 179
كالعبادات أم لا، و لذا لو أمر بإعادة الأعمال السابقة لا يفهم منه عرفا إلّا إرادة جميعها من العبادات و غيرها، من غير التفات إلى أنّ العبادات يمتنع إعادتها بلا أمر، و هذا الأمر إنّما تعلّق بالإعادة، فيمتنع شمولها للعبادة، و ذلك لما أشرنا إليه من أنّ المتبادر من الأوامر الشرعية إنّما هو إرادة متعلّقاتها من غير أخذ قصد القربة قيدا فيها، و إن كان في الواقع من شرائط صحّتها، فلا يتفاوت الحال فيما يتفاهم عرفا من الأوامر الشرعية بين أن يتعلّق بإعادة الصلاة، أو بإعادة غسل الثوب، مع أنّ شرعية الاولى و صحّتها موقوفة على هذا الأمر، بخلاف الثانية.
و الثاني: إنّ معنى الاحتياط في الشبهات- تحريمية كانت أم وجوبية- إنّما هو الخروج عن عهدة التكاليف المحتملة، أي الإتيان بما يحتمل الوجوب لاحتمال وجوبه، و ترك ما يحتمل الحرمة كذلك، و هذا أمر راجح عقلا و شرعا من غير فرق بين العبادات و المعاملات، و لكن لا يتحقّق موضوعه- أي الخروج من عهدة التكليف المحتمل، الذي هو عبارة اخرى عن الاحتياط في العبادات- بعد فرض اشتراطها بقصد القربة على سبيل الجزم، و إلّا لعمّه الأدلّة العقلية و النقلية الدالّة على رجحانه، فالمانع عن طلبه في العبادات ليس إلّا تعذّره، و بعد فرض كون أوامر الاحتياط للاستحباب، يحصل بذلك قدرته عليه، فلا مانع من أن يعمّها تلك الأوامر، إذ العبرة بالقدرة على إيجاب المطلوب عند إرادة الامتثال، لا قبل أن يتعلّق به الطلب، فليتأمّل.
و الذي يقتضيه التحقيق، و ينحسم به مادّة الإشكال من أصله، هو إنّ القربة المعتبرة في صحّة العبادة ليست إلّا أن يكون العمل للّه تعالى لا لسائر الأغراض، و هذا المعنى كما يتأتّى من العالم بالطلب، كذلك يتأتّى ممّن يحتمله، فإذا احتمل كون شي‏ء مطلوبا للّه فأوجده بداعي هذا الاحتمال، لا يكون عمله صادرا منه إلّا للّه تعالى، و لكن في صدق الإطاعة عليه عرفا ما لم يكن منبعثا عن أمر محقّق تأمّل، إلّا
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 180
أنّه لا تأمّل في عدم توقّف صحّة العبادة على صدق الإطاعة بهذا المعنى العرفي، و امّا فتوى الأصحاب بالاستحباب مطلقا في مثل هذه الموارد، فلما ثبت لديهم من رجحان الاحتياط، و التورّع في الدين، و محبوبيّته لدى الشارع من حيث هو، و لو لم يتحقّق به في الواقع التحرّز عن المفسدة المحتملة بشهادة العقل و النقل، كما تقدّمت الإشارة إليه عند التعرّض لنقل أخبار الاحتياط، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: و يرد ما قبله ما تقدّم في أوامر الاحتياط «1».
أقول: قد عرفت فيما تقدّم أنّ ما ذكره في التفصّي عن هذا الإشكال مبنيّ على حمل أوامر الاحتياط على الاستحباب الشرعي، كما أشار إليه في ذيل عبارته المتقدّمة، فكذلك الكلام في المقام، فانّه لو قلنا بدلالة هذه الأخبار المستفيضة على استحباب ما ورد فيه خبر ضعيف، أمكن التفصّي عن هذا الإشكال بما ذكر.
و امّا لو حملناها على الإرشاد- كما هو مقتضى اعترافه بورود الإيراد الأوّل- و أنّ هذه الأخبار لا تدلّ على الاستحباب الشرعي، فهي غير مجدية في تصحيح قصد التقرّب، و لا يتّجه على هذا التقدير التوجيه المتقدّم كما لا يخفى.
قوله قدّس سرّه: و من المعلوم أنّ العقل مستقل باستحقاق هذا العامل المدح و الثّواب … الخ‏ «2».
أقول: كونه كذلك لا ينافي استحبابه شرعا، بل يؤكّده كسائر المستقلّات العقليّة، فانّ استحقاق المدح و الثواب من لوازم حسن العمل، بل محبوبيّته شرعا، فلا يكون إلّا واجبا أو مستحبّا، كما يقتضيه قاعدة الملازمة، و لا يقاس ذلك بمسألة الإطاعة حيث يدرك العقل حسنها و لا يستتبع طلبا شرعيّا، فانّ المانع عن‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 230 سطر 1، 2/ 155.
(2)- فرائد الأصول: ص 230 سطر 4، 2/ 155.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 181
الاستتباع في مسألة الإطاعة عدم قابلية المحلّ للاستتباع، حيث لا يعقل أن تكون الإطاعة مأمورا بها بأمر شرعي مولوي، و إلّا لدار أو تسلسل، لكن العقل مع ذلك يدرك محبوبيّتها لدى الشارع، و إن تعذّر الأمر بها أمرا شرعيّا مولويّا، و هذا بخلاف ما نحن فيه، فانّه قابل لأن يتعلّق به الطلب الشرعي، و يتّصف بالوجوب أو الاستحباب، فلا مانع من كونه مشمولا لقاعدة الملازمة، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: بل يحتمل قويّا أن يمنع من المسح ببلله، و ان قلنا بصيرورته مستحبّا شرعيّا «1».
أقول: بل هذا هو الأقوى، فانّ أدلّة التسامح لا تدلّ إلّا على استحباب الإتيان به جزءا من الوضوء، لا على كونه جزء منه في الواقع، كي يترتّب عليه آثاره الخاصّة، بل قد يتأمّل في ترتيب الآثار الخاصّة الثابتة للمستحبّات بعناوينها الخاصّة، كجواز الاقتداء بالفريضة المعادة، و رفع الحدث بالاغسال المسنونة، بناء على أنّ كلّ غسل مجز عن الوضوء، على ما ثبت استحبابه بأدلّة التسامح، حيث أنّ هذه الأدلّة لا تدلّ على استحباب هذه الأفعال إلّا بلحاظ كونها فعلا بالغا فيه الثواب، فما هو من الآثار الثابتة لمطلق الفعل المستحبّ بعنوانه العام يترتّب عليه، دون الآثار الثابتة لها بعناوينها الخاصّة، و إن كان الأظهر خلافه، إذ يكفي في ترتّب الآثار الخاصّة وقوع تلك الأفعال بعناوينها الخاصّة صحيحة، و يكفي في صحّتها وقوعها طاعة للّه من غير فرق بين أن يكون القرب الحاصل بها لوقوعها امتثالا لأمر خاصّ متعلّق بها، أو لكونها بعناوينها الخاصّة مندرجة في موضوع عام متعلّق للطلب، كما هو المفروض في المقام.
نعم، لو اقتضى أدلة الآثار اختصاصها بتلك الأفعال- على تقدير مشروعيتها
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 231 سطر 2، 2/ 158.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 182
من حيث هي لم تثبت- لها تلك الآثار عند ثبوت شرعيتها بعمومات أدلّة المسامحة، كما هو واضح.
قوله قدّس سرّه: أمّا لو شكّ في الوجوب التخييري و الإباحة … الخ‏ «1».
أقول: المراد ما لو دار الأمر بين وجوب شي‏ء و إباحته، بعد العلم بأصل الوجوب في الجملة، لا ما إذا لم يعلم أصل الوجوب رأسا، كما لو شكّ في أنّ كفّارة قضاء شهر رمضان- المخيّرة بين الصوم و الإطعام مثلا- هل هو واجب تخييري أو مستحبّ تخييري، فانّه لا شبهة حينئذ في جريان أدلّة البراءة، كما لا يخفى.
قوله قدّس سرّه: لأنّه إذا كان الشّك في وجوبه في ضمن كلّي مشترك … الخ‏ «2».
أقول: يعني إذا كان الوجوب التخييري المشكوك فيه من قبيل التخيير العقلي، في مقابل ما لو تعلّق الشّك في وجوبه التخييري الشرعي، بأن كان المشكوك بعنوانه المخصوص به متعلّقا لطلب الشارع طلبا تخييريا.
و كيف كان، فاجراء أصالة عدم سقوط ذلك الفرد المتيقّن الوجوب بفعل هذا المشكوك، مبتن على عدم جريان أصالة البراءة عن الكلفة الزائدة، الحاكمة على الأصل المذكور، عند دوران الأمر بين التعيين و التخيير، و سيتّضح لك إن شاء اللّه أنّه لا يخلو عن كلام.
ثمّ لا يخفى عليك، إنّا و إن قلنا بجريان أصل البراءة في نفي الكلفة الزائد، و عدم ثبوت التكليف في مثل الفرض إلّا بالنسبة إلى القدر المشترك الحقيقي، كما في الفرض الأوّل، أو الانتزاعي كما في الثاني، و لكن لا يثبت بذلك كون القدر المشترك هو
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 231 سطر 4، 2/ 159.
(2)- فرائد الأصول: ص 231 سطر 6، 2/ 159.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 183
الواجب الواقعي، حتّى يتعيّن التكليف بالفرد المشكوك عند تعذّر المتيقّن، بل يرجع حينئذ إلى البراءة عن أصل التكليف، كما هو الشأن فيما يقتضيه الأصل العملي عند دوران الشي‏ء بين كونه واجبا نفسيا أو غيريّا، على ما تقرّر في محلّه، فلاحظ و تدبّر.
قوله قدّس سرّه: إلّا أنّ جوابه (صلوات اللّه و سلامه عليه) بالأخذ بأحد الحديثين … الخ‏ «1».
أقول: ليس في جوابه عليه السّلام دلالة على كون الحديث الأوّل منقولا بالمعنى، لجواز أن يكون منقولا بلفظه، لكن المراد منه عمومه حقيقة، و حيث أنّ الإمام عليه السّلام كان عالما بذلك عمل مع الحديثين معاملة المتعارضين، و إنّما كنّا نجمع بينهما- لو لا هذه الرواية- بحمل العام على الخاصّ، جريا على ما يقتضيه القواعد الظاهرية عند الجهل بإرادة العموم حقيقة، فتأمّل.
قوله قدّس سرّه: و لكن المشهور بين الأصحاب رضوان اللّه عليهم … الخ‏ «2».
أقول: مورد حكم الأصحاب (رضوان اللّه عليهم) بحسب الظاهر، ما إذا علم إجمالا بأنّه فاتت منه فوائت، كما إذا علم إجمالا ببطلان كثير من صلواته أو فوتها في طول عمره مثلا، من غير أن يعرف مقدارها، فإنّ الاقتصار في مثل هذا الفرض على القدر المقدّر المتيقّن، و الرجوع فيما عداه إلى البراءة في غاية الإشكال، بل الأظهر في مثل الفرض ما عليه المشهور، من وجوب الاحتياط، و انّما يرجع في المشكوك إلى البراءة فيما لو انحلّ علمه الإجمالي إلى علم تفصيلي و شكّ بدوي، كما لو تأمّل بعد علمه الإجمالي فذكر فوت عدّة صلوات مفصّلة و شكّ فيما زاد عليها.
و امّا في مثل الفرض الذي لا يزيده التأمّل إلّا مزيد تحيّر فلا، فالأخذ بالقدر
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 233 سطر 5، 2/ 167.
(2)- فرائد الأصول: ص 233 سطر 25، 2/ 170.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 184
المتيقّن ممّا علمه بالإجمال ليس تحليلا لعلمه الإجمالي، أ لا ترى إنّه لو سألت من كانت هذه حالته عن مقدار ما تيقّن بفوته يجيبك بلا أدري، و لا يعيّن لمعلومه الإجمالي طرفا، و لا يجعل القدر المتيقّن حدّا لما أدركه بالإجمال!
و كيف كان، ففي مثل هذه الموارد وجوب الاحتياط قويّ‏ «1».
و من هذا القبيل ما لو استقرض من شخص شيئا فشيئا في مدّة مديدة، ثمّ ضاع دفتره و نسى حسابه بحيث لم يكن لمعلومه الإجمالي حدّ يعرف، اشتغال ذمّته به مفصّلا.
و الحاصل: إنّ الأخذ بالقدر المتيقّن لا يزيل العلم الإجمالي حتّى يرتفع أثره، و إنّما يزول أثر العلم الإجمالي بالانحلال إلى علم تفصيلي و شكّ بدوي، كما في المثال السابق، لا فيما هو مفروض كلام الأعلام، و إلى هذا يؤول ما ذكره بعض المحقّقين في ذيل كلامه الآتي، في الفرق بين الأمثلة الآتية بقوله «و الحاصل … الخ».
و امّا ما ذكره فارقا بينها في صدر كلامه فهو بظاهره ممّا لا يرجع إلى محصل، كما لا يخفى على المتأمّل، و اللّه العالم.
قوله قدّس سرّه: فتأمّل‏ «2».
أقول: إشارة إلى ضعف الاستدلال المذكور، و لعلّ وجهه:
أولا: منع الأولوية، حيث أنّ في الوجوب كلفة و الزاما، بخلاف المندوب فانّه مبني على التوسعة و الترخيص، فلا مانع عن إشارة إلى ما هو الأصلح بحاله، و هو الاحتياط في مقام إحراز الواقع الذي لا ريب في رجحانه عقلا و نقلا، فهذا لا يدلّ‏
______________________________
(1)- قوله: في مثل هذه الموارد وجوب الاحتياط أقوى.
أقول: و لكن خلافه أقوى، إذ غاية ما يلزم من عدم الانحلال، صيرورة متعلّق العلم مجملا مترددا بين الأقل و الأكثر، و ستعرف أنّ الاقوى فيه- حتى في الارتباطي منه تفصيلا عن غير الارتباطي كما في المقام- عدم وجوب الاحتياط، فليتأمّل. منه عفى عنه.
(2)- فرائد الأصول: 235 سطر 25، 2/ 176.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 185
على أنّ القضاء- في الواجب الذي لا يريد المكلّف إلّا تفريغ ذمّته و تخليصه من العقاب- لا يتحقّق إلّا بذلك.
و ثانيا: منع دلالتها على المدّعي، ضرورة أنّ الإتيان بما لا يعلم عددها لا يستلزم القطع بالمساواة و لا الظّن بها، بل هو محقّق للاحتمال الذي نلتزم بوجوبه في الفريضة أيضا، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: و ليس العلم بجنس التكليف … الخ‏ «1».
أقول: قد تقدّم في مبحث حجّية العلم، عدم الفرق بين ما لو تعلّق العلم بنوع التكليف أو بجنسه، في وجوب الخروج عن عهدة ما علم مع الإمكان، بأن تمكّن من الاحتياط، كما لو علم إجمالا بتعلّق الحلف بالجلوس في المسجد يوم الجمعة، أو ترك الجلوس في السوق، و إنّما لا يجب الاحتياط عند دوران الأمر بين المحذورين، كما فيما نحن فيه- لعدم التمكّن، لا لقصور العلم عن التأثير في تنجيز الخطاب، كما قد يتحقّق نظيره، فيما لو علم نوع التكليف، كما لو ترك المخاوف عليه بين الجلوس في المسجد في أوّل الصبح مثلا، أو في مكان آخر في ذلك الوقت، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: و إن لم يخل عن مناقشة … الخ‏ «2».
أقول: سيتّضح وجهها في مبحث التعادل و التراجيح، و ملخصه ظهور الأدلّة في كون اعتبار الأخبار من باب الطريقية المحضة، و لكن الظهور لا ينفي الاحتمال المانع عن استفادة حكم المقام منه، كما أنّ احتمال السببيّة بالنسبة إلى فتوى المجتهد أيضا يمنع عن ذلك، كما لا يخفى.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: 236 سطر 15، 2/ 180.
(2)- فرائد الأصول: 237 سطر 14، 2/ 182.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 186
قوله قدّس سرّه: لكن ظاهر كلام الشيخ … الخ‏ «1».
أقول: قد تقدّم في مبحث حجّية القطع بعض الكلام في توجيه مذهب الشيخ، و أشرنا في ذلك المقام إلى عدم جواز الاستشهاد بمذهب الشيخ لإثبات جواز احداث القول الثالث، فراجع.
قوله قدّس سرّه: لكن الأنصاف … الخ‏ «2».
أقول: قد أشرنا في مبحث حجّية العلم إلى أنّه مع قطع النظر عن دعوى الانصراف، يمكن أن يقال انّه لا معنى للرجوع إلى أصل الإباحة في مثل المقام، ممّا لا يترتّب عليه أثر عملي، إذ لا معنى لاجراء الأصل إلّا البناء على خصوص مؤدّاه في مقام ترتيب الأثر من حيث العمل، و المفروض أنّه لا أثر له، فلا معنى للرجوع إليه، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: و ما ذكر من الأمثلة، مع عدم ثبوت الغلبة بها … الخ‏ «3».
أقول: محلّ الكلام في هذا المقام إنّما هو فيما إذا دار الأمر بين الوجوب و الحرمة، و لم يكن دليل اجتهادي أو أصل حاكم يعيّن أحد الاحتمالين، فلو ثبتت الغلبة في مثل سر الفرض، ينفع المستدلّ في إثبات مطلبه.
و امّا ثبوت الغلبة في موارد استصحاب الحرمة، أو قاعدة اخرى مقتضية لها، أو الأمر بالاجتناب تعبّدا في موضوع ليس فيه احتمال الحرمة الذاتية، كما في الأمثلة المزبورة، فلا يجديه أصلا، كما هو واضح.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: 237 سطر 21، 2/ 183.
(2)- فرائد الأصول: 238 سطر 5، 2/ 185.
(3)- فرائد الأصول: 238 سطر 18، 2/ 186.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 187
قوله قدّس سرّه: مع أنّ القائل بتغليب جانب الحرمة … الخ‏ «1».
أقول: بعد الإغماض عن ثبوت البدل للوضوء، و عدم كون حرمة الوضوء بالنجس ذاتية بل تشريعية، فلا مانع عن الالتزام بوجوب ترك كليهما، لا لأجل جواز المخالفة القطعية في الواجب مقدّمة للقطع بالتجنّب عن الحرام، بل لأجل أنّ الوضوء بكلّ من الإناءين في حدّ ذاته بنظر العقل موضوع مستقلّ، أمره دائر بين الحرمة و الوجوب، و قضيّة تغليب جانب الحرمة، اختيار الترك في كلّ من الموضوعين، كما أنّا ربّما نلتزم بذلك فيما إذا علم أهمّية أحد الاحتمالين، كاشتباه المرأة الواجب وطئها بنذر و شبهة بالأجنبيّة، في المثال الآتي على التوجيه الذي سنذكره، و ليست المخالفة القطعية الحاصلة في مثل الفرض، إلّا كالمخالفة القطعيّة الناشئة من التخيير الاستمراري، فيما دار الأمر بين المحذورين، و سنشير إلى أنّه لا محذور فيه، كما أنّا نوضّحه إن شاء اللّه في طيّ بعض كلماتنا الآتية.
قوله قدّس سرّه: و يضعّف ما قبله بأنّه يصلح وجها … الخ‏ «2».
أقول: امّا عدم صلاحيّته لتعيين الحرمة، فلأن كون إفضاء الحرمة إلى مقصودها أتمّ إنّما ينفع بعد إحراز أصل الحرمة، و هي في المقام مشكوكة، و هذا الوجه لا يوجب قوّة الاحتمال، و لا ضعف احتمال الوجوب الذي هو سبب تام، لجواز مراعاة احتماله، و كون الواجب قد لا يفضي إلى المقصود غير قادح، بعد كون المكلّف معذورا في ذلك، على تقدير الوجوب الذي ليس احتماله أضعف من احتمال الحرمة، فالمكلّف عند أخذه باحتمال الوجوب يعلم بأنّه على تقدير مصادفة الاحتمال للواقع، إمّا آت بالمقصود، أو معذور في ذلك.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: 238 سطر 25، 2/ 187.
(2)- فرائد الأصول: 239 سطر 2، 2/ 187.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 188
و امّا صلاحيته وجها لعدم تعيين الوجوب، فلأنّه بعد أن كان احتمال الحرمة مكافئا لاحتمال الوجوب، و كونه أتمّ في الإفضاء إلى المقصود- على تقدير مصادفة الاحتمال للواقع- لا وجه لاهمال هذا الاحتمال، و لزوم الالتزام باحتمال الوجوب الذي ليس أرجح في حدّ ذاته، و على تقدير المصادفة أيضا ربّما لا يحصل الغرض، فتدبّر فانّه لا يخلو عن دقّة.
قوله قدّس سرّه: إلّا أن يقال إنّ احتمال أن يرد من الشارع … الخ‏ «1».
أقول: هذا الاحتمال لا يجدي في اندراج المسألة في موضوع مسألة الشّك في التعيين و التخيير، لأنّ المفروض موضوعا لتلك المسألة ما إذا ثبت أصل التكليف، و تردّد بين كونه تعينيا أو تخييريا، و في المقام لم يثبت تكليف ظاهري شرعي بالأخذ بأحد الاحتمالين عينا أو تخييرا، كما هو المفروض، بل هو احتمال بدوي مخالف للأصل، و التكليف الثابت في المقام ليس إلّا الواقع المردّد بين المحذورين، و قضيّة تردّده بين الفعل و الترك، و عدم مزية لأحد الاحتمالين في نظر المكلّف من حيث القوّة و الأهمّية، جواز اختيار كلّ منهما بحكم العقل، و مجرّد احتمال إلزام الشارع بالأخذ بأحد الاحتمالين عينا، كما أنّه لا يصلح أن يكون دليلا لتعيّنه كذلك، لا يصلح أن يكون مانعا عن استقلال العقل بجواز اختيار الآخر، بعد مكافئة احتماله احتمال كونه هو تكليفه الواقعي الذي علمه بالإجمال، لاحتمال كونه هو هذا الذي احتمل تعبّد الشارع بالأخذ به، فانّ مؤاخذة المكلّف على عدم التزامه بهذا- بعد عدم ثبوت التعبّد به- قبيح، و قد تقدّم في نتيجة دليل الانسداد، في ردّ من منع حكومة العقل بحجّية مطلق الظّن، لزعمه دوران الأمر بين التعيين و التخيير، ما يتّضح به حال المقام، فراجع.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: 239 سطر 11، 2/ 189.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 189
قوله قدّس سرّه: أو مع البناء من أوّل الأمر على الاستمرار «1».
أقول: يعني البناء على الاستمرار على ما اختاره أولا- من فعل أو ترك فيه- ثبت له على هذا التقدير التخيير الاستمراري، بخلاف ما لو عزم من أوّل الأمر على ارتكاب كليهما، فانّه يوجب حصول المخالفة عن قصد و شعور، و هو قبيح لدى العقل و العقلاء.
قوله قدّس سرّه: فتأمّل‏ «2».
أقول: لعلّه إشارة إلى أنّ ما ذكره من المناقشة، إنّما يتّجه لو أخذ الموضوع من العقل، و امّا على ما هو التحقيق من إحرازه بالمسامحة العرفيّة، أو الرجوع إلى ما يستفاد من عناوين الأدلّة فلا، كما لا يخفى.
قوله قدّس سرّه: و قد مثّل بعضهم له باشتباه الحليلة … الخ‏ «3».
أقول: و لعلّ نظر هذا البعض إلى ما لو تعدّد أطراف الشبهة، كما لو علم بأنّ إحدى المرأتين زوجة و الاخرى أجنبية و اشتبهتا، فانّ العلم الإجمالي على هذا التقدير مانع عن إجراء الأصل، فيكون كلّ واحدة منهما مثالا لما نحن فيه، و إن كان الحكم بالتخيير بعد البناء عليه في خصوص هذا المثال مشكلا، كما تقدّمت الإشارة إليه آنفا.
و امّا ما ذكره المصنّف رحمه اللّه من اجراء الأصل، ففرضه فيما لو حلف على وطي زوجته، و اشتبهت عليه زوجته، بأن رأى مثلا بحيال وجهه امرأة و احتمل كونها
______________________________
(1)- فرائد الأصول: 239 سطر 24، 2/ 191.
(2)- فرائد الأصول: 240 سطر 2، 2/ 192.
(3)- فرائد الأصول: 240 سطر 4، 2/ 193.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 190
زوجته، احتمالا غير مقرون بعلم إجمالي في موارد ابتلائه، فانّ الأصل فيها عدم الزوجية، كما ذكره المصنّف، فيخرج عن كونه مثلا لما نحن فيه.
و لا يخفى عليك إنّ ما فرضه المصنّف رحمه اللّه هو المناسب مثلا لما نحن فيه، لأنّ الكلام إنّما هو فيما يقتضيه الاحتمالات بالنسبة إلى متعلّقه من حيث، هو و بهذه الملاحظة لو لوحظ كلّ واحد من الأطراف فهو مجرى الأصل، و امّا العلم الإجمالي الحاصل في المقام من ضمّ محتمل آخر مانع عن إجراء الأصل، فهو أجنبيّ عمّا نحن بصدده، فلاحظ و تدبّر.
قوله قدّس سرّه: الّا أنّ إجراء أدلّة البراءة «1».
أقول: من جملة أدلّة البراءة استصحاب حال العقل، و هو جار في المقام، و لكنّ المصنّف رحمه اللّه ناقش في الاستدلال بهذا الدليل، إلّا أنّك ستعرف في مبحث الاستصحاب اندفاعه.
قوله قدّس سرّه: لنا على ذلك وجود المقتضى للحرمة، و عدم المانع عنها … الخ‏ «2».
أقول: هذه المسألة من المهمّات التي التبس أمرها على كثير من الفحول، فأشكل عليهم الإذعان بحرمة أطراف الشبهة- كلّا أو بعضا- في غير الموارد التي ورد فيها نصّ الخصوص، اغترارا بما قد يتراءى من بعض الشواهد النقلية التي يجب ارتكاب التأويل فيها، بعد تسليم ظهورها في المدّعي بما لا ينافي غيرها من البراهين العقلية و النقلية. و لقد بالغ المصنّف أجزل اللّه مثوبته في إيضاحها و سدّ ثغورها، بدفع‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: 240 سطر 13، 2/ 194.
(2)- فرائد الأصول: 240 سطر 22، 2/ 200.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 191
ما يتوجّه عليها من التوهّمات، بحيث لم يدع لمن تدبّر في كلامه و تعقّله كما هو حقّه مجال للتشكيك فيه، و لكن لابتناء مطلوبه على مقدّمات عديدة، قد لا يحصل الإذعان به، غفلة عن بعض مبادئه، و عدم إعطاء النظر حقّه، فبالحري أن نشرحه ببيان آخر، فربّما يحصل الانس بالمطلب من تأديته بعبائر مختلفة، و تقريبات متفاوتة.
و ليعلم أوّلا أنّ محلّ الكلام في هذه المسألة إنّما هو فيما إذا علم بثبوت وصف الحرمة لذات شي‏ء على الإطلاق، من غير تقييد بالعلم بذلك الشي‏ء، كما هو الشأن في جلّ التكاليف الشرعية، على ما يقتضيه ظواهر أدلّتها، مضافا إلى القطع بذلك في كثير من المقامات بواسطة المناسبات و العلل المنصوصة و غيرها، و سائر القرائن الداخلية و الخارجية، المورّثة للقطع بعدم كون العلم بالموضوع مأخوذا قيدا في موضوعيته. و حيث أنّ محلّ الكلام في مثل الفرض، فلنفرضه في التكاليف العرفية الصادرة من الموالي إلى عبيدهم.
فنقول: إذا كلّف المولى عبده بشي‏ء، فعلا كان أو تركا، وجب عليه عقلا- بعد علمه بالتكليف- الخروج عن عهدته، على حسب ما تعلّق به غرض المولى و بيّنه له، فإذا نهاه عن فعل بأن قال مثلا «لا تشرب السكنجبين ما دمت مريضا»، أو منعه عن إدخال زيد في داره، أو تمكينه من الدخول، وجب عليه ترك طبيعة السكنجبين، و كذا منع زيد عن دخول داره على الإطلاق، و لا يعذر في مخالفته في شي‏ء من موارد تحقيق جهته المنهيّ عنه، إلّا أن يكون له عذر مقبول لدى العقلاء، خصوصا مع علم العبد بمناط الحكم، و اطّراده في جميع الموارد، و عدم مدخلية العلم و الجهل في ذلك، كما لو علم بأنّ منعه عن السكنجبين لأجل كونه مضرّا له لحموضته، و منعه عن تمكين زيد من دخول داره لكونه سارقا، فلو شرب العبد السكنجبين، أو مكّن زيدا من الدخول، وجب عليه إبداء العذر في المخالفة بعد علمه بأصل التكليف، فإن كان له عذر مقبول كالغفلة و النسيان و الجهل، منع ذلك عن‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 192
تأثير النهي المتعلّق بصرف الطبيعة من حيث هي، و صيرورتها بالنسبة إلى هذا الفرد المقرون بالعذر حراما في حقّه بالفعل، أي في مقام عمله، و إلّا فهو في الواقع حرام عليه من قبل مولاه. و لكن الحرمة الواقعية غير كافية في لزوم الخروج عن عهدتها، كي تتنجّز في حقّ المكلّف، بل هي مقتضية لذلك، و انّما تتنجّز في حقّه إذا أذعن بها عقله، أي أدركه و لم ير عذرا في مخالفته، فحينئذ يصير الحرام حراما فعليّا في حقّه، غير جائز المخالفة، فالأعذار العقلية موانع من تأثير الواقعيات، من لزوم الخروج عن عهدتها.
فإن شئت قلت: إنّ عدمها شرط في تنجّزها و صيرورتها تكليفا فعليا.
و كيف كان، فيجب على العبد مهما خالف سيّده، أن يعتذر بعذر مقبول لدى العقل و العقلاء، من نسيان أو جهل أو غفلة أو نحو ذلك ممّا يرفع قبح المخالفة، و يقبح العقاب عليها.
و لا ريب أنّ الجهل بكون المأتي به مصداقا للمحرم عذر عقلائي، امّا الجهل المجامع للغفلة أو اعتقاد الخلاف فواضح، و امّا مع الترديد أيضا فكذلك، إن لم يدلّ دليل عقلي أو نقلي على لزوم الاحتياط، لما تقدّم مرارا من استقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان، و لا بيان في الفرض، حيث أنّ كون الأفراد الواقعيّة مرادة بالنهي، لا يصلح أن يكون بيانا للحكم فيما يحتمل كونه منها، و لا دليل غيره يقتضي وجوب الاحتياط عدا قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل، و قد عرفت غير مرّة أنّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان واردة على القاعدة المزبورة، فيكشف ذلك عن أنّه لا قبح في المخالفة حينئذ، و إلّا لاستحق اللوم و المؤاخذة عليها، ففي المثالين المزبورين لو شرب العبد ما احتمل احتمالا بدويّا غير مقرون بعلم إجمالي كونه سكنجبينا، أو أدخل من احتمل كونه زيدا يعذر في فعله، و إن صادف الحرام الواقعي، و امّا لو علم بأنّ أحد الإنائين سكنجبين فشربهما عن عمد و اختيار، أو علم بأنّ أحد الشخصين زيد
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 193
فأدخلهما في الدار، لا يستقل العقل بقبح مؤاخذته، إذ لا يتمشّى حينئذ قاعدة قبح العقاب بلا بيان، إذ المفروض علمه بحرمة شرب السكنجبين، أو إدخال زيد الصادر منه اختيارا، فليس في المقام ما يصلح أن يكون عذرا له، إلّا جهله حين ارتكاب كلّ من المشتبهين، بأنّه بالخصوص هو الذي تعلّق الغرض بتركه، و لا يستقلّ العقل بأنّ هذا الجهل صالح لأن يعتذر به في المخالفة، بل إمّا مستقل بعدم صلاحيته لذلك، و أنّ إدخال زيد المردّد بين شخصين، الحاصل بإدخال كلّ منهما، ليس إلّا كإدخاله حال كونه معروفا بشخصه، في كونه مخالفة عمدية موجبة لاستحقاق المذمّة و العقوبة، أو متوقّف في ذلك.
و على الثاني أيضا يستقلّ بلزوم تركه، بترك إدخال كلّ من الشخصين دفعا للعقوبة المحتملة، و لكن على هذا التقدير لو صدر من المولى الرّخصة في إدخال كلّ من يحتمل كونه زيدا، ما لم يعرفه بشخصه، لا يكون منافيا للحكم العقلي، بل يكون واردا عليه، و امّا على التقدير الأوّل، أي استقلال العقل بقبح المخالفة العمديّة الإجماليّة، و كونها كالمخالفة العمديّة التفصيليّة، معصية للمولى، فلا يجوز أن يصدر من المولى الرخصة في ارتكاب كلّ من المشتبهين، إلّا إذا رفع اليد عن حكمه الواقعي في صورة الاشتباه، و خصّصه بما لو كان موضوعه معلوما بالتفصيل، لا لمجرّد كونه إذنا في المعصية التي استقل العقل بقبحها، بل لأنّ اذنه بشرب كلّ من الإناءين الذين يعلم بأنّ أحدهما سكنجبين مثلا يناقض المنع عن شرب السكنجبين المردّد بينهما على سبيل الحتم و اللزوم، فلا يعقل أن يتعلّق طلب حقيقي حتمي بترك شرب السكنجبين المردّد بين الإناءين مع الرضا بشرب كلّ منهما، إلّا على تقدير اختلافهما في المرتبة، بأن لم يكن النهي المتعلّق بشرب السكنجبين منجزا في حقّه، بأن كان معذورا في مخالفته، كما في المشكوك بالشكوك البدويّة، فحينئذ يجوز أن يكون تكليفه في مقام العمل مخالفا لما هو حكمه في الواقع، كما عرفته عند التكلّم في توجيه‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 194
نصب الطرق، و فيما علّقناه على أوائل المبحث.
و امّا على تقدير عدم معذوريته في المخالفة- كما هو مفروض- وجب عليه في مقام العمل الخروج عن عهدة ما هو تكليفه في الواقع، فيمتنع حينئذ أن يتعلّق بفعله حكم يناقضه أو ينافيه، كما نبّه على ذلك كلّه المصنّف رحمه اللّه بقوله «الحكم الظاهري لا يقدح … الخ».
ثمّ إنّ ما ذكرناه على سبيل الترديد من أنّ العقل إمّا مستقل بجواز المؤاخذة، أو متوقّف فيه، فانّما هو من باب المماشاة مع الخصم، و إلّا فلا ترديد في ذلك أصلا، بل من ضروريات العقل أنّه متى نهاه مولاه عن شي‏ء، و لم يعتبر العلم التفصيلي بذلك الشي‏ء قيدا في الموضوع، بل أراد تركه مطلقا، وجب عليه ترك ما علم أنّه من أفراده، و لو على سبيل الإجمال، و هكذا الكلام في التكاليف الشرعية حرفا بحرف، حتّى في ظواهر ألفاظه، فكما أنّ المتبادر من قول المولى لعبده «لا تشرب السكنجبين» إرادة النهي الحقيقي الحتمي، الذي قصد به البعث على الكفّ عن الطبيعة المنهيّ عنها مطلقا حين الابتلاء بها، فكذلك المتبادر من نهي الشارع عن شرب الخمر أو نحوه، ليس إلّا ذلك، فمتى علم المكلّف بأنّ الشارع نهاه عن التصرّف في مال الغير من غير رضاه، و وجد في صندوق صرّتي دراهم، و علم إجمالا بأنّ إحداهما له و الاخرى أمانة عنده، و لا يرضى صاحبها بأن يتصرّف فيها، لا يجوز له بضرورة العقل صرف كلتيهما، لا دفعة و لا تدريجا، و لا يعقل أن يرخّصه الشارع في ذلك بعد نهيه عن التصرّف في مال الغير مطلقا، إلّا أن يقيّد الحرمة بما إذا كان مال الغير معلوما لديه بالتفصيل، و هو خلاف الفرض.
نعم يعقل أن ينصب الشارع طريقا ظنّيا، أو قاعدة تعبّدية، من قرعة و نحوها، لتشخيص ماله إذا اقتضت المصلحة لذلك، على حسب ما عرفته في مسألة نصب الطريق، كما أنّه يعقل أن يقنع الشارع بالموافقة الاحتمالية، إذا كانت في تحصيل القطع‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 195
بالموافقة بالاحتياط، أو المعرفة التفصيلية مفسدة منافية لما تعلّق به غرض الشارع من التوسعة و التسهيل، و غير ذلك ممّا يقتضيه اللطف و الامتنان، فيترك المكلّف أحد المالين للودعي في المثال، و يترك أحد الإناءين- المعلوم كون أحدهما خمرا- لاحتمال كونه هو ذلك الحرام المعلوم بالإجمال، و يرتكب ما عداه برجاء أن لا يكون ذلك الحرام فيكون المتروك إمّا هو ذلك الحرام، فيخرج بتركه عن عهدة التكليف في الواقع، و امّا لا، فيقع بدلا عنه في مقام عمله، في كونه مبرئا لذمّته على ذلك التكليف، بعد أن علم أنّ الشارع اكتفى في الخروج عنه بالموافقة الاحتمالية، و ليس شي‏ء من هذين الأمرين- أي الأمر بسلوك طريق ظنّي، أو قاعده تعبّدية لتشخيص الواقع، أو الاكتفاء بالموافقة الاحتمالية- منافيا لحرمة ذلك الشي‏ء في الواقع و مطلوبية تركه، بل يؤكّدها، و إلّا لم يكن يوجب الموافقة الاحتمالية الحاصلة بترك أحد الإناءين، أو الظنّية الحاصلة بسلوك الطريق، فنصب الطريق لتشخيص الحرام، أو الالزام بترك بعض أطراف الشبهة لاحتمال كونه هو ذلك الحرام، ليس منافيا لحرمة ذلك الشي‏ء في الواقع من حيث هو، بل هو من آثار كونه كذلك، و عدم اختصاص حرمته بصورة العلم التفصيلي، غاية ما يلزم في المقام أنّه يجب أن يكون في رضا الشارع بالموافقة الاحتمالية، أو سلوك الطريق الظنّي، مصلحة يتدارك بها مفسدة فوت ما تعلّق به غرضه من التكاليف، عند مخالفة الاحتمال للواقع، و خطأ الطريق أحيانا، و المفروض حصولها، فليس في أمر الشارع بسلوك طريق ظنّي المستلزم لأمره بمخالفة الواقع، في مقام عمله عند خطأ الطريق، و لا في رضاه بالموافقة الاحتمالية المستلزم بالرخصة في المخالفة عند الخطأ، منافاة و مناقضة لحكمه الواقعي، كي يستلزم ذلك نسخ ذلك الحكم، و لا منافاة لحكم العقل بوجوب الإطاعة، فانّه و إن استقلّ العقل بعد إحراز حرمة شي‏ء أو وجوبه بوجوب الإطاعة أو الخروج عن عهدة التكليف المحرز، من غير فرق بين كونه محرزا بعلم تفصيلي أو
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 196
إجمالي، حيث أنّ اعتبار العلم في موضوع حكم العقل بوجوب الإطاعة من باب الطريقية المحضة، فمتى أدرك العقل أنّ الشارع أراد منه فعل شي‏ء أو تركه إرادة حتمية، استقل بلزوم تحصيل مراده مع القدرة عليه، و لكن حكمه بهذا ليس لأجل أنّ حصول مراده من حيث هو له موضوعية بنظر العقل، بل لأنّ الخروج عن عهدة تكليفه المعلوم مع القدرة عليه لا يحصل إلّا بهذا، فإذا علم أنّ الشارع جعل لتشخيص مراده طريقا ظنّيا، أو رضى بالموافقة الاحتمالية، لا يحكم العقل إلّا بوجوب الخروج عن عهدة ذلك التكليف، على الوجه الذي علم برضا الشارع به، و إن لم يحصل معه القطع بحصول الواقع، فيكون الدليل الدالّ على رضا الشارع بالموافقة الظنّية أو الاحتمالية حاكما على ما يستقل به العقل، من لزوم تحصيل القطع بالموافقة في مقام الإطاعة، لا منافيا له، كما هو واضح.
و امّا لو رخّص في ارتكاب جميع أطراف الشبهة، فلا محالة يتحقّق التنافي بينه و بين ما دلّ على حرمة ذلك الشي‏ء المردّد بينهما، أو بينه و بين حكم العقل بوجوب الإطاعة، فانّه كما لا يعقل الرخصة في ارتكاب ما علم حرمته بالتفصيل، كذلك لا يعقل الرخصة في ارتكاب ما علم حرمته بالإجمال، و الإذن في ارتكاب مجموع الأطراف اذن في ارتكاب الحرام المردّد، و هو غير معقول، و انّما المعقول هو الرخصة في ارتكاب بعض الأطراف، من غير اعتناء باحتمال حرمته، أو البناء على أنّه هو غير ذلك الحرام، و لا يعقل ذلك بالنسبة إلى مجموع المعلوم اشتماله على الحرام.
إن قلت: قد اعترفت عند التكلّم في إمكان جعل الاصول الظاهرية، و نصب الطرق الظنّية، بأنّه يجوز عقلا أن يكون في الرخصة في ارتكاب محتمل الحرمة في الشبهات البدوية- موضوعيّة كانت أم حكميّة- مصلحة يتدارك بها مفسدة مخالفة الواقع أحيانا، على وجه لا يلزم التصويب ببعض التقريبات المذكورة في محلّها، فمن الجائز أن يكون الأمر في أطراف الشّبهة المحصورة أيضا كذلك، بأن تكون في‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 197
الرخصة في ارتكاب كلّ واحد من الأطراف، بملاحظة كونه من حيث هو غير معلوم الحرمة مصلحة يتدارك بها مفسدة ذلك الحرام المشتبه على تقدير ارتكابه.
قلت: هذا إنّما يعقل فيما إذا لم يكن التكليف الواقعي منجرا في حقّ المكلّف، بالنسبة إلى المورد الذي يحصل مخالفته عند العمل بالحكم الظاهري، الذي اقتضاه ذلك المورد، من حيث كونه مجهول الحكم، أي مع جهل المكلّف بالمخالفة، كما سيشير إليه المصنّف رحمه اللّه، و امّا مع علمه فلا يعقل، لاستلزامه توارد حكمين متضادّين على موضوع واحد، في مرتبة واحدة، كما تقدّمت الإشارة إليه.
بيان ذلك: إنّه إذا قال الشارع «الخمر حرام» و علم المكلّف بوجوده في أحد الإنائين الذين هما مورد ابتلائه، فإن كان عروض وصف الاشتباه له مؤثّرا في حدوث مصلحة في شربه، يتدارك بها مفسدته الذاتية، امتنع بقائه على صفة الحرمة، و هو خلاف الفرض، و إن لم يؤثر في ذلك، فلا يعقل الرخصة في ارتكاب ذلك الحرام المشتبه- كما في صورة العلم التفصيلي- لرجوعه إلى التناقض، أو الإذن في المعصية، فيمتنع صدورهما من الشارع، و من المعلوم أنّ الأذن في ارتكاب كلّ من الأطراف، اذن في ارتكاب الحرام المعلوم بالإجمال، فلا يجوز. و امّا لدى جهل المكلّف بثبوته في الواقع، فلا يرد هذا المحذور، إذ لا أثر للحرمة الواقعيّة التي لم يعلم بها المكلّف في باب الإطاعة و المعصية، فانّها غير مؤثّرة في اتصاف ما صدر من المكلف من حيث صدوره منه بالقبح، و كونه معصية للشارع، فلا استحالة حينئذ في أن يلحقه حكم آخر في مقام تكليفه الظاهري، بلحاظ سائر الجهات المقتضية له، كالصلاة في الدار المغصوبة لدى الجهل بغصبيتها، فإذا فرضنا أنّ كون الشي‏ء مجهول الحكم من الوجوه المقتضية للرخصة فيه، فلا يصلح حرمته الواقعية عند عدم تنجّزها، و صلاحيتها للتأثير في اتّصافه- من حيث صدوره من المكلّف- مانعة من أن يلحق الحكم من هذه الجهة، كما في المثال، و هذا بخلاف ما لو علم بحرمته، فيمتنع أن يلحقه الحكم من‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 198
سائر الجهات، إلّا على تقدير قاهرية سائر الجهات، فترتفع حرمته حينئذ في الواقع، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: امّا قوله عليه السّلام «كلّ شي‏ء حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه …
الخ» «1».
أقول: توضيح الفرق بين الروايتين أنّ الغاية في الرواية الاولى معرفة كون الشي‏ء المردّد بين إناءين، فقد عرفت أنّ إناء زيد بعينه حرام، و لكنّك لم تميّزه بشخصه، ففائدة التأكيد في الرواية الاولى الاهتمام في اعتبار العلم، و دفع توهّم إرادة التجوّز في النسبة أو المحمول، و في الرواية الثانية المبالغة في تشخيص متعلّق المعرفة، أي ذات الحرام، فتدبّر.
قوله قدّس سرّه: قلت الحكم الظاهري لا يقدح مخالفته … الخ‏ «2».
أقول: قد تقدّم شرحه آنفا فراجع.
قوله قدّس سرّه: مع جعل الآخر بدلا عن الواقع … الخ‏ «3».
أقول: يعني يجوز الاكتفاء بالموافقة الاحتمالية الحاصلة بترك الآخر في مقام الامتثال، و الخروج عن عهدة التكليف المعلوم بالإجمال، كما تقدّم تحقيقه فيما سبق.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 241 سطر 3، 2/ 201.
(2)- فرائد الأصول: ص 241 سطر 22، 2/ 203.
(3)- فرائد الأصول: ص 242 سطر 8، 2/ 204.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 199
قوله قدّس سرّه: و حاصل معنى تلك الصّحيحة … الخ‏ «1».
أقول: توجيه الصحيحة بما وجّهه في هذا المقام في غاية البعد، بل الوجه فيه ما عرفت فيما سبق عند الاستدلال بها، لجواز ارتكاب الشبهة التحريمية، و قد بيّنا في ذلك المقام محتملات الرواية، و أشرنا إلى أنّ أظهرها ما ذكره المصنّف رحمه اللّه من أنّ المراد بها «كلّ شي‏ء» أي كلّي فيه قسم حلال و قسم حرام، كالجبن و اللّحم و غير ذلك، فهو لك حلال حتّى تعلم أنّ مورد ابتلائك من القسم الحرام، و هي أجنبية عمّا نحن فيه.
و لو سلّم ظهورها في إرادة الشّبهة المحصورة، فلا بدّ من صرفها إلى ما إذا لم يكن بعض أطرافها مورد ابتلاء المكلّف، أو غيره من المحامل، بعد أن عرفت استقلال العقل بامتناع تعلّق الرّخصة بارتكاب الحرام المعلوم، المردّد بين الأطراف التي هي من لوازم الرخصة في ارتكاب كلّ منها.
و لو سلّمنا إمكان ذلك عقلا، فلا شبهة في أنّه من الامور المستبعدة عن الأذهان، فلا يمكن إثباتها بمثل هذه الظواهر، بل لا بدّ في إثبات مثل هذه الأحكام التي يستبعدها العقول بإيراد نصّ صحيح صريح غير قابل للتأويل، و إلّا فكلّما يرد على الذهن من مثل هذه الظواهر، يصرفها عن ظاهرها لما فيه من الاستبعاد، أ لا ترى أنّه لا يكاد يتوهّم أحد أنّه يفهم من مثل هذه الأخبار جواز وطي كلّ من المرأتين اللّتين يعلم بأنّ إحداهما زوجة و الاخرى أجنبيّة، و إن كانت الأجنبيّة أيضا مسبوقة بالزوجية، بحيث يكون مقتضى الأصل في كلّ منهما من حيث هي الجواز، كما لا يخفى.
قوله قدّس سرّه: و المسلّم منه ما إذا لم يسبق بالتكليف المعيّن … الخ‏ «2».
أقول: يعني التخيير الاستمراري إنّما يعقل فيما إذا كان الأمر دائرا بين‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 242 سطر 11، 2/ 204.
(2)- فرائد الأصول: ص 242 سطر 22، 2/ 205.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 200
محذورين، أو كان التكليف متعلّقا بفعل مردّد بين امور، فيكون الإتيان بكلّ من تلك الأفعال لدى الاشتغال به موافقة احتماليّة لذلك التكليف المردّد، و امّا إذا كان التكليف متعلّقا بترك فعل على الإطلاق، فلا يعقل التخيير الاستمراري في محتملاته، لأنّه إذا علم بحرمة أحد الإنائين وجب عليه الاجتناب عن ذلك الإناء على الإطلاق، فإن أوجبنا عليه الموافقة القطعية، فعليه ترك كلا الإنائين مطلقا، و إن اكتفينا بالموافقة الاحتمالية فعليه ترك أحدهما مطلقا، إذ لا يحصل الموافقة الاحتمالية لذلك النهي إلّا بهذا، فانّ المطلوب بالنهي عن شرب ذلك الإناء ترك شربه دائما، فلا يعقل أن يكون تركه أحيانا لا عن شربه في الزمان الذي يشربه، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: و منه يظهر أنّ إلزام القائل بالجواز … الخ‏ «1».
أقول: عدم التزامه بهذا لا يجدي في دفع النقض عنه، فإنّ مقتضى أدلّتهم الالتزام به، و ان تحاشوا عنه من حيث شناعته، اللهمّ إلّا أن يستندوا في الجواز إلى إطلاقات بعض الأدلّة التعبّدية، و يدّعوا انصرافها عن مثل الفرض، بواسطة الاستبعادات المغروسة في الأذهان، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: خصوصا على ما مثّل به من الجمع بين الأجنبيّة و الزوجة «2».
أقول: وجه الخصوصية أنّ مقتضى الأصل في كلّ منهما من حيث هي الحرمة، و عدم علاقة الزوجية، و لكنّك عرفت مرارا أنّه لا يجري هذا الأصل بعد العلم بصيرورة إحداهما زوجة، مع أنّ للمعترض أن يفرض كون الأجنبية أيضا مسبوقة بالزوجية، و في هذا الفرض أيضا لا يظنّ بأحد الالتزام به، و يمكن أن يكون محطّ
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 243 سطر 23، 2/ 208.
(2)- فرائد الأصول: ص 243 سطر 25، 2/ 209.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 201
نظره بالخصوصية، ما علم من اهتمامه في أمر الفروج، و عدم رضا الشارع بالاقدام على الشبهة فيها، إذا كانت مقرونة بالعلم الإجمالي، فتأمّل.
قوله قدّس سرّه: ليس بأولى من حمل الحرام على حرام خاصّ … الخ‏ «1».
أقول: و أولى من هذين الحملين حمل قوله عليه السّلام «إن كان خلط الحرام الحلال» على ما إذا حصل الخلط عند العامل، بإرجاع ضمير كان إليه، فتكون هذه الرواية كغيرها من الأخبار الدالّة على جواز الأخذ من السارق و العامل و السلطان و نحوه، ممّا يستند الحلّ فيه- بالنسبة إلى مورد الابتلاء- إلى قاعدة اليد، السليمة عن المعارض، و اللّه العالم.
قوله قدّس سرّه: فإنّ الخلط يصدق مع الاشتباه‏ «2».
أقول: المتبادر منه إرادة المزج، و لعلّ المراد بالحرام هو الحرام المعهود عندهم، الذي كانوا يجعلونه في السّمن و الجبن من أليات الأغنام، و الأنفحة المتّخذة من الميتة مع جلدها، و اللّه العالم.
قوله قدّس سرّه: فانّه ذكر كلام صاحب «المدارك» في مقام تأييد ما قوّاه …
الخ‏ «3».
أقول: قال صاحب «المدارك» في شرح قول المحقّق رحمه اللّه: «و لو اشتبه الإناء النجس بالطاهر، وجب الامتناع منهما» ما هذه صورته:
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 246 سطر 18، 2/ 217.
(2)- فرائد الأصول: ص 247 سطر 10، 2/ 220.
(3)- فرائد الأصول: ص 248 سطر 11، 2/ 225.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 202
«هذا مذهب الأصحاب، و المستدلّ فيه ما رواه عمّار الساباطي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:
«قال: سئل عن رجل معه إناءان فيهما ماء، وقع في أحدهما قذر، لا يدري أيّهما هو؟ و ليس يقدر على إناء غيره؟
قال عليه السّلام: يهريقهما، و يتيمّم».
و هي ضعيفة المستند بجماعة من الفطحية.
و احتجّ عليه في المختلف أيضا بأنّ بأنّ اجتناب النجس واجب قطعا و هو لا يتمّ إلّا باجتنابهما معا، و ما لا يتمّ الواجب إلّا به فهو واجب و فيه نظر، فانّ اجتناب النجس لا يقطع بوجوبه، إلّا مع تحقّقه بعينه، لا مع الشّك فيه، و استبعاد سقوط حكم هذه النجاسة شرعا إذا لم يحصل المباشرة بجميع ما وقع فيه الاشتباه غير ملتفت إليه، و قد ثبت نظيره في حكم واجدي المني في الثوب المشترك، و اعترف به الأصحاب في غير المحصور أيضا، و الفرق بينه و بين المحصور غير واضح عند التأمّل، و يستفاد من قواعد الأصحاب أنّه لو تعلّق الشّك بوقوع النجاسة في الماء و خارجه لم ينجس بذلك الماء، و لم يمنع من استعماله، و هو مؤيّد لما ذكرنا فتأمّل» انتهى.
و اعترضه في الحدائق بعد نقله بقوله:
«أقول: وجه الفرق بين ما نحن فيه و ما فرضه قدّس سرّه ممكن، فانّ مقتضى القاعدة المستفادة من الأخبار بالنسبة إلى الاشتباه في المحصور، أن يكون افراد الاشتباه أمورا معلومة معيّنة بشخصها، و بالنسبة إلى غير المحصورة أن لا يكون ذلك. و ما ذكر من المشار إليها إنّما هو من الثاني لا الأوّل، على أنّ القاعدة المذكورة إنّما تتعلّق بالأفراد المندرجة تحت ماهية واحدة، و الجزئيّات التي تحويها حقيقة واحدة، فإذا اشتبه طاهرها بنجسها، و حلالها بحرامها، فيفرّق فيها بين المحصور و غير المحصور بما تضمّنه تلك الأخبار، لا وقوع الاشتباه كيف كان» انتهى.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 203
أقول: ما ذكره ضابطا بين الشّبهة المحصورة و غير المحصورة، فهو لا يخلو عن جودة، كما سنشير إليه إن شاء اللّه، و لكن قصره مورد حكم الأصحاب بغير المحصورة، لا يخلو عن نظر كما سيشير إليه المصنّف رحمه اللّه فتأمّل.
قوله قدّس سرّه: فالظاهر عدم التفكيك في هذا المقام بين المخالفة القطعيّة و المخالفة الاحتماليّة … الخ‏ «1».
أقول: يعني عدم إمكان التفكيك بينهما في هذا المقام، و هذا بخلاف المقام الأوّل، أي ما إذا كانت المخالفة لخطاب معلوم بالتفصيل، فانّه يمكن الالتزام فيه بالتفكيك، امّا بدعوى أنّ العقل لا يستقل في باب الإطاعة إلّا بحرمة المخالفة القطعيّة دون الاحتماليّة، أو بدعوى دلالة بعض الأخبار المتقدّمة عليه، ببعض التقريبات المتقدّمة، و شي‏ء منهما لا يتمشّى في المقام، لأنّه إذا علم بأنّ هذا الماء نجس، أو ذلك الثوب أو الإناء الآخر الذي هو سكنجبين مثلا مغصوب، يعلم إجمالا بتوجّه أحد الخطابين إليه بالنسبة إلى ما هو مورد ابتلائه، امّا خطاب «لا تغصب» أو خطاب «لا تستعمل النجس» فحينئذ إن بنينا على أنّ العلم الإجمالي بتوجه أحد الخطابين المردّد بين خطاب «لا تغصب» و «لا تستعمل النجس» موجب لتنجّز التكليف به، و عدم قبح المؤاخذة على مخالفته، فلا يعقل الرخصة في ارتكاب شي‏ء من الطرفين، لأنّ احتمال كون ذلك الخطاب هو خطاب «لا تغصب» لا يقتضي إلّا ترك ذلك الثوب أو الإناء الذي يحتمل غصبيّته، فبالتصرّف فيه يعلم تفصيلا بمخالفة ذلك الخطاب على تقدير تحقّقه، و إن كان ذلك الخطاب هو خطاب لا تستعمل النجس فلا يحصل مخالفته إلّا باستعمال ذلك الماء المحتمل النجاسة، فلا يعقل في مثل الفرض‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 249 سطر 15، 2/ 228.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 204
الرخصة في ارتكاب بعض الأطراف، و الاكتفاء بالموافقة الاحتمالية، إذ لا معنى للموافقة الاحتمالية في الفرض، لأنّ التردّد إنّما هو في نفس الحكم المعلوم بالإجمال، و امّا ما يحصل به مخالفته على كلّ من التقديرين، فهو معلوم بالتفصيل، و هذا بخلاف ما لو كان الخطاب معلوما بالتفصيل و تردّد متعلّقه بين أمرين، بأن علم مثلا أنّ أحد الإنائين خمر، فعند تركه لكلّ من الإنائين يحتمل خروجه عن عهدة ذلك الخطاب.
نعم، في صورة العلم الإجمالي بالخطاب المردّد أيضا قد يعقل التفكيك، كما إذا علم إجمالا بوجود خمر أو مغصوب في الإنائين، من غير أن يكون احتمال الخمرية قائما بطرف بالخصوص، و الغصبية في طرف آخر، بل احتمل في كلّ منهما كونه خمرا أو مغصوبا، و علم إجمالا بوجود أحد العنوانين فيما بين الأطراف، فعند تركه لكلّ من الأطراف في هذا الفرض، يحتمل خروجه عن عهدة ذلك التكليف المردّد، و لكن غرض المصنّف رحمه اللّه بعدم جواز التفكيك بحسب الظاهر إنّما هو فيما إذا كان كلّ من الاحتمالين قائما بطرف بالخصوص، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: و امّا حكمهم بوجوب دفع الضرر المظنون … الخ‏ «1».
أقول: ربّما يظهر من بعض كلماتهم أنّ مظنون الضرر كمقطوعه، في حدّ ذاته موضوع للحرمة، فالظنّ بالضرر أخذ موضوعا للحرمة، فعلى هذا ينحسم مادة النقض من أصله، و امّا بناء على كونه طريقا محضا، فالحكم باستحقاق العقاب على مخالفته- على تقدير عدم المصادفة- مبنيّ على القول بترتّب العقاب على مخالفة الأحكام الظاهرية من حيث هي، كما هو أحد الأقوال في المسألة، بل لعلّه أشهرها، و لكنّه ليس بمرضيّ لدى المصنّف رحمه اللّه، كما يصرّح به في آخر المبحث، فكان غرضه في‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 249 سطر 25، 2/ 230.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 205
المقام توجيه حكمهم بالاستحقاق، و بيان مقايسة ما نحن فيه على تلك المسألة لا الحكم بمثل هذا الحكم، كي يتوجّه عليه الاعتراض بمخالفته لمذهبه، من عدم استحقاق العقاب على مخالفة الطريق، عند عدم الإصابة إلّا من حيث التجرّي، على القول به، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: و كذا لو كان ارتكاب الواحد المعيّن ممكنا عقلا … الخ‏ «1».
أقول: ستعرف أنّ كون المنهيّ عنه محلّ ابتلاء المكلّف بالفعل، ليس من شرائط التكليف، بل هو كإرادة الفعل من مقدّمات حصوله، و لكن خروج بعض الأطراف عن مورد الابتلاء موجب لخروجه عن مجاري الاصول، فيبقى الأصل الجاري في الطرف الآخر من حيث هو سليما عن المعارض.
قوله قدّس سرّه: و الأقوى الجواز «2».
أقول: قد تقرّر في محلّه قوّة ما قوّاه، من أنّ التقييد و التخصيص إذا كانا بقرينة منفصلة، يقتصر فيهما على القدر المتيقّن، فيرجع في موارد الشّك إلى أصالة الإطلاق أو العموم مطلقا، إن كان المقيّد و المخصّص دليلا لبيان إجماع أو عقل و نحوه، كما فيما نحن فيه، و إن كان لفظيا فكذلك أيضا، إذا كان اللفظ مجملا مردّدا بين الأقلّ و الأكثر، و لكن بالنسبة إلى الموارد التي نشأ الشّك فيها من إجمال المفهوم، كما لو أخذ عنوان الابتلاء قيدا مأخوذا من دليل سمعيّ، و تردّد مفهومه بين ما لم يكن أجنبيّا عن المكلّف بالمرّة، أو كان بالفعل مورد حاجته، فحينئذ يرجع في موارد الشّك إلى الحكم المطلق.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 251 سطر 3، 2/ 234.
(2)- فرائد الأصول: ص 252 سطر 16، 2/ 238.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 206
و امّا إذا كان الشّك ناشئا من اشتباه الامور الخارجية، بأن تردّد الثوب الخاصّ مثلا بين كونه ثوبه الذي بالفعل مورد حاجته، و بين ثوب شخص آخر أجنبيّ عنه فلا، بل يرجع إلى الاصول العملية الجارية في المقام.
و لا يخفى عليك أنّ سوق عبارة المصنّف رحمه اللّه يشعر بأنّه جعل المقام من قبيل التقييد بالمجمل، كما يؤيّد ذلك تنظيره بسائر المفاهيم العرفيّة التي يتعذّر ضبط مفهومها، فعلى هذا يتّجه التفصيل بين الشبهات المفهومية و المصداقية، و لكن ما نحن فيه ليس كذلك، إذ الحاكم بخروج غير المبتلى عن تحت أدلّة التكاليف هو العقل و العرف، الذين لا يدور حكمهما مدار صدق مفهوم مجمل، بل يتعلّق حكمهما بنفس المصاديق من حيث هي كما تبيّن في محلّه، فيكون المتّجه حينئذ الرجوع إلى اصالة الإطلاق في جميع موارد الشّك، من غير فرق بين الشبهات المفهومية و المصداقية.
هذا كلّه على تقدير تسليم كون إطلاقات ما دلّ على الاجتناب عن المحرّمات بحكم العقل و العرف مقيّدة بصورة الابتلاء، و هو محلّ نظر، بل منع كما تقدّمت الإشارة إليه آنفا، إذ ليس المقصود بتحريم شي‏ء على المكلّف إلّا منعه عن ارتكابه، بحيث لو أراد أن يرتكبه لم يجز له ذلك، فمعنى قول الشارع «حرّم عليكم الميتة و الخمر و لحم الخنزير»، أنّه لزم عليكم الاجتناب عن هذه الامور، فليس للمكلّف أن يبلى نفسه بشرب الخمر مثلا، بحيث لو علم أنّه لو جعله من موارد ابتلائه، يضطرّ إلى شربه بإكراه و نحوه، وجب عليه أن لا يجعله كذلك، لأنّ حرمته عليه مشروطة بكونه في مورد ابتلائه كي يلزمه جواز جعله من مورد الابتلاء في الفرض المزبور، ضرورة أنّه لو كان الابتلاء شرطا في التحريم امتنع أن يكون التحريم سببا لحرمة نفس الابتلاء.
و امّا ما تراه من استهجان توجيه التكليف بالاجتناب عنه إلى غير المبتلى، فهو ليس إلّا كقبح توجيه الأمر بفعل شي‏ء- مثل الإنفاق على أولاده و زوجته- إلى‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 207
من يفعله بمقتضى طبعه، و لكن هذا الاستهجان العرفي فيما لو اريد بالنهي بعثه على ترك الفعل الذي هو خارج عن مورد ابتلائه، و لا داعي له إلى ارتكابه، أو اريد بالأمر بالإنفاق على أولاده بعثه على الفعل، حيث لا يصلح أن يكون الطلب باعثا له على الترك أو الفعل، فانّ الترك في الأوّل يحصل من المكلّف بمقتضى طبعه، و كذلك الفعل في الثاني يصدر منه بمقتضى عادته، سواء كان هناك طلب شرعي أم لا، فالطلب حينئذ لغو مستهجن، إن كان الغرض منه البعث على إيقاع المكلّف.
و امّا إذا كان المقصود به بيان لزومه، و عدم جواز مخالفته، كما في سائر التكاليف الشرعيّة، فلا استهجان فيه، كما أنّه لا استهجان في التصريح بأنّه يحرم عليه شرب الخمر، و يجب عليه الإنفاق على زوجته، فحرمة شرب الخمر، و عدم جواز الصلاة في الثوب الحرير أو النجس، أو غير ذلك من التكاليف، غير مقيّدة بشي‏ء، و لكن لا يترتّب على هذه التكاليف أثر عملي فيما إذا لم يكن متعلّقها مورد ابتلاء المكلّف، أو كان و لكن المكلّف لم يكن مريدا، لارتكابه بالطبع أو بواسطة بعض الأغراض المقتضية لتركه، إذ الترك حينئذ يستند إلى عدم المقتضى، أو سائر الأسباب المقتضية له، دون ذلك التكليف، ففي مثل هذه الموارد لو وقع الشّك في بقاء حرمته، لا يجري استصحاب الحرمة أو أصالة الحلّ و نحوها، إذ لا معنى لاجراء الأصول إلّا ترتيب الأثر في مقام العمل، و ليس لمتعلّقه أثر على في الفرض، لأنّه متروك على كلّ حال، سواء كان حلالا أو حراما، فلو كان بعض أطراف الشبهة المحصورة كذلك، لا يجري الأصل فيه، فيبقى الأصل في سائر الأطراف سليما عن المعارض، و كذلك الكلام فيما لو علم وجوب شي‏ء مردّد بين ما يصدر من المكلّف على كلّ تقدير، و بين ما لا يكون كذلك، كالإنفاق على ابنه أو شخص آخر ممّا يؤثّر إيجابه في إيقاعه في الكلفة.
هذا فيما إذا كان بعض الأطراف معلوما خروجه عن مورد الابتلاء، و امّا مع‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 208
الشّك في ذلك، فمقتضى القاعدة وجوب الاحتياط، للجهل بصلاحية الجهل يكون ما يرتكبه حراما عذرا في ارتكابه على تقدير حرمته، فيجب التجنّب عنه تحرّزا عن العقاب المحتمل.
اللهمّ إلّا أن يقال، إنّ إطلاقات أدلّة الاصول حاكمة على الأصل، فانّ عدم شمولها لما هو مورد ابتلائه، مع كونه في حدّ ذاته شيئا مشكوك الحرمة، مبني على صلاحية الطرف الآخر للممانعة، بأن يكون هو أيضا في حدّ ذاته شيئا مشكوك الحكم مشمولا للإطلاقات لو لا المعارضة، و كونه كذلك موقوف على أن يكون ذلك الطرف أيضا في مورد ابتلائه، بحيث يصحّ أن يتوجّه عليه خطاب منجز، بالأمر بترتيب أثر الحلية و الطهارة عليه في مقام عمله، كما هو معنى إجراء الأصول، و هذا المعنى غير محرز في المقام بالنسبة إلى ما يشكّ في كونه في موارد الابتلاء، و ما لم يحرز ذلك لا يصلح مانعا عن إعمال الأصل في الطرف الآخر، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: إلّا أن يقال إنّ المستفاد من صحيحة عليّ بن جعفر المتقدّمة … الخ‏ «1».
أقول: استفادة الضابط المذكور من الصحيحة موقوفة على انحصار محملها فيما ذكر و هو ممنوع، بل ظاهر السؤال الواقع في الصحيحة أنّه لم يعلم إلّا اصابة نفس الإناء، و حيث أنّ وصول شي‏ء من تلك القطع إلى الإناء لا ينفكّ غالبا عن إصابة الماء أيضا، تحيّر السائل في حكمه، و أجابه الإمام عليه السّلام بنفي البأس ما لم يظهر شي‏ء من الدم في الماء، و هذا الجواب بحسب الظاهر جار مجرى العادة، من عدم حصول العلم بإصابة الماء في مثل الفرض، إلّا بظهور الدّم فيه، لأنّ ما عداه من الامارات كإصابة
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 252 سطر 17، 2/ 238.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 209
الإناء، أو تفرّق أجزاء الدم، أو تموّج الماء لا يورث غالبا إلّا الظّن بالإصابة لا القطع، و بهذا ظهر لك ضعف الاستشهاد بهذه الصحيحة لمذهب الشيخ.
كما أنّه بما أشرنا إليه من أنّ إصابة الإناء أمارة ظنّية لإصابة الماء، ظهر أيضا اندفاع ما قد يقال من أنّ عدم المناسبة بين اصابة الإناء، و السؤال عن حكم الماء- خصوصا من مثل علي بن جعفر- قرينة على أنّ المراد امّا إصابة خصوص الماء، فينطبق على مذهب الشيخ، أو الأعمّ منه و من الماء فيصير دليلا على جواز ارتكاب الشبهة المحصورة، إذا كانت أطرافها من قبيل الماء، و ظهر الإناء في خروج بعضها عن مورد الابتلاء الفعلي، و حيث تبيّن في محلّه ضعف ما ذهب إليه الشيخ يتعيّن المعنى الثاني، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: بناء على أنّ الاجتناب عن النجس، يراد به ما يعمّ الاجتناب عن ملاقيه و لو بوسائط «1».
أقول: يعني أنّ المراد بالاجتناب عن النجس، هو التباعد عنه على وجه لا يستعمل نفسه، و لا ما يلاقيه في مطعوم أو مشروب و نحوه، فعلى هذا لو اشتبه النجس في إناءين و لاقى ثوبه أحدهما، وجب الاجتناب عن ثوبه أيضا، إذ على تقدير أن يكون النجس ذلك الإناء الذي لاقاه الثوب، لا يحصل الاجتناب عنه ما لم يجتنب عن ملاقيه، فمتى علم إجمالا بنجاسة أحد الإنائين، فقد تنجّز في حقّه التكليف بالاجتناب عن ذلك النجس، و لا يحصل الاجتناب عنه- على تقدير كونه هذا الاناء الذي لاقاه الثوب- إلّا بالاجتناب عنه و عن الثوب جميعا، و لا يجدي حينئذ أصالة عدم ملاقاة الثوب للنجس الواقعي، فيجب حينئذ من باب الاحتياط
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 252 سطر 24، 2/ 239.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 210
الاجتناب عن جميع الأطراف، مع كلّ ما لاقى شيئا منها، و إلّا فلا يحصل القطع بالاجتناب عن ذلك النجس المعلوم.
و اصالة عدم ملاقاة هذا الثوب للنجس غير مجدية، فانّه لا يثبت بذلك أنّ الإناء الذي لاقاه هذا الثوب ليس بنجس، كي يوجب ذلك القطع بحصول الاجتناب عن ذلك النجس المعلوم، فاحتمال كون هذا الإناء هو ذلك النجس المعلوم بالإجمال موجب بوجوب ترتيب أثر النجس الواقعي على هذا الإناء من باب الاحتياط.
و إن شئت توضيح ذلك في ضمن مثال فنقول: إذا أمر المولى عبده بضيافة شخص و إكرامه، وجب على العبد- بمقتضى العرف و العادة- إكرام ذلك الشخص مع كلّ من يتبعه من مواليه و خدمه، فإكرام التابع هل هو من شئون إكرام المولى بحيث لولاه لم يحصل إكرام المولى، بل يعدّ في العرف استخفافا به و إهانة له، فليس له في حدّ ذاته حكم بحياله، و إنّما الواجب إكرام المولى الذي لا يحصل إلّا بإكرامه مع كلّ من يتبعه، أو إنّه تبعا للمولى يجب إكرامه، فتبعيّته للمولى سبب لوجوب إكرامه من حيث هو بالتبع، فيثبت في المقام حكمان:
أحدهما: بالأصالة و هو وجوب إكرام المولى.
و ثانيهما: بالتّبع، و هو وجوب إكرام التابع.
فعلى الأوّل، لو تردّد ذلك الشخص الواجب إكرامه بين شخصين، لا يدخل أحدهما إلّا و معه خادم و الآخر بلا خادم، وجب إكرام الجميع من باب الاحتياط، إذ على تقدير كونه ذلك الشخص الذي معه خادم، لا يتحقّق إكرامه بدون إكرام خادمه.
و على الثاني، لا يجب إكرام الخادم، لأنّ الأصل براءة الذمّة عنه، و عدم كونه خادما للشخص الذي علم إجمالا وجوب إكرامه، فكذلك الكلام فيما نحن فيه.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 211
فإن قلنا: بأنّ الاجتناب عن النجس لا يحصل إلّا بالاجتناب عنه و عن ملاقيه، يجب الاحتياط في الجميع.
و إن بنينا على أنّ الاجتناب عن الملاقي حكم شرعي آخر تابع لدليله، جرى بالنسبة إليه الأصل، كما حقّقه المصنّف رحمه اللّه، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: كما استفيد نجاسة البلل المشتبه … الخ‏ «1».
أقول: هذا تنظر للمقام لا تمثيل.
قوله قدّس سرّه: لو اضطرّ إلى ارتكاب بعض المحتملات فإن كان بعضا معيّنا «2».
أقول: توضيح الفرق بين ما لو اضطرّ إلى واحد معيّن قبل العلم الإجمالي، و بين ما لو اضطرّ إليه بعده، هو أنّ الاضطرار إلى الحرام رافع لحرمته واقعا، إذ ما من حرام إلّا و قد أحلّه اللّه لمن اضطرّ إليه، فمتى اضطرّ إليه، فمتى اضطرّ إلى واحد معيّن، يحتمل أن يكون ذلك المعيّن هو الحرام الواقعي، المردّد المرتفع حرمته لأجل الاضطرار، كما أنّه يحتمل أن يكون الحرام المعلوم ذلك الآخر، فيكون حراما فعليّا، فاتّصاف الحرام المعلوم إجمالا بصفة الحرمة فعلا غير معلوم، فيرجع في الطرف الآخر- الذي يحتمل أن يكون حراما فعليّا- إلى أصل البراءة.
و إن شئت قلت: إنّ الواحد المعيّن الذي اضطرّ إليه حلال في حقّه جزما، سواء كان نجسا أو خمرا أو نحو ذلك أم لم يكن، و الطرف الآخر شي‏ء مشكوك الحلّية، فيرجع فيه إلى الأصل السالم عن المعارض، و هذا بخلاف ما لو اضطرّ إلى‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 253 سطر 9، 2/ 241.
(2)- فرائد الأصول: ص 254 سطر 18، 2/ 245.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 212
واحد غير معيّن، حيث أنّ الاضطرار لم يتعلّق بنفس الحرام- و لو على سبيل الاحتمال، كما في الفرض السابق- بل تعلّق بما هو أعمّ من الحرام، بحيث لو علم بالحرام تفصيلا لوجب عليه الاجتناب عنه، و اختيار الطرف الآخر، و هذا دليل على أنّ ذلك الحرام المعلوم بالإجمال متّصف بالفعل بصفة الحرمة، يجب التجنّب عنه مع الإمكان، فانّ المعيار في تشخيص كون العلم الإجمالي منجز للتكليف و عدمه، هو كون كلّ واحد من أطراف الشبهة على وجه لو علم المكلّف تفصيلا- بكون ذلك الحرام المعلوم بالإجمال- لتنجّز في حقّه التكليف بالاجتناب عنه، و مقتضى كونه حراما بالفعل وجوب التجنّب عنه بترك جميع محتملاته، و حيث تعذّر ترك الجميع، حكم العقل بمعذوريّته في ترك البعض الذي اضطرّ إليه، أي في المخالفة الاحتمالية الحاصلة بفعل هذا البعض لا مطلقا.
و بعبارة اخرى: توجيه الخطاب بالاجتناب عن ذلك الحرام المردّد بين الأطراف في الفرض الأوّل غير محرز، و في الثاني محرز، و هو مقتضى لوجوب الاجتناب، و ما يصلح للمانعية عن تنجّزه ليس إلّا الاضطرار، و هو لا يصلح للمانعية عن نفس الحرمة و لا عن تنجّزها رأسا، و إنّما يمنع عن المؤاخذة على ارتكاب المحرّم- على تقدير تحقّقه- بفعل ما اضطرّ إليه لا غير، فاحتمال مصادفة الحرام في سائر المحتملات التي لم يضطرّ إلى فعلها سبب تام لوجوب التجنّب عنها عقلا، كما أنّه كذلك فيما إذا حصل الاضطرار بعد حصول العلم الإجمالي، و إن تعلّق ببعض معيّن، فإنّ الاضطرار الحاصل فيما بعد ليس إلّا كإراقة بعض أطراف الشبهة، أو اتلافه أو خروجه عن مورد ابتلاء المكلّف، و من الواضح أنّ هذا لا يجدي في جواز ارتكاب سائر الأطراف التي وجبت التجنّب عنها، لاحتمال مصادفتها للحرام الذي ينجّز التكليف بالاجتناب عنه بواسطة العلم.
فتلخّص ممّا ذكر: إنّه متى اضطرّ إلى واحد معيّن قبل العلم الإجمالي أو معه،
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 213
رجع في حكم سائر الأطراف إلى قاعدة البراءة، و إن اضطرّ إليه بعد العلم، أو اضطر إلى واحد غير معيّن- سواء كان قبل العلم أم بعده- عمل في سائر الأطراف بما يقتضيه قاعدة الشّغل.
قوله قدّس سرّه: قد يمنع الابتلاء دفعه في التدريجيات‏ «1».
أقول: ما ذكره قدّس سرّه فارقا بين التدريجي و الدفعي في غاية الإشكال، إذ لا امتناع عقلا و لا عرفا، بل و لا استهجان أبدا في توجيه الخطاب إلى المكلّف، بترك الفعل في زمان متأخّر عن زمان الطلب، بأن قال مثلا «صمّ يوم الخميس» أو قال «لا تصمّ يوم الخميس» أو أمره بوطء زوجته في اليوم الأوّل من الشهر المقبل، أو بترك وطيها في ذلك اليوم، كما هو الشأن في جميع التكاليف الموقّتة، فلو توقّف الخروج عن عهدة شي‏ء منها على مقدّمة كالمشي إلى الحجّ مثلا، لا يعذر المكلّف في مخالفتها بترك تلك المقدّمة، التي يعلم بأنّه لو تركها يقع في مخالفة ذلك التكليف، فإذا تردّد ذلك التكليف- وجوبيا كان أو تحريميا- بين أمرين مختلفين بالزمان، وجب عليه الاحتياط بلا تأمّل و لا إشكال، عدا الإشكال المعروف بالنسبة إلى جميع التكاليف الموقتة التي يجب التهيؤ للخروج عن عهدتها في وقتها قبل حضور أوقاتها، و قد فرغنا عن حلّ هذا الإشكال في محلّه، فتنظير هذه الموارد على ما كان بعض أطراف الشبهة خارجا عن مورد الابتلاء قياس مع الفارق، إذ الخطاب بغير المبتلى به غير منجّز، بمعنى أنّه ليس لوجوب الاجتناب عنه بالنسبة إلى المكلّف الذي ليس من شأنه الابتلاء به أثر عملي فيستهجن عرفا، بل يقبح عقلا نهيه عنه لو اريد بذلك بعثه على الترك، كما تقدّم توضيحه فيما سبق، و هذا بخلاف ما نحن فيه، فانّه بعد علمه‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 255 سطر 23، 2/ 248.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 214
بابتلائه بكلّ من الطرفين في زمانه، ليس النهي عن اجتنابه مستهجنا، بل هو نهي حقيقي يراد به الامتثال و ترك الفعل في زمانه، بحيث لو توقّف على مقدّمة متقدّمة وجب عليه تحصيلها، و لكن في مسألة الحائض لا يجب الاحتياط، لأجل الطرق المنصوبة لها شرعا في تشخيص أيّام حيضها، مثل الرجوع إلى التميز و غيره ممّا ذكر في محلّه، فتخرج بسببها عن موضوع مسألتنا حكما لا حقيقة.
و امّا مسألة التاجر، فيجب عليه الإمساك عن المعاملات التي لا يعلم حكمها، إذا احتمل ابتلائه بمعاملة ربوية، و إن لم يكن له علم إجمالي أصلا- لأنّ الجاهل بالأحكام الشرعية، إذا تمكّن من الفحص و التعلّم غير معذور اتفاقا- فيجب عليه امّا الاحتياط، أو التعلّم دفعا للعقاب المحتمل، و ليس الجهل بالنسبة إليه عذرا عقليّا أو شرعيّا، كما سيجي‏ء تحقيقه عند تعرّض المصنّف رحمه اللّه لبيان حكم العامل بالبراءة قبل الفحص، فهذا المثال خارج عمّا نحن فيه.
نعم، لو عرف أحكامه، و علم إجمالا بأنّه يبتلى بمعاملة ربويّة في يومه أو شهره خطأ، على وجه لا يلحق بغير المحصور، لا يبعد أن يكون مثالا لما نحن فيه، فتأمّل.
قوله قدّس سرّه: و لكن الأظهر هنا وجوب الاحتياط، و كذا في المثال الثاني من المثالين المتقدّمين‏ «1».
أقول: و لعلّ نظره في إيجابه للاحتياط في المثال الثاني إلى ما أشرنا إليه، من أنّه مورد للاحتياط مطلقا، و إن لم يكن مقرونا بعلم إجمالي، و في المثال الثالث إلى أنّ المكلّف به في الحقيقة هو الوفاء بالنذر أو الحلف، و هو تكليف وجوبي سواء كان متعلّقه فعل شي‏ء أو تركه، فعند اشتباهه في أمور محصورة يندرج في موضوع المسألة
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 256 سطر 2، 2/ 249.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 215
الباحثة عمّا لو اشتبه الواجب بغير الحرام، و ستعرف أنّ الحكم فيه وجوب الاحتياط، و خروج بعض الأطراف عن مورد الابتلاء فعلا، ممّا لا أثر له في تلك المسألة.
و امّا شبهة عدم تنجّز التكليف بالواجبات المشروطة- التي منها التكاليف المؤقتة، إلّا بعد تحقّق شرائطها و حضور أوقاتها- فلا يعقل وجوب الاحتياط في مثل الفرض، حيث أنّه فرع تنجّز التكليف بالواجبات، فهي شبهة سارية غير مخصوصة بالمقام، ضرورة عدم الفرق من هذه الجهة بين المقدّمات العلمية، و المقدّمات الوجوديّة التي لا يتمكّن من فعلها إلّا قبل تنجّز تلك التكاليف، كالمسير إلى الحجّ و الغسل لصوم الغد، و غير ذلك ممّا لا يحصى، و قد اتّضح حلها في محلّه.
قوله قدّس سرّه: لعدم جريان استصحاب الطهر «1».
أقول: وجهه واضح فانّها تعلم حينئذ بأنّها إمّا بالفعل حائض، أو أنّها حاضت قبل هذه الأيّام، فلا يبقى معه مجال لاستصحاب الطهارة، حيث أنّها علمت إجمالا بانتقاضها في هذا الشهر و حدوث نقيضها.
لا يقال: فعلى هذا يجب الرجوع إلى استصحاب الحيض؟
لأنّا نقول: هذا أي استصحاب ضد الحالة السابقة أحد الأقوال في مسألة من تيقّن حدثا و طهارة، و شكّ في المتأخّر منهما، و ستعرف في مبحث الاستصحاب ضعفه، و أنّ الأقوى هو الرجوع إلى سائر الأصول الجارية في المقام، فهي بعد أن علمت على سبيل الإجمال بعروض حالة حيضها في هذا الشهر، و كونها فيما عدا أيّام حيضها طاهرة، تندرج في موضوع تلك المسألة، كما سيتّضح حالها إن شاء اللّه في ذلك المبحث.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 256 سطر 6، 2/ 249.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 216
قوله قدّس سرّه: لأنّ فساد الرّبا ليس دائرا مدار الحكم التكليفي … الخ‏ «1».
أقول: يعني الحكم التكليفي المنجّز في مقام العمل، كفساد الصلاة في المغصوب، الدائر مدار تنجّز التكليف بالاجتناب عنه، و عدم كونه معذورا في مخالفته، و إلّا فدورانه مدار الحكم التكليفي الواقعي، كفساد الصلاة الواقعة في اجزاء الحيوان الذي لا يحلّ أكله، فلا مانع عن الالتزام في مواقع الشّك بحليّة أكله، لأصالة الحلّ و بطلان الصّلاة الواقعة فيه، لقاعدة الشّغل و اصالة الفساد، فكذلك الكلام في المقام، فتدبّر.
قوله قدّس سرّه: اللهمّ إلّا أن يقال إنّ العلم الإجمالي … الخ‏ «2».
أقول: لا مسرح لهذا القول في المثال المزبور، أي فيما إذا علم إجمالا بابتلائه في اليوم أو الشهر بمعاملة ربويّة، فانّه قد علم تفصيلا بأنّ عموم‏ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، و كذا أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏ مخصّص بقوله تعالى: وَ حَرَّمَ الرِّبا، فلا يجوز التمسّك بعموم شي‏ء من الآيتين في شي‏ء من المعاملات التي يشكّ في كونها ربويّة، سواء كان هناك علم إجمالي بابتلائه بمعاملة ربويّة أم لا، لما تقرّر في محلّه من عدم جواز التمسّك بالعمومات في الشّبهات المصداقية.
نعم، لهذا الكلام مجال فيما إذا علم إجمالا بفساد بعض المعاملات التي ليس بعض أطرافه مورد ابتلائه، كما لو علم إجمالا بأنّ عموم‏ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏ مخصّص امّا بالنسبة إلى بيع الخبز و اللّحم و نحوه ممّا يبتلى به المكلّف عادة، أو بالنسبة إلى بيع السّمور و الفنك و نحوه ممّا لم يعرف حقيقته، و لا يتّفق الابتلاء به بمقتضى العادة، و سوق عبارة المصنّف رحمه اللّه يشعر بإرادته ما هو مثل هذا الفرض،
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 256 سطر 7، 2/ 249.
(2)- فرائد الأصول: ص 256 سطر 10، 2/ 250.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 217
فكأنّه أغمض عن خصوصية المثال، و أراد بيان الحكم فيما كان الشبهة فيه حكمية لا موضوعيّة خارجيّة كما في مثال الرّبا، فتأمّل.
قوله قدّس سرّه: لكن الظّاهر الفرق بين الاصول اللفظية و العمليّة «1».
أقول: الفرق بينهما في بادئ الرأي هو أنّ العبرة في باب الألفاظ بظهور اللفظ من حيث هو، في كون مدلوله مرادا للمتكلّم، و كون المدلول موردا لابتلاء المكلّف في مقام عمله ممّا لا مدخلية له في ذلك، فمتى علم إجمالا بورود تخصيص أو تقييد أو ارتكاب تجوّز بالنسبة إلى شي‏ء من الظواهر، عرضه الإجمال و سقط عن الاعتبار، من غير فرق بين كون أطراف ما علمه بالإجمال موردا لابتلاء المكلّف و عدمه.
هذا، و لكن التحقيق أنّ العلم الإجمالي الذي يكون بعض أطرافه خارجا عن مورد الابتلاء، لا يصلح مانعا عن العمل بما يقتضيه الشّك في الطّرف الآخر الذي هو محلّ الابتلاء، من الرجوع إلى الأصول المقرّرة للشّك، لفظيّة كانت أم عمليّة، و لكن فرّق بين ما هو مناط الابتلاء في مجاري الأصول اللفظيّة و العملية، فانّ العبرة في الأوّل يكون ممّا يجري فيه الأصل، مورد ابتلاء المكلّف من حيث الحاجة إلى معرفة ما أراده المتكلّم بهذا الكلام، بحسب أغراضه الباعثة على فهمه، سواء كان لمدلوله أثر عملي بالنسبة إليه أو إلى شخص آخر، أم لم يكن أصلا، بل كان من قبيل القصص و الحكايات، فلو علم العبد إجمالا باشتمال الكتابة التي أرسلها مولاه إليه على فقرات لم يقصد بها ظواهرها، و أشهد تلك الفقرات بغيرها، لم يجز له الاعتماد على ظواهر شي‏ء منها. لمعارضة أصالة الحقيقة في كلّ فقرة منها بجريانها في ما
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 256 سطر 12، 2/ 250.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 218
عداها، فيعرضها الإجمال. و هذا بخلاف ما لو علم إجمالا إمّا بكون هذا الكتاب كذلك، أو كتاب آخر أرسله إلى شخص آخر، أو كتابة اخرى مرسلة من شخص آخر إليه ممّا لا حاجة له إلى معرفتها، و لو كانت تلك الكتابة أيضا ككتابة مولاه، ممّا لا بدّ له من معرفة مدلولها و الخروج عن عهدة ما فيها من التكاليف، وجب عليه الأخذ بظواهر كلّ منهما من باب الاحتياط، حيث أنّ المورد حينئذ يصير من قبيل اشتباه الحجّة باللاحجّة، و هذا بخلاف ما لو كان العلم متعلّقا بخصوص أحد الكتابين، فانّه ليس من هذا القبيل، كما سيأتي توضيحه في مبحث الاستصحاب إن شاء اللّه.
و هكذا الكلام في الكتب المصنّفة الواصلة إلينا، فلو علم إجمالا باشتمال شي‏ء منها على كنايات و استعارات و تجوّزات كثيرة، لا يفي ببيانها القرائن المحفوفة بها، أو اشتماله على أغلاط كثيرة و تحريفات مغيّرة للمعاني، على وجه أحدّ من الشّبهة المحصورة، لا يجوز نسبة شي‏ء ممّا يظهر من فقراتها- التي هي أطراف الشبهة- إلى المصنّف ذلك الكتاب، و لو علم إجمالا بأنّ الرسالة العملية التي للتقليد كذلك، أو شيئا من كتب التواريخ التي لا حاجة له إلى معرفة مضامينها، لا يقدح ذلك في جواز العمل بظواهر الرسالة.
و كيف كان، ففي مثل‏ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أو أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏ و تِجارَةً عَنْ تَراضٍ‏ و نحوها لا يجوز الأخذ بعمومها، بعد العلم الإجمالي بطروّ تخصيص عليها، من غير فرق بين أن يكون الخاصّ بالفعل مورد ابتلاء المكلّف و عدمه، فانّ هذه العمومات هي مورد ابتلاء المكلّف، و قد عرضها الإجمال بعد العلم بعدم إرادة حقيقتها، و لا يجدي في ذلك اشتباه المخصّص و تردّده بين امور ليس بعضها مورد ابتلاء المكلّف في مقام العمل، لما أشرنا إليه من أنّ العبرة في المقام بالحاجة إلى معرفة حكمها في استكشاف ما اريد بهذه العمومات، فلاحظ و تدبّر.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 219
قوله قدّس سرّه: فانّ دعوى عدم شمول ما دلّ على وجوب حفظ الفرج عن الزنا … الخ‏ «1».
أقول: لا يظنّ بأحد أن يدّعي الانصراف في مثل هذه التكاليف المشتركة، المعلوم تعلّقها بكلّ مكلّف حتى الخنثى، و إن قيل بأنّه طبيعة ثالثة لا رجل و لا انثى، فلا يعمّه الأدلّة السمعية الدالّة على أنّه يجب على الرّجال و النساء حفظ فروجهم، و لكن يفهم حكمه من اشتراك الطائفتين في مثل هذه التكاليف بتنقيح المناط، فالذي يدّعي الانصراف بحسب الظاهر لا يدّعيه إلّا بالنسبة إلى التكاليف المخصوصة بإحدى الطائفتين، كوجوب صلاة الجمعة على الرجال، و وجوب ستر سائر الجسد عن النظر و في الصلاة عن النساء.
و هذه الدعوى غير بعيدة، و لكنّ الظاهر أنّ الانصراف بدوي منشؤه عدم وضوح حال الفرد، بحيث لو علم باخبار معصوم و نحوه أنّه من هذا الصنف أو ذاك، لا يكاد يشكّ بأحد في استفادة حكمه من الإطلاقات، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: بناء على العمل بالأصل فيهما … الخ‏ «2».
أقول: لو بنينا على أنّ العلم الإجمالي بمخالفة أحد الأصلين للواقع غير مانع عن جريانهما، ما لم يستلزم مخالفة عملية لما علمه بالإجمال، فالمتّجه على القول بعدم جواز ارتكاب شي‏ء من الأطراف أيضا، الفرق بين ما كان الأصل في كلّ واحد من المشتبهين في نفسه هو الحلّ أو الحرمة، فيحكم في الأوّل بوجوب تركهما من باب الاحتياط، و في الثاني لأجل استصحاب الحرمة الحاكم على قاعدة الاشتغال، و يظهر الثمرة في ترتيب الآثار الخاصة المرتّبة على الحرام الواقعي، كنجاسة ملاقيه،
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 257 سطر 1، 2/ 253.
(2)- فرائد الأصول: ص 257 سطر 8، 2/ 254.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 220
فلو كان الإناءان معلومي النجاسة سابقا، جرى الاستصحاب فيهما، و تفرّع عليه الحكم بنجاسة الجسم الملاقي لأحدهما، و هذا بخلاف ما لو حكمنا بوجوب الاجتناب عنهما من باب الاحتياط، كما عرفته فيما سبق. و لكنّك عرفت في مبحث العلم الإجمالي إجمالا أنّ المبنى فاسد، و سنشير إليه أيضا فيما بعد، و تمام الكلام فيه في مبحث الاستصحاب.
قوله قدّس سرّه: و لا يلزم هنا مخالفة قطعية في العمل … الخ‏ «1».
أقول: هذا بمنزلة البرهان للعمل بالأصل فيهما، و لكن يرد عليه أنّ المانع عن جريان الأصل فيهما هو العلم بمخالفته للواقع، لا بمخالفة الحكم المعلوم بالإجمال، فانّ عدم الالتزام بنجاسة كلا الإنائين المعلوم صيرورة أحدهما طاهرا، ليس نقضا لليقين بالشكّ كي يعمّه أدلّة الاستصحاب، بل هو نقض لليقين باليقين، و كيف لا و إلّا لم يكن يتفاوت الحال في ذلك بين أن يكون لمعلومه بالإجمال أثر علمي أو لا يكون، فليس مفاد تلك الأدلّة وجوب الالتزام ببقاء نجاسة كليهما، إذ لا شكّ في عدم كونهما كذلك، و لا بقاء نجاسة أحدهما معيّنا، لأنّه ترجيح بلا مرجّح، و لا مخيّرا فانّ أحدهما المخيّر ليس بفرد ثالث غير هذين الفردين اللّذين لا يمكن أن يشمل شيئا منهما أدلّة الاستصحاب، و سيأتي مزيد توضيح ذلك في محلّه إن شاء اللّه.
فالحقّ أنّ العلم الإجمالي مانع عن اجراء الأصول مطلقا، سواء استلزم ذلك مخالفة عملية لمعلومه بالإجمال أم لا، فليس لمن جوّز ارتكاب ما عدا مقدار الحرام أن يلتزم بالتفصيل المزبور.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 257 سطر 8، 2/ 254.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 221
نعم، حيث زعم هؤلاء المجوّزون أنّ العلم الإجمالي مانع عن اجراء الأصل في الجميع، لا فيما عدا مقدار الحرام لزعمه أنّ الجميع معلوم الحرمة، فلا يجري فيه الأصل، و ما عدا مقدار الحرام مشكوك الحرمة، فيعمّه أدلّة حلّ كلّ ما لم يعلم حرمته، فعليه أن يلتزم بتفصيل آخر بين ما لو كان الأصل في الأطراف من حيث هو الحلّ أو الحرمة، بأن يقتصر في الجواز في القسم الثاني على القدر المتيقّن، عكس القسم الأوّل، فلو كان عنده عشر أواني، و علم إجمالا بنجاسة إحداهما، و احتمل نجاسة ما عداها أيضا، فان كان الأصل فيها الطهارة، جاز له ارتكاب ما عدا واحدة منها، و إن كان الأصل فيها النجاسة انعكس، و لعلّهم ملتزمون بهذا التفصيل، بل هذا لدى التحليل ليس بتفصيل في المسألة، بل هو في صورة العلم بنجاستها في السابق بمنزلة ما لو علم بنجاسة تسعة من هذه الأواني العشر بحكم الاستصحاب، فما عدا مقدار الحرام ليس إلّا واحدة، فليتأمّل.
ثمّ إنّ المصنّف قدّس سرّه لم يتعرّض للقول بالجواز مطلقا، من أنّه هل يلزمه الفرق أم لا؟ فكأنّه لعدم ثبوت قائل صريح بهذا القول.
و كيف كان، فعلى هذا القول يتّجه التفصيل المزبور، بل لا محيص عنه، بناء على أنّ مستنده عموم الأخبار الدالّة على حلّية كلّ شي‏ء لم يعلم حرمته، و عدم صلاحية العلم الإجمالي لصرفها عن أطراف الشبهة، لاختصاص اخبار الحلّ بما إذا لم يكن للمشكوك حالة سابقة معلومة، و إلّا فيرجع في حكمه إلى عموم أدلّة الاستصحاب، لحكومتها عليها.
نعم، لو اعترف من قال بهذا القول بأنّ العلم الإجمالي مانع عن جريان الأصل مطلقا، و أنّ مقتضى القاعدة في الشّبهة المحصورة هو الاحتياط، و لكنّه استند في إثباته إلى بعض الأخبار الخاصّة المتقدّمة، أو ظهور قوله «كلّ شي‏ء فيه حلال‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 222
و حرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه» أمكن التزامه بالعموم.
قوله قدّس سرّه: و لا دليل على حرمتها إذا لم تتعلّق بالعمل … الخ‏ «1».
أقول: و هذا لا يجدي في الفرق المزبور، إذ لا يكفي عدم الحرمة في إثبات وجوبها، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: إلّا أنّ استدلال بعض المجوّزين للارتكاب … الخ‏ «2».
أقول: هذا الاستدلال لا ينافي الالتزام بالفرق المزبور، إذ المقصود بالأصل هو القاعدة المقرّرة التي يرجع إليه الشاكّ، لو لا علمه الإجمالي بمخالفتها للواقع، و الأصل في الأموال و إن كان حرمة التصرّف، و عدم وصوله إليه بناقل شرعيّ، و لكن قاعدة اليد فيما يجده المكلّف تحت يده أو وصل إليه من غير طيب نفسه حاكمة على أصالة الحرمة، فالقائل بجواز الارتكاب فيما عدا مقدار الحرام، على تقدير التزامه بالتفصيل المزبور أيضا، له أن يقول في مورد الرواية أيضا- مع قطع النظر عن الرواية- بجواز ارتكاب ما عدا المقدار الذي علم بحرمته إجمالا، تعويلا على قاعدة اليد بمقتضى أصله، فلاحظ و تدبّر.
قوله قدّس سرّه: و اخبار وجوب الاجتناب مختصّة بغير الشّبهة الابتدائية إجماعا «3».
أقول: يعني الشّبهة الابتدائية الموضوعيّة لا الحكمية، فانّ كونها مخصّصة
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 257 سطر 9، 2/ 254.
(2)- فرائد الأصول: ص 257 سطر 9، 2/ 254.
(3)- فرائد الأصول: ص 258 سطر 20، 2/ 261.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 223
بالنسبة إليها محلّ الخلاف، كما هو واضح.
قوله قدّس سرّه: فهي على عمومها للشّبهة الغير المحصورة أيضا أخصّ مطلقا …
الخ‏ «1».
أقول: ليس المقصود بهذه العبارة ادّعاء أنّ أخبار وجوب الاجتناب بعد تخصيصها بواسطة الإجماع بغير الشّبهة الابتدائية، حالها حال الخاصّ المطلق في وجوب تخصيص عمومات أخبار الحلّ بها، فانّ تخصيص أحد المتعارضين بدليل منفصل من إجماع و نحوه، ثمّ ملاحظة النسبة بينهما، خلاف ما يقتضيه قاعدة الجمع، كما سنحقّقه في محلّه، بل غرضه ما بيّنه في ذيل كلامه بقوله «و الحاصل … الخ»، و محصوله أنّ اخبار حلّ الشّبهة و أخبار وجوب الاجتناب بظاهرهما متعارضة على سبيل المباينة، و لكن ثبت بالإجماع أنّ الشّبهة الابتدائية غير مرادة باخبار وجوب الاجتناب، كما أنّه ثبت بالأدلّة المتقدّمة أنّ الشّبهة المحصورة غير مراده باخبار الحلّ، فكما يمكن الجمع بينهما بحمل أخبار الحلّ على ما عدا الشّبهة المحصورة، كذلك يمكن الجمع بينهما بحملها على ما عدا الشّبهة المقرونة بالعلم الإجمالي، محصورة كانت أم غير محصورة، و حمل اخبار وجوب الاجتناب على مطلق الشبهة المقرونة بالعلم، فانّها على عمومها للشبهة الغير المحصورة أيضا أخصّ من مطلق الشبهة، فلا تصلح أخبار الحلّ مانعة عن شمول اخبار المنع للشّبهة الغير المحصورة، حيث أنّه يبقى لأخبار الحلّ مع ذلك مورد يصحّ حملها عليه.
اللهمّ إلّا أن يدّعى استلزامه لحملها على الافراد النادرة و فيه ما ستعرف.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 258 سطر 20، 2/ 261.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 224
قوله قدّس سرّه: إلّا أن يقال: إنّ أكثر أفراد الشّبهة الابتدائية ترجع بالآخرة إلى الشّبهة الغير المحصورة … الخ‏ «1».
أقول: يتوجّه على هذا القول ما أشار إليه فيما سبق من أنّ أغلب مصاديقها في أكثر الموارد خارج عن مورد الابتلاء، فلا يكون مثل هذا العلم مانعا عن شمول الأخبار لما هو مورد الابتلاء، لأنّ العلم الإجمالي إنّما يمنع إذا كان له أثر فى تنجّز خطاب على المكلّف في مقام العمل، كما عرفته فيما سبق، و لعلّه أراد من الأمر بالتدبّر الإشارة إلى ذلك، و اللّه العالم.
قوله قدّس سرّه: إلّا أن يدّعى أنّ المراد جعل الميتة في الجبن في مكان واحد … الخ‏ «2».
أقول: إرادة هذا المعنى بعيد، عن سوق الرواية، فانّه إنّما يعبّر بمثل هذا التعبير إذا كان الشّك في حرمة ما يوجد في غيره من الأماكن، ناشئا من جعل الميتة فيه في ذلك المكان، بأن احتمل كون ما يؤتى به في السوق و يبتلى بشرائه المكلّف هو من ذلك الجبن، ففي مثل هذا الفرض يقال في مقام الاستنكار و الاستبشاع، أ من أجل مكان واحد يجعل فيه الميّتة حرّم جميع ما في الأرض!
و امّا لو اريد المعنى الثاني فيقال في مقام الجواب إذا بعض الناس، أو في مكان واحد يجعل فيه الميتة، فكلّ الناس أو في جميع الأماكن يفعلون هكذا، فما علمت أنّه من ذلك المكان فلا تأكله.
هذا، مع أنّه لو كان المراد بالرواية هذا المعنى، لكان على الإمام أن يستفصل على أنّه هل يحتمل كونه جبن ذلك المكان، فالإنصاف أنّ الرواية كالصّريح في كون‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 258 سطر 23، 2/ 261.
(2)- فرائد الأصول: ص 256 سطر 6، 2/ 263.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 225
الجهل عند كثرة المحتملات عذر، أو أنّ الالتزام بالتحرّز عن جميعها من المستنكرات عند العقلاء، و خروج بعض أطراف الشبهة في مورد الرواية عن مورد الابتلاء، لا ينافي ظهورها في المطلوب، كما لا يخفى على المتأمّل.
قوله قدّس سرّه: و امّا قوله عليه السّلام: «ما أظن كلّهم يسمّون …» الخ‏ «1».
أقول: قد يتراءى من هذه العبارة أنّ غرضه بهذا التفسير حمل الظّن على إرادة ما يقابل الشّك و الوهم، كي يناقش بذلك في الاستدلال المزبور، فعلى هذا يتحقّق التنافي بينه و بين قوله فيما بعد.
إلّا أن يقال: إنّ سوق المسلمين غير معتبر مع العلم الإجمالي، إذ لا علم إجمالي بعد فرض حمل الظن على المعنى المزبور، فالظاهر أنّه لم يقصد بهذا التفسير ما ينافي ما ادّعاه، و لا من أنّه هو الظاهر منه من العلم بعدم تسمية جماعة حين الذبح، فكأنّه قدّس سرّه لم يناقش في ظهور هذه الفقرة في هذا المعنى، بل ناقش في إرادة ما نحن فيه منها، بحمل قوله عليه السّلام «أ من أجل مكان واحد يجعل فيه الميتة حرّم جميع ما في الأرض» على إرادة جبن سائر الأماكن، فكأنّه عليه السّلام بعد أن ذكره هذه القضية أراد بيان حكم المشكوك البدوي بقوله «فما علمت فيه ميتة فلا تأكله، و ما لم تعلم فاشتر و كل و بع»، ثمّ أكّد ذلك ببيان فعله، فأراد بقوله عليه السّلام «و اللّه إني لأعترض السوق …» إنّه ليس له اعتقاد- لا علمي و لا ظنّي- بحلية ما في أيديهم، بل يعلم إجمالا بأنّ جماعة منهم لا يسمّون، و مع ذلك يتناول ما في أيديهم، و إن كان مقتضى الأصل عدم الحلية، كما في اللحم و الجبن، بناء على حرمة ما يطرح فيه إذا كان من الميتة، تعويلا على يد المسلمين و سوقهم، فيتوجّه حينئذ على هذا ما ذكره بقوله‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 259 سطر 8، 2/ 263.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 226
«إلّا أن يقال إنّ سوق المسلمين غير معتبر مع العلم الإجمالي بوجود الحرام فلا مسوغ للارتكاب إلّا كون الشبهة غير محصورة»، و لكن يتوجّه عليه أنّ الغالب خروج بعض الأطراف عن مورد الابتلاء، فهذا هو المسوغ للارتكاب غالبا، لا كون الشّبهة غير محصورة، و لعلّه أراد من الأمر بالتأمّل الإشارة إلى ذلك، و اللّه العالم.
قوله قدّس سرّه: فتأمّل‏ «1».
أقول: لعلّه إشارة إلى أنّ عدم الاعتناء بالاحتمال الموهوم إنّما هو في المضار الدنيوية، التي يجوز عقلا توطين النفس على تحمّلها، على تقدير المصادفة لبعض الأغراض العقلائية، لا بالنسبة إلى العقاب، فانّ التحرّز من محتمله لازم عقلا، و إن كان احتماله في غاية البعد فلا يجوز أن يكون بعد الاحتمال منشأ للقطع بالعدم كما هو مناط الرّخصة في حكم العقل.
و لكن للمستدلّ أن يقول: إنّ المحتمل إنّما هو حصول مخالفة ذلك التكليف المعلوم بالإجمال بهذا الفعل، و هي ليست علّة تامة لاستحقاق العقاب حتّى يلزمه احتمال العقاب، كي يتمشّى معه قاعدة حكم العقل بوجوب دفع العقاب المحتمل، بل هي علّة لذلك على تقدير تنجّز ذلك التكليف، و عدم كون المكلّف معذورا في مخالفته، و هو موقوف على أن يكون احتمال حصول مخالفته بهذا الفعل احتمالا معتنى به لدى العقلاء، و إلّا فعلمه الإجمالي بثبوت حرام في العالم، لا يصلح أن يكون بيانا لحكم هذا الفعل، الذي يحتمل مصادفته لذلك الحرام احتمالا بعيدا غير معتدّ به لدى العقلاء، فيكون حينئذ عقابا بلا بيان، فتأمّل.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 259 سطر 10، 2/ 263.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 227
قوله قدّس سرّه: هذا غاية ما يمكن أن يستدلّ به على حكم الشّبهة الغير المحصورة «1».
أقول: هذا على تقدير تفسير الشبهة الغير المحصورة بما كثرت أفراد الشبهة، بحيث يعسر عدّها، أو يكون احتمال مصادفة كلّ واحد من أطراف الشّبهة للحرام المعلوم بالإجمال موهوما في الغاية، أو غير ذلك ممّا ستسمعه، فيكون تسمية الشّبهة غير محصورة على جميع تلك التفاسير مبنية على المسامحة، و إقامة الدليل على جواز ارتكابها على جميع تلك التفاسير لا يخلو عن اشكال.
و الحقّ أن يقال في تفسيرها:
الشّبهة الغير المحصورة: هي ما لم تكن أطرافها محدودة مضبوطة غير قابلة للزيادة و النقصان.
و المحصورة: ما كانت كذلك.
فلو علم مثلا بحرمة شاة من قطيع غنم محدودة معيّنة، بحيث لو سئل عن الحرام لجعله مردّدا بين آحاد تلك القطيع، فيقول «هذا أو هذا أو ذاك إلى آخرها» لكانت الشّبهة محصورة، سواء قلّت أطراف الشبهة أم كثرت، و لكن الغالب مع كثرة أطرافها كون بعضها خارجا عن مورد ابتلائه، فلا يجب الاجتناب فيها لذلك، لا لكونها غير محصورة، و هذا بخلاف ما لو علم بأنّ ما يرعاه هذا الرّاعي بعضها موطوءة، و لكن لم يكن له إحاطة بجميع ما يرعاه ممّا هو من أطراف الشبهة، فليس له حينئذ جعل الحرام مردّدا بين آحاد معيّنة، بل لو سئل عن حال كلّ فرد لأجاب بأنّ هذا إمّا حرام أو الحرام غيره ممّا يرعاه هذا الراعي على سبيل الإجمال، من غير أن يكون له إحاطة بأطراف الشبهة، فحينئذ لا يجب عليه الاجتناب عن كلّ ما
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 260 سطر 1، 2/ 265.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 228
يحيط به من الأطراف، حيث أنّه يحتمل أن يكون الحرام فردا آخر غير ما أحاط به، إذ الأصل- فيما أحاط به في مثل الفرض- سليم عن المعارض، فانّه لا يعارضه أصالة عدم حرمة غيره، إذ لا أثر لهذا الأصل، ما لم يحرز أن ذلك الذي يمكن أن يكون طرفا للشبهة ممّا يعلمه و يبتلى به، فعمدة المسألة لجواز ارتكاب الشبهة الغير المحصورة- بناء على هذا التفسير الذي هو في الحقيقة إبقاء للّفظ على حقيقته- إنّما هي سلامة الأصل فيما أحاط به من الأطراف عن المعارض، و لا يتفاوت الحال في ذلك بين قلّة الأطراف و كثرتها، فلو دخل في قرية مثلا و علم إجمالا بأنّ واحدا ممّن يبيع الطعام في هذه القرية أمواله محرّمة، و أطراف مثل هذه الشّبهة عادة لا تتجاوز عن العشرة، فإن أحاط بجميع من يبيع الطّعام فيها، كانت الشبهة محصورة، و إن أحاط بعدّة منهم، و لم يعلم بانحصارهم فيه، كانت الشّبهة غير محصورة، و في العبارة المتقدّمة عن صاحب «الحدائق» في صدر المبحث إشارة إلى ما اخترناه من التفسير، فلاحظ و تدبّر.
قوله قدّس سرّه: و المسألة فرعية يكتفى فيه بالظنّ‏ «1».
أقول: هذا إذا كان الظّن ثابتا اعتباره بدليل علمي، و إلّا فالأصل حرمة العمل بالظنّ، كما حقّقه المصنّف رحمه اللّه في المقصد الثاني من مقاصد الكتاب، و مثل هذا الظّن الحاصل من مجموع الأدلّة ممّا لا دليل على اعتباره، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: فالأقوى في المسألة … الخ‏ «2».
أقول: هذا تفريع على الوجه الخامس.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 260 سطر 2، 2/ 265.
(2)- فرائد الأصول: ص 260 سطر 8، 2/ 266.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 229
قوله قدّس سرّه: و التحقيق عدم جواز ارتكاب الكلّ‏ «1».
أقول: يعني مطلقا، سواء كان من أوّل الأمر عازما على ارتكاب الكلّ، أم لم يكن، إذ لا يجوز أن يرخّصه الشارع في ارتكاب الجميع، كما أشار إلى وجهه في المقام، و تقدّم شرحه في الشّبهة المحصورة.
قوله قدّس سرّه: هذا إذا قصد الجميع من أوّل الأمر لا نفسها … الخ‏ «2».
أقول: يعني أنّ الكلام الواقع في المقام من أنّه هل يجوز ارتكاب الجميع مع القصد- كما هو ظاهر إطلاق كلماتهم- أم يجوز ارتكاب الجميع بلا قصد، أم لا يجوز مطلقا، كما هو مقتضى التحقيق، إنّما هو فيما إذا لم يقصد بارتكابه للجميع التوصّل إلى ارتكاب الحرام، فانّ هذا ممّا لا ينبغي التأمّل في عدم جوازه، بل قصدها لا نفسها من حيث هي، فهذا هو محلّ الكلام.
فصور ارتكاب الجميع ثلاثة:
صورة منها: و هي ما لو قصد بها التوصّل إلى فعل الحرام، فهذا ممّا لا ينبغي الارتياب في عدم جوازه.
و صورة منها: ما لو قصدها لا نفسها من حيث هي، و هذا أيضا بمقتضى الوجه الخامس لا يجوز، و لكن بمقتضى ظاهر كلماتهم، و كذا الأخبار الدالّة على الجواز على تقدير عمومها للمقام جوازه.
و صورة منها: و هي ما لو ارتكب الجميع بلا قصد، ففي هذه الصورة يجوز ارتكاب الجميع بمقتضى الوجه الخامس، و لكن على حسب ما يقتضيه التحقيق الذي ذكره، المنع عن ارتكاب الجميع في هذه الصورة أيضا، فليتأمّل.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 260 سطر 9، 2/ 266.
(2)- فرائد الأصول: ص 260 سطر 13، 2/ 267.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 230
قوله قدّس سرّه: امّا أوّلا فلأنّ جعل الألف من غير المحصور … الخ‏ «1».
أقول: هذه مناقشة في التعليل، لا في جعل الألف من غير المحصور، إذ لو جعل بدل الألف ألف ألف أيضا، أو بلوغه إلى حدّ لا يعتني العقلاء باحتمال المصادفة في كلّ واحد من الأطراف- كما سيختاره المصنّف رحمه اللّه- لم يكن يسلم عن هذه المناقشة، كما لا يخفى.
قوله قدّس سرّه: هذا غاية ما ذكروا، أو يمكن أن يذكر، في ضابط المحصور و غيره … الخ‏ «2».
أقول: قد عرفت إمكان ضبطهما بغير ما ذكر، بما يحصل للنّفس الوثوق به و بحكمه، فتأمّل.
قوله قدّس سرّه: فإذا شكّ في كون الشّبهة محصورة … الخ‏ «3».
أقول: بناء على ما اخترناه من الضابط، حاله حال ما لو شكّ في كون بعض الأطراف موردا للابتلاء و عدمه، و قد تقدّم بعض الكلام فيه فراجع.
قوله قدّس سرّه: إذا كان الحرام المردّد بين الامور الغير المحصورة افرادا كثيرة …
الخ‏ «4».
أقول: على ما اخترناه في تحديد الشّبهة الغير المحصورة، هذا البحث ساقط عن أصله، لما أشرنا إليه من عدم إناطته بكثرة المحتملات و قلّتها، بل العلم بانحصار الحرام المعلوم بالإجمال فيما أحاط به من الأطراف في مورد ابتلائه و عدمه.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 261 سطر 2، 2/ 269.
(2)- فرائد الأصول: ص 262 سطر 3، 2/ 272.
(3)- فرائد الأصول: ص 262 سطر 7، 2/ 273.
(4)- فرائد الأصول: ص 262 سطر 9، 2/ 274.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 231
و أمّا على المشهور من دورانها مدار كثرة المحتملات، فالحقّ ما حقّقه المصنّف رحمه اللّه من إلحاقها في مثل الفرض بالشّبهة المحصورة لأنّ الملاك عندهم في صيرورة الشّبهة غير محصورة، أن يشتبه الحرام فيما بين أشياء محلّلة، بحيث يوهن احتمال الحرمة في كلّ فرد من المشتبهات المعارضة، باحتمال كون المحرّم هو ما عداه من الأفراد الكثيرة، و لذا ربّما علّل عدم وجوب الاجتناب بأن احتمال الحرمة لمّا كان في كلّ فرد موهونا بحيث لا يعتنى به لدى العقلاء، لا يستقلّ العقل بوجوب الاجتناب عنه، كما تقدّم في الدليل الخامس، و معلوم أنّ الكثرة لا توجب الوهن، إلّا إذا كان سائر الأفراد مباينة لهذا الحرام في وصف الحرمة، إذ من البين أنّ اشتباه الحرام في محرمات أخر، أو فيما كان كثير منه حراما، لا يوجب وهن احتمال الحرمة، ضرورة أنّه متى اشتبه مائة شاة محرمة في خمسمائة شاة، تكون نسبة المحرّمة إلى ما عداها كنسبة شاة محرّمة في خمس شياة، فكما أنّ هذا ليس من الشّبهة الغير المحصورة، فكذلك الأوّل، لأنّ الاحتمالات المتباينة الموجبة لوهن الاحتمال فيه أيضا ليس إلّا خمسة، لأنّ حرمة كلّ فرد منه لا تنافي حرمة غيره، إلى أن تبلغ إلى مقدار ما علمه بالإجمال، فيتحقّق التنافي حينئذ بين حرمة هذا المجموع و حرمة ما عداه، فيقال مثلا ذلك الحرام المعلوم بالإجمال إمّا هذا و هذا و هذا إلى أن يكمل، ثمّ يقال أو هذا و هذا و هذا إلى المائة، ثمّ أو هذا و هذا و هذا و هكذا إلى أن يحصل خمسة أقسام، و لا يغنى بالاحتمالات الخمس خمسا معيّنا، ضرورة إمكان تخميس الأفراد على وجه تتحقّق المتباينة بينها في فروض كثيرة جدّا، إذ لا أثر لكثرة هذه الفروض المحتملة في وهن احتمال حرمة كلّ فرد فرد، لأنّه على كلّ تقدير لا تزيد الاحتمالات المتباينة عن الخمسة.
نعم، كثرة الفروض المحتملة عند إرادة تخميسها، و العطف بكلمة «أو» الدالّة على الانفصال، يورث الوهن في احتمال كون كلّ مائة بالخصوص مجموعها هي المائة
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 232
المحرّمة المعلومة بالإجمال، و ما عداها مجموعه حلالا، و هذا غير مجد في جواز الارتكاب، و انّما المجدي هو وهن احتمال الحرمة في كلّ فرد من أفراده لابتلائه بالمعارض، لا وهن احتمال كون هذا المجموع هو ذلك المجموع المحرّم كما لا يخفى.
و قد ظهر بما ذكرنا توجيه كلام المصنّف رحمه اللّه، من أنّ محتملات هذا الحرام المتباينة ثلاثة، كاشتباه الواحد في الثلاثة، و امّا ما عدا هذه الثلاثة من الاحتمالات و هي احتمالات لا تنفكّ عن الاشتمال على الحرام، فانّه لو انقسم إلى أزيد من ثلاثة أقسام، مثل ما لو انقسم إلى ستّة أقسام مثلا، ليس كلّ قسم مباينا للآخر، بحيث لو كان هذا القسم حراما لكان ما عداه حلالا، لاشتمال ما عداه أيضا على الحرام، فلا يوجب تكثير الأقسام- أعني المحتملات الغير المتباينة- و هنا في احتمال الحرمة في كلّ قسم، لعدم معارضته باحتمالها فيما عداه من المحتملات الكثيرة، و إلى هذا المعنى أشار قدّس سرّه في آخر كلامه عليه السّلام على ما في بعض النسخ، فلا تعارض احتمال الحرمة، يعني أنّ المحتملات الكثيرة الزائدة على الثلاثة- لاشتمالها على الحرام قطعا- لا تعارض احتمال الحرمة في كلّ من تلك المحتملات، لاحتمالها في محتمل آخر، لجواز ثبوتها في كليهما، فلاحظ و تأمّل.
قوله قدّس سرّه: لأنّ الأقلّ حينئذ معلوم الحرمة، و الشّك في حرمة الأكثر «1».
أقول: في بعض النسخ المصحّحة: «لأنّ الأكثر معلوم الحرمة و الشّك في حرمة الأقلّ»، و هذا هو الأنسب بالمقام.
مثاله: ما لو علم أولا بحرمة قراءة القرآن على الحائض، و تردّد الحرام المعلوم بالإجمال بين ما زاد على سبعين آية أو سبع آيات، فانّ حرمة سبع آيات‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 262 سطر 23، 2/ 277.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 233
مشكوكة رأسا.
و على تقدير صحّة العبارة الاولى فمثاله ما إذا تردّد حرمة و هي الحائض بين كونها ما دام الحيض أو ما دامت محدثة بحدث، و لو بعد النقاء و قبل اغتسالها، و كذا لو تردّد بين حرمة قراءة العزائم بين آي السجدة بالخصوص، أو مجموع سورها، فالشكّ في حرمة الوطي بعد النقاء و قراءة ما عدا آيات السجدة، شكّ في أصل التكليف، فيرجع فيه إلى البراءة، لكن استصحاب الحرمة في المثال الأوّل حاكم على أصل البراءة، لو لم يناقش بتبدّل الموضوع، و تحقيقه في محلّه.
و إنّما قلنا إنّ العبارة الثانية أنسب بالمقام، حيث أنّ القسم الثاني ينحلّ إلى تكاليف عديدة، لكونه من قبيل الغير الارتباطي، و من الواضح أنّ إرادة الأقلّ و الأكثر الارتباطي في مثل المقام- كما في المثال الأوّل- أولى.
قوله قدّس سرّه: و يظهر من المحقّق الخوانساري … الخ‏ «1».
أقول: ستسمع من المحقّق الخوانساري، و كذا من المحقّق القمّي في عبارتهما الآتية، التصريح بأنّه لو علم بوجوب معيّن في الواقع و مردّد في نظرنا بين أمرين أو امور، من غير اشتراطه بالعلم به، وجب الاحتياط، فنزاعهم على الظاهر إنّما هو في الصغرى.
نعم، ربّما يظهر من المحقّق القمّي أنّ الأحكام الواقعية ليست بأحكام فعليّة بالنسبة إلينا، كي يكون العلم الإجمالي بها موجبا لتنجّزها، فهو نزاع آخر كالنزاع مع من قال بأنّ الأحكام الواقعية لا يجب إطاعتها، إلّا إذا وصل إلينا بطريق السمع، و قد تبيّن فساده عند المتكلّم في المقصد الأوّل، فليتأمّل.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 263 سطر 4، 2/ 279.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 234
قوله قدّس سرّه: واصل إلى من علم به تفصيلا «1».
أقول: التقييد بهذا القيد لعلّه لدفع ما قد يتوهّم من أنّ القول بوجوب الاحتياط يوجب القول بجواز التكليف بالمجمل، فاريد بهذا القيد رفع هذا التوهّم، و بيان أنّ ما نحن فيه ليس من قبيل التكليف بالمجمل، حيث أنّ التكاليف الشرعية لم تكن فيها إجمال عند صدورها، و إنّما عرضها الاشتباه لأجل الامور الخارجية، فحديث التكليف بالمجمل أجنبي عمّا نحن فيه، كما سيشير إليه المصنّف رحمه اللّه عن قريب.
قوله قدّس سرّه: مدفوعة برجوعها حينئذ إلى ما تقدّم … الخ‏ «2».
أقول: وجهه واضح، إذ لو لا رجوعه إلى تعذّر حصول المأمور به حال الجهل، لأجل اشتراطه بشرط ممتنع الحصول مع الجهل، لجاز أن يكلّف الجاهل بإيجاده في حال حرمته أيضا، كما يجوز تكليفه بإزالة جهله، لكون كلّ منهما تكليفا بأمر مقدور له، كما لا يخفى.
قوله قدّس سرّه: فإن قلت: إنّ تجويز الشارع لترك أحد المحتملين … الخ‏ «3».
أقول: لم يصرّح المصنّف رحمه اللّه قبل هذا الكلام بأنّه يجوز أن يرخّص الشارع في ترك بعض المحتملات، كي يتوجّه عليه هذا الكلام، و لكن علم ذلك ممّا بيّنه في حكم الشّبهة المحصورة، فكأنّه قدّس سرّه استغنى عن التصريح به في المقام بما بيّنه هناك، فاعترض عليه بقوله «فإن قلت: … الخ».
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 263 سطر 6، 2/ 280.
(2)- فرائد الأصول: ص 263 سطر 16، 2/ 281.
(3)- فرائد الأصول: ص 263 سطر 20، 2/ 282.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 235
قوله قدّس سرّه: و امّا اشتراط التكليف به شرعا، فهو غير معقول … الخ‏ «1».
أقول: بل و كذا اشتراطه بكونه ممّا يمكننا معرفته تفصيلا بدليل قطعيّ أو ظنّي، إذ لا يعقل أن يتقيّد الحكم بطريقه، لاستلزامه الدور الصريح، و ما تقدّمت الإشارة إليه من ابتناء كلام المحقّق القمّي، على أنّ الأحكام النفس الأمرية ليست بأحكام فعلية بالنسبة إلينا، كي يجب علينا الاحتياط لدى العلم بها إجمالا، فهو بعد الغضّ عن فساده في حدّ ذاته، غير مجد في رفع إشكال الدور، لأنّ العلم بتلك الأحكام من حيث هي غير مجد في تنجّزها، إذ المفروض أنّها ليست بأحكام فعلية في حقّنا، و إلّا فلم يكن يتفاوت الحال بين أن علم بها تفصيلا أو إجمالا، فتنجّزها على المكلّف موقوف على أن يعلم بكونها في حقّه أحكاما فعليّة، فلو توقّف فعليتها على العلم بكونها كذلك لدار.
نعم، يمكن التفصّي عن إشكال الدور، بالالتزام بأنّ الأحكام الشرعية في حدّ ذاتها مجعولة للأشخاص، الذين علم اللّه تعالى بأنّهم لو تفحّصوا عنها لأدى نظرهم إلى معرفتها، فصلاة الجمعة مثلا جعلها الشارع واجبة على كلّ مكلّف، له أهلية استفادة وجوبها من الأدلّة الدالّة عليه، فهي في حدّ ذاتها واجبة على هذه الأشخاص، سواء تفحّصوا عن حكمها أم قصروا في ذلك، فتكون معرفتهم للحكم من قبيل الإجازة في الفضولي، على القول بالكشف.
و لكن لا يخفى ما فيه من مخالفته للأدلّة الدالّة على مشاركة جميع المكلّفين في التكاليف الشرعية، و عدم اختصاصها ببعض دون بعض، و لتمام الكلام فيما يتوجّه على كلام المحقّقين المزبورين، من النقض و الإبرام مقام آخر.
و امّا ما استدركه المحقّق القمّي رحمه اللّه في ذيل كلامه بقوله: «و لكن من أين هذا
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 265 سطر 19، 2/ 287.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 236
الفرض، و أنّى يمكن إثباته».
ففيه: إنّ جميع الأحكام الشرعيّة، بالنظر إلى ظواهر أدلّتها، خصوصا التوصّليات منها من هذا القبيل، فيجب الاحتياط في الجميع، إلّا أن يثبت بإجماع أو ضرورة أنّ الشي‏ء الفلاني الذي تعلّق به الأمر المطلق، لم يتعلّق غرض الشارع بإيجاده كيف اتّفق، و إنّما تعلّق غرضه بإيجاده مع العلم التفصيلي بوجهه، و لو في صورة التعذّر، المستلزم ذلك الفرض ارتفاع الوجوب واقعا عند التعذّر، لاشتراط التكليف بالقدرة، فلا يجب على هذا التقدير الاحتياط، بل لا يعقل حيث لا تكليف في الواقع بالنسبة إلى فاقد الشرط، و لكن من أين هذا الفرض، و أنّى يمكن إثباته!
قوله قدّس سرّه: ففيه إنّ سقوط قصد التعيين … الخ‏ «1».
أقول: حاصل الإيراد أنّ قصد التعيين على القول باعتباره في تحقّق الإطاعة، إنّما هو في حال التمكّن لا مطلقا، كما مرّ الكلام في بيان ذلك مرارا، فعلى هذا يسقط قصد التعيين في إطاعة الواجبات الواقعيّة، المردّدة بين المشتبهات بنفس التردّد، سواء قلنا بوجوب إطاعتها حال الاشتباه- بدعوى كون العلم الإجمالي كالتفصيلي منجزا للتكليف، و لازمه وجوب الاحتياط- أم قلنا بعدم وجوب إطاعتها حال التردّد، و جواز الرجوع إلى البراءة، و مرجعه إلى دعوى عدم كون العلم الإجمالي منجّزا للواقع، فسقوط قصد التعيين من لوازم التردّد، كما أنّ وجوب الاحتياط، أو جواز الرجوع إلى البراءة- على القول به- من آثار تردّد الواجب، فسقوط قصد التعيين و وجوب الاحتياط، أو الرجوع إلى البراءة كلاهما مسبّبان عن التردّد، و لا ترتّب بينهما حتّى يكون أحدهما دليلا على الآخر، فتدبّر.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 266 سطر 6، 2/ 288.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 237
قوله قدّس سرّه: و لا يلزم من نيّة الوجوب المقدّمي قصده‏ «1».
أقول: الإتيان به لوجوبه المقدّمي لا ينفكّ عن قصد حصول ذي المقدّمة، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: و لا شكّ أنّ الثاني أولى … الخ‏ «2».
أقول: هذا إنّما هو بعد فرض حرمة المخالفة القطعيّة، كما هو المفروض، و إلّا فلا دليل على أنّ الفعل الفاقد للشرط أولى من تركه، كما لا يخفى، فالكلام إنّما هو بعد أن علم أنّه لا يجوز ترك جميع المحتملات، و أنّه يجب الإتيان بها في الجملة، فحينئذ نقول:
لا شبهة في أنّ الإتيان بالجميع أولى، و أحوط من الاقتصار على البعض، فيجب رعاية لجانب الاحتياط بقدر الإمكان، و إن لم يحصل به مراعاته من جميع الوجوه، لأنّ الميسور لا يسقط بالمعسور، و ليس الاقتصار على البعض موجبا لمعرفة وجهه، و الجزم بكونه هو المقرّب، كي يتوهّم تقدّمه على الاحتياط بفعل الجميع، كما هو واضح.
قوله قدّس سرّه: و ذكرنا ورود الإشكال من هذه الجهة، على كون التيمّم من العبادات … الخ‏ «3».
أقول: قد استقصينا الكلام في بيان الإشكال و حكمه، في نيّة الوضوء من كتابنا المسمّى ب «مصباح الفقيه» و وفّقنا اللّه تعالى لإتمامه، من أراد الاطّلاع عليه فليراجع.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 266 سطر 15، 2/ 289.
(2)- فرائد الأصول: ص 266 سطر 6، 2/ 288.
(3)- فرائد الأصول: ص 267 سطر 18، 2/ 293.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 238
قوله قدّس سرّه: و امّا وجوب تحصيل اليقين بارتفاعه، فلا يدلّ عليه الاستصحاب … الخ‏ «1».
أقول: هذا مسلّم، و لكن لقائل أن يقول إنّه بعد إحراز شغل الذمّة بالاستصحاب، لا حاجة إلى حكم العقل بوجوب القطع بتفريغ الذمّة، الذي مرجعه إلى الأمر بالاحتياط، بل يكفي في وجوب الإتيان بما احرز، اشتغال الذمّة بحكم العقل بوجوب تفريغ الذمّة عمّا علم اشتغالها به- حقيقة أو حكما- الذي مرجعه إلى وجوب الإطاعة.
فالحقّ في الجواب: إنّ استصحاب شغل الذمّة بالواجب الواقعي، كاستصحاب عدم الإتيان به، و بقاء وجوبه غير مجد في إثبات أنّ المحتمل الباقي هو ذلك الشي‏ء الذي اشتغلت الذمّة به، إلّا على القول بالاصول المثبتة، و هو خلاف التحقيق، كما ستعرفه في محلّه إن شاء اللّه تعالى.
قوله قدّس سرّه: الخامس، لو فرض محتملات الواجب غير محصورة «2».
أقول: مراده بكون المحتملات غير محصورة، كونها كثيرة بحيث يكون كثرتها موجبة لتعذّر الاحتياط أو تعسّره، كما يظهر ذلك ممّا ذكره ضابطا لمعرفة الشّبهة الغير المحصورة في الشبهة التحريمية، و لو فسّر غير المحصورة بما جعلناه ضابطا لمعرفتها من عدم الإحاطة بأطرافها، فحالها عند تعذّر الإحاطة بالأطراف، حال ما لو تعذّر بعض محتملات الواجب عينا، حيث أنّ المحتملات التي تعذّر عليه الإحاطة بها، لا يقدر على الاحتياط بفعلها، و ستعرف حكمه.
و امّا لو تمكّن من الإحاطة بها، فإن أمكنه الاحتياط بفعل الجميع بعد الإحاطة
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 268 سطر 2، 2/ 294.
(2)- فرائد الأصول: ص 270 سطر 25، 2/ 308.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 239
به وجب، و إلّا فهو من الشّبهة الغير المحصورة بالمعنى الأوّل الذي تعرّض المصنّف رحمه اللّه لبيان حكمه، فتدبّر.
قوله قدّس سرّه: فلا وجه لترك المشروط رأسا «1».همدانى، رضا بن محمد هادى، حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، 1جلد، محمد رضا انصاري قمي – قم – ايران، چاپ: 1.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد) ؛ ص239

ول: هذا إنّما هو في مثل الصلاة و نحوها من التكاليف الشرعية، التي جرى فيها قاعدة الميسور، و علم أنّ التكليف بها لا يسقط بحال، و إلّا فمقتضى القاعدة الأوّلية سقوط التكليف بالمشروط، عند سقوط التكليف بالشرط، كما أنّ هذا هو الشأن في كلّ شرط ثبتت شرطيته على الإطلاق، كالطهور للصلاة، و إطلاق الماء للوضوء و الغسل، فإذا كان تردّد الواجب ناشئا من تردّد هذا النحو من الشرائط بين امور غير محصورة، لا يتمشّى فيه الكلام المزبور، بل كان حاله حال ما إذا كان نفس الواجب مردّدا، كما لا يخفى.
ثمّ إنّ كلام المصنّف رحمه اللّه في هذا المقام لا يخلو عن إجمال، حيث اقتصر على بيان أنّه لا يسقط التكليف بالمشروط رأسا، و امّا أنّه هل يسقط التكليف بالشرط كي يجوز مخالفته القطعية بالصّلاة إلى جهة يعلم أنّها ليست بقبلة في المثال المزبور، أو في ثوب يعلم تفصيلا أنّه من غير مأكول اللحم، عند اشتباه ما يحلّ الصلاة فيه بما لا يحلّ، في افراد غير محصورة، أم يجب رعاية الشرط مهما أمكن، أو يحرم مخالفته القطعية لا غير، فلم يتعرّض لبيانه، فكأنّه استغنى عن بيانه بالخصوص ببيان حكم ما إذا تردّد نفس الواجب، لوضوح اتّحاد ما هو مناط الحكم في المقامين، ضرورة أنّه يجب تحصيل شرط الواجب أيضا كمشروطه مع الإمكان، فلو كان تردّد الواجب في امور غير محصورة موجبا لسقوط التكليف به رأسا، جازت المخالفة
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 271 سطر 1، 2/ 308.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 240
القطعية، و إلّا وجبت رعايته، إمّا في الجملة أو مهما أمكن، من غير فرق في ذلك كلّه بين ما لو كان واجبا لنفسه أو شرطا لواجب آخر، كما هو واضح.
قوله قدّس سرّه: و هذا الحكم مطّرد في كلّ مورد وجد المانع من الإتيان ببعض غير معيّن من المحتملات‏ «1».
أقول: الفرق بين ما لو وجد المانع من بعض غير معيّن أو معيّن، حيث حكم في الأوّل بعدم سقوط التكليف بالواقع، و وجوب مراعاته مهما أمكن دون الثاني، يظهر بما بيّناه فارقا بين ما لو اضطرّ إلى بعض معيّن أو غير معيّن من أطراف الشّبهة المحصورة، فراجع.
قوله قدّس سرّه: ففي الوجوب كما هو المشهور إشكال … الخ‏ «1».
أقول: و ربّما يفصّل في الفرض، بين ما لو كان طرف المانع قبل تنجّز الخطاب و بعده، كما في الشبهة المحصورة، و الأقوى ما ذهب إليه المشهور، لأنّ معذوريّة المكلّف في ترك امتثال الواجب، على تقدير مصادفته للبعض الممنوع عنه عقليّ، و العقل لا يحكم إلّا بكون العجز الواقعي عذرا مقبولا في مخالفة التكاليف لا احتماله، و هذا و إن كان مرجعه إلى شرطية القدرة في التكاليف، و اختصاص أدلّتها بغير العاجز، إلّا أنّ المخصّص إذا كان عقليّا، يخرج ذوات المصاديق عن تحت إطلاقات الأدلّة لا بعناوينها الخارجية، فلو شكّ المكلّف- بعد دخول الوقت- في أنّه متمكّن من فعل الصلاة تامّة الأجزاء و الشرائط، يجب عليه الاشتغال بفعل الصلاة، و تحصيل مقدّماتها، حتّى ينكشف الحال بحصول الامتثال، أو ظهور العجز، و ليس له‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 271 سطر 8، 2/ 309.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 241
ترك الصلاة و بعض شرائطها التي يحتمل عدم تمكّنه من تحصيلها، معتذرا بعدم العلم بتنجّز التكليف بها أو بشرائطها، بواسطة الشّك في القدرة التي هي شرط في ذلك، لا لما توهّم من قاعدة ظنّ السّلامة أو استصحاب القدرة أو نحو ذلك، بل لما أشرنا إليه من أنّ عجزه عن الامتثال في الواقع، هو العذر بنظر العقل في رفع اليد عن الخطاب المتوجّه إليه، فمن كان عاجزا في الواقع معذور في مخالفة التكليف، دون من لم يكن كذلك، فإنّ من الواضح انّه لا يجوز رفع اليد عن الخطاب المتوجّه إلى المكلّف بمجرّد احتمال كونه معذورا في مخالفته، بل يجب عقلا السعي في الخروج عن عهدته، ما لم ينكشف العجز، رعاية لاحتمال القدرة الموجبة لجواز المؤاخذة على مخالفته، تفصّيا عن العقاب المحتمل.
و إن شئت قلت: إنّ من كان عاجزا في الواقع عن اداء الواجب، يراه العقل معذورا في مخالفته، فهو خارج عن زمرة المكلّفين بهذا الفعل، و إن شمله إطلاق دليله أو عمومه، فالإطلاق أو العموم مخصّص بالنسبة إليه، لكن لا على وجه يكون للمخصّص عنوانه العام، حتّى يقال- عند الشّك في كون الشخص قادرا أو عاجزا- إنّ دخوله في عنوان العام ليس بأولى من اندراجه تحت المخصّص، بالنظر إلى ظاهر الدليل، فانّ العقل لا يحكم بخروج من عجز عن الامتثال بلحاظ اندراجه تحت مفهوم العاجز، بل بلحاظ كونه بذاته غير قابل لأن يتوجّه عليه التكليف بواسطة عجزه، فالخارج عن تحت أدلّة التكاليف إنّما هو مصداق العاجز لا مفهومه، فكلّ فرد فرد من مصاديق العاجز تخصيص مستقل، فلو شك في عجز شخص يشكّ في تخصيص الحكم بالنسبة إليه، فيجب التمسّك حينئذ بأصالة العموم أو الإطلاق، إلى أن يعلم بالتخصيص أعني عجزه.
و الحاصل: إنّ تعذّر بعض الأطراف لا يوجب بنظر العقل إلّا معذوريته في مخالفة الواجب، على تقدير مصادفته لما تعذّر، لا معذوريّته في ترك امتثاله على‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 242
تقدير حصوله بما تيسّر فعله، و لا يقاس الواجب الذي تعذّر بعض محتملاته، بالحرام الذي اضطرّ إلى ارتكاب بعض محتملاته، حيث التزمنا في تلك المسألة بأنّ الاضطرار إذا تعلّق ببعض معيّن، قبل أن يعلم إجمالا بحرمة شي‏ء مردّد بين ما اضطر إليه و غيره، جاز له ارتكاب ذلك الغير أيضا، للفرق بين المقامين، فإنّ إحراز الموضوع في المحرّمات الشرعية شرط في تنجّز التكليف بالاجتناب عنها، فلا يجب على المكلّف الاجتناب عن الخمر مثلا في مرحلة الظاهر، إلّا بعد أن علم بخمريتها، فوجوب الاجتناب عن الخمر في مرحلة الظاهر من آثار هذا العلم، لا العلم بأنّ الخمر محرمة في الشريعة، فلا بدّ أن يكون هذا العلم صالحا للتأثير، بأن يكون على تقدير كونه إجماليا، كلّ واحد من أطراف الشّبهة على وجه لو علم بكونه هو ذلك الحرام لتنجّز في حقّه الأمر بالاجتناب عنه، بأن يعلم بكون ذلك الشي‏ء بالفعل في حقّه حراما، بحيث لو علمه بالتفصيل لوجب عليه التجنّب عنه، فمتى اضطرّ إلى واحد معيّن قبل أن يعلم إجمالا بحرمة بعضها، لا يؤثر علمه الإجمالي في إحراز تكليف منجّز، لتردّد المعلوم بالإجمال بين هذا الشي‏ء المطلق إباحته بالفعل تفصيلا بواسطة الاضطرار- سواء كان خمرا في الواقع أم لم يكن- و بين الطرف الآخر الذي يشكّ في خمريته، و هذا بخلاف ما نحن فيه، فإنّ تنجّز التكليف بالصلاة إلى القبلة، أو مع الوضوء، أو في ثوب طاهر، ليس من آثار العلم بجهة القبلة إجمالا أو تفصيلا، أو بكون أحذ المائعين ماء مطلقا، أو أحد الثوبين طاهرا، بل مع العلم بأصل التكليف، أي بوجوب صلاة مقيّدة بهذه القيود في الشريعة، فانّه متى علم المكلّف بذلك ألزمه عقله بالخروج عن عهدته مع الإمكان، و عدم معذوريته في مخالفته إلّا على تقدير عجزه عنه في الواقع، فتشخيص موضوع الواجب و ما يتعلّق به من الأجزاء و الشرائط، كلّها من المقدّمات الوجودية التي يجب الفحص عنها، و تحصيلها مهما أمكن و لو بالاحتياط، و لا يعذر المكلّف بعد إحراز أصل التكليف في مخالفة شي‏ء
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 243
من ذلك، إلّا على تقدير عجزه عنه واقعيا، و لا يكفي في ذلك مجرّد احتمال العجز، سواء كان منشؤه العجز عن بعض محتملات الواجب عينا أو تخييرا، أو احتمال عجزه عن بعض المحتملات، أو عن أصل الواجب.
كيف، و لو جاز الرجوع إلى أصل البراءة في نفي وجوب سائر المحتملات عند العجز عن بعض أو مطلقا، لجاز الرجوع إليه عند احتماله أيضا، أو احتمال تعدّد أصل الواجب، من غير فحص، إذ لا يجب الفحص في الشّبهات الموضوعيّة، و هو واضح الفساد.
نعم، حال الواجبات المشروطة بالنسبة إلى شرائطها الوجوبية، حال المحرّمات في أنّ تنجّز التكليف بها من آثار العلم بتحقّق شرائطها، لا بأصل التكليف، فلا بدّ فيها أيضا من أن يكون العلم المتعلّق بحصول الشرائط صالحا للتأثير كما في المحرّمات. و من هذا القبيل ما لو قال الشارع مثلا «يجب إكرام كلّ عالم من أهل البلد» أو «يجب الصلاة على كلّ ميّت مسلم» أو نحو ذلك، فانّ هذا النحو من التكاليف كلّها واجبات مشروطة بتحقّق موضوعاتها، فلو لم يعلم المكلّف بوجود عالم في البلد لا يتنجّز في حقّه التكليف، و لا يجب الفحص عنه ما لم يعلم بوجوده إجمالا، و يرجع في موارد الشّك إلى أصل البراءة، و مع العلم الإجمالي بوجود عالم مردّد بين أشخاص محصورة إلى قاعدة الاحتياط، بشرط أن يكون العلم الإجمالي صالحا للتأثير لا مطلقا. و هذا بخلاف ما لو تعلّق طلب مطلق بإكرام عالم مثلا، فانّه يجب حينئذ الفحص عن مصداق العالم، أو الخروج عن عهدة التكليف بالموافقة القطعية مع الإمكان، و إلّا فما هو الأقرب إليه فالأقرب، حتّى إنّه لو لم يوجد عالم و تمكّن من تعليم أحد، بحيث اندرج في موضوع العالم من غير مشقّة رافعة للتكليف، وجب عليه ذلك من باب المقدّمة، و هذا بخلاف الفرض الأوّل، الذي جعل فيه «العالم» بنفسه موضوعا لوجوب الإكرام، لا إكرامه من حيث هو
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 244
متعلّقا للطلب، كي يكون تحصيل العالم من المقدّمات الوجودية للواجب المطلق، كما في الفرض الثاني، فليتأمّل.
ثمّ، إنّا لو قلنا بجواز الرجوع إلى البراءة عند تعذّر بعض المحتملات الواجب عينا، فالأظهر عدم الفرق بين حصوله قبل تنجّز التكليف أو بعده، كما هو ظاهر المتن، و لا يقاس بالشّبهة المحصورة- التي التزمنا فيها بالتفصيل، بين ما لو اضطرّ إلى بعض أطرافها قبل تنجّز التكليف أو بعده- إذ فرق بين المقامين، فانّه متى تنجّز التكليف بالحرام المعلوم بالإجمال- كالخمر المردّدة بين الإنائين- فقد وجب الاجتناب عن ذلك الحرام الخاص دائما، إلّا أن يضطرّ إليه، فيجب الاجتناب عن كلّ واحد من المحتملين مطلقا، و اضطراره إلى بعضها يجعله معذورا في ارتكاب ذلك الحرام، على تقدير مصادفته لهذا البعض، كما تقدّم تحقيقه في محلّه.
و امّا الواجب، فمتى حضر وقته، و كان المكلّف جامعا لشرائط التكليف، فقد تنجّز في حقّه، أي وجب عليه الخروج عن عهدته، فإذا تعذّر بعد ذلك بعض محتملاته:
فإن كان ذلك قبل مضيّ مقدار اداء الواجب، فهو ليس إلّا كما إذا تعذّر ذلك البعض من أوّل الوقت، كما لا يخفى وجهه.
و إن تعذّر بعده، و كان الواجب مضيّقا، فقد فات وقته و خرج عن محلّ البحث.
و إن كان موسّعا كصلاة الظهر مثلا، فيكون حاله بالنسبة إلى اجزاء الوقت حال المطلق بالنسبة إلى افراده، في كون كل واحد منها في حدّ ذاته مأمورا به بأمر تخييري عقلي منتزع من الأمر الشرعي المتعلّق بالطبيعة، فلو شكّ في كون شي‏ء منها معروضا للوجوب، يتمسّك في نفيه بالأصل.
نعم، لو كان التكليف الوجوبي متعلّقا بفعل شي‏ء على سبيل الاستمرار،
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 245
كإسكان عالم في داره، و تردّد العالم بين أشخاص تعذّر إسكان بعضها، اتّجه مقايسته بالحرام في التفصيل بين ما لو كان بعضا معيّنا أو غير معيّن، قبل تنجّز التكليف أو بعده، على حسب ما عرفته في الشّبهة التحريمية، فلاحظ و تأمّل.
و اعلم أنّ أغلب ما سطّرناه في المقام منقول عمّا حرّرناه في مبحث القبلة من كتابنا المسمّى ب «مصباح الفقيه»، فلعلّك لو تأمّلت فيما كتبناه في ذلك المبحث زائدا على ما نقل، لحصل لك مزيد إذعان بالمطلوب، فلاحظ و تدبّر.
قوله قدّس سرّه: امّا العقل، فلاستقلاله بقبح مؤاخذة من كلّف بمركب … الخ‏ «1».
أقول: توضيح المقام بحيث يرتفع به غشاوة الأوهام، و يتّضح به ملخّص مرام المصنّف رحمه اللّه هو أنّ الكلام يقع في مقامين:
أحدهما: و هو الذي عقد له هذا الباب، أنّه عند دوران الواجب بين الأقلّ و الأكثر، هل التارك للجزء المشكوك مع إتيانه بما عداه من الأجزاء يعدّ عاصيا في حكم العقل و العقلاء، فيحسن عقابه كما في المتباينين أم لا؟
ثانيهما: إنّه بعد البناء على عدم استقلال العقل بحسن العقاب، و عدم كونه عاصيا في حكم العقلاء، بالنظر إلى ذلك التكليف من حيث هو، هل العقل يحكم بوجوب الاحتياط في الأحكام الشرعية، لإحراز مصلحتها الواقعية الملزمة الموجبة للأمر الشرعي أم لا؟
أمّا الكلام في المقام الأوّل فنقول: لا شبهة في أنّه إذا عزم العبد على إطاعة المولى، و بذل جهده في تعيين موضوع أمره، و لم يطّلع إلّا على عدّة أجزاء، و احتمل إرادته اجزاء أخر لم يصل إليه بيانها، أو لم يتعرّض المولى لبيانها، و لو لعجزه عن‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 273 سطر 2، 2/ 318.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 246
بيان تمام مراده، و أتى العبد بجميع الأجزاء التي علم بوجوبها، بعد فحصه و بحثه عن وجوب ما يحتمل وجوبه، و عدم اطّلاعه على ما يدلّ على وجوبه، ليس للمولى أن يؤاخذه و يعاتبه بقوله «لم عصيتني و خالفتني فيما أمرتك، و تركت إطاعتي و الإتيان بمرادي»، لأنّ عذر العبد معلوم مقبول عند العقلاء، فيقبح من المولى مؤاخذته، خصوصا مع اعترافه بأنّي ما نصبت له عليه دلالة.
و أمّا الكلام في المقام الثاني فملخّصه: إنّ العقل لا يلزم بإيجاد فعل بلحاظ مصلحته، إلّا بعد العلم بأنّ فيه مصلحة ملزمة، سواء علم بها تفصيلا أو إجمالا، و هو فيما نحن فيه متعذّر، إذ لا طريق للعقل إلى إحرازها، لأنّ غاية ما يستقلّ به العقل و يقتضيه قواعد العدلية، هو أنّ أمر الشارع لا يكون إلّا عن مصلحة في المأمور به، عائدة إلى المكلّف، و لو بلحاظ الأمر على الخلاف في المسألة، إلّا أنّه لم يعلم ترتّب تلك المصلحة على حصول ذات المأمور به كيف اتّفق، أو توقفها على حصوله بكيفيّة خاصة، كأن كان المكلّف جازما حين الفعل، عارفا بكيفية الطلب و خصوصياته، و لا ينافي ذلك ما قوّيناه عن عدم اعتبار معرفة الوجه في الإطاعة، لأنّ ما قوّيناه إنّما هو بالنظر إلى القواعد التي بأيدينا، من كيفية الإطاعة بحكم العقل و العقلاء، و لا استحالة في أن يكون ما يترتّب عليه المصلحة كيفية خاصّة من الإطاعة، لم يطّلع عليها و اختفى عنّا بيان الشارع، كما أنّه لا امتناع عقلا و لا عادة في أن يكون للمركّبات أجزاء أخر اختفى علينا تصوّرها، أو الإذعان بجزئيتها، لفقد أدلّتها، أو معارضتها بما هو أرجح منها في نظرنا، أو اقتضاء الإطلاقات و العمومات نفي وجوبها.
و الحاصل: إنّ العلم الإجمالي الذي لا إحاطة للمكلّف بأطرافه، و لا يمكنه الإتيان بجميع الأطراف، لا يصلح أن يكون منجّزا للتكليف، كما عرفته مرارا، فليس للعقل حكم إلزامي بوجوب إيجاد الواجبات الشرعية بلحاظ مصلحتها
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 247
الواقعية، ما لم يعلم بتلك المصالح تفصيلا، و إنّما يحكم بوجوب إيجادها إطاعة لأمر الشارع، و فرارا عن معصيته الموجبة لاستحقاق العقاب، كما لا يخفى.
هذا، مع أنّ العلم إجمالا بأنّ الغرض من هذا التكليف حصول مصلحة عائدة إلى الأمر أو المأمور مغايرة لنفس ذلك الفعل من حيث هو، لا يصلح أن يكون مؤثّرا في إيجاب الاحتياط بالنسبة إلى ما تعلّق به القرض، إلّا إذا علم بتخلّفه عن المأمور به أحيانا، و كون المكلّف قادرا على تحصيله، و إتيان المأمور به على وجه يترتّب عليه تلك الغاية المقصودة.
و امّا إذا احتمل كونه من قبيل الخاصّيات المترتبة على هذا الفعل من حيث هو، كما هو الغالب في الأوامر العرفية، التي لا يعلم الأغراض المتعلّقة بها تفصيلا فلا، إذ لا يعلم حينئذ بمغايرة الفعل الاختياري الصّالح لأن يتعلّق به التكليف، ممّا له دخل في حصول ذلك الغرض لهذا الفعل الذي وقع في حيّز الطلب، كي يثبت بذلك تكليف، مثلا إذا كلّف المولى عبده بالرّواح إلى السّوق، و علم العبد بأنّ نفس الرواح من حيث هو ليس متعلّقا لغرضه، و إنّما مقصوده تحصيل أمر آخر اختياري له، إمّا لكونه من أفعاله الاختيارية كشراء لحم و نحوه، أو غاية مترتّبة على فعله الاختياري، كوقوع رؤية زيد عليه عند مروره من عند دكّانه بارزا، فحينئذ يجب على العبد عند تردّد ذلك الغرض بين أمرين أو امور مقدورة، الاحتياط و تحصيل الجزم بحصول ما تعلّق به غرض المولى، لا لأجل أنّ الإطاعة عقلا و عرفا اسم للإتيان بالمأمور به على وجه تعلّق به غرض المولى، فانّا قد بيّنا في صدر الكتاب أنّ الإطاعة التي يستقلّ العقل بوجوبها ليس إلّا إيجاد المأمور به بداعي الأمر لا غير، و إنّما على المولى أن لا يأمر العبد إلّا بما يطابق غرضه، و لكن بعد أن علم العبد بالمخالفة و أنّ ما تعلّق به الغرض أمر مباين لهذا الفعل كشراء اللحم في المثال المزبور، أو شي‏ء لا يترتّب عليه إلّا على بعض التقادير، كوقوع رؤية زيد عليه في المثال،
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 248
وجب عليه حينئذ تحصيل الجزم بحصول ذلك الغرض، لكون علمه حينئذ طريقا عقليا لتنجّز التكليف به، و إن لم يكن هناك خطاب سمعي، فضلا عمّا إذا كان خطابه قاصرا عن الوفاء بمراده، و لكن هذا مع العلم بالتخلّف أو المباينة.
و امّا إذا احتمل كونه من قبيل الخواص المترتّبة على نفس المأمور به، كهضم الغذاء الذي هو من فوائد الرواح إلى السوق في المثال المزبور، فلا أثر لعلمه الإجمالي كما هو واضح، و ما نحن فيه كلّها من هذا القبيل، لأنّ غاية ما اقتضته قواعده كون التكاليف السمعية ناشئة عن المصالح النفس الأمريّة، لازمة التحصيل بنظر العقل على تقدير الاطّلاع عليها، فمن الجائز- إن لم نقل بأنّه المتعيّن- كون تلك المصالح من قبيل الخاصّيات المترتّبة على نفس هذه الأفعال، التي تعلّق بها الطلب السمعي، فلا يتنجّز التكليف حينئذ إلّا بنفس هذه الأفعال، فعند تردّدها بين الأقلّ و الأكثر يتمشّى فيها الكلام المزبور، من أنّ مقتضى الأصل حينئذ- بالنسبة إلى الأكثر- هل هو البراءة أو قاعدة الشغل، كما لا يخفى على المتأمّل.
قوله قدّس سرّه: نعم قد يأمر المولى بمركّب … الخ‏ «1».
أقول: قد اتّضح شرحها آنفا، فراجع.
قوله قدّس سرّه: قلت امّا أوّلا فمسألة البراءة و الاحتياط … الخ‏ «2».
أقول: ما ذكره أوّلا إشارة إلى ما نبّهنا عليه آنفا من أنّ الكلام في هذا المقام انّما هو في بيان ما يقتضيه الأصل في مقام الخروج عن عهدة التكليف المردّد بين الأقلّ و الأكثر من البراءة و الاحتياط.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 273 سطر 14، 2/ 319.
(2)- فرائد الأصول: ص 273 سطر 19، 2/ 319.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 249
و امّا أنّ الصلاة التي يشكّ في جزئية السورة لها مثلا، هل هي من جزئيات هذه المسألة، أو أنّها مقدّمة لواجب عقلي يجب تحصيله لقاعدة الملازمة؟ فهو أجنبي عن ذلك، إذ بعد تسليم المقدّمية ننقل الكلام في ذلك الواجب، فنقول إن علم عنوانه تفصيلا فقد وجب الإتيان بذلك المعلوم، و إن تردّد بين امور متباينة، وجب الإتيان بمحتملاته، و إن تردّد بين الأقلّ و الأكثر اندرج في موضوع هذه المسألة، فلاحظ و تأمّل.
قوله قدّس سرّه: و ثانيا إنّ نفس الفعل من حيث هو ليس لطفا … الخ‏ «1».
أقول: قد تبيّن شرحه مفصّلا، فراجع و تأمّل فيما حرّرناه، حتّى يرتفع عن ذهنك ما تراه في عبارة الكتاب من التشويش و الاضطراب!
قوله قدّس سرّه: كما تقدّم في المتباينين حرفا بحرف‏ «2».
أقول: حاصل ما تقدّم أنّ الجهل التفصيلي لا يصلح مانعا عن إيجاد المأمور به، و لا عن توجّه الأمر، و لا عن حصول الامتثال، لاستلزام الأوّل امتناع التكليف بالجهل رأسا، و الثاني جواز المخالفة القطعية، و قبح عقاب الجاهل المقصّر، و الثالث تعذّر الاحتياط، و التوالي بأسرها باطلة، و الملازمة ظاهرة.
و حاصل الجواب: انّا نختار في التكليف المردّد بين الأقلّ و الأكثر الشقّ الثاني، أعني كون الجهل التفصيلي مانعا عن توجّه الخطاب و تنجّزه، و لا يستلزم ذلك جواز المخالفة القطعية، ضرورة أنّ الجهل عذر بالنسبة إلى المجهول، و هو وجوب الأكثر، و امّا الأقلّ فوجوبه معلوم بالتفصيل، فلا يجوز مخالفته.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 273 سطر 21، 2/ 320.
(2)- فرائد الأصول: ص 274 سطر 7، 2/ 321.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 250
و امّا عدم معذورية الجاهل المقصّر، عند اقتصاره على الأقلّ، في ترك امتثال الأكثر على تقدير وجوبه في الواقع، فليس لأجل تنجّز التكليف به بواسطة هذا العلم الإجمالي، بل للوجه الذي لا يعذر لأجله الجاهل المقصّر العامل بالبراءة قبل الفحص في سائر التكاليف، فلاحظ و تدبّر.
قوله قدّس سرّه: و لا يعارض بقبح المؤاخذة على ترك الأقلّ، من حيث هو من دون بيان … الخ‏ «1».
أقول: قد يقال إنّ الأقلّ على تقدير نفي وجوب الأكثر بالأصل يصير مشكوك الوجوب، ضرورة أنّ الشارع لم يرده مجرّدا عن الجزء المشكوك على تقدير جزئيته في الواقع، و إلّا لما كان التكليف مردّدا بين الأقلّ و الأكثر، و هو خلاف الفرض، فالأقلّ بعد جريان الأصل في الأكثر يصير موردا للأصل، فيتحقّق المعارضة حينئذ بين الأصل الجاري فيه و في الأكثر، حيث يلزم من إعماله فيهما طرح العلم الإجمالي، و في أحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجّح، فيجب الاحتياط كما في المتباينين. و العلم بأنّ الأقلّ في الواقع إمّا واجب لذاته أو مقدّمة للأكثر، إنّما يصلح مانعا عن جريان الأصل فيه على تقدير تنجّز التكليف به على كلّ تقدير.
و امّا على تقدير عدم تنجّز التكليف به إلّا على أحد التقديرين فلا، و ما نحن فيه من هذا القبيل، إذ لا يعقل تنجّز التكليف بالمقدّمة عند عدم تنجّز التكليف بذيها.
و فيه أوّلا: إنّه إن تمّ ذلك فانّما يتّجه على القول باشتراط وجوب المقدّمة
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 274 سطر 9، 2/ 321.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 251
بإرادة ذيها، و هو فاسد كما تقرّر في محلّه، فالأقلّ على تقدير كون الأكثر واجبا في الواقع واجب أيضا في الواقع مطلقا من باب المقدّمة، و اجراء أصالة البراءة في الأكثر لا يوجب انتفاء وجوبه في الواقع، كي يرتفع بذلك وجوب مقدّمته، فالأقلّ معلوم أنّه بالفعل مطلوب و مراد الشارع، إمّا لذاته أو مقدّمة الأكثر، و لا يعقل جريان الأصل مع العلم التفصيلي بمخالفته للواقع.
و امّا ما توهّم: من أنّه لا يكفي العلم بوجوبه المردّد بين النفسي و الغيري في تنجّز التكليف به، بعد نفي وجوب الأكثر بالأصل.
فمدفوع: بأنّا لا نعقل لتنجّز التكليف بشي‏ء- الذي هو عبارة عن إلزام العقل بوجوب الخروج عن عهدته- إلّا إدراك ثبوته في الواقع، و القدرة على امتثاله، من غير فرق بين كون ذلك الشي‏ء مطلوبا لذاته و لغيره، فلو دلّ مثلا دليل لبي من إجماع و نحوه، على أنّه يجب الرواح إلى المسجد الأعظم، و شكّ في أنّه هل هو من حيث هو أو مقامه للاعتكاف؟ لا يجوز ترك الرواح معتذرا باحتمال كونه مقدّمة للاعتكاف الذي هو المقدور، و امّا نفس الاعتكاف فهو شي‏ء مشكوك الوجوب، يبقى وجوبه بالأصل.
نعم، لو تعذّر الاعتكاف و صار الرواح بواسطته مشكوك الوجوب، أمكن نفيه حينئذ بالأصل، و هذا بخلاف صورة التمكّن، فانّه حينئذ يعلم بوجوب شي‏ء عليه بالفعل و قدرته على امتثاله، فلا يعذر في مخالفته، و لكن القدر المتيقّن الذي تنجّز في حقّه التكليف هو نفس الرواح دون الاعتكاف.
نعم، لو قلنا بأنّ الخروج عن عهدة ذلك التكليف المعلوم بالإجمال- على تقدير كونه غيريا- موقوف على الإتيان بذلك الغير تحصيلا للجزم بحصوله، على وجه تعلّق به غرض الأمر، بدعوى أنّ الإطاعة اسم، لذلك وجب الاحتياط بفعل الاعتكاف في الفرض. و لكن الدعوى فاسدة جدّا كما عرفته آنفا.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 252
و ثانيا: إنّ الأقل في حدّ ذاته ليس موردا للبراءة- سواء قلنا بصيرورته مشكوك الوجوب بعد نفي وجوب الأكثر بالأصل أم لم نقل- لأنّ تركه في حدّ ذاته مخالفة قطعية للتكليف المعلوم بالإجمال، فلا يعقل أن يعمّه دليل البراءة و هذا بخلاف الأكثر، فانّ الرخصة في تركه ليست إلّا رخصة في المخالفة الاحتمالية لذلك التكليف، و لا محذور في ذلك كما عرفته في الشبهة المحصورة، فلا مانع من أن يعمّه دليل البراءة.
و بما بيّناه في ذلك المبحث يتّضح لك وجه ما أشار إليه المصنّف رحمه اللّه، من أنّ ترك الأقل سبب لاستحقاق العقاب على مخالفة الواجب الذي علمه بالإجمال مطلقا، سواء كان هو الأقلّ أو الأكثر الذي نفى وجوبه بالأصل.
و ملخّصه: إنّ لإطاعة الحكم المعلوم بالإجمال مرتبتين: الاولى ترك المخالفة القطعية، و الثانية تحصيل الموافقة القطعية.
أمّا الاولى: فهي ممّا لا بدّ منها، و لا يعقل للشارع أن يرفع يده عنها، بأن يبيح مخالفته القطعية، لرجوعه إلى التناقض أو الترخيص في المعصية، التي استقلّ العقل بقبحها، و سببيّتها لاستحقاق العقاب على مخالفة ذلك المعلوم بالإجمال الذي علم بمخالفته، و لذا لا يعقل أن يعمّ أدلّة الاصول جميع أطراف الشّبهة، مع كون كلّ واحد من حيث هو مشكوك الحكم.
و امّا الثانية: فهي ممّا يعقل أن يتصرّف فيه الشارع، بأن يقنع في مقام الامتثال بالموافقة الاحتمالية لمصلحة مقتضية لذلك، و لذا لا مانع عن اجراء الاصول، و الأخذ بعموم أدلّتها في بعض الأطراف، عند سلامتها عن المعارضة بجريانها في الآخر، كما فيما نحن فيه، فمرجع الرّخصة في إعمال الأصل في الأكثر- سواء كان الحاكم بها العقل أو الشرع- إلى الاكتفاء في الخروج عن عهدة ذلك التكليف المعلوم بالإجمال بالموافقة الاحتمالية، كما لا يخفى على المتأمّل.
هذا كلّه مضافا إلى أنّ معارضة الأصل الجاري في الأقلّ، للأصل الجاري في‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 253
الأكثر، في حدّ ذاتها ممتنعة، إذ المفروض أنّ الشّك في وجوبه أو تنجّزه مسبّب عن جريان الأصل في الأكثر، فكيف يعقل أن يكون حكمه مانعا عن وجود ما يتوقّف عليه موضوعه و عن نفسه.
و إن شئت قلت ببيان أوضح: بعد الإغماض عن جميع ما ذكر، إنّه لا يعقل أن يكون الأقل مرادا بأدلّة البراءة حتّى يتحقّق المعارضة بينه و بين الأكثر، لتوقّفه على كون الأكثر موردا لها، لتوقّف موضوعه عليه، و معه يمتنع شمول الدليل له، و إلّا لم يكونا متعارضين، و امّا الأكثر فلا يتوقّف إرادته منها على إرادة الأقلّ، لإمكان التفكيك، فالأكثر في حدّ ذاته شي‏ء مشكوك الوجوب، يمكن أن يرجع في حكمه إلى ما يقتضيه الشّك، و امّا الأقلّ فلا يمكن فيه ذلك إلّا و مع الأكثر، و هما معا محال، فكون الأقلّ مشمولا لتلك الأدلّة محال، فلا يصلح أن يكون شموله مانعا عن الشمول للأكثر حتّى يتحقّق المعارضة.
قوله قدّس سرّه: كما لو علم إجمالا بكون أحد من الإنائين الذين أحدهما المعيّن نجس خمرا … الخ‏ «1».
أقول: يمكن القول بوجوب الاحتياط في المثال و نظائره، ممّا كان المعلوم بالإجمال عنوانا محرما مغايرا للعنوان المعلوم بالتفصيل، بأن يقال إنّ تصادق العناوين المحرّمة يوجب تأكّد الطلب و تعدّد العقاب، و هذا هو المناط في إلزام العقل بوجوب الاحتياط، فانّ العلم بوجود الخمر منشأ للعلم بتنجّز خطابه مطلقا، غاية الأمر أنّه لا يعلم أنّ تنجزه منشأ لتأكّد الحرمة فيما علم حرمته تفصيلا، أو أنّه تكليف حادث، و هذا لا ينفع في نفي وجوب الاحتياط.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 274 سطر 25، 2/ 323.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 254
و إن شئت قلت: إنّ العلم الإجمالي الذي يكون أحد طرفيه متيقّن الإلزام تفصيلا على قسمين:
أحدهما: ما إذا كان تيقّن أحد طرفيه، موجبا لانحلال العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي و شكّ في وجود ما زاد عنه.
و ثانيهما: ما ليس كذلك، بل كان متعلّق العلم الإجمالي عنوانا مغايرا للعنوان الذي علم بتعلّق الحكم به تفصيلا.
فحينئذ أمكن أن يقال إنّ الخطاب بالاجتناب عن ملاقى البول مثلا عام، شامل للبول المعلوم بالإجمال، و بعد أن أحرز المكلّف موضوعه في موارد ابتلائه، فقد تنجّز التكليف بالاجتناب عنه بترك محتملاته، و مجرّد احتمال مصادقته للخمر التي علم وجوب الاجتناب عنها بدليل آخر، غير قادح في إلزام العقل بالخروج عن عهدة ذلك التكليف المعلوم بالإجمال، فيجب حينئذ ترك كلّ من المحتملات دفعا للضّرر المحتمل.
و لكن، لو تمّ ما ذكر لسرى الإشكال فيما نحن فيه أيضا، بأن يقال إنّ احتمال مصادفة ذلك الحكم المعلوم بالإجمال للأقلّ، الذي علم تعلّق الإلزام به تفصيلا، لا يقدح في نفي ما يقتضيه من العلم الإجمالي، اللهمّ إلّا أن يتمسّك لنفي وجوب الاجتناب عمّا عدا المتيقّن، بالأدلّة السمعية الغير القاصرة عن شموله بعد سلامتها عن المعارض، و قد أشار المصنّف رحمه اللّه في ذيل العبارة بقوله: «نعم لو ثبت … الخ» إلى ما ذكر، و لكن يتوجّه عليه ما أوضحنا في فروع الشّبهة المحصورة، من أنّ خروج بعض أطراف الشّبهة عن مورد ابتلاء المكلّف، أو كونه موردا لتكليف منجّز- و لو بحسب العرف و العادة- مانع عن تأثير العلم الإجمالي في إيجاب الاحتياط، و سقوط الأصل في الطرف الآخر عن الاعتبار، فراجع.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 255
قوله قدّس سرّه: نعم لو ثبت أنّ ذلك، أعني تيقّن أحد طرفي المعلوم بالإجمال تفصيلا … الخ‏ «1».
أقول: قد تقدّم شرحه آنفا، و أشرنا فيما تقدّم إلى أنّ الشأن في إثبات هذا الأثر للعلم الإجمالي، أي صلاحية كونه بيانا للتكليف بالنسبة إلى ما عدى المتيقّن، كي يخرج بذلك عن موضوع قاعدة القبح، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: منها قوله عليه السّلام: «ما حجب اللّه علمه عن العباد … الخ» «2».
أقول: الاستدلال بهذه الأخبار فيما نحن فيه، لا ينافي ما تقدّم من المصنّف رحمه اللّه من المناقشة فيها عند الاستدلال بها لإثبات البراءة في الشّبهة التحريمية، لأنّ عمدة مناقشتها فيما تقدّم أنّ هذه الأخبار لا يستفاد منها أزيد ممّا يستقلّ به العقل من قبح العقاب من دون بيان، و هذا ممّا لا ينكره الخصم، و لكنّه يدّعي الدليل على وجوب الاحتياط، و لا نحتاج في المقام إلى أزيد من ذلك.
فإن قلنا باستقلال العقل بقبح العقاب على الأكثر، قلنا على المطلوب دليلان عقليّ و نقليّ.
و إن منعنا استقلال العقل، ينحصر الدليل في النقلي، و معه لا يتمشّى قاعدة دفع الضرر المحتمل، لورود الأخبار- كقاعدة قبح العقاب من دون بيان- على قاعدة الضرر.
قوله قدّس سرّه: حاكمة على ذلك الدليل‏ «3».
أقول: بل واردة عليه كما لا يخفى وجهه.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 276 سطر 4، 2/ 327.
(2)- فرائد الأصول: ص 276 سطر 14، 2/ 328.
(3)- فرائد الأصول: ص 277 سطر 2، 2/ 330.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 256
قوله قدّس سرّه: نعم لو كان مستند الاحتياط اخبار الاحتياط … الخ‏ «1».
أقول: إن قلنا إنّ مفاد قوله عليه السّلام: «ما حجب اللّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم» أنّ ما حجب علمه- و لو في مرحلة الظاهر- بعنوان كونه مشكوك الحكم، كانت أخبار الاحتياط- على تقدير الدلالة على وجوب الاحتياط- حاكمة عليه.
و إن قلنا إنّ مفاده ما حجب علمه بعنوانه الواقعي، يعني أنّ الأشياء التي لم يعلم حكمها بعناوينها المخصوصة بها، يعارضها اخبار الاحتياط، و لا بدّ حينئذ من الرجوع إلى المرجّحات كما تقدّم التنبيه عليه في محلّه.
قوله قدّس سرّه: بمعنى الطّلب الغيري حادث مغاير، لكن لا يترتّب عليه أثر يجدي فيما نحن فيه … الخ‏ «2».
أقول: لقائل أن يقول إنّ المقصود بإجراء الاصول في المقام، ليس إلّا إثبات عدم كون الجزء المشكوك فيه واجبا على المكلّف في مرحلة الظاهر، و امّا ما عداه من الاجزاء، فوجوبه المردّد بين النفسي و الغيري الذي أثره وجوب الخروج عن عهدته، و استحقاق العقاب بتركه محرز، فعليه لا حاجة إلى احراز أنّ ماهية المأمور به هي الأقلّ، و إلّا لم يكن يجدينا شي‏ء من الاصول، إلّا على القول بالأصل المثبت الذي لا نقول به، و كيف لا و إلّا لكان أصل البراءة الذي بنى المصنّف رحمه اللّه على أنّه هو العمدة في المقام، أوضح حالا من الاستصحاب في عدم كفايته لذلك فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: أو عكنة البطن‏ «3».
أقول: في «مجمع البحرين» العكنة بالضّم فالسكون، واحده العكن كصرد طي‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 277 سطر 16، 2/ 331.
(2)- فرائد الأصول: ص 278 سطر 25، 2/ 336.
(3)- فرائد الأصول: ص 279 سطر 23، 2/ 339.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 257
في العنق، و أصلها الطي في البطن.
قوله قدّس سرّه: قلت التكليف ليس متعلّقا بمفهوم المراد من اللفظ و مدلوله …
الخ‏ «1».
أقول: لو كان التكليف متعلّقا بمفهوم المراد من اللّفظ، أو بمفهوم ما يدلّ عليه لفظ الصلاة، أو ما جرى مجرى ذلك، بأن قال الشارع مثلا «أوجد ما أردته بلفظ الصلاة»، أو ما وضع بازائه هذه الكلمة، أو ما وجب على الحاضرين، أو غير ذلك من العبائر المختلفة، التي يمكن أن يعبّر بها عن ذلك الفعل المعهود المسمّى بالصلاة، لم يكن يخرجه عن كونه تكليفا بالمجمل، إذ المكلّف به هو الفعل الذي قصد بهذه العبائر، و هو نفس الماهية التي تعلّقت الإرادة بها في وضع لفظ الصلاة بإزائها، أي الفعل المعبّر عنه بهذه العناوين لا نفس هذه العناوين بنفسها، إلّا أنّه قد يكون وقوع شي‏ء من هذه العناوين في حيّز الطلب، مانعا عن اجراء الأصل في نفي الجزء المشكوك، كما لو قال مثلا «اوجد ما سمّى بصلاة» و تردّد الصلاة بين الأقلّ و الأكثر، ليس للمكلّف الاقتصار على الأقلّ، فانّه لا بدّ في مقام الامتثال من إحراز كون المأتيّ به معنونا بالعنوان الذي علم تفصيلا وقوعه في حيّز الطلب، و نظير ذلك ما لو قال «أوجد الصلاة الصحيحة التامّة الاجزاء و الشرائط»، أو «الصلاة المطلوبة لذاتها» أو نحو ذلك من العناوين، لا يمكن إحرازها بالأصل، و امّا لو قال «أوجد ما أوجبته عليك بهذا الخطاب»، أو «ما فرضته على الحاضرين»، فنقول الأقلّ هو القدر المتيقّن بهذا التكليف، و ما عداه مشكوك ينفى بالأصل، و كذا لو قال «حصّل مرادي من لفظ الصلاة» أو مدلول هذه الكلمة، بناء على أنّ المراد و المدلول أعمّ من‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 280 سطر 13، 2/ 341.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 258
المطابقية و التضمّنية، حيث أنّ الأقلّ مقطوع كونه مرادا إمّا استقلالا أو تبعا، و الأكثر مشكوك فيه، و امّا إن اريد بهما خصوص المستقلّ، فحاله حال ما لو أمر بإيجاد الواجب النفسي في وجوب الاحتياط، فتأمّل.
قوله قدّس سرّه: للمطلق الموجود «1».
أقول: الظرف متعلّق بالمقيّد.
قوله قدّس سرّه: نظرا إلى كون أصالة عدم التقييد تعبّديّا … الخ‏ «2».
أقول: توضيحه إنّه إن بنينا على أنّ اعتبار الاصول، الجارية في مباحث الألفاظ، المستعملة لتشخيص الظّواهر، من قبيل اصالة الحقيقة و اصالة العموم أو الإطلاق، إنّما هو من باب الظّن النوعي الحاصل من الغلبة، يتّحد مؤداها مع الخاص الموافق لها، فيكون حينئذ تلك الاصول مرجّحة للخاصّ الموافق لها، و امّا إن قلنا مرجعها إلى أصالة عدم القرينة و نحوها، من الاصول المعوّل عليها لدى العقلاء، بالمعنى الذي تقدّم التنبيه عليه في أوائل حجّية المظنّة، عند البحث عن حجّية الظواهر، كما هو مقتضى التحقيق، يكون حال الاصول العملية في عدم صلاحيتها لتأييد الدليل الموافق لها، لعدم اتّحادهما في الرتبة- كما أشار إليه المصنّف رحمه اللّه في غير موضع من الكتاب- فيكون المطلق مرجعا لا مرجّحا.
هذا، و لكن سنشير في مبحث التراجيح إلى أنّ هذا الكلام بإطلاقه لا يخلو عن تأمّل، و على تقدير تسليم عدم صلاحيّة موافقة الإطلاق أو العموم للمرجّحية، فانّما هو فيما لو اريد الترجيح بالموافقة من حيث الأقربية إلى الواقع، و لكنّك ستعرف في‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 283 سطر 7، 2/ 349.
(2)- فرائد الأصول: ص 283 سطر 10، 2/ 349.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 259
محلّه أنّ هذا من المرجّحات المنصوصة، التي يجب التعبّد بها، سواء قلنا بكونه من مرجّحات صدور الخبر الموافق، أو جهة صدوره أو مضمونه أم لم نقل، لما ورد في المتعارضين من عرضهما على الكتاب و السّنة، و الأخذ بما يوافقهما و طرح المخالف، و ستعرف أنّ المراد بالموافقة و المخالفة في هذا الباب، إنّما هو الموافقة و المخالفة لظاهرهما من الإطلاق و العموم و نحوه، إذ الخبر المخالف لصريح الكتاب و السّنة لا يكاد يوجد في الأخبار المتعارضة، مع أنّه في حدّ ذاته مطروح من غير معارض، فهو خارج عن موضوع الأخبار الواردة في باب علاج المتعارضين، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: لأنّ مؤداها بيان حجّية أحد المتعارضين … الخ‏ «1».
أقول: إن اريد بالحجّية كونه طريقا لإثبات متعلّقه، فهو غير معقول، بعد معارضته بما يكافئه في الطريقية، و يجوز له أخذه و العمل بمؤدّاه.
و إن اريد بها كونه مستندا شرعيّا لجواز الالتزام بمضمونه، مع التردّد في مطابقته للواقع، فهو حقّ، و لكن حجّيته بهذا المعنى لا تنهض للحكومة على اصالة الإطلاق، فقياسه على أدلّة حجّية الأخبار قياس مع الفارق، حيث أنّ الأخبار بعد فرض حجّيتها تكون قرينة معيّنة للمراد من المطلق، فلا يبقى معه مجال لاصالة الإطلاق.
و امّا الخبر المعارض بمثله، فهو غير صالح لإثبات متعلّقه، فضلا عن صيرورته قرينة لاستكشاف المراد من المطلق.
فالحق أنّ اصالة الإطلاق واردة على أخبار التخيير، بعد فرض انصرافها إلى مواقع الحيرة، التي لا يمكن استفادة حكمها من دليل شرعي، سواء جعلنا هذه‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 283 سطر 19، 2/ 350.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 260
الأخبار دالّة على مسألة اصولية، أو قلنا بأنّ مضمونها حكم عملي صرف، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: و مثل ما لو أمر بالطهور لأجل الصلاة … الخ‏ «1».
أقول: إن جعلنا «الطّهور» اسما لذات الفعل الرافع للحدث، فحاله حال لفظ الوضوء و الغسل و التيمّم في كونه مجملا، و إن جعلناه مرادفا لمفهوم الفعل الرافع للحدث، فيكون قول الشارع «تطهّر» بمنزلة ما لو قال «افعل الفعل الرافع للحدث»، و قد أشرنا آنفا إلى أنّ هذا النحو من التعبيرات، كالتعبير بلفظ «حصّل مرادي من لفظ الوضوء» لا يخرجه عن حدّ كونه تكليفا بالمجمل، بعد فرض إجمال الفعل المقصود بها، و إن كان قد نلتزم فيها بوجوب الاحتياط على تأمّل فيه، فيما إذا كان بيان المقصود من وظيفة الأمر، و بيّن منه عدّة أجزاء، و احتمل جزئية شي‏ء آخر له ممّا لم يبيّنه، خصوصا مع اعتراف الأمر بتقصيره في البيان، كما فيما نحن فيه.
بل الإنصاف أنّه لا أثر لمثل هذه الألفاظ المجملة لدى التحليل، بل هي بأسرها من قبيل التكليف بالمجمل الذي لا يصلح دليلا لتنجّز التكليف إلّا بالأقلّ.
نعم، لو قلنا بأنّ «الطّهور» نظافة معنوية، و هي فعل توليدي من أفعال الطهارات الثلاث، قابل لأن يتعلّق به الطلب بواسطة مقدّماته المقدورة، و قد اعتبره الشارع شرطا للصلاة، اندرج حينئذ في التكليف بالمبيّن الذي يجب القطع بحصوله في مقام الامتثال بالاحتياط، و لا يجديه حينئذ إجمال مقدّماته، و هذا بخلاف ما لو كان التكليف متعلّقا بنفس المقدّمات، كما لو قلنا بأنّ «الطّهور» اسم لها، أو إنّه من لوازمها التي بلحاظها تعلّق الأمر بها، من غير أن يكون بنفسها عنوانا للمأمور به، فتأمّل.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 284 سطر 1، 2/ 352.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 261
قوله قدّس سرّه: و ممّا ذكرنا يظهر الكلام فيما لو دار الأمر بين التعيين و التخيير … الخ‏ «1».
أقول: دوران الأمر بين التعيين و التخيير قد يكون مع العلم بأنّ هذا المعيّن بخصوصه متعلّق لطلب شرعي، و لكنّه يشكّ في أنّ طلبه المتعلّق به عيني أو تخييري، كما لو علم إجمالا بأنّه يجب عليه يوم الجمعة صلاة الجمعة امّا عينا، أو تخييرا بينها و بين الظهر، و قد يكون منشؤه الشّك في أنّ الوجوب المعلوم بالإجمال هل هو متعلّق بهذا الخاص، أو بطبيعة صادقة عليه و على غيره، كي يكون مخيّرا بينه و بين غيره ممّا شاركه في تلك الطبيعة بحكم العقل.
و قد يتوهّم: أنّ مرجع الشّك في هذا القسم إلى الشّك في شرطية الخصوصية، فيندرج في مسألة الشّك في الشرطية.
و يدفعه: إنّ المعتبر في تلك المسألة أن يعلم إجمالا بمطلوبية الطبيعة من حيث هي، و شكّ في كونها مطلقة أم مقيّدة، و هو يغاير الشّك في أن هذا الفرد من حيث هو هل متعلّق للطلب، أو الكلّي الصادق عليه و على غيره، كما هو المفروض في المقام.
قوله قدّس سرّه: لأنّه معارض بجريانها في الواحد المخيّر «2».
أقول: لا تجري أدلّة البراءة في الواحد المخيّر، لأنّ الواحد المخيّر ليس فردا ثالثا مغايرا للفردين المعلوم وجوب أحدهما في الجملة، فإذا علم مثلا أنّه يجب إكرام زيد إمّا معيّنا أو مخيّرا بينه و بين عمرو، فنقول كون زيد بالخصوص واجب‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 285 سطر 16، 2/ 357.
(2)- فرائد الأصول: ص 285 سطر 18، 2/ 358.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 262
الإكرام شي‏ء لم يدلّ عليه دليل، فالأصل براءة الذمّة عنه، و لا يعارضه الأصل براءة الذمّة عن وجوب أحدهما مخيّرا، لأنّ وجوب أحدهما- و هو إكرام زيد- معلوم في الجملة، و كونه مخيّرا ليس بتكليف حتّى ينفيه أدلّة البراءة، بل توسعة و تخيير، نظير ما لو دار الواجب بين كونه مضيقا أو موسّعا، فانّه ينفى الوجوب المضيّق بالأصل، و لا يعارضه الأصل براءة الذمّة عن وجوب موسع، كما هو واضح.
و إن شئت قلت: إنّه إن اريد بجريان أدلّة البراءة في أحدهما المخيّر إثبات الرّخصة في ترك كلّ منهما مع ترك الآخر، فهو ممّا لا يجوز، لكونه مخالفة قطعية للحكم المعلوم بالإجمال.
و إن اريد به نفي وجوب أحدهما المخيّر، من حيث كونه مخيّرا، بأن يقال في المثال الأصل براءة الذمّة عن وجوب إكرام زيد أو عمرو على سبيل التخيير، فهو غير صحيح، لأنّ وجوب إكرام أحدهما على سبيل التخيير- بعد ثبوت أصل الوجوب في الجملة- توسعة و تسهيل، و ليس بكلفة ينفيه أدلّة البراءة.
و إن اريد به إثبات الرّخصة في ارتكاب أحدهما على سبيل التخيير، فهو عبارة اخرى عن أصالة براءة الذمّة عن خصوص المعيّن.
و الحاصل: إنّ اصالة براءة الذمّة عن الواحد المخيّر، بعد ثبوت أصل الوجوب في الجملة، ممّا لا يكاد يرجع إلى محصّل.
نعم، لو اريد بأدلّة البراءة، اصالة عدم تعلّق الوجوب بالقدر المشترك الحقيقي، كما في التخيير العقلي، أو الانتزاعي كما في التخيير الشرعي، كان للمعارضة المزبورة وجه، و لكن لو اريد به نفي الآثار الخاصّة، الثابتة لوجوب القدر المشترك، لا جواز تركه المعلوم سببيّته لاستحقاق العقاب، لا يقال وجوب الواحد المعيّن معلوم في الجملة، فلا تجري بالنسبة إليه اصالة عدم الوجوب، خصوصا إذا كان التخيير على تقدير ثبوته شرعيا، حيث علم تفصيلا بكونه بالخصوص متعلّقا لطلب شرعي‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 263
مردّد بين كونه عينيا أو تخييريا، فالمرجع حينئذ إمّا عدم وجوب ما عدا هذا المعيّن، و عدم ترتّب لازمه الوضعي، و هو سقوط الطّلب المتعلّق بهذا المعيّن بفعل ما عداه، لأنّا نقول إمّا بالنسبة إلى التخيير العقلي فلا وقع لهذا الكلام من أصله، إذ المفروض أنّه ليس إلّا وجوب واحد شكّ في تعلّقه بالفرد أو الطبيعة، فالأصل عدم تعلّقه بالطبيعة معارض بالأصل عدم تعلّقه بالفرد لا محالة.
و لكن قد أشرنا آنفا إلى أنّ هذه المعارضة إنّما هي فيما لو اريد بالأصل عدم وجوب الطبيعة، رفع آثاره الخاصّة من سقوط هذا الفرد بفعل ما عداه و نحو ذلك، و امّا لو اريد به نفي استحقاق العقاب بتركها فلا يجري، لأنّ كون تركها موجبا لاستحقاق العقاب في الجملة معلوم.
و امّا بالنسبة إلى التخيير الشرعي، فأصالة عدم وجوب ما عدا هذا المعيّن- و إن أمكن اجرائها- و لكنّها غير مجدية في إثبات كون المعيّن هو الواجب بعينه، و العلم الإجمالي بوجوبه في الجملة لا يقتضي تعيّنه عليه، فانّ كونه ملتزما بفعله بالخصوص، ليس من آثار جنس الوجوب المعلوم ثبوته بالإجمال، بل من آثار وجوبه عينا، و هو مشكوك بنفيه اصالة عدم وجوبه الحاكمة على اصالة عدم سقوط الوجوب، المتعلّق به بفعل ما عداه، و لا يعارضه اصالة عدم وجوبه تخييريا إذ لا أثر لهذا الأصل، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: فيعارض بنفي الواحد المخيّر «1».
أقول: قد عرفت ما في هذه المعارضة، فالحق أنّ الأدلّة لا تقصر عن نفي التعيين، كما أنّها لا تقصر عن نفي التضييق، عند دوران الأمر بين كون الواجب موسعا أم مضيّقا، كما تقدّمت الإشارة إليه، فليتأمّل.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 285 سطر 25، 2/ 358.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 264
قوله قدّس سرّه: ثمّ أنّ مرجع الشّك في المانعية إلى الشّك في شرطية عدمه‏ «1».
أقول: فيه نظر بل منع، فانّ الذي يقتضيه التحقيق أنّ المرجع عند الشّك في وجود المانع، أو مانعية الموجود- سواء كانت الشّبهة حكمية أو موضوعية- هو أصالة عدم المانع، سواء أوجبنا الاحتياط في الشّك في الشرطية أم قلنا فيه بالبراءة، لأنّ المانع ما كان وجوده مؤثّرا في البطلان، لا عدمه دخيلا في الصحّة، فتسمية عدم المانع شرطا مسامحة، كيف و قد جعلوه قسيما للشرط.
نعم، هو شرط عقلي، بمعنى أنّ العقل ينتزع من مانعية الوجود شرطية العدم، فيراه من أجزاء العلم بنحو من الاعتبار العقلي، لا على سبيل الحقيقة، فصحّة الصلاة و سقوط الأمر المتعلّق بها مثلا، من آثار الإتيان بأجزائها جامعة للشرائط المعتبرة في قوام ذاتها، عند انتفاء ما يؤثر في فسادها، فالمعتبر في صحّة الصلاة هو أن لا يوجد المانع عنها حين فعلها، فعدم وجود المانع عنها حال فعلها هو الشرط، و هو موافق للأصل، لا اتصافها بوجودها بلا مانع كي يقال انّ هذا ممّا ليس له حالة سابقة حتّى يستصحب، و استصحاب عدم وجود ما يمنع عن فعل الصلاة، أو عدم جعل هذا الشي‏ء مانعا عن فعلها غير مجد، لعدم الاعتداد بالاصول المثبتة، فلو شكّ مثلا في أنّ عدم محاذاة الرجل للمرأة شرط في صحّة صلاته، لا يمكن نفي شرطيّته بأصل العدم، إذ ليس لعدم اشتراط الصلاة بها حالة سابقة حتّى يستصحب، فيرجع حينئذ إلى اصالة البراءة أو الاشتغال على الخلاف المتقدّم.
و هذا بخلاف ما لو شكّ في مانعيتها، فنقول الأصل عدم وجود مانع عن فعل الصلاة، و لا حاجة لنا حينئذ إلى إحراز عدم مانعية هذا الشي‏ء فضلا عن إحراز اتّصاف الصلاة بوجودها بلا مانع، كي يقال إنّه أصل مثبت، لما أشرنا إليه من أنّ‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 286 سطر 2، 2/ 359.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 265
صحّة الصلاة من آثار عدم وجود المانع حالها، لا من آثار عدم مانعية هذا الموجود، فلاحظ و تدبّر.
قوله قدّس سرّه: فالحكم فيه استصحاب الهيئة الاتصالية … الخ‏ «1».
أقول: و لكنّك ستعرف أنّه لا يخلو عن إشكال.
قوله قدّس سرّه: أو مبنيّ على مسألة البراءة و الاحتياط «2».
أقول: ابتنائه على تلك المسألة، بمعنى الالتزام بعدم الاختلال بنقصه و زيادته سهوا على القول بالبراءة، و الإخلال بهما على القول بالاحتياط مبنيّ على عدم اعتبار الشّك الفعلي في جريان الأصلين، كما لا يخلو عن وجه.
و امّا على القول باعتبار الشّك الفعلي في إجرائهما، فلا يعقل الالتزام بشي‏ء منهما في حقّ الناسي، و اجرائهما بعد الالتفات لنفي وجوب الإعادة أو وجوبها غير صحيح، لأنّ وجوب الإعادة و عدم وجوبها من الآثار العقلية المترتّبة على بقاء الأمر الواقعي و عدمه، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: قلت إن اريد بعدم جزئية ما ثبت جزئيته في الجملة في حقّ الناسي … الخ‏ «3».
أقول: امّا ظهور الأخبار التي تقدّمت الإشارة إليها في صحّة صلاته، و موافقة المأتي به للمأمور به، فممّا لا خفاء فيه، بل لا شبهة في إباء تلك الأخبار عن حملها على‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 286 سطر 4، 2/ 359.
(2)- فرائد الأصول: ص 286 سطر 8، 2/ 361.
(3)- فرائد الأصول: ص 287 سطر 3، 2/ 364.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 266
بيان كون المأتي به فعلا غير اختياري بدلا عن العبادة الواقعية.
و امّا ما ذكره قدّس سرّه من عدم قابلية العاقل لتوجيه الخطاب إليه بالنسبة إلى المغفول عنه إيجابا و إسقاطا، فهو حقّ، إلّا انّه لا يصلح مانعا عن صحّة عبادته و عدم جزئية المنسيّ لصلاته، إذ لا ينحصر طريق توجيه الخطاب إليه بقوله «أيّها الغافل لا تقرأ السورة» أو «اقرأ ما عدا السورة»، بل للأمر طرق عديدة في تكليفه بما عدا السورة، فإذا فرضنا أنّ السورة ليست جزء في حقّ الناسي في الواقع فله في إلزام الناسي بفعل ما عدا السورة طرق:
منها: أن يكلّف جميع المكلّفين أو خصوص ناسي السورة بعدّة أجزاء، لم يتعرّض فيها لذكر السّورة، ثمّ يخصّ الملتفت بالذكر و يقول «أيّها الملتفت اقرأ سورة في صلاتك»، أو يقول مثلا «من التفت إلى السورة في صلاته وجب عليه قراءتها».
و منها: أن يأمر الجميع بجميع الأجزاء، و لا ينافي ذلك عدم وجوب جميع الاجزاء في حقّ الناسي، لأنّ الغرض من الأمر ليس إلّا بعث المكلّف على إيجاد المطلوب، و هذا الأمر يكفيه في البعث على إيجاد ما هو المطلوب منه بقصد القربة.
غاية الأمر أنّه يجب على الآمر إعلامه بعد الالتفات بصحّة عمله، و كون ما أتى به بقصد الامتثال تمام ما هو مطلوب منه في حال نسيانه، حتّى لا يقع في كلفة تداركه.
و منها: أن يأمره بما عدا السّورة بعنوان يعلم أنّه ملازم للنسيان، كأن يقول مثلا «أيّها المسافر صلّ كذا» إذا علم أنّ السفر ملازم لنسيان السّورة.
و الحاصل: إنّه لا استحالة في اختصاص وجوب السورة بمن ذكرها، فعلى هذا لو كان دليل وجوب السّورة لبّيا، بحيث لم يمكن الاستدلال بإطلاقه لحال النسيان، لا يثبت الآخر نيّتها في حال الذكر، و امّا بالنسبة إلى حال النسيان فيرجع إلى ما يقتضيه القواعد، و اللّه العالم.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 267
قوله قدّس سرّه: إنّ جزئية السورة ليست من الأحكام المجعولة … الخ‏ «1».
أقول: هذا بناء على ما هو التحقيق من عدم كون الأحكام الوضعية مجعولة مسلّم، و لكن الوجوب الغيري الثابت للأجزاء أمر مجعول، فهو المرتفع حال النسيان، و سقوط الأمر بالكلّ من اللّوازم القهريّة المترتّبة على إتيان سائر الأجزاء، أو لا يعقل بقاء الأمر بالكلّ بعد حصول أمثاله في ضمن سائر الأجزاء عند عدم وجوب هذا الجزء.
و إن شئت قلت: الأمر بالكلّ ينحلّ إلى الأمر بأجزائه، فما عدا الجزء المنسي سقط أمره بالامتثال، و الجزء المنسي ارتفع التكليف عنه بنسيانه، فسقوط هذه الأوامر بأسرها امّا عين سقوط الكلّ، أو أنّه علّة تامّة له، فلا يعقل بقائه حتّى يتفرّع عليه وجوب الإعادة بعد الالتفات.
هذا، مع أنّ المستصحب حكم شرعي، فكون الأثر عقليّا غير ضار، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: و زعم بعض المعاصرين الفرق بينهما … الخ‏ «2».
أقول: ما يمكن أن يكون فارقا بين المقامين دعوى أنّ الاستصحاب من القواعد التعبّدية المجعولة للشكّ في مقام العمل، فلا يستفاد من دليله إلّا وجوب ترتيب الآثار المترتّبة على نفس المستصحب، من حيث هو كما ستعرفه في محلّه.
و امّا حديث الرفع فهو من الأدلّة الاجتهادية الحاكمة على العمومات المثبتة للتكاليف، نظير رفع القلم عن الصبي، فإذا كان مفاده رفع جزئية السورة في الواقع لو نَسِيَها، أو اكره على تركها، دلّ بالالتزام على أنّ الواجب على المكلّف في حال النسيان و نظائره هو ما عداها، كما لو ورد دليل خاص يخصّص به قوله «اقرأ
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 288 سطر 2، 2/ 367.
(2)- فرائد الأصول: ص 288 سطر 12، 2/ 368.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 268
السّورة في صلاتك»، فلاحظ و تدبّر.
قوله قدّس سرّه: امّا الزيادة على الوجه الأوّل … الخ‏ «1».
أقول: هذا إذا جعل الفعل الخاص بكيفيته المنوية من مشخصات الأمر، بأن يقصد امتثال الأمر المتعلّق بهذا الفعل الخاص، و على هذا التقدير لا فرق بين هذا الوجه و الوجه الثاني، ضرورة أنّه لو نوى امتثال الأمر بالصّلاة التي جزئها جنس الركوع، الصادق على الواحد و الكثير تفسد صلاته، إذ ليست الصلاة المشروعة جزئها بهذه الصفة، و امّا لو نوى امتثال الأمر بالصوم الواجب في شهر رمضان على عامّة المكلّفين، زاعما أنّ الصوم عبارة عن التجنّب عن عدّة أشياء منها شمّ الرياحين مثلا، فمقتضى الأصل عدم البطلان، لأنّ هذا من غلطه في اعتقاده في تشخيص الماهية المأتي بها بقصد امتثال الأمر الواقعي، و لا ضير فيه بعد فرض اشتمال المأتي به على جميع الأجزاء بشرائطها المعتبرة فيها.
و الحاصل: عدم الفرق بين الصورتين، فإن جعل الجزم الزائد من وجوه الأمر و مشخصاته، تفسد العبادة في كلتا الصورتين، و إلّا فلا تفسد في شي‏ء منهما، و لكن هذا بحسب ما يقتضيه الأصل، فلا ينافيه الالتزام بالبطلان في باب الصلاة أخذا بإطلاق ما دلّ على أنّ «من زاد في صلاته فعليه الإعادة» لو سلّم شموله لمثل هذه الموارد، كما لا يخفى.
قوله قدّس سرّه: و معنى بطلانها عدم الاعتداد بها في حصول الكلّ … الخ‏ «2».
أقول: هذا اعتراف بان بصحّته معنى آخر وراء ما ذكر، و هو كون الاجزاء
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 289 سطر 3، 2/ 371.
(2)- فرائد الأصول: ص 289 سطر 25، 2/ 374.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 269
السابقة معتدّا بها في حصول الكلّ، و أثرها عدم وجوب استئنافها و بقائها البطلان بهذا المعنى، و حاصل هذا المعنى أنّ الشي‏ء قد يوصف بالصّحة و الفساد بلحاظ الأثر المقصود منه، فلو أتى بركعة من الصلاة، فما دامت باقية على صلاحيتها لأن تصير جزءا من الصلاة، توصف بالصّحة، و إذا خرجت عن القابليّة اتّصفت بالبطلان.
و المتبادر من استصحاب الصّحة إنّما هو إرادتها بهذا المعنى و لا محذور فيه، فانّ وجوب استئناف الصلاة، و إعادة الأجزاء السابقة من أثر بطلانها بهذا المعنى، فإذا استصحب صحّتها يتفرّع عليها عدم وجوب الاستئناف، و سقوط التكليف الغيري المتعلّق بها، المنبعث من الأمر بالكلّ.
و لكن يردّ عليه الإيراد الآتي: من أنّه إن اريد بذلك صحة هذه الأجزاء، و عدم وجوب إعادتها من حيث هي، بعد طرو المانع الاحتمالي، فغير مجد، لأنّ البراءة إنّما تتحقّق بفعل الكلّ دون البعض، و إن اريد إثبات عدم مانعيّة الطارئ، أو صحة بقيّة الأجزاء، فساقط لعدم التعويل على الاصول المثبتة.
و يمكن التفصّي عن ذلك: بأنّ من آثار صحّة بقيّة الأجزاء و بقائها على ما كانت عليه، من كونها مسقطة للتكليف الغيري المتعلّق بها، وجوب المضيّ في الصلاة، و الإتيان بسائر الأجزاء، و بقائها على ما كانت عليه من كونها مسقطة للتكليف الغيري المتعلّق بها، وجوب المضيّ في الصلاة و الإتيان بسائر الأجزاء.
و إن شئت قلت: في توجيه استصحاب الصحة بتقريب آخر سالم عن مثل هذه الخدشات، و هو أنّ الأمر بالاجزاء اللاحقة في مثل الصّلاة و غيرها من العبادات، إنّما يتنجّز بعد الفراغ عن الجزء السابق، فوجوبها قبل الإتيان بالجزء السابق تعليقي، و بعد الإتيان بكلّ جزء يتنجّز الأمر بما بعده، فمتى شكّ في طروّ المانع في الأثناء، يشكّ في ارتفاع الطلب التنجيزي عن الجزء اللاحق، فيستصحب الطّلب، و يصير وجوب الجزء اللاحق أو استحبابه مع ما بعده من الأجزاء منجّزا
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 270
عليه، و إلى هذا يؤول استصحاب وجوب المضيّ أو الاتمام الذي سيأتي التكلّم فيه، و بعد إتيان سائر الأجزاء و حصول امتثال أوامرها المنجزة بالاستصحاب، يرتفع الطلب عن الكلّ قهرا.
و توهّم: أنّ سقوط الأمر بالكلّ من اللوازم العقلية للمستصحب، فلا يترتّب عليه.
مدفوع: بأنّ الأمر بالكلّ ليس إلّا الأمر بالأجزاء، فهما عبارتان عن معنى واحد، و اختلافهما إنّما هو بالإجمال و التفصيل، فسقوط أحدهما عين سقوط الآخر، هذا مع ما تقدّمت الإشارة إليه آنفا من أنّ المستصحب حكم شرعي، فكون الأثر عقليّا غير ضائر، فتأمّل.
قوله قدّس سرّه: نعم إنّ حكم الشارع على بعض الأشياء بكونه قاطعا للصلاة … الخ‏ «1».
أقول: و أولى بجريان استصحاب الصّحة عند الشّك في وجود القاطع، الشّك في وجود الناقض، لا من حيث قطعه للهيئة الاتّصالية، بل من حيث تأثيره في إزالة أثر الأجزاء السابقة، كما لو شكّ في ناقضية الحدث الأصغر في أثناء الغسل، فانّه لا يتطرّق في هذا النوع من استصحاب الصّحة شي‏ء من المناقشات، التي يتطرّق في سائر الموارد، لأنّ الشّك لم يتعلّق في الفرض إلّا بخروج الأجزاء السابقة عن الصفة التي كانت عليها، و هي تأثيرها في رفع الحدث الأكبر، على تقدير ضمّ سائر الأجزاء، فيستصحب هذا الحكم الشرعيّ التعليقي، فيحكم بثبوته بعد حصول المعلّق عليه، و من هذا القبيل ما لو شكّ في خروج البول في أثناء الوضوء، أو خرج منه المذي، و شكّ في ناقضيته، كما لا يخفى.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 290 سطر 1، 2/ 374.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 271
قوله قدّس سرّه: و أضعف منه استصحاب وجوب إتمام العمل … الخ‏ «1».
أقول: قد عرفت أيضا إمكان استصحاب الوجوب الفعلي المنجّز المتعلّق بباقي الأجزاء، فإن اريد من استصحاب وجوب الإتمام، استصحاب وجوب الأجزاء الباقية، التي ينتزع منها عنوان الإتمام، لا يتوجّه عليه الاعتراض المذكور، و إن اريد استصحاب وجوب نفس هذا العنوان، فالاعتراض في محلّه.
قوله قدّس سرّه: و الحاصل أنّ الفقيه إذا كان مردّدا بين الإتمام و الاستئناف …
الخ‏ «2».
أقول: أولوية ما ذكره قدّس سرّه ممنوعة، بل المتعيّن بعد البناء على عدم تماميّة شي‏ء ممّا ذكر- من استصحاب وجوب المعنى أو الإتمام أو حرمة القطع و نحوه- هو وجوب الإتمام ثمّ الاستئناف، لإمكان استصحاب نفس الكون في الصلاة الذي أثره حرمة القطع، بأن يقال إنّه كان سابقا في الصلاة، و شكّ في أنّه خرج منها بواسطة ما شكّ في مانعيته، فيستصحب كونه في الصلاة، و يتفرّع عليه حرمة إيجاد المنافي، لكونها من آثاره، فعليه الإتيان بباقي الأجزاء حتّى يعلم بخروجه من الصلاة، و لكن لا يجدي ذلك في إحراز المأمور به، و كون الباقي امتثالا للأمر المتعلّق به الناشئ من وجوب الكلّ، فانّه إنّما وجب عليه ذلك امتثالا للأمر المقدّمي العقلي الناشئ من حرمة الترك، و هذا لا يوجب القطع بفراغ الذمّة عن الواجب، إلّا على القول بالأصل المثبت كما لا يخفى. و قد صرّح بجريان الاستصحاب المزبور سيّد مشايخنا أدام اللّه أيّام إفاضاته في البحث.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 292 سطر 6، 2/ 380.
(2)- فرائد الأصول: ص 292 سطر 16، 2/ 382.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 272
قوله قدّس سرّه: و بينهما تعارض العموم من وجه … الخ‏ «1».
أقول: المرسلة نصّ في مورد الاجتماع، فهي بحكم الأخص مطلقا، فلا يعارضها عمومات اخبار الزيادة، كما لا يخفى.
قوله قدّس سرّه: ثمّ لو دلّ دليل على قدح الإخلال بشي‏ء سهوا، كان أخصّ من الصحيحة «2».
أقول: هذا فيما إذا كان ذلك الدليل واردا في ما عدا الخمسة، كما دلّت الصحيحة على عدم الإخلال بشي‏ء منه سهوا.
و امّا إذا كان شاملا للخمسة أيضا كالخبر الآتي، فهو أعمّ من الصحيحة من هذه الجهة، فكما يمكن تخصيص الصحيحة به بحملها على النقص سهوا، كذلك يمكن عكسه بحمل هذا الدليل على الخمسة، جمعا بينه و بين الصحيحة، فلا بدّ في ترجيح أحد التأويلين على الآخر من مرجّح خارجي، و سيأتي لذلك مزيد توضيح إن شاء اللّه.
قوله قدّس سرّه: إن اختصّت بالنسيان‏ «3».
أقول: لم يتّضح لي فائدة التقييد بتخصيص الصحيحة بالنسيان، إذ على تقدير عدم التخصيص دائرة لعموم أوسع، فتخصيصه أهون، فكأنّ الشرطية مسوقة لبيان حال الموضوع لا الاشتراط، فليتأمّل.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 293 سطر 11، 2/ 385.
(2)- فرائد الأصول: ص 293 سطر 15، 2/ 386.
(3)- فرائد الأصول: ص 293 سطر 16، 2/ 386.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 273
قوله قدّس سرّه: مثل قوله عليه السّلام: «إذا استيقن أنّه زاد في المكتوبة استقبل الصلاة» «1».
أقول: قد أشرنا آنفا إلى أنّ المعارضة بين الصحيحة، و بين مثل هذا الخبر بالعموم من وجه، كما يدلّ عليه مضافا إلى وضوحه، إمكان تخصيص كلّ منهما بالآخر، فهذا الخبر يدلّ على أنّ الزيادة السّهوية سواء كانت بزيادة ركعة أو ركوع أو سجدتين، أو غير ذلك من الأجزاء مطلقا موجبة للإعادة، فهو من هذه الجهة أعمّ من الصحيحة النافية للإعادة فيما عدا الخمسة، كما أنّ الصحيحة أعمّ منه من حيث شمولها للنقص، فيتعارضان في الزيادة السّهوية الحاصلة بما عدا الركوع و السجود من الأجزاء، فلا بدّ في ترجيح أحدهما على الآخر بالنسبة إلى موارد تصادقهما من المرجّح و هو مع الصحيحة، لا لحكومتها على سائر العمومات التي هي أعمّ منها من وجه، كما تقدّمت الإشارة إليها في المتن، لأنّ حكومتها مخصوصة بالعمومات المثبتة لاعتبار شي‏ء في الصلاة من حيث هو لا بقيد العمد أو السهو، فلا حكومة لها على مثل هذا العام الذي ورد في خصوص السهو، بل لأنّ تخصيصها بهذا الخبر يستلزم طرحها، لإمكان دعوى الإجماع على أنّ كلّ ما كان زيادته سهوا موجبة للإعادة يقتضيه سهوا أيضا كذلك، فلا يبقى للصحيحة مورد بالنسبة إلى أجزاء الصلاة، و هي كالنصّ في شموله لها في الجملة، مضافا إلى شهادة بعض الأخبار الدالّة بظاهره على اختصاص الإعادة بزيادة ركعة أو ركوع أو سجدتين بهذا الجمع، بل يمكن أن يدّعى شهادة نفس الصحيحة بواسطة ما فيها من التفصيل بين الأجزاء، كما أنّها تصلح شاهدا بين مثل الخبر المزبور و بين مرسلة سفيان المتقدّمة الدالّة على عدم الإعادة مطلقا، لا في الزيادة السهوية و لا في نقيضتها، فليتأمّل.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 293 سطر 17، 2/ 386.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 274
قوله قدّس سرّه: نعم إذا ورد الأمر بالصلاة مثلا، و قلنا بكونها اسما للأعمّ …
الخ‏ «1».
أقول: توضيح المقام إنّا إذا علمنا بإجماع أو غيره من الأدلّة اللّبية و اللفظية، أنّ الصلاة الصحيحة التي تقع امتثالا للأمر المتعلّق بها في حال التمكّن و الاختيار، عبارة عن مركّب يشتمل على التكبير و القراءة و الركوع و السجود و التشهّد، و غير ذلك من الأجزاء، مشروطة بشرائط معلومة من الطهارة و الاستقبال و الاستقرار و غيرها، فإذا تعلّق أمر مطلق بطبيعة الصلاة، بأن قال الشارع مثلا «صلّ ركعتين في أوّل الزوال» فعلم بأنّ المقصود بهذا الخطاب في حال القدرة و الاختيار، هو ذلك المركّب المعهود المشتمل على تلك الأجزاء و الشرائط المعروفة، فإذا تعذّر شي‏ء من تلك الأجزاء و الشرائط، و لم يكن ذلك الشي‏ء من مقوّمات ماهية المأمور به عرفا- بحيث يعدّ فاقده لدى العرف ماهية مغايرة لهذه الماهية- قد يشكّ في بقاء ذلك التكليف، حيث يمكن أن يكون اعتبار ذلك الشي‏ء في مطلوبيتها شرطا أو شطرا مخصوصا بحال التمكّن، فلا بدّ حينئذ في رفع الشّك من أن يرجع إلى الأصل الجاري في المقام، و هو اصالة الإطلاق، أو العموم الجارية في الدليل الدالّ على اعتبار ذلك الجزء أو الشرط، لو كان لدليله إطلاق أو عموم، كما في قوله «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب» أو «بطهور» مثلا.
و إن لم يكن لدليله إطلاق، بأن كان لبّيا أو مجملا من هذه الجهة:
فإن بنينا على أنّ الصلاة اسم للأعمّ، وجب الرجوع إلى إطلاق الأمر بالصّلاة، و الاقتصار في تقييده بذلك الشي‏ء على القدر المتيقّن الذي يمكن استفادته من دليله، و هو حال التمكّن، فاستفادة وجوب ذلك الشي‏ء، و اعتباره في ماهية المركّب الذي‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 293 سطر 21، 2/ 387.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 275
تعلّق به الطلب على هذا التقدير، يجب أن يكون بدليل خارجي مقيدا لإطلاقه، و إلّا فمقتضى إطلاق الأمر بالصّلاة كفاية مسمّاها المفروض تحقّقه بدون ذلك الشي‏ء، و لو في حال التمكّن، و لكنّه رفع اليد عمّا يقتضيه الإطلاق بالنسبة إلى حال التمكّن، بذلك الدليل الخارجي الذي لم يدلّ إلّا على اعتباره في صورة التمكّن.
و إن قلنا: بأنّها اسم للصحيحة، يجب الرجوع إلى الاصول العملية المقرّرة للشاكّ في الشرطية و الجزئية، من البراءة و الاحتياط، و لا يجوز حينئذ التمسّك بإطلاق قوله عليه السّلام «صلّ»، حيث أنّ الشك في شرطيّة ذلك الشي‏ء أو جزئيته في حال التعذّر، موجب للشكّ في تحقّق موضوع المطلق، فهو بالنسبة إلى مثل الفرض مجمل لا مطلق، كما هو واضح.
قوله قدّس سرّه: كما لو قلنا بكون الألفاظ أسامي للصحيح … الخ‏ «1».
أقول: فانّ قوله «صلّ» على هذا التقدير، بمنزلة ما لو قال «ائت بجميع أجزاء الصلاة و شرائطها»، فجميع الأجزاء و الشرائط يثبت اعتبارها في ماهية المأمور به على سبيل الإجمال، بنفس هذا الأمر لا بدليل خارجي، فالأدلّة الخارجية المثبتة لأجزاء الصلاة و شرائطها حينئذ بمنزلة التفسير للمجمل.
و امّا على القول بالأعمّ، فهي بنفسها أدلّة الوجوب، فافهم.
قوله قدّس سرّه: و فيه إنّ كون «من» بمعنى الباء مطلقا … الخ‏ «2».
أقول: و لعلّ الذي دعاه إلى هذا التكلّف، هو أن أتى يتعدى إلى المأتي به بالباء لا بنفسه، فتأمّل.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 293 سطر 25، 2/ 388.
(2)- فرائد الأصول: ص 294 سطر 17، 2/ 390.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 276
قوله قدّس سرّه: و فيه أوّلا أنّ عدم السقوط محمول على نفس الميسور … الخ‏ «1».
أقول: الفرق بين ما لو كان عدم السقوط محمولا على نفس الميسور، أو على حكمه- مع أنّ الأوّل أيضا ليس إلّا بلحاظ حكمه- هو أنّه لو كان محمولا على حكمه فمعنى عدم سقوطه بقاء حكمه السابق، فحينئذ يتطرّق المناقشة بأنّ حكمه السابق- الذي هو عبارة عن الوجوب الغيري- مرتفع يقينا، و الوجوب النفسي لم يكن ثابتا قبل كي لا يسقط، فيمتنع أن يكون ما نحن فيه مشمولا للرواية، فلا بدّ من حملها على رفع توهّم السقوط في الأحكام المستقلّة التي يجمعها دليل واحد.
و هذا بخلاف ما لو كان محمولا على نفسه، فانّ معنى عدم سقوطه أنّه بالفعل كما في السابق واجب، لا أنّ وجوبه هو الوجوب السابق، فلا يتمشّى حينئذ المناقشة المزبورة، فافهم.
قوله قدّس سرّه: يعني أنّ الفعل الميسور إذا لم يسقط عند عدم تعسّر شي‏ء …
الخ‏ «2».
أقول: ما ذكره قدّس سرّه تفسيرا للرواية في غاية البعد عمّا يتفاهم منها عرفا، كما يشهد به استدلال العوام و النسوان و الأطفال الذين يعرفونها في مطالبهم، و استعمالها في محاوراتهم، بل المتبادر منها لزوم إيجاد المأمور به ببعض مراتبه الناقصة عند تعذّر إيجاده على الوجه الأتمّ، الذي تعلّق به الأمر في حال القدرة و الاختيار، فمعنى «الميسور لا يسقط بالمعسور» أنّ الماهية التي يجب إيجادها لا يسقط الميسور منها بسقوط معسورها، فالمناط في جريان هذه القاعدة كون المأتي به في حال الضّرورة ميسور المتعذّر بنظر العرف، سواء كان هذا الشي‏ء واجبا
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 294 سطر 24، 2/ 391.
(2)- فرائد الأصول: ص 294 سطر 25، 2/ 391.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 277
عند التمكّن أيضا، كما في فاقد بعض الأجزاء أم لا، كما في فاقد الشرط، أ لا ترى أنّه لو أمر المولى عبده بشراء بطيخ موصوف بأوصاف خاصّة، كالحلاوة و البرودة و الخشونة و غيرها، ثمّ قال «الميسور لا يسقط بالمعسور» يعلم العبد أنّ المولى كلّفه بإيجاد فاقد الصفات عند تعذّرها، مع أنّ الفاقد لم يكن واجبا حال القدرة.
نعم، يعتبر في جريانها عدم كون الميسور بنظر العرف ماهية مغايرة للمأمور به، فلا يتمشى القاعدة في فاقد معظم الأجزاء و الشرائط المقوّمة للماهية بنظر العرف، كاشتراط كون الحيوان ناطقا، و الماء مطلقا، أو ماء ورد.
و الحاصل: إنّ الملاك في قاعدة الميسور كون مجراها ذا مراتب عرفا، لا ذا اجزاء، بخلاف قوله عليه السّلام «ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه»، فانّه لا يصدق إلّا على ذي أجزاء، فلاحظ.
قوله قدّس سرّه: مع أنّه لو اريد منها الحرمة … الخ‏ «1».
أقول: يعني لو سلّم ظهور الجملة الخبرية في الحرمة، للزم ارتكاب مخالفة الظّاهر فيها في المقام.
قوله قدّس سرّه: كذلك يتعيّن حمله على الواجبات … الخ‏ «2».
أقول: المتبادر من قوله عليه السّلام: «ما لا يدرك» كونه كالأوامر المتعلّقة بأجزاء العبادات و شرائطها، مسوقا لبيان الحكم الوضعي، و الإرشاد إلى أنّ تعذّر بعض أجزاء ما تعلّق به تكليف شرعي ليس سببا لسقوط ذلك التكليف، بل يجب الإتيان‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 295 سطر 11، 2/ 393.
(2)- فرائد الأصول: ص 295 سطر 19، 2/ 394.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 278
بسائر الأجزاء في مقام الخروج عن عهدة ذلك التكليف، وجوبا شرطيا لا شرعيا، فكما لا يتبادر من مثل قوله «اقرأ السّورة في الصلاة» أو «استقبل القبلة فيها» إلّا إرادة الوجوب الغيري الإرشادي، الذي هو عبارة اخرى عن بيان الجزئيّة و الشرطية للصّلاة- سواء كانت واجبة أم مستحبّة- فكذلك لا يتبادر من قوله «إذا تعذّرت السّورة في الصلاة لا تترك ما عداها» إلّا إرادة نفي شرطية السورة للصلاة في حال التعذّر.
قوله قدّس سرّه: ثمّ إنّ الرواية الاولى و الثالثة و إن كانتا ظاهرتين في الواجبات‏ «1».
أقول: قد عرفت ظهور الرواية الثالثة فيما يعمّ المستحبّات أيضا، بل لا يبعد أن يدّعى أنّ المتبادر من الرواية الاولى أيضا إرادة مطلق فعل تعلّق به طلبه، و لو على جهة الندب، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: مع كفاية الرواية الثانية في ذلك‏ «1».
أقول: قد يقال إنّه لا فرق بين الرواية الثانية و الثالثة من حيث ظهورها في الواجبات، إذ لا فرق بين قوله «لا يترك» و بين «لا يسقط» في ظهوره في الإنشاء الإلزامي المنحصر مورده بالواجبات.
و فيه ما لا يخفى، فانّ السّقوط و عدم السّقوط ليس فعلا للمكلّف كي يتعلّق به الطلب، بل قوله «لا يسقط» بمنزلة الأمر بإبقاء ما كان في باب الاستصحاب، في كونه إلزاما بالتعبّد ببقاء الحكم الأوّل- سواء كان ندبيا أم وجوبيا كما هو واضح- فلا فرق لدى التحقيق بين أدلّة الاستصحاب و قاعدة الميسور، في كون كلّ منهما إلزاما بالتعبّد ببقاء ما كان، إلّا أنّ الاستصحاب حيث أخذ في موضوعه الشكّ يفيد
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 296 سطر 1، 2/ 394.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 279
حكما ظاهريا، بخلاف القاعدة فانّها تعمّم موضوع الأوامر الواقعية و تجعله من قبيل مطلوبات متعدّدة مرتبة كما هو واضح.
قوله قدّس سرّه: و لكن الإنصاف جريانها في بعض الشروط «1».
أقول: هذا في الحقيقة اعتراف بصحّة ما ذكرنا في توجيه الرواية، و إلّا فاتحاد فاقد الشرط مع واجده عرفا لا يجدي في صدق الرواية، لو فسّرت بما ذكره المصنّف رحمه اللّه من أنّ ما وجب عند التمكّن من شي‏ء آخر لا يسقط عند تعذّره، فإنّ صدق هذا المعنى موقوف على المغايرة لا الاتّحاد، إذ على تقدير الاتّحاد يصدق عليه أنّه هو ذلك الشي‏ء الذي كان واجبا لدى التمكّن، لا أنّه شي‏ء كان واجبا عند التمكّن من شي‏ء آخر، كما لا يخفى.
قوله قدّس سرّه: لو دار الأمر بين ترك الجزء و ترك الشرط … الخ‏ «2».
أقول: دوران الأمر بين ترك الجزء و الشرط يتصوّر على صور:
منها: ما لو دار الأمر بين ترك جزء من المركّب، أو ما هو شرط في جزء آخر، كما لو دار الأمر بين ترك السّورة في الصّلاة أو ترك الطمأنينة في الركوع.
و منها: ما لو دار الأمر بين ترك جزء، أو ترك ما هو شرط في جميع أجزاء المركّب، كما لو دار الأمر بين ترك السّورة أو الطّهارة أو الاستقبال أو الستر أو غيرها من الشرائط المعتبرة في الصلاة، و اتحاد المجلس في زيارة عاشوراء على القول باعتباره من هذا القبيل.
و منها: ما لو دار الأمر بين ترك جزء أو الشرط المعتبر في نفس هذا الجزء، كما
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 296 سطر 6، 2/ 395.
(2)- فرائد الأصول: ص 296 سطر 25، 2/ 398.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 280
لو دار الأمر بين ترك السّورة رأسا، أو إيجادها بدون شرطها المعتبر في صحّتها.
و لا يخفى عليك أنّ الأولوية التي ادّعاها، ترجيحا لتقديم ترك الشرط على ترك الجزء، إنّما هي في الصورة الأخيرة لا غير، لأنّ حكم العقل بالأولوية فرع إحراز المصلحة في فاقد الشرط، و عدم ترتّب مفسدة فائقة على ما يترتّب على ترك الجزء، مع أنّه لا طريق للعقل إلى ذلك، و الأدلّة الشرعيّة لا تساعد على إثباته، فالمتعيّن هو التخيير لو لم يعلم من الشارع أهمّية أحدهما كالطهارة في الصلاة، و إلّا فالأهمّ مقدّم.
و امّا الصورة الأخيرة فهي أجنبية عن موضوع هذه المسألة، لأنّ الدوران إنّما هو بين ترك الجزء رأسا، و إيجاده بلا شرط، فهي من جزئيات المسألة السابقة التي عرفت حكمها.
قوله قدّس سرّه: و كتدارك الحمد عند الشك فيه بعد الدخول في السّورة «1».
أقول: هذا المثال لا يخلو عن مناقشة، إذ لو أتى بالحمد بقصد الاحتياط لا يتحقّق به الزيادة المبطلة، إذ ليس الحمد كالركوع و نحوه ممّا كانت زيادته- و لو بعنوان الاحتياط- مبطلة، فمتى تردّد المكلّف في أنّه هل يجب عليه تداركه، أو أنّه زيادة مبطلة، يجب عليه- بناء على اعتبار الجزم في النية- مع الإمكان رفع اليد عن هذه الصلاة و الإتيان بصلاة اخرى عارية عن هذه المفسدة.
و توهّم حرمة قطع الصلاة، مدفوع بأنّ هذا فيما إذا تمكّن من إتمامها بشرائطها المعتبرة فيها لا مطلقا، مع أنّه يحتمل عند إتيانه بذلك أو تركه له و دخوله في ما بعده انقطاع الصلاة، فلا يخرج رفع اليد عنها و استئنافها جازما بوجهها، كما تقدّم‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 297 سطر 10، 2/ 400.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 281
توضيحه في كلام المصنّف فيما هو نظير المقام، فالأولى التمثيل فيما لو دار الأمر في الصّلاة على الميّت المخالف بين خمس تكبيرات أو أربع مشروطة بعدم الزيادة، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: فالأقوى التخيير هنا «1».
أقول: لا وجه لتقوية القول بالتخيير، بعد البناء على أنّ العلم الإجمالي كالتفصيلي منجز للتكاليف كما هو المختار تبعا لشيخنا المصنّف رحمه اللّه، لأنّ جواز المخالفة القطعية إذا لم تكن عليه- أعني جواز المخالفة القطعية الالتزامية على تقدير تسليمه- إنّما هو في دوران الأمر بين المحذورين الذين لا يمكن الاحتياط فيهما، كما إذا دار الأمر بين فعل شي‏ء و تركه، و ما نحن فيه ليس من هذا القبيل، بل من قبيل ما لو دار الأمر بين ترك شي‏ء بعد الظهر أو فعله قبله، فانّه يجب في مثله الاحتياط جزما.
فنقول في المقام: قد علم المكلّف إجمالا بوجوب اقتران صلاته بأحد الأمرين، المردّد بين فعل شي‏ء أو تركه، فيجب عليه إحراز كون المأتي به واجدا لشرطه المعلوم بالإجمال، تحصيلا للقطع بفراغ ذمّته عن الواجب المعلوم، و لا فرق في ذلك بين التعبّدي و التوصّلي، لأنّ إحراز الشرط شرط في الجميع.
نعم، لو لم يتمكّن من الاحتياط، امّا للقول باعتبار الجزم في النيّة و عدم مشروعيّة الاحتياط، أو لضيق الوقت و غيره من الأعذار، و تندرج المسألة في مسألة دوران الأمر بين المحذورين، فالحكم فيه التخيير لو لم نقل بجواز المخالفة الالتزامية، و إلّا فالمرجع اصالة براءة الذمّة عن الشرط المردّد، على إشكال تقدّمت الإشارة إليه في محلّه.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 298 سطر 3، 2/ 402.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 282
ثمّ إنّا لو سلّمنا أنّ الأقوى في المسألة التخيير، وجب الالتزام به في مواقع دوران الأمر بين القصر و الإتمام، فانّه لدى التحليل من جزئيات هذه المسألة، فانّ الركعتين الأخيرتين الواقعتين بين التشهّد الأوّل و التسليم، إمّا جزء من صلاته- على تقدير كون تكليفه الإتمام- أو زيادة مبطلة، أي عدمه شرط فيها- على تقدير كونه القصر- و لا ينافي هذا الالتزام بأنّ القصر و الإتمام من قبيل المتباينين لا الأقلّ و الأكثر بل يؤكّده، حيث أنّ وجود الركعتين الأخيرتين من مقوّمات ماهية الإتمام، و عدمهما اعتبر قيدا في ماهية القصر، فهما ماهيّتان بالذات.
و إن شئت قلت: إنّ القصر عبارة عن الركعتين الأوليين بشرط عدم الزيادة، و الإتمام عبارة عنهما بشرط انضمام الأخيرتين إليهما، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: و منشأ ذلك … الخ‏ «1».
أقول: فيما ذكره منشأ لوجوب إتيان أحدهما و ترك الآخر مخيّرا تأمّل، إذ لو تمّ لجرى فيما إذا كان أحد التكليفين أهم من الآخر، كما لو اشتبهت المرأة الواجب وطيها بالحلف و مضيّ أربعة أشهر بالأجنبية، مع أنّه لا يجوز الوطء قطعا، لا لأصالة عدم الزوجيّة في كلّ منهما، لأنّ العلم الإجمالي مانع عن إجراء الأصلين، مع أنّ لنا أن نفرض الأجنبية مسبوقة بالزوجية، و لا شبهة في هذه الصورة أيضا في عدم جواز وطء واحدة منهما كما ستعرف وجهه.
فالتحقيق: إنّه لا أثر لمثل هذا العلم الإجمالي في تنجيز التكليف بالواقع، إذ لا طريق للمكلّف إلى الامتثال، فالتكليف به تكليف بما لا يطاق، و احتمال مصادفة الواقع في صورة ارتكاب أحدها و ترك الآخر ليس منشأ لالتزام العقل بلزوم‏
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 298 سطر 7، 2/ 403.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 283
مراعاته، بعد مكافئة هذا الاحتمال احتمال مخالفة الواقع في كلا الأمرين، كما لا يخفى ذلك على من تأمّل في نظائر المقام من العرفيات، فالأقوى هو التخيير في كلّ منهما، بل في كلّ جزء من كلّ منهما لو كانا تدريجيين، لأنّ كلّ واحد من الفعلين، بل كلّ جزء من كلّ منهما بنظر العقل موضوع مستقلّ، لأنّ المكلّف حال اشتغاله بأحد الفعلين يحتمل في كلّ آن من آنات اشتغاله حرمته، فله رفع اليد عن الفعل و الأخذ باحتمال الحرمة بالنسبة إلى سائر أجزاء هذا الفعل، فضلا عن الفعل الآخر المتروك، فانّه موضوع مستقل دائر أمره بين الوجوب و الحرمة، و حكمه التخيير على تقدير تكافؤ الاحتمالين، و عدم كون أحدهما أهمّ، كما أنّه لو ترجّح بنظره في هذا الآن أحد الاحتمالين، أو تبيّن له أهمّيته بالمراعاة، يتعيّن عليه الأخذ به، و لا يلتفت إلى حصول المخالفة القطعية على تقدير مخالفته لما ارتكبه قبل هذا الحين من الفعل أو الترك.
و ما ذكرناه هو الوجه فيما اخترناه في دوران الأمر بين الوجوب و الحرمة من التخيير الاستمراري، بل الأمر فيما نحن فيه أيضا يئول إلى دوران الأمر بين الوجوب و الحرمة في كلّ من المحتملين، كما أنّه يمكن إرجاع الأمر فيما لو دار الأمر بين الوجوب و الحرمة إذا كان الفعل تدريجيا أو كلّيا إلى هذه المسألة، مثلا لو علم إجمالا إمّا بوجوب الجلوس في المسجد من الصبح إلى الغروب أو حرمته، فكلّ آن من آنات الفعل يدور أمره بين المحذورين، فلنا أن نقول إنّ الجلوس قبل الظهر و عدم الجلوس بعد الظهر أحدهما واجب و الآخر حرام قطعا و اشتبها، مع أنّ المختار في تلك المسألة تبعا لشيخنا المصنّف رحمه اللّه التخيير الاستمراري، فكذا فيما نحن فيه.
و الحاصل: إنّ المسألتين من واد واحد، فإن قلنا في تلك المسألة بالتخيير الاستمراري، حتّى مع العزم عليه من أوّل الأمر، فكذا فيما نحن فيه.
و إن قلنا به لا مع العزم عليه من أوّل الأمر، ففي المقام أيضا كذلك.
و ان قلنا هناك بأنّه لا يجوز العدول عمّا اختاره أوّلا من حيث استلزامه القطع‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 284
بالمخالفة للحكم الواقعي، ففي المقام أيضا يجب الالتزام بوجوب فعل أحدهما و ترك الآخر، فرارا عن حصول القطع بالمخالفة، فلاحظ و تدبّر.
قوله قدّس سرّه: نعم لو شكّ في اعتبارها … الخ‏ «1».
أقول: التشكيك و الإجمال في موضوع الإطاعة التي يستقل بحكمها العقل غير معقول، و الرجوع إلى الشرع و العرف في تشخيص موضوع حكم العقل لا معنى له، و قد أشبعنا الكلام في ذلك في الفقه في نيّة الوضوء، و تقدّم شطر منه في مبحث القطع، و سيأتي بعض الكلام فيه أيضا في مبحث استصحاب حكم العقل، فتبصّر.
قوله قدّس سرّه: بل يمكن أن يجعل هذان الاتّفاقان … الخ‏ «2».
أقول: لو تمّ هذا الدليل و تمخض عن المناقشات المذكورة في محلّها، لدلّ على اعتبار معرفة الوجه في تحقّق إطاعة أوامر الشريعة من باب التعبّد، إذ المفروض أنّه لا شكّ في حصول الإطاعة عرفا عند الإتيان بالمأمور به بنيّة الوجه الثابت عليه في الواقع، فيكون الإجماعان المعتضدان بالشهرة كاشفا عن أنّ الشارع تصرّف في كيفية الإطاعة، و جعل المعرفة التفصيليّة شرطا في تحقّقها، و لو نوقش في الاستدلال بهما فلا أقلّ من كونهما موجبا للشكّ الملزم للاحتياط، و لكن هذا في حقّ العامّي الجاهل عن الاجتهاد و التقليد، الذي ليس وظيفته العمل بالبراءة في نفي الأحكام الشرعية، كما هو محلّ الكلام، و امّا المجتهد فيعمل بالبراءة، و لا ينافيه ما ذكره المصنّف آنفا من أنّ المرجع لدى الشّك في حصول الإطاعة بدونه اصالة الاحتياط لا البراءة، لأنّ هذا فيما لو شكّ في اعتباره في كيفية الخروج عن عهدة التكاليف عرفا
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 299 سطر 1، 2/ 407.
(2)- فرائد الأصول: ص 299 سطر 13، 2/ 409.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 285
أو عقلا، لا فيما إذا احتمل اعتباره من باب التعبّد، كما تقدّم توضيح ذلك في صدر الكتاب في شرح كلام المصنّف عند تعرّضه لحكم المسألة.
و لكن ربّما يستشعر من قوله «كما ذكرنا» أنّ غرضه كون الشّك موجبا للزوم الاحتياط، و لو بالنسبة إلى المجتهد، و هو بحسب الظاهر مخالف لمذهبه، كما لا يخفى على من راجع سائر كلماته.
قوله قدّس سرّه: يعدّ في الشرع و العرف لاعبا بأمر المولى‏ «1».
أقول: هذا لو كان فهو فيما إذا لم يتعلّق به غرض عقلائي، و إلّا فربّما يكون الأمر بالعكس، كما لو كان الخروج عن عهدة التكليف بتكرير العمل أسهل من تحصيل المعرفة التفصيلية، كما لو أمره بالسّلام على شخص مردّد بين زيد و عمرو، و هما حاضران عنده، فتكلّف لأجل تحصيل الجزم بالنيّة الحضور عند المولى و السؤال عن من أمره بالسلام عليه، فربّما يعدّ مثل هذا في العرف امّا سفيها أو مستهزئا بالمولى، كما لا يخفى.
قوله قدّس سرّه: فالأولى ما ذكرناه في الوجه الرابع … الخ‏ «2».
أقول: لا يخفى عليك أنّ الاتّكال على سائر الوجوه إنّما ينفع بعد التفصّي عن هذا الإشكال، لأنّ مقتضى هذه الشّبهة وجوب التوقّف و الاحتياط مطلقا.
و من المعلوم أنّ الوجوه السابقة انّما دلّت على وجوب الفحص مقدّمة للعمل بالبراءة، و إذا امتنع الآخذ بالبراءة بمقتضى العلم الإجمالي كما هو حاصل الإشكال لا يجب الفحص جزما.
______________________________
(1)- فرائد الأصول: ص 299 سطر 21، 2/ 409.
(2)- فرائد الأصول: ص 301 سطر 15، 2/ 415.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 286
و الذي يحسم مادّة الإشكال أنّه بعد البناء على حجّية كثير من الأخبار المدوّنة في الكتب المعتبرة، لا يبقى للعلم الإجمالي بوجود واجبات و محرّمات كثيرة في الوقائع المشتبهة أثر بالنسبة إلى الوقائع التي لا يمكن استفادة حكمها من تلك الأخبار، و لا لدعوى أنّ أطراف العلم الإجمالي مخصوصة بتلك الوقائع، كي يقال إنّ هذه الدعوى مجازفة، بل للعلم بحجّية كثير من تلك الأخبار و دلالتها على واجبات و محرّمات كثيرة يحتمل انحصار التكاليف الواقعيّة المعلومة بالإجمال فيها، و حينئذ لا يبقى لذلك العلم الإجمالي أثر بالنسبة إلى ما لا يمكن استفادة حكمه من تلك الأخبار، كما تقدّم توضيح ذلك في مبحث حجّية الظنّ، ففائدة الفحص معرفة خروج الواقعة التي شكّ في حكمها عن الوقائع التي تدلّ تلك الأدلّة على وجوبها أو حرمتها.
هذا، مع أنّ دعوى اختصاص أطراف العلم الإجمالي بالوقائع المتمكّن من الوصول إلى مدركها غير بعيدة، فانّ العلم الإجمالي الحاصل لكلّ أحد بوجود تكاليف كثيرة قبل مراجعة الأدلّة، منشؤه العلم بصدور أخبار كثيرة من النبيّ و الأئمّة عليهم السّلام دالّة عليها، و كون الأخبار الصادرة منهم ممّا دلّ على ثبوت حكم زائدا عمّا وصل إليهم في الكتب المعتبرة غير معلوم.
و إن شئت قلت: إنّ العلم الإجمالي نشأ من العلم بمشاركتنا مع من سبقنا في التكليف، و هكذا إلى أن بلغ مع من عاصر الأئمّة عليهم السّلام، و وصل إليهم التكاليف شيئا فشيئا، و لم يكن لهم علم إجمالي بثبوت تكاليف زائدة على ما علموا به تفصيلا، فنحن بعد العلم بمشاركتنا معهم في التكليف، لا يجوز لنا الأخذ بالبراءة إلّا بعد الفحص عن تكليفهم، و القدر المتيقّن من تكليفهم ليس إلّا التكليف بما أخبروا به و دوّنه العلماء في اصولهم المعتبرة، فلا يجوز العمل بالبراءة قبل مراجعة تلك الاصول، و امّا بعد المراجعة فلا مانع عنه.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 287
نعم، لنا علم إجمالي آخر حصل بقضاء العقل و النقل، من أنّ اللّه تعالى لم يخلق الناس مهملين، بل كلّفهم بتكاليف يجب عليهم امتثالها، إلّا أنّ وجوب الفحص عن الأدلّة ليس من أثر هذا العلم، لأنّ المعلوم بالإجمال بهذا العلم ليس بأكثر من الضرورات التي يعرفه العوام، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: لكنّه قد أسلفنا الكلام في صغرى و كبرى هذا الدليل‏ «1».
أقول: و كأنّه أشار بهذا إلى ما أسلفه من المناقشات التي أوردها على الاستدلال بهذا الدليل، لوجوب الاحتياط في الشبهة التحريمية الحكمية و الموضوعيّة، و عمدة ما يتوجّه عليه في هذا المقام هو الخدشة في كبراه، فانّ حكم العقل بحرمة الإقدام على ما يعلم ضرره، إنّما هو بملاحظة نفس الضرر من حيث هو، فالعلم المأخوذ في موضوع حكمه بوجوب الاجتناب عمّا يعلم ضرره طريقي محض، لا يترتّب على مخالفته عند تخلّفه عن الواقع، و كونه جهلا مركّبا إلّا التجرّي، الذي تقدّم الكلام في حرمته في صدر الكتاب، فحكمه بوجوب الاجتناب عمّا لا يأمن من ضرره- أيضا على تقدير تسليمه، كما هو الحقّ بالنسبة إلى المضارّ الأخروية التي لا يعقل أن يتداركها شي‏ء على تقدير ترتّبها- ليس إلّا من باب الاحتياط و التوقّي عن نفس ذلك الضرر المحتمل، و عند عدم المصادفة لا مقتضى لقبح فعله، إلّا من حيث التجرّي الذي لا دليل على حرمته.
و لكنّك عرفت في صدر الكتاب إنّا و إن لم نقل بحرمة التجرّي شرعا، و لكن نفينا البعد عن كونه بنظر العقل و العقلاء بحكم المعصية، في كونه موجبا لاستحقاق العقاب، و مؤثرا في قبح متعلّقه، فراجع.
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 302 سطر 1، 2/ 417.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 288
قوله قدّس سرّه: و يمكن توجيه كلامه، بإرادة استحقاق عقاب ذي المقدّمة حين ترك المقدّمة … الخ‏ «1».
أقول: لا يمكن إلّا القول بمقالة المشهور، و استحقاق العقاب على مخالفة الواقع بعد حصولها، أو الالتزام بأنّ العقاب إنّما هو على ترك المقدّمة من حيث هي.
و امّا القول بأنّ العقاب على مخالفة الواقع، و لكن الاستحقاق حصل من حين ترك المقدّمة، كما هو حاصل التوجيه.
ففيه: إنّه يستلزم تقديم المعلول على علّته.
و امّا الاستشهاد بشهادة العقلاء قاطبة بحسن المؤاخذة في المثال.
ففيه: إنّ المؤاخذة التي يشهد العقلاء بحسنها قبل حصول القتل، هي المؤاخذة على نفس هذا الفعل من حيث هو، بلحاظ كونه من أسباب القتل، سواء ترتّب عليه القتل أم لا، كما أنّهم قد يشهدون بحسن ذمّه على إيجاده سبب استحقاق مؤاخذة القتل، و امّا المؤاخذة على نفس القتل، بمعنى ترتيب ما يستحقّه بالقتل بمجرّد الرمي فلا، بل العقلاء مطبقون على أنّ القصاص و مؤاخذة الدية و نحوها قبل الجناية قبيح.
ثمّ لو سلّم الاستحقاق قبل حصول الجناية، فاللازم الالتزام بكون فعل المقدّمة سببا للاستحقاق لا غير، و إن كان الحكمة في سببيّتها للاستحقاق ترتّب ذيها عليها.
و الحاصل: أنّه لا يمكن الالتزام بشقّ ثالث، و اللّه العالم.
قوله قدّس سرّه: و لو لا توجّه النهي اليه حين المخالفة، لم يكن وجه لبطلان … الخ‏ «2».
أقول: المناط في بطلان العبادة كون المأتي به موجبا لاستحقاق العقاب، لأنّ‏
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 302 سطر 11، 2/ 418.
(2)- فرائد الاصول: ص 302 سطر 22، 2/ 420.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 289
استحقاق العقاب يتوقّف على قبح الفعل الصادر من المكلّف من حيث صدوره منه، و كونه مبغوضا، فلا يحسن الأمر به حتّى يكون عبادة.
و امّا لو لم يكن من حيث صدوره من الفاعل متّصفا بالقبح، كأن لم يكن بعنوان كونه غصبا فعلا اختياريّا للمكلّف، فلا يمتنع ما في ذاته من مفسدة الغصب عن توجيه الأمر بالصلاة إليه، لأنّ وجود الجهة المقبّحة- ما لم يؤثر في قبح الفعل من حيث صدوره من المكلّف، كما في الفرض حيث أنّ الفعل بهذا العنوان ليس قابلا لتعلّق التكليف به- لا يزاحم حسن الفعل من حيث تحقّق العناوين الراجحة به، المشتملة على المصلحة المقتضية للطلب، فعلى هذا يدور الصحّة مدار حسن العقاب و عدمه، فتصحّ صلاة جاهل الغصبيّة و ناسيها دون جاهل الحكم و ناسيه، إلّا إذا فرض قاصرا بقبح عقابه، فانّه حينئذ كجاهل الموضوع، و كذا تصحّ صلاة من توسّط أرضا مغصوبة حال خروجه، إذا كان خروجه عن ندم بقصد التوبة و التخلّص عن الغضب لا غير، فلو خرج عنها بعد قضاء وطره لا بقصد التخلّص، حتّى يعنون بهذا العنوان الراجح و صلّى حال الخروج لا تصحّ صلاته، لأنّ خروجه كدخوله مبغوض و محرّم يحسن العقاب عليه، فلا يجوز الأمر به، و انقطاع النهي بحصول سبب العصيان لا يصحّح الأمر بالفعل بعد كونه مبغوضا، كما هو ظاهر.
و إن أردت مزيد توضيح و تنقيح لما ذكر فعليك بمراجعة ما سطّرناه في مكان المصلّي.
قوله قدّس سرّه: لاستقرار بناء العقلاء في مثال الطومار المتقدّم، على عدم الفرق في المذمّة على ترك التكاليف المسطورة فيه بين المطلقة
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 290
و المشروطة «1».
أقول: هذا ممّا لا شبهة فيه، و لكن الشأن في توجيهه بعد الاعتراف بأنّ الواجبات المشروطة لا يتنجّز التكليف بها إلّا بعد حصول شرائطها، و قد بيّنا ما عندنا في حلّ هذا الإشكال في أوّل كتاب الطهارة من كتابنا المسمّى ب «مصباح الفقيه»، عند التكلّم في وجوب الغسل في الليل لصوم غده بما لا مزيد عليه من إرادة فليراجع.
قوله قدّس سرّه: إنّ ما لم يختصّ أثره بمعين أو معينين كالطّهارة و النجاسة … الخ‏ «2».
أقول: لا يبعد أن يكون مراده بالتفصيل المزبور- كما يظهر من أمثلته- هو الفرق بين ما إذا كان متعلّق الفتوى ثبوت الحكم الواقعي لموضوع خارجي، من دون أن يكون لأشخاص المكلّفين مدخلية في تحقّق ذاته، كصيرورة النجس بغسله مرّة طاهرا، و الملاقي للعصير نجسا، و بين ما إذا لم يكن كذلك، بأن كان لأشخاصهم مدخلية في تحقّق موضوع الحكم الوضعي، كاشتغال الذمّة بشي‏ء، و حدوث علاقة الزوجيّة و نحوهما، فانّ تحقّق الحكم الوضعي الثابت بالأدلّة الاجتهادية في مثل الفرض، موقوف على كون الشخص الذي يتقوّم به مجتهدا أو مقلّدا، فلا يتوجّه عليه الاعتراض بعدم اختصاص أحكام الزوجية و نحوها أيضا بخصوص الزوجين أو أشخاص معيّنة، لأنّ محطّ نظره- على ما وجّهنا به كلامه- هو الفرق بين ما لو كان للأشخاص بنفسها مدخلية في الموضوع و بين غيره.
و لكن يتوجّه عليه أنّ هذا الفرق ممّا لا يرجع إلى محصّل، كما لا يخفى وجهه على المتأمّل.
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 303 سطر 18، 2/ 422.
(2)- فرائد الاصول: ص 304 سطر 22، 2/ 425.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 291
قوله قدّس سرّه: فلا إشكال في الفساد، و إن انكشف الصحّة بعد ذلك …
الخ‏ «1».
أقول: الجزم بالفساد في الصورة المفروضة في غاية الإشكال، فانّ القربة المعتبرة في صحّة العبادة عقلا و نقلا ليست إلّا حصول العمل في الخارج للّه تعالى لا لسائر الأغراض، و هذا المعنى متحقّق في الفرض، و كون العبد جازما بأنّ المأتي به بالخصوص مقرّب ممّا لا دليل على اعتباره، فكما أنّه تصحّ العبادة المأتي بها لاحتمال الأمر على تقدير مصادفة الاحتمال للواقع، كذا تصحّ على تقدير الجزم بوجود الأمر و إتيان بعض المحتملات قاصدا به حصول الامتثال على تقدير كونه هو المأمور به، بل لا ينبغي التأمّل في الصحّة و استحقاق الثواب في الأوامر المستحبّة، إذا أتى المكلّف ببعض محتملات المأمور به برجاء كونه هو المستحبّ.
نعم، ربّما يتأمّل في الصحّة بالنسبة إلى الواجبات، بملاحظة كون الإتيان ببعض المحتملات- بانيا على الاقتصار عليه- مشوبا بالتجرّي، فبهذه الملاحظة لا يعدّ مطيعا، و إن لم يخل هذا أيضا عن نظر، حيث أنّ التجرّي إنّما يحصل بترك البعض الآخر لا بإتيان هذا البعض المأتي به، فتأمّل.
و قد أشبعنا الكلام فيما يتعلّق بالمقام في نيّة الوضوء في الفقه، و تقدّم شطر من الكلام فيه فيما علّقناه على أوائل الكتاب في مبحث كفاية الامتثال الإجمالي فراجع.
قوله قدّس سرّه: من باب حرمة التجرّي‏ «2».
أقول: يعني في صورة تأديته إلى إثبات حكم مخالف للواقع.
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 306 سطر 10، 2/ 429.
(2)- فرائد الاصول: من 307 سطر 16، 2/ 434.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 292
قوله قدّس سرّه: و الأقوى هو الأوّل‏ «1».
أقول: قد يتأمّل فيما قوّاه سيّد مشايخنا (دام أيّام إفاضاته) بما حاصله:
إنّ العقاب على ما لم يكن للمكلّف طريق إلى الامتثال به عقلا أو جعلا قبيح، فلا يترتّب على ترك الامتثال- فيما لا طريق له إلى الامتثال منصوبا من الشارع، بعد فرض عدم تمكّنه من تحصيل العلم- إلّا ما يترتّب على ارتكاب ما كان حلالا في الواقع و لم يتفحّص، أعني مجرّد التجرّي، فلو قلنا بترتّب العقاب عليه فهو، و إلّا فلا شي‏ء عليه.
فحاصل مختاره: إنّه لا يعاقب الجاهل التارك للفحص- لو لم نقل بحرمة التجرّي- إلّا على الواقعيات التي يكون له إليها طريق ظاهري، بحيث لو تفحّص عنه لظفر به، و لا يستلزم ذلك الالتزام بانقلاب التكاليف الواقعية إلى مؤدّيات الطرق، بل اللّازم عليه الالتزام بعدم تنجّز الواقعيّات في حقّ الجاهل الذي لم ينصب له إليها طريق، و هذا ممّا لا محذور فيه.
و لكن يتوجّه عليه أنّ العلم الإجمالي بأنّ عليه تكاليف واقعية كالتفصيلي، طريق عقلي إلى الواقعيّات موجب لتنجّزها، لما تقرّر في الشّبهة المحصورة من أنّ الجهل التفصيلي ليس مانعا عن توجّه التكاليف، بل يكفي في تنجّزها و حسن المؤاخذة على مخالفتها، حكم العقل بلزوم الاحتياط دفعا للضرر المحتمل، فالمقتضي العقاب- و هو حصول مخالفة الأحكام الواقعية- موجود و المانع مفقود، و قيام الطريق المعتبر على خلافه لا يصلح للمانعية، إلّا في حقّ من تشبّث به، لا في حقّ من لم يلتفت إليه و لا يعلم بوجوده و وقع في محذور مخالفة الواقع بمخالفة حكم العقل بوجوب الاحتياط، فما قوّاه المصنّف رحمه اللّه هو الحقّ الذي لا يعتريه ريب، و اللّه العالم.
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 307 سطر 21، 2/ 435.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 293
قوله قدّس سرّه: و هو الذي يقتضيه دليل المعذوريّة في الموضعين‏ «1».
أقول: إذ ليس مفاد ما دلّ على معذوريّته إلّا أنّ صلاته ماضية و لا يجب عليه إعادتها، و هذا لا يقتضي أن يكون للجهل- في خصوص هذا المورد- خصوصيّة مقتضية لرفع المؤاخذة عليه دون سائر الموارد، بل لا نعقل الفرق في استحقاق مؤاخذة الجاهل على مخالفة التكاليف الشرعية بين مواردها- فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: فحينئذ يقع الإشكال‏ «2».
أقول: خصوصا لو علم بالحكم بعد الفراغ من صلاته، و تمكّنه من إعادتها في الوقت، فانّ اجتزاء الشارع بما صدر منه بدلا عمّا هو واجب عليه، مع تمكّنه من الخروج عن عهدة الواجب قبل فوات وقته، ينافي مؤاخذته على مخالفة الواجب، كما لا يخفى.
قوله قدّس سرّه: لكن هذا كلّه خلاف ظاهر المشهور … الخ‏ «3».
أقول: مضافا إلى أنّ شيئا منها لا يجدي في حلّ الإشكال الناشئ من التنافي بين صحّة صلاته و استحقاقه للمؤاخذة، في مثل الفرض المتقدّم آنفا، و هو ما لو حصل له العلم بتكليفه الواقعي قبل خروج الوقت، هذا كلّه مع ضعف جميع هذه الوجوه، بل فسادها.
امّا الأوّل: و هو ادّعاء كون القصر مثلا واجبا على المسافر العالم فواضح، إذ لا مقتضى حينئذ لعقاب الجاهل، مع ما في تخصيص الحكم بالعالم به من‏
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 308 سطر 13، 2/ 437.
(2)- فرائد الاصول: ص 308 سطر 14، 2/ 437.
(3)- فرائد الاصول: ص 308 سطر 24، 2/ 439.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 294
الدور الظاهر.
و امّا الثاني: و هو كون الجهل بالحكم- في هذه المسألة- كالجهل بالموضوع عذرا.
ففيه: إنّه إن اريد به كون الجاهل بالحكم كالجاهل بالموضوع معذورا شرعا أو عقلا في مخالفة تكليفه الواقعي، فلا يصحّ مؤاخذته كما في الجاهل بالموضوع.
و إن اريد به كونه معذورا في الاجتزاء بما صدر منه بدلا عمّا وجب عليه في الواقع، أي في الحكم الوضعي دون التكليفي، فهو عين الإشكال.
و إن اريد به معنى آخر فلا نتعقله.
و امّا الثالث: و هو الالتزام بعدم كون الغافل مكلّفا بالواقع و كونه مؤاخذا على ترك التعلّم، فعلى تقدير صحّة الالتزام به، فهو لا يجدي في حلّ الإشكال في مثل الفرض المتقدّم، إذ غاية ما يمكن الالتزام به، إنّما هو جواز مؤاخذة الجاهل بالحكم على ترك التعلّم، فيما لو استمرّ جهله إلى أن خرج زمان الخروج عن عهدة الواجب و المفروض أنّه عرف تكليفه قبل فوات الوقت، و لكن لم يعد صلاته حيث أنّ الشارع أمضى ما صدر منه، فأيّ فرق في استحقاق العقاب و حسن المؤاخذة على ترك التعلّم بين جاهلين حصل لهما العلم بوجوب القصر على المسافر قبل خروج وقت الصلاة، و قد صلّى أحدهما تماما في أوّل الوقت، فلم يعد تعويلا على إمضاء الشارع لفعله، فكيف يصحّ عقاب هذا الشخص دون الآخر الذي لم يصلّ في أوّل الوقت فصلّى قصرا، مع أنّ ترك الأوّل للقصر نشأ من إمضاء الشارع لفعله، و إلّا لكان يخرج عن عهدة ما وجب عليه في الواقع قبل فوات وقته!.
و بما ذكرنا ظهر لك ما يتوجّه على الوجه الأخير، و هو انقطاع الخطاب عند الغفلة، مع كونه في حال غفلته مكلّفا بالواقع و معاقبا على مخالفته.
توضيحه: إنّ مخالفته للواقع في الصورة المفروضة نشأ من إمضاء الشارع‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 295
لفعله، المستلزم للرّخصة في المخالفة، فكيف يصحّ حينئذ مؤاخذته عليها!.
قوله قدّس سرّه: و الموارد التي قام فيها غير الواجب مقام الواجب … الخ‏ «1».
أقول: من أمثلته مؤدّيات الطّرق الظّاهرية، كوجوب صلاة الظهر التي أخبر العادل بوجوبها، على تقدير كون الواجب الواقعي صلاة الجمعة، إن قلنا فيها بالاجزاء.
و من أمثلته أيضا، الصّلوات التي يأتي بها ناسي بعض أجزائها أو شرائطها الغير المقوّمة، على احتمال رجّحه المصنّف رحمه اللّه عند التكلّم فيما يقتضيه، الأصل عند الشكّ في اختصاص الجزء و الشرط بحال العمد أو عمومهما لحال النسيان فراجع.
و ليس مسألة الائتمام المسقط لوجوب القراءة، و كذا السفر المباح المسقط لوجوب الصوم مثالا لما نحن فيه.
امّا الأوّل، فلأنّ الائتمام أفضل فردي الواجب، و ليس مباحا مسقطا للواجب، و كيف لا و إلّا لم يقصد بفعله امتثال الواجب.
و امّا الثاني، فلأنّ السفر موجب لتبدّل الموضوع و رافع لأصل الوجوب، لا أنّه مسقط للواجب في مقام الامتثال.
ثمّ لا يخفى عليك أنّ ثبوت الأمر بالبدل في الموارد التي أشرنا إليها بعنوان كونه بدلا عن الواقع غير معقول، لجهله بهذا العنوان أو غفلته عنه، و تعلّق الأمر به بغيره من العناوين ككونه ممّا أخبر العادل بوجوبه، لا يقتضي سقوط الأمر الواقعي، غاية الأمر أنّه يقتضي على القول بالأجزاء تدارك ما يفوته من مصلحة التكليف، و مقتضاه سقوط الأمر الواقعي بإتيان هذا الفعل كما هو المدّعى، لا سقوطه بمجرّد
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 309 سطر 4، 2/ 439.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 296
تعلّق الأمر به كما لا يخفى، و هذا هو الفارق بين القول بالاجزاء، و القول بالتصويب كما تقدّمت الإشارة إليه في أوائل حجّية الظنّ. و لعلّه لذا أمر بالتأمّل.
و كيف كان، فهذا الوجه أيضا لا يجدي في رفع التنافي بين صحّة فعله، و استحقاق المؤاخذة على ترك الواقع، خصوصا في الصورة المفروضة أيضا كما لا يخفى.
قوله قدّس سرّه: و يردّه أنّا لا نعقل الترتّب في المقامين‏ «1».
أقول: قد تقرّر في محلّه أنّ الترتّب معقول، بل هو في الشرعيّات و العرفيات فوق حدّ الاحصاء، و قد تعرّضنا لبعض ما يتوجّه عليه من النقض و الإبرام في مبحث التيمّم، و غيره من المواضع المناسبة له في الفقه فراجع.
و موضوعه الذي وقع الكلام فيه هو أنّه هل يعقل تعلّق الأمر بإيجاد فعلين متضادّين في زمان واحد، بأن يكون الأمر المتعلّق بأحدهما مطلقا غير مشروط بشي‏ء، و بالآخر مشروطا بكونه تاركا لامتثال الطلب المطلق، بأن يقول المولى لعبده مثلا «اشتغل اليوم بالعمل الفلاني، فان لا تمتثلني في هذا الفعل فافعل كذا»، و لكن ما نحن فيه بحسب الظاهر ليس من هذا القبيل، مع أنّ الالتزام بكونه من هذا القبيل لا يجدي في رفع التنافي بين صحّة فعله و استحقاق العقاب على ترك القصر في مثل الفرض المتقدّم، و هو ما لو علم بالحكم في الوقت و ترك القصر تعويلا على امضاء الشارع لفعله، بل الظاهر أنّه من قبيل تعدّد المطلوب، بمعنى أنّ طبيعة الصّلاة في حدّ ذاتها لها مصلحة ملزمة اقتضت وجوبها، و كونها في ضمن هذا الفرد فيه أيضا مصلحة اخرى ملزمة، فاجتماع كلتا المصلحتين في هذا الفرد أوجب تأكّد طلبه، فإذا أتى بالطبيعة في ضمن فرد آخر فقد أحرز المصلحة المقتضية لتعلّق الطلب بصرف‏
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 309 سطر 8، 2/ 440.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 297
الطبيعة، فلا يعقل بقائها بعد بصفة الوجوب، و بعد ارتفاع الوجوب المتعلّق بالطبيعة يتعذّر عليه إحراز مصلحة الخصوصية- سواء خرج وقت الفعل أم بقى زمانه- إذ المفروض أنّ المصلحة المقتضية لخصوص الفرد تعلّقت بإيجاده امتثالا للطبيعة، و قد فرضنا سقوط الأمر المتعلّق بالطبيعة بحصولها في الخارج، مثلا إذ اقتضى الإفطار في شهر رمضان وجوب عتق رقبة من حيث هي، و لكن كان في عتق المؤمنة مزيّة مقتضية لأرجحية عتقها كفّارة عن الافطار، فهذه المزيّة قد لا تنتهي إلى مرتبة الإلزام، فلا يجب مراعاتها، و قد تنتهي إلى هذه المرتبة، فإذا أعتق المكلّف رقبة غير مؤمنة فقد أتى بما يقتضيه الإفطار، و لكن فوّت على نفسه المزيّة التي وجب عليه رعايتها، فيستحق العقاب عليها، و لا يمكنه تداركها بعد ارتفاع الطلب المتعلّق بنفس الطبيعة.
إن قلت: مقتضى ما ذكرت عدم وجوب إعادة الصلاة بالإخلال بالخصوصية عمدا، و هو باطل.
قلت: لا ندّعي أنّ ماهية الصلاة من حيث هي مطلوبة مطلقا كيفما اتّفقت، و إنّما المقصود بيان إمكان ذلك، و إلّا فمن الممكن تقييد مطلوبية صرف الطبيعة بعدم كونها مشوبة بالتجرّي، كما هو الشأن بالنسبة إلى العالم دون الناسي و الجاهل، فلاحظ و تدبّر.
قوله قدّس سرّه: فمقتضى أدلّة البراءة- حتّى العقل، كبعض كلمات العلماء- عدم وجوب الفحص‏ «1».
أقول: امّا دلالة الأدلّة النقلية- كحديث الرفع و التوسعة و نحوهما ممّا هو شامل للشبهة الوجوبية- فغير قابلة للتأمّل، و لا ينافيه تقييدها بالنسبة إلى الشّبهات‏
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 309 سطر 13، 2/ 442.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 298
الحكمية بالأدلّة المتقدّمة كما هو واضح.
و امّا الدليل العقلي فيشكل التعويل عليه بعد أن اعترف- عند تعداد الأدلّة لوجوب الفحص في الشبهة الحكمية- بأنّ العقل لا يعذر الجاهل المتمكّن من الاستعلام، إذ لا نعقل فرقا بين الشّبهة الحكمية و الموضوعيّة في ذلك، بل الظاهر أنّ الأمر في الشّبهات الحكمية من هذه الجهة أهون، حيث أنّ بيانها وظيفة الشارع، فالجهل عذر بنظر العقل ما لم يصل إليه البيان، و امّا بعد بيان ما هو وظيفته، فيشكل ترخيص العقل بجواز الرجوع إلى البراءة من أوّل الأمر قبل الفحص في المشتبهات، بل الظاهر إلزامه بالفحص، كما لو أمر المولى عبده بإعطاء كلّ من أهل داره أو جيرانه درهما.
و امّا ما تراه من بناء العقلاء على عدم الفحص لو أمره بإطعام كلّ فقير، أو إطعام كلّ هاشمي، أو إضافة كل عالم و نحو ذلك من الأمثلة، فمنشؤه أنّ سعة دائرة العموم قرينة عقلية أو عرفيّة على أنّ المراد إمّا بيان المصرف، أو أن غرضه إيجاد هذه الأفعال بالنسبة إلى كلّ فرد اطّلع عليه لا مطلقا، فيكون وجوبها مشروطا بالاطّلاع و نحوه، و امّا لو أحرز أنّ غرضه تعلّق باستيعاب جميع الأفراد، فلا شبهة في وجوب الفحص في مثل هذه الموارد، التي قضت العادة بأنّه لو لا الفحص امتنع الخروج عن عهدة هذا التكليف، و الإتيان بجميع ما تعلّقت به إرادته.
هذا، و لكنّ الحقّ أنّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان- بمعناها الشامل للشّبهات الحكميّة و الموضوعيّة كما عرفته في محلّه- قاعدة عقلية سارية في جميع مواقع الشكّ، غير قابلة للتخصيص.
فدعوى أنّ العقل لا يعذر الجاهل المتمكّن من الاستعلام ليس إلّا كدعوى الاخباري القائل بأنّ العقل لا يعذر الجاهل المتمكّن من الاحتياط، فما هو الجواب هناك هو الجواب هاهنا.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 299
و ملخّصه: إنّ من الواضحات التي يشهد به ضرورة العقل، و يعترف به كلّ أحد، أنّ مؤاخذة الجاهل على ما لا يراه لازما عليه، بأن لم يكن له طريق شرعيّ أو عقليّ يرشده إلى لزومه قبيحة، و إلّا يلزمه التكليف بما لا يطاق، فصحّة مؤاخذة الجاهل التارك للفحص على مخالفة الواقع، أو تركه للفحص- سواء كانت في الشّبهات الموضوعيّة أم الحكمية- موقوفة على أن يقوم عنده دليل شرعي أو عقلي يرشده إلى لزوم الفحص، و الخروج عن عهدة التكليف الواقعي- على تقدير ثبوته- كما في الشبهات الحكمية التي فهم وجوب الفحص فيها بالنصّ و الإجماع، أو الموضوعيّة المقرونة بالعلم الإجمالي الموجب لصحّة المؤاخذة على الحكم المعلوم بالإجمال، المستلزم لإلزام العقل بالفحص، أو الاحتياط في أطراف الشبهة دفعا للعقاب المحتمل.
و امّا إذا لم يكن كذلك، بأن لم يعلم ثبوت تكليف في الواقع لا إجمالا و لا تفصيلا، و لم يكن هناك دليل تعبّدي من قبل الشارع يدلّ على وجوب الفحص و الاحتياط- كما في الشبهات الموضوعيّة- فليس للعقل استقلال بلزوم الفحص عن حاله، كما أنّه لا استقلال له بلزوم الاحتياط فيه عند عدم التمكّن من معرفة حكمه، حيث أنّ حكمه بلزوم الفحص، كحكمه بلزوم الاحتياط، ليس إلّا من باب دفع الضرر المحتمل، و قد عرفت في الشبهات الحكمية أنّ قاعدة القبح واردة على هذه القاعدة.
و لا يرد النقض بوجوب الفحص في أصول الدين، إذ يكفي في جواز المؤاخذة على المخالفة، الموجب لإلزام العقل بالفحص، إخبار الشارع بمؤاخذة الكفّار و خلودهم في النار، فضلا عن استقلال العقل بوجوب شكر المنعم، و عدم قبح المؤاخذة على تركه، فانّ إخبار الشارع بالعقوبة على ترك معرفته كاف في إتمام الحجّة و قطع عذر العبد، بعد استقلال عقله بوجوب دفع العقاب المحتمل، نظير ما لو
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 300
أخبر شخص عبده الذي لا يذعن بعبوديّته، بأنّي اعاقبك على عدم اعترافك بالعبودية، و على مخالفة سائر ما أمرتك به، فمتى احتمل صدق ذلك الشخص، و أنّه على تقدير كونه سيّده يعاقبه على مخالفته، لا يبقى له عذر في مخالفته بعد استقلال العقل بوجوب دفع العقاب المحتمل، و علمه بأحكام ذلك الشخص الذي يدّعي أنّه سيّده، و لا يقبح على السيّد أيضا عقابه بعد أن بيّن له أحكامه و أمره بإزالة جهله، و أنّه على تقدير الترك يؤاخذه كما هو واضح.
قوله قدّس سرّه: امّا الكلام في مقدار الفحص … الخ‏ «1».
أقول: مقدار الفحص يتفاوت بالنسبة إلى الأدلّة الدالّة على وجوبه، فإن اعتمدنا فيه على العلم الإجمالي بثبوت التكليف فيما بأيدينا من الأدلّة، فحدّه الفحص إلى أن يحصل الجزم بعدم دليل مثبت للتكليف في أطراف الشبهة، بحيث يندرج المورد في الشكوك الابتدائية، التي هي مجرى البراءة.
و إن اعتمدنا على الإجماع و نحوه من الأدلّة المجملة، فغاية مفادها وجوب الفحص إلى أن يظنّ بعدم الدليل.
و إن استندنا إلى حكم العقل بوجوب الفحص، و عدم معذورية الجاهل المكلّف المتمكّن من الاستعلام، فحدّه إلى أن يظهر له العجز، و يكون فيما زاد عليه مشقّة منفية بعمومات نفي الحرج، الواردة على حكم العقل بوجوب الفحص.
و إن عوّلنا على الأخبار، و قلنا بدلالتها على الوجوب مطلقا، فحدّه لزوم الحرج، لحكومة أدلّة نفي الحرج على المطلقات المثبتة للتكاليف.
و إن بنينا على جميع الأدلّة، وجب الأخذ بمقتضيات الجميع كما لا يخفى.
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 311 سطر 3، 2/ 447.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 301
قوله قدّس سرّه: امّا عدم وجوب الزائد فللزوم الحرج … الخ‏ «1».
أقول: لا يخفى عليك أنّ دليل نفي الحرج إنّما يجدي لو لم يكن العلم الإجمالي مانعا عن اجراء الاصول في مجاريها قبل الفحص، و إلّا فما لم يخرج المورد عن أطراف الشبهة لا يجدي دليل نفي الحرج لإثبات عدم الوجوب، إذ ليس مقتضى دليل نفي الحرج و نحوه حجّية الاصول في مجاريها عند اقترانها بالعلم الإجمالي، كما صرّح به المصنّف رحمه اللّه و حقّقه عند التكلّم في نتيجة دليل الانسداد.
قوله قدّس سرّه: إلّا أن يكون الحكم الظاهري الثابت بالأصل … الخ‏ «2».
أقول: لو قلنا إنّ المستطيع هو من كان واجدا لمقدار من المال واف بالحجّ، و لم يكن عليه دين في مرحلة الظاهر في مقام تكليفه الفعلي، فلا شبهة في أنّه يتحقّق موضوعه واقعا بوجدان المال و عدم ثبوت دين عليه بمقتضى ظاهر تكليفه، فلو حجّ احتسب حجّة الإسلام، سواء انكشف بعد ذلك ثبوت دين عليه أم لا.
و لو قلنا: بأنّ عدم الدين الواقعي شرط في الاستطاعة، لم يكن إحرازه بأصل البراءة الذي هو قسيم الاستصحاب، إلّا أنّه ثبت ذلك بأصالة البراءة- أي استصحاب فراغ ذمّته عن الاشتغال بحق الغير- فيثبت به موضوع الوجوب في مرحلة الظاهر، و لكنّه لو انكشف ثبوت دين عليه في الواقع، كشف ذلك من عدم كون الحجّ واجبا في الواقع، و عدم كون ما صدر عنه مجزيا عن حجّة الإسلام، كما هو الشأن في جميع الموضوعات الثابتة بالاستصحاب، فليتأمّل.
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 311 سطر 6، 2/ 447.
(2)- فرائد الاصول: ص 312 سطر 9، 2/ 451.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 302
قوله قدّس سرّه: لأنّ الملاقاة مقتضية للنجاسة، و الكريّة مانعة عنها … الخ‏ «1».
أقول: هذا الوجه منظور فيه، لأنّ إحراز المقتضي لا يكفي في الحكم بثبوت ما يقتضيه ما لم يحرز عدم المانع و لو بالأصل، كما صرّح به المصنّف قدّس سرّه في غير موضع من كلامه، و كون الشكّ في المانع في حكم العلم بعدمه ممنوع كما تقرّر في محلّه.
هذا، مع أنّ كون المقام من قبيل الشكّ في المانع غير مسلم، و قد أشبعنا الكلام فيما يتعلّق بالمقام في الفقه من أراده فليراجع.
قوله قدّس سرّه: و قد يفصّل فيها … الخ‏ «2».
أقول: سيأتي تحقيق المقام في مبحث الاستصحاب إن شاء اللّه.
قوله قدّس سرّه: و فيه أنّ تقارن ورود النجاسة و الكرية … الخ‏ «3».
أقول: في العبارة إشعار بتسليمه ثبوت التقارن باعمال الأصلين، فكأنّه مماشاة مع الخصم، و إلّا فهو خلاف التحقيق، و ليس بمرضيّ عند المصنّف رحمه اللّه كما ستعرفه في تعارض الاستصحابين إن شاء اللّه.
قوله قدّس سرّه: فتأمّل‏ «4».
أقول: لعلّه إشارة إلى ما يظهر من كلامه في الفقه من أنّ الشكّ في المانع في مثل المقام مرجعه إلى الشكّ في التخصيص، فيرجع إلى اصالة العموم.
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 312 سطر 21، 2/ 452.
(2)- فرائد الاصول: ص 313 سطر 1، 2/ 453.
(3)- فرائد الاصول: ص 313 سطر 4، 2/ 453.
(4)- فرائد الاصول: ص 313 سطر 12، 2/ 455.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 303
و فيه نظر كما تقرّر في محلّه، بل الظاهر على ما هو ببالي أنّ المصنّف رحمه اللّه بنفسه تنظّر في مثل المثال ممّا يكون الشكّ فيه ناشئا من اشتباه الامور الخارجيّة، أعني الشبهات المصداقيّة، و وجهه ظاهر، إذ بعد تسليم كون الشكّ في الكرية من قبيل الشكّ في التخصيص، و معه يرجع إلى عمومات أدلّة الانفعال، فهو إنّما يتّجه في الشّبهات الحكمية- كما في مسألة تتميم الماء النجس كرّا- لا في مثل المثال الذي نشأ الشكّ فيه من الجهل بتاريخ الحادثين، إذ لا يصحّ التمسّك بالعمومات في الشّبهات المصداقية كما هو مختار المصنّف رحمه اللّه.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 304
[قاعدة لا ضرر و لا ضرار]
قوله قدّس سرّه: كان له عذق‏ «1».
أقول: العذق (بالعين المهملة و الذال المعجمة) كفلس على ما في «المجمع»، لنخلة.
قوله قدّس سرّه: بناء على أنّ معنى الضرار المجازاة على الضرر «2».
أقول: الظاهر أنّ هذا المعنى مأخوذ من المضارة، كما يشير إليه المصنّف رحمه اللّه في ذيل كلامه، و هي على ما يتبادر منها عرفا أن يضرّ كلّ منهما صاحبه، مثل ما لو كسر زيد إنائك، أو خرق ثوبك، فتجازيه بمثل ما فعل من كسر و خرق.
و أمّا أخذ القيمة منه فلا يعدّ ضررا في العرف، بل هو من أحكام الضّرر الابتدائي لديهم، فلا يعدّ مجازاة أيضا، بل عندهم تدارك لما فعله، فليس الحكم الشرعي أيضا إلّا امضاء لهذا الحكم العقلائي، فالمضارّة المنفية في الشريعة إنّما هي‏
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 314 سطر 2، 2/ 458.
(2)- فرائد الاصول: ص 314 سطر 24، 2/ 461.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 305
بالمعنى الأوّل.
نعم قد ثبتت المضارّة بهذا المعنى في الشريعة أحيانا كما في القصاص، لأخصّية دليله من دليل نفي الضرر.
قوله قدّس سرّه: و يحتمل أن يراد من النفي النهي … الخ‏ «1».
أقول: يعني يحتمل أن يكون قوله عليه السّلام: «لا ضرر» مثل ما لو قال «لا بيع وقت النداء» إلّا أنّ ما نحن فيه يغاير المثال في أنّ الحرمة فيه تكليفي محض، بخلاف ما نحن فيه فانّه مستتبع للوضع، نظير ما لو قال «لا تصرف فيما يشترى بالخمر» مريدا به النهي. و حيث أنّ الحرمة فيه مسبّبة عن بقاء المبيع في ملك مالكه، فهذا النهي قريب من النفي في المعنى، بل راجع إليه، كما أنّ النفي أيضا يستتبع النهي إذا كانت الحرمة من آثاره، فتدبّر.
قوله قدّس سرّه: ثمّ إنّ هذه القاعدة حاكمة على جميع العمومات … الخ‏ «2».
أقول: لا ينبغي التأمّل في تقديم القاعدة على العمومات المثبتة للتكاليف، و تخصيصها بغير موارد الضّرر، لسوقها في مقام الامتثال و ضرب القاعدة الموجب لقوّة ظهورها في العموم، و اعتضادها بما هو المغروس في العقل من أنّ اللّه تعالى لا يريد حكما ضرريا، و لذا يتردّد المكلّف- و لو لم يلتفت، أو يعلم بحديث نفي الضرر- في ثبوت التكاليف عند مصادفتها للضّرر، فهذا الأمر الذهني يؤيّد ظهور «لا ضرر» و يوهن عموم سائر الأدلّة، كما هو ظاهر، و يكفي في تقديمها على سائر الأدلّة سياق الأخبار الواردة، المستدلّ فيها بلا ضرر لرفع اليد عمّا يقتضيه‏
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 315 سطر 1، 2/ 461.
(2)- فرائد الاصول: ص 315 سطر 5، 2/ 462.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 306
عمومات بعض الأدلّة، كسلطنة الناس على أموالهم و غيره، و لكن كون «لا ضرر» حاكما على سائر الأدلّة بالمعنى الاصطلاحي، أيّ كونه بمدلوله اللفظي متعرّضا لحالها لا يخلو عن تأمّل بل منع، لأنّ مفاد «لا ضرر»- على ما يظهر منه- أنّ الشارع لم يجعل حكما ضرريا، لا أنّ أحكامه المجعولة مقصورة على غير موارد الضرر، و الفرق بين المعنيين ظاهر، و المعنى الأوّل يعارضه إطلاق الأمر بالوضوء الشامل لمورد الضرر، فلا بدّ في تخصيصه من قرينة خارجية، و هذا بخلاف المعنى الثاني، فانّه بمدلوله اللفظي قرينة على صرف الإطلاق، فتدبّر.
قوله قدّس سرّه: فإنّه حاكم على ما دلّ أنّه «لا صلاة إلّا بطهور» … الخ‏ «1».
أقول: في جعل الاستصحاب حاكما على الأدلّة الواقعية مسامحة، إذ لو كان مفاد «لا تنقض اليقين بالشكّ» أنّ المراد من «لا صلاة إلّا بطهور» أعمّ من الطهارة الواقعيّة و الطهارة المستصبحة، للزم كون الطهارة المستصحبة شرطا واقعيّا للصلاة، و هو فاسد جزما، فالاستصحاب لا يكون حاكما إلّا على الأحكام الظاهرية، الثابتة بالقواعد العقليّة و النقليّة للشاكّ من حيث هو شاك، من البراءة و الاحتياط و التخيير، فمعنى «لا تنقض اليقين بالشكّ» أنّ الشّاك لا يلتفت إلى شكّه، بأن يرتّب عليه آثاره، بل يمضي على يقينه السابق فيجعل نفسه كغير الشاكّ.
و هذه العبارة ليس مفادها تعليم موضوع الأحكام الواقعية، و إنّما مفادها إلغاء حكم الشكّ بعد اليقين، فاستصحاب الطّهارة حاكم على قاعدة الاستقلال، الحاكمة بوجوب تحصيل الجزم بحصول الشرط الواقعي، لا على ما دلّ على أنّها شرط في الصلاة، فلاحظ و تدبّر.
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 315 سطر 11، 2/ 463.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 307
قوله قدّس سرّه: ثمّ إنّه يظهر ممّا ذكرنا من حكومة الرواية … الخ‏ «1».
أقول: المتبادر من الضّرر المنفي في الشريعة، هو الضرر الدنيوي الحاصل بنقص في ماله أو عرضه أو بدنه، فوجوب الصوم في الصيف، أو الاغتسال بالماء البارد في الشتاء، إذا كان موجبا لحدوث مرض أو زيادته أو بطئه من أظهر مصاديق قاعدة نفي الضرر، فهو منفي.
اللهمّ إلّا أن يدلّ عليه دليل خاص، كما قد يدّعى ذلك متعمّد الجنابة، فيكون ذلك الدليل مخصّصا للقاعدة لا موجبا لانقلاب موضوعها، و إلّا لم يعقل ورود تخصيص عليها، بل كان جميع الأدلّة بإطلاقها و عمومها واردة عليها.
و الحاصل: إنّ الفوائد الأخروية المترتّبة على امتثال التكاليف ليست مانعة عن صدق اسم الضّرر، و كذا صدق الضّرر ليس منافيا لكون مصداقه موجبا لفائدة أخروية، و لذا التزمنا في مبحث التيمّم بصحّة الوضوء في موارد الضّرر و الحرج الذي يسوغ تحمله شرعا، و أنّ التيمّم في تلك الموارد رخصة لا عزيمة، نظرا إلى أنّ قاعدة نفي الضّرر و الحرج لا تقتضي إلّا رفع وجوبه لا شرعيّته.
و امّا في الموارد التي لا يجوز شرعا تحمله، كالمرض الشديد و نحوه، فالبطلان من قاعدة جواز اجتماع الأمر و النهي لا قاعدة نفي الضرر، و لذا يختصّ بصورة العلم كما هو الأصل في تلك القاعدة.
و إن أردت مزيد توضيح لذلك، فعليك بمراجعة ما حقّقناه في مبحث التيمّم تجده وافيا بدفع بعض الإشكالات المتوهّمة في المقام.
و قد ظهر بما ذكرنا أنّه إن أراد المصنّف بقوله: «إنّ مصلحة الحكم الضّرري المجعول بالأدلّة العامّة، لا تصلح أن تكون تداركا للضرر»، أنّ موارد الضّرر حيث‏
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 315 سطر 18، 2/ 463.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 308
لا يعمّها عمومات التكاليف، فلا مصلحة فيها كى يصحّ أن يتدارك بها الضرر.
ففيه: ما عرفت من أنّ دليل نفي الضرر لا يدلّ إلّا على رفع الحكم الضررى، أى الإلزام بتحمّل الضرر، و هذا لا ينافى ثبوت ما يقتضيه، أى المصلحة المقتضية للتكليف.
و إن أراد به أنّ المصلحة المقتضية للحكم الثابت بالعمومات ليست صالحة لأن يتدارك بها الضرر، بحيث يمنعه عن صدق اسمه و اندراجه في موضوع دليل نفي الضرر الحاكم على العمومات، فهو حق صريح لا معدل عنه.
قوله قدّس سرّه: إلّا أنّ الذي يوهن فيها هي كثرة التخصيصات فيها … الخ‏ «1».
أقول: لا بدّ أوّلا من تشخيص مصاديق الضّرر عرفا حتّى يتشخّص موارد التخصيص عن غيرها فيستكشف به حقيقة الأمر.
فأقول: لا شبهة في أنّ شراء شي‏ء بثمن مثله و دفع الثمن إلى البائع، و كذا إعطاء كلّ حقّ إلى مستحقّه لا يعدّ في العرف ضررا، فكلّ حكم شرعي ينطبق على شي‏ء من هذه الامور لا يعدّ حكما ضرريا، فحكم الشارع بوجوب الخروج عن عهدة حقوق الناس ليس حكما ضرريا، سواء كان الحقّ ماليّا كالدين، أو لا كوجوب الإنفاق على زوجته و أولاده و خدمه و مواشيه، فإنّ الاستحقاق في مثل هذه الموارد ثابت عرفا و لو لم يكن حكم شرعي، أ لا ترى أنّ أهل العرف يرون ترك الإنفاق على الزوجة و الأولاد و غيرهم بمن يتعلّق به ظلما في حقّهم، فحكم الشارع ليس إلّا إمضاء لحكمهم، كما أنّ حكمه بغرامة المتلفات أيضا ليس إلّا كذلك، حيث أنّ إتلاف مال الغير في العرف أيضا كالشرع من أسباب اشتغال الذمّة بما هو الأقرب إلى‏
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 316 سطر 3، 2/ 464.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 309
التالف فالأقرب من المثل أو القيمة.
نعم، مثل وجوب الخمس و الزكاة يعدّ حكما ضرريا لدى العرف في بادئ الرأي، إلّا أنّ أدلّتها واردة على دليل نفي الضّرر، فانّها تدلّ على ثبوت الاستحقاق لأربابها، فبعد بيان الشارع استحقاقهم يكون أربابها كسائر الدّيانين بحكم العرف، فيخرج عن كونه حكما ضرريا.
و بما ذكرنا ظهر لك أنّه لو أمر الشارع بوجوب تنظيف الثوب و البدن من الأوساخ، على وجه يتعارف حصوله عند أهل العرف، و لا يعدّون بذل المال في تحصيله- لو توقّف عليه- سرفا و تضرّرا و لا يعدّ مثل هذا الحكم من الشارع حكما ضرريا، لأنّها امور متعارفة عند العقلاء، و لا يعدّون من يرتكبها في أعداد المتضرّرين.
نعم، أمر الشارع بإزالة ما لا يرونه قذرا حكم ضرري، لو توقّف على صرف المال، إلّا أنّه بعد أن بيّن الشارع قذارة شي‏ء لم يكن يدرك قذارته عقولهم، يخرج هذا الفرض أيضا- مثل مسألة الخمس- عن كونه ضرريا، بمعنى أنّ هذا الدليل وارد على دليل نفي الضرر، فلا يبقى له مورد بعد أن علم قذارته ببيان الشارع، فيكون حينئذ كسائر القذارات التي يقدم العقلاء على إزالته، و لا يعدّون صرف المال في تحصيله خسارة و تضررا، و لا فرق في ذلك بين أن يكون القذارة المختفية أمرا حسيّا- كما في القذارة الخبثية- أم غير حسّي- كما في الحدثية- فمثل، اجرة الحمامي للغسل و شراء الماء بثمن مثله للوضوء لا يعدّ عرفا ضررا، بعد أن علموا تأثير أسباب الحدث في النفس بما لا يرتفع أثره إلّا باستعمال الطهور.
نعم، لو توقّف تحصيل الماء في مورد خاص على خسارة خارجة عمّا يتوقّف تحصيله عليه عرفا و عادة، كما لو توقّف على ضياع شي‏ء منه، أو سرقة مال و لو يسير، يعدّ مثله ضررا في العرف، و إقدام العقلاء على مثله أحيانا لتحصيل‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 310
مقاصدهم، مع علمهم بترتّبه على فعلهم، لا يخرجه عن كونه ضررا، إذ ربّما يقدم العاقل على ضرر لأجل مقصد أهمّ بنظره من التحرّز عن هذا الضرر.
و نظير الأمر بإزالة الحدث و الخبث، كل تكليف ثبت في الشريعة لأجل غاية ملحوظة عند العقلاء في امور معاشهم، بحيث يبذل في تحصيلها المال كما هو ظاهر.
و إذا أحطّت خبرا بما فصّلناه، و تأمّلت في الموارد التي يتوهّم منافاتها لعموم «لا ضرر» يظهر لك أنّ أكثرها من قبيل الورود أو الحكومة، و أنّه قلّما يبقى مورد يكون من باب التخصيص المنافي للعموم.
نعم، الأحكام الضّررية كثيرا ما ممضاة شرعا، و لكن منشأها عموم «لا ضرر» كما في مورد تعارض الضّررين في بعض الصور، و اللّه العالم.
قوله قدّس سرّه: فحكموا بشرعيّة الخيار للمغبون … الخ‏ «1».
أقول: بيع المغبون فيه لا ينفكّ عن الضّرر الشخصي، لأنّ بذل المال بأقلّ من ثمن مثله هو في حدّ ذاته ضرر دائما، إلّا أنّ العاقل ربّما يقدم عليه- كما في الأمثلة المفروضة- للتحرّز عن ضرر أعظم، فيكون ارتكابه من باب أقلّ الضررين، كما لا يخفى.
قوله قدّس سرّه: كما إذا لم يترتّب على ترك الشّفعة ضرر على الشفيع …
الخ‏ «2».
أقول: و لكن في كون مستند خيار الشفعة في مثل الفرض- بل مطلقا- دليل نفي الضّرر تأمّل بل منع، و اللّه العالم.
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 316 سطر 15، 2/ 466.
(2)- فرائد الاصول: ص 316 سطر 17، 2/ 466.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 311
قوله قدّس سرّه: إلّا أن يستظهر منها انتفاء الحكم رأسا … الخ‏ «1».
أقول: و لكنّه في غير محلّه، كما أنّ ادّعائه في دليل نفي الحرج أيضا كذلك، فانّ ظاهر دليلهما ليس إلّا الضرر و الحرج الشخصيين كما لا يخفى، و اللّه العالم.
قوله قدّس سرّه: فتأمّل‏ «2».
أقول: لعلّه إشارة إلى ما قد يقال ربّما يستظهر من كلمات الأصحاب من أنّ حدوث الخيار إنّما هو بعد ظهور سببه- أي العلم به- لا من حين العقد، و فيه تأمّل.
قوله قدّس سرّه: و امّا لتعارضهما و الرجوع إلى الأصل‏ «3».
أقول: يعني تعارض الضررين و الرجوع إلى القاعدة.
و يحتمل أن يكون المراد تعارض القاعدتين، و المراد بالأصل إباحة تصرّفه الناشئة من عموم سلطنته التي تفيد فائدة نفي الحرج، فجعله على هذا التقدير من قسم الرجوع إلى القاعدة لا يخلو عن مسامحة.
و شرح المقام: إنّا امّا أن نقول بحكومة «لا حرج» على نفي الضرر، فيكون هو المرجع من أوّل الأمر، بعد تسليم أنّ منع المالك عن التصرّف في ملكه مطلقا حرج، من غير التفات إلى أنّ هذا أيضا ضرر أم لا.
و إمّا أن نقول بحكومة «لا ضرر» على «لا حرج»، فحينئذ يرجع إلى قاعدة نفي الحرج بعد تعارض الضررين، فانّ مقتضى القاعدة هو الرجوع إلى الاصول و القواعد المحكومة، بعد ابتلاء الحاكم بالمعارض.
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 316 سطر 18، 2/ 466.
(2)- فرائد الاصول: ص 316 سطر 21، 2/ 466.
(3)- فرائد الاصول: ص 317 سطر 2، 2/ 467.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 312
و امّا أن نقول بأنّ القاعدتين لا حكومة لإحداهما على الاخرى، بل هما متعارضتان، فالمرجع حينئذ ما عداهما من الأصول و العمومات الجارية في ذلك المورد، مما لو كان شي‏ء من القاعدتين سليما عن المعارض لكان مانعا عن جريانه، كقاعدة السلطنة، أو أصل البراءة و الإباحة و غير ذلك، كما لا يخفى.
قوله قدّس سرّه: و بعبارة اخرى تلف إحدى العينين و تبدّلها بالقيمة أهون‏ «1».
أقول: لا ينبغي الاستشكال في لزوم التجرّي في مثل هذه الموارد إلى ما هو الأقلّ ضررا، لوضوح المناط، و أن قصر عن شموله اللفظ، و لكن الإشكال في مثل هذه الموارد إنّما هو في إلزام صاحب الدابّة بدفع تمام ما ورد من النقص على صاحب القدر أو صاحب الدار إذا كانت المصلحة مشتركة، فضلا عمّا لو كانت لخصوص صاحب الدار، بل و كذا لو كانت لصاحب الدابّة و لكنّه لا يريدها، بل يلزمه صاحب الدار بإخراجها، و تحقيق هذه الفروض و نظائرها يحتاج إلى بسط لا يناسبه المقام، و اللّه هو العالم بحقائق الأحكام.
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 318 سطر 5، 2/ 472.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 313
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏ الحمد للّه ربّ العالمين، و الصّلاة و السلام على خير خلقه محمّد و آله الطاهرين، و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.
في الاستصحاب‏
قوله قدّس سرّه: و المراد بالإبقاء، الحكم بالبقاء «1».همدانى، رضا بن محمد هادى، حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، 1جلد، محمد رضا انصاري قمي – قم – ايران، چاپ: 1.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد) ؛ ص313

ول: يعني الالتزام به في مرحلة الظاهر، بمعنى ترتيب آثار البقاء في مقام العمل.
نعم، لو كان التعريف مخصوصا بالاستصحاب- على قول من يقول باعتباره من باب الظنّ- لكان تفسير الحكم بالإدراك الظنّي أنسب، كما هو ظاهر.
ثمّ لا يخفى عليك أنّ كون علّة الحكم بالبقاء كونه السابق، لا ينافي القول باعتباره من باب التعبّد، أو القول بكون حجّيته من باب حكم العقل بالبقاء، إذ ليس العلّتان في مرتبة واحدة حتّى يمتنع تواردهما على معلول واحد كما هو واضح.
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 318 سطر 12، 3/ 9.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 314
قوله قدّس سرّه: فقال، الاستصحاب هو التمسّك بثبوت ما ثبت … الخ‏ «1».
أقول: ما نقله قدّس سرّه عن «الوافية» بظاهره ينطبق على تعريف المشهور، لأنّ مقصوده بحسب الظاهر أنّ التمسّك في زمان الشكّ لبقاء شي‏ء بوجوده في السابق هو الاستصحاب، و هو عبارة اخرى عن ابقاء ما كان مستندا إلى وجوده السابق.
و امّا ما ذكره في ذيل كلامه بقوله: «فيقال … الخ» فهو بحسب الظاهر بيان لكيفيّة التمسّك بالاستصحاب، لا من تتمّة التعريف.
نعم، بين هذا التعريف و بين التعريف المنسوب إلى المشهور، و هو إثبات حكم في زمان لوجوده في زمان سابق عليه، فرق في بادئ الرأي، و هو أنّ مقتضى الجمود على ظاهر تعريف المشهور أن يكون قولنا «هذا الثوب نجس» إذا كان مستنده كونه كذلك في السابق هو الاستصحاب، و ليس كذلك، ضرورة أنّ مثل هذا الحكم في كلماتهم يعلّل بالاستصحاب، فلا يريدون بالاستصحاب نفس هذا الحكم، بل مرادهم بالاستصحاب التعويل على كونه السابق، فقولهم «هذا نجس للاستصحاب» عبارة اخرى عن أن يقال «هذا نجس تعويلا على ما كان»، فما ذكره في «الوافية» في شرح الاستصحاب أوفق بمرادهم ممّا يتراءى من تعريف المشهور، و لعلّ تعريفه بإبقاء ما كان أوفق بمرادهم و أسلم من الخدشة، كما نبّه عليه المصنّف رحمه اللّه، فلاحظ و تدبّر.
قوله قدّس سرّه: بقي الكلام في امور «2».
أقول: يعني ممّا يناسب ذكره في المقام قبل الخوض في أصل المسألة.
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 319 سطر 2، 3/ 11.
(2)- فرائد الاصول: ص 319 سطر 4، 3/ 13.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 315
قوله قدّس سرّه: امّا بناء على كونه من أحكام العقل … الخ‏ «1».
أقول: سيتّضح لك إن شاء اللّه أنّه على هذا التقدير أيضا قاعدة عقلائية، لا من حيث إفادته الظن.
قوله قدّس سرّه: و من العجب أنّه انتصر بهذا الخبر الضعيف … الخ‏ «2».
أقول: لو صحّ سند هذه الرواية، لكانت أتمّ إفادة من الأخبار العامة الآتية لإثبات اعتبار الاستصحاب من باب بناء العقلاء، إذ لا يكاد يشكّ في أنّ صدر الرواية مسوق لبيان إبداء الاحتمال، و قوله عليه السّلام: «فلا ينصرفن … إلخ» ينادي بأعلى صوته إنّه تفريع على ما تقدّم، و إنّه ليس قاعدة تعبّدية، بل هو أمر مغروس في أذهان العقلاء من أنّه لا يرفع اليد عن الموجود السابق إلّا بعد تحقّق رافعه.
و امّا الأخبار الآتية فسيأتي إمكان المناقشة فيها، و إن كانت في غير محلّها.
قوله قدّس سرّه: فلو غفل عن ذلك و صلّى بطلت صلاته … الخ‏ «3».
أقول: ما فرّعه قدّس سرّه على ما أصّله من اعتبار الشكّ الفعلي في قوام الاستصحاب في غاية الإشكال، لأنّا لو بنينا على انّ الاستصحاب حكم ظاهري عملي للشاكّ بوصف كونه شاكّا بالفعل، فلا شكّ في ارتفاع موضوعه بعروض الغفلة، فلا أثر للأمر السابق بالنسبة إليه بعد ارتفاع موضوعه.
و إن بنينا على أنّ الشكّ الفعلي شرط لتنجّز الأمر بالاستصحاب لا لتوجّه خطابه، بدعوى أنّ المستفاد من الأخبار أنّه يجب على من تيقّن بشي‏ء إبقاء أثره‏
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 319 سطر 5، 3/ 13.
(2)- فرائد الاصول: ص 319 سطر 9، 3/ 14.
(3)- فرائد الاصول: ص 321 سطر 23، 3/ 25.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 316
شرعا إلى أن يحصل له اليقين بخلافه، فهو كغيره من الأحكام الشرعية، مثل حرمة الخمر، و الغفلة عنه مانعة عن تنجّزه لا عن أصل توجّهه، فعلى هذا يصحّ صلاة من تيقّن بالطهارة، و ذهل عن طهارته السابقة، و دخل في صلاته و لم يلتفت إليها و إلى استصحابها حال الصلاة، فيجوز الاقتداء به، و إن علم المأموم بغفلته عن طهارته، و هذا بخلاف ما لو قلنا باعتبار الشكّ الفعلي في جريانه، فيشكل الاقتداء به في الفرض، و استصحاب نفس المأموم لا يجدي في إثبات صحّة صلاة الإمام، بعد علمه بأنّه ليس له طريق شرعي لإحراز طهارته.
نعم، للإمام أصل الصحّة بعد فراغه من صلاته، و لكنّه لا يجدي في جواز الاقتداء به كما هو ظاهر.
فتحصّل ممّا ذكرنا: إنّه لا فرق في جريان الاستصحاب و عدمه، بين ما لو التفت قبل الصلاة إلى حدثه السابق و شكّ ثمّ غفل و دخل في الصلاة، أو لم يلتفت أصلا و صلّى غافلا، لأنّا إن اعتبرنا الشكّ الفعلي لم يجر الاستصحاب في شي‏ء من الموردين، و إن بنينا على كفاية الشكّ التقديري يجري في كليهما.
نعم، بينهما فرق من حيث جريان أصل الصحّة و عدمه- كما نبّه عليه المصنّف رحمه اللّه- لا لسبق الآمر بالطهارة في الصورة الاولى- كما قد يتوهّم- بل لانصراف أدلّتها عمّا لو شكّ قبل الصلاة و صلّى ذاهلا، و اختصاصها بما إذا حدث الشكّ بعد الصلاة، و اللّه العالم.
قوله قدّس سرّه: نعم، هذا الشكّ اللّاحق يوجب الإعادة … الخ‏ «1».
أقول: لو قلنا باعتبار الشكّ الفعلي في جريان الاستصحاب- كما هو
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 322 سطر 1، 3/ 25.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 317
المفروض- لا يترتّب على استصحاب الحدث إلّا بطلان صلاته التي يصلّيها بعد الشكّ.
و امّا وجوب إعادة ما مضى، فليس من أحكامه الشرعيّة، بل من لوازمه العقلية، حيث أنّ من لوازم بقاء الحدث بطلان المأتيّ به، و بقاء الأمر بالصلاة، فلا يمكن إثباته إلّا بالأصل المثبت.
نعم، يجب في الفرض- لو لا حكومة قاعدة الشكّ بعد الفراغ- إعادة الصلاة بقاعدة الشّغل أو استصحابه.
قوله قدّس سرّه: و امّا استدلالهم على إثبات الاستصحاب باستغناء الباقي عن المؤثّر … الخ‏ «1».
أقول: لو كان مستند من يدّعي اختصاص النزاع بالوجودي، نفس استدلالهم على الاستصحاب باستغناء الباقي في بقائه عن المؤثر، لتوجّه عليه ما أورده المصنّف رحمه اللّه من المعارضة و التوجيه، إلّا أنّ ظاهر عبارته المحكية عنه في صدر العنوان أنّ مستنده ليس نفس الاستدلال، بل بنائهم مسألة الاستصحاب على كفاية العلّة المحدثة للإبقاء، حيث أنّ معنى بنائها على تلك المسألة أنّ حجّية الاستصحاب من فروع تلك المسألة.
فلو قيل: إنّ الباقي لا يحتاج في بقائه إلى المؤثّر، بعد أن حدث يبقى نفسه ما لم يرفعه رافع، فالاستصحاب حجّة.
و لو قيل: بأنّه في بقائه أيضا كحدوثه يحتاج إلى علّة تفيض عليه الوجود و أنّ وجّه احتياجه إلى العلّة إمكانه الذي لا يتخلّف عنه، فالاستصحاب ليس بحجّة.
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 322 سطر 17، 3/ 29.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 318
فهذا البناء يدلّ على خروج العدمي من محلّ النزاع بوجهين:
الأوّل: عدم الخلاف في عدم احتياج العدم في بقائه إلى المؤثّر، و أنّه لو خلّي و نفسه يبقى، لأنّ علّته عدم علّة الوجود التي هي من قبيل الرّافع، و استناد العلّية إليه من حيث أنّ عدم الرافع من أسباب البقاء، و إلّا فليس في العدميات تأثير و تأثّر، و المستصحب الوجودي- على تقدير عدم احتياجه في البقاء إلى المؤثّر- يصير حاله حال العدمي كما لا يخفى.
و ثانيهما: تسالمهم على الحجّية على تقدير الاستغناء، مع أنّ القائل بكفاية العلّة المحدثة لا يقول بكونها علّة تامّة للبقاء، و إلّا لم يعقل الشكّ فيه، بل يقول بأنّ الشي‏ء بعد أن حدث لو خلّي و نفسه يبقى ما لم يرفعه رافع، فالتزامهم بالحجّية- على هذا التقدير- كاشف عن عدم اعتنائهم باحتمال وجود المانع، فيظهر منه أنّ اصالة عدم المانع عندهم من المسلّمات، بحيث لا يلتفتون إلى احتمال خلافها، و قد أشرنا إلى أنّ الشكّ في بقاء المستصحب لا تزال من هذا القبيل.
فتلخّص ممّا ذكر: أنّ هذا الاستدلال غير قابل للمناقشة، فلا بدّ امّا من منع الابتناء، أو الالتزام بخروج العدميات من محلّ النزاع، فلاحظ و تدبّر.
قوله قدّس سرّه: و هو الحكم العقلي المتوصّل به إلى حكم شرعيّ‏ «1».
أقول: المراد بالحكم العقلي- كما يظهر من عبارة المصنّف رحمه اللّه في طيّ كلماته الآتية- إدراك العقل حسن الفعل و قبحه، و بهذا التفسير يتّضح لك معنى قولهم «إنّ الواجبات الشرعية ألطاف في العقليات» بعد تفسيرهم اللّطف بما يقرّب إلى الطّاعة و يبعّد عن المعصية، لأنّ الواجبات العقليّة قلّما تتمثّل لو لم يكن على طبقها أمر شرعي مولوي يوجب إطاعته و مخالفته استحقاق الثواب و العقاب، فالالتزام‏
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 325 سطر 2، 3/ 37.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 319
الشرعي هو الباعث على الفوز بتلك المصالح و المفاسد.
إذا عرفت معنى اللّطف، ظهر لك معنى قولهم «إنّ اللّطف على اللّه تعالى واجب» إذ المراد منه أنّه يجب عليه تعالى أن يرشد العباد إلى مصالحهم و مفاسدهم، بأمر مولوي يوجب الفرار عن مخالفته الفوز بالمقامات العالية.
و ما توهّمه بعض في معنى الواجب العقلي، و أورد على العلماء بالتناقض في مقالتهم، حيث يحكمون بحجّية العقل و يقولون «إنّ العقاب بلا لطف قبيح» نشأ من الغفلة عن فهم المراد، فتدبّر.
و امّا كونه ممّا يتوصّل به إلى الحكم الشرعي، فوجهه واضح بعد العلم بأنّ اللّه تعالى لا يأمر بالقبيح و لا ينهى عن الحسن، بل يأمر بالحسن و ينهى عن القبيح، على ما هو مذهب العدلية، و يقتضيه اللّطف، كما تحقّق في محلّه.
قوله قدّس سرّه: نظرا إلى أنّ الأحكام العقليّة كلّها مبيّنة مفصّلة … إلخ‏ «1».
أقول: أورد عليه:
«بأنّ الإنصاف إنّه قد يستقلّ العقل بقبح عنوان أو حسنه إجمالا، مع عجزه عن التمييز بين ما له المدخلية ممّا هو عليه من الخصوصيات في الحكم بهما، و ما ليس له ذلك، و هذا يظهر من مراجعة الوجدان، فعلى هذا لو شكّ في الزمان الثاني بعد تبدّل بعض الخصوصيّات، يجوز استصحاب الحكم الشرعي الذي استتبعه الحكم العقلي، بعد البناء على المسامحة العرفية في إحراز الموضوع، فتبدّل بعض الخصوصيات مانع عن إجراء الاستصحاب، بناء على اعتبار الرجوع في تشخيص الموضوع إلى العقل لا إلى العرف، كما أنّه مانع عن بقاء الحكم العقلي في زمان الشكّ» انتهى ملخّصا.
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 325 سطر 2، 3/ 37.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 320
و فيه: إنّ مراجعة الوجدان شاهدة بخلافه، فضلا عن قيام البرهان على ذلك.
و كيف لا، مع أنّ العقليات لا بدّ إمّا أن تكون بنفسها ضرورية، أو منتهية إليها، كما صرّح به المصنّف فيما بعد، و معنى العجز عن التميّز ليس إلّا الجهل بالمناط الذي يقع وسطا في إثبات الأكبر للأصغر، فكيف يعقل إدراك العقل للنتيجة و جهله بالمقدّمات!.
و دعوى كون الحكم في مثله بديهيّا لا يحتاج إلى وسط، بديهيّ الفساد بعد الاعتراف بأنّ الجهات المكتنفة بها هي المحسّنة لها أو المقبّحة إيّاها، فلا بدّ من أن يعلّل بها في إثبات الحكم.
إن قلت: إنّ ضرورة العقل قاضية بحسن الإطاعة و قبح المعصية، و مع أنّ ماهية الإطاعة- و كذا المعصية- مشتبهة، لوقوع الكلام في أنّ الإطاعة هل هي تحصيل غرض المولى مثلا أو امتثال أمره، و كذا الإشكال في وجه وجوبها و إلزام العقل بها، هل هو لأجل كونها شكرا للمنعم، أو لأجل التفصّي عن العقاب إلى غير ذلك ممّا لا يحصى؟.
قلت: تسمية هذه الامور أحكاما عقلية بعناوينها الإجمالية، اشتباه نشأ عن عد العلماء و العقلاء لها في المستقلّات العقلية، و من المعلوم أنّها لا تكون أحكاما عقلية إلّا لمن أدرك حسنها و قبحها، و أنت إذا ألقيت عنان التقليد، و فرضت نفسك ممّن لم يبلغه كون وجوب الإطاعة من المستقلّات العقلية، و أردت معرفتها بنفسك، فلا بدّ لك من أن تتعقّل الماهية التي تريد إثبات الحكم لها أوّلا، ثمّ تمحض الجهات المكتنفة بها، المؤثّرة في حسنها أو قبحها، فإن أدرك العقل في شي‏ء منها حسنا ملزما، أو قبحا ملزما يلزمك على فعله أو التجنّب عنه، و إن لم يدرك في شي‏ء منها شيئا منهما لا يحكم بشي‏ء، بل يتوقّف عن الحكم، ففي الإطاعة مثلا يلتفت أوّلا إلى أنّ تحصيل غرض المولى- بعد الاطّلاع عليه- هل هو لازم أم لا، ثمّ يلتفت إلى‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 321
جهاته من أنّ فيه اداء لحقّه و هو موجب لمزيد شكره، و أنّ في تركه استحقاق المذمّة و احتمال المضرّة إلى غير ذلك، فإن أدرك في شي‏ء منها جهة ملزمة بالفعل يحكم بوجوبه من تلك الجهة و إلّا فلا، سواء سمّي هذا المعنى بالإطاعة أم لا، إذ ليس المدار في حكم العقل على التسمية، ضرورة أنّه ليس في العقل لفظ و صوت حتّى يرجع في تشخيص معناه إلى غيره، بل لا بدّ من أن يؤخذ موضوع حكمه بمهيته و حقيقته من نفس العقل لا غير.
و إن أبيت إلّا عن استقلال العقل في الحكم بقبح مخالفة العبد لسيّده، و حسن امتثاله عند تصوّر نفس المخالفة و الامتثال من حيثهما على سبيل الإجمال، من دون أن يتوقّف في ذلك على تصوّر جهاتهما تفصيلا.
قلت: لا نتحاشى شي‏ء عن ذلك، لكن منشائه كون حسن إطاعة العبد لسيّده، و قبح معصيته- بعد أخذ الإضافة قيدا في الموضوع- إذا تبيّن، حيث أنّ منافع العبد التي من أهمّها امتثال الأمر ملك لمولاه، و إنّما يحكم العقل بقبح المخالفة بعد إحراز استحقاق المولى لمنفعة العبد، فيكون حكمه بقبح مخالفته، نظير حكمه بقبح مخالفة الأجير للمستأجر، و من المعلوم أنّ نفس مخالفة الأجير للمستأجر من حيث هي ظلم و عدوان، فلا يحتاج العقل- في مثل الفرض- في حكمه إلى تصوّر شي‏ء آخر وراء ما تصوّره، و هو التفريط في حقّ الغير من دون عذر. و معلوم أنّ قبح منع الحقّ عن مستحقّه ذاتي لدى العقل، أ لا ترى أنّ العقل كما يستقلّ بوجوب إطاعة السيّد، كذلك ربّما يستقل بوجوب إطاعة غيره كسلطان الجور و المكره و نحوهما، فهل يعقل أن يحكم العقل بالوجوب في مثل هذه الفروض، من دون أن يتّضح لديه وجهه، حاشاه عن ذلك!.
إن قلت: سلّمنا أنّ العقل لا يحكم على شي‏ء إلّا بعد إحراز جهاته مفصّلا، إلّا أنّه لا مانع من أن يكون للشي‏ء جهات متعدّدة، كلّ واحدة منها سبب لحسن الفعل‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 322
في الجملة، و لا يكون كلّ منها بانفراده سببا مستقلّا لإلزام العقل بفعله، إلّا أنّ مجموعها من حيث المجموع سبب لإدراك العقل اشتماله على الجهة الملزمة، فكلّ واحدة من تلك الجهات بانفراده أو بانضمامه إلى بعض الجهات الأخر قابل لأن يكون مناطا للحكم بالوجوب واقعا، و إن لم يكن للعقل طريق إلى إحرازه، بعد تبدّل بعض الجهات، لعدم استقلاله بالحكم حينئذ كما هو المفروض، فعلى هذا لو تبدّل بعض جهات الفعل يزول الحكم العقلي جزما، لاستحالة بقائه حال الشكّ في المناط، لاستلزامه اجتماع اليقين و الشكّ في شي‏ء واحد شخصي في زمان واحد، و هو باطل، و لكنّه لا يوجب ذلك القطع بزوال الحكم الشرعي المستكشف عنه لهذا الفعل، لاحتمال بقاء مناطه، لأنّ الحكم الشرعي إنّما يتّبع المناط الواقعي، لا ما هو المعلوم عند العقل كونه مناطا، فيستصحب الحكم الشرعي في زمان الشكّ، إذا لم يكن الوصف الزائد ممّا يوجب تغاير الموضوع عرفا.
قلت: ما توهّمته اشتباه نشأ من الغفلة عن تشخيص الموضوع الذي يستقلّ العقل بحكمه، و يستكشف منه الحكم الشرعي له، و عن المسامحة في تعيين مورد المسامحة العرفية، التي نلتزم بها في إجراء الاستصحاب.
توضيح دفعهما: إنّ الموضوع في الأحكام العقلية- و كذا في الشرعيات المستكشفة بها- ليس إلّا العقل، المعنون بالعنوان الذي يستقلّ العقل بحكمه، لا ذات الفعل من حيث هي، كما أشار إليه المصنّف رحمه اللّه فيما أفاد من أن الصدق ليس موضوعا للحرمة بعنوان كونه صدقا، و إنّما هو موضوع للحكم بعنوان كونه مضرّا، فكذا المشتمل على الجهات المتعدّدة، فالشي‏ء المشتمل على هذه الجهات من حيث كونه كذلك هو الموضوع للحكم العقلي، و يتوصّل به إلى حكم الشارع بحرمة هذا الفعل المعنون بهذا العنوان الذي استقل العقل بحكمه، أو احتمال بقاء مناط الحكم في الفعل الذي ليس معنونا بهذا العنوان، لا ينفع في إجراء الاستصحاب، بل ليس استصحابا
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 323
حقيقة، و إنّما هو اسراء حكم من موضوع إلى موضوع آخر.
و امّا الرجوع إلى العرف في تشخيص الموضوع في المستصحب، و إلغاء بعض القيود التي يحتمل مدخليتها فيه بحكمه إنّما هو فيما إذا لم يعلم عنوان الموضوع مفصّلا،
و امّا إذا علم ذلك مفصلا، فلا اعتداد بمسامحة أهل العرف بحمل الحكم على الموضوع المعرّى عن هذا العنوان، بل العرف أيضا لا يسامحون بعد اطلاعهم على أنّ الوصف الزائل ممّا أخذ عنوانا للموضوع، فتأمّل.
إن قلت: سلّمنا أن عنوان الموضوع في الأحكام العقلية ما هو مناط الحكم، إلّا أنّ لنا أن نقول في المثال السابق مثلا- قبل أن يعرض الشكّ في حكمه- إنّ هذا الصدق مضرّ، و كلّ مضرّ قبيح، فهذا الصدق قبيح، و كلّ قبيح حرام، فينتج أنّ هذا الصدق حرام. و من المعلوم أن الموضوع في النتيجة هو ذات الصدق بعنوان كونه صدقا، لا بعنوان آخر.
قلت: هذه مغالطة صرفة لا يخفى وجهه على المتأمّل، و كيف لا و إلّا لجرى هذا القياس في جميع المصاديق المندرجة تحت المفاهيم الكلّية، التي لها أحكام شرعية، فنقول مثلا «هذا الجسم كلب، و كلّ كلب نجس، فهذا الجسم نجس» ثمّ نستصحب النجاسة بعد انقلابه ملحا، لأنّ الموضوع باق على هذا الفرض، و هو بديهي الفساد، ضرورة أنّ الوسط واسطة في الثبوت، فلا يجوز إلغائه.
قوله قدّس سرّه: فإن قلت: على القول بكون الأحكام الشرعيّة … الخ‏ «1».
أقول: حاصل الإيراد إنّه يشكل- بناء على ما ذكرت- إجراء الاستصحاب في مطلق الأحكام الشرعية على مذهب العدلية، من كونها تابعة للمصالح و المفاسد،
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 325 سطر 12، 3/ 39.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 324
و أنّها ألطاف في الواجبات العقلية، لأنّه بناء على هذا يتّحد موضوع الواجب العقلي و الواجب الشرعي في جميع الواجبات، كما يشهد به قاعدة التطابق، فما هو حسن واقعا موضوع للوجوب شرعا، كما هو موضوع حكم العقل بلزوم ارتكابه، و ما هو قبيح واقعا موضوع للحرمة شرعا، كما أنّه موضوع لإلزام العقل بالتحرّز عنه، و لا يختصّ هذا بالمستقلّات العقلية، بل هو عام في مطلق الأحكام الشرعية، على حسب ما يقتضيه قاعدة التطابق، فالموضوع لحكم العقل و الشرع هو الحسن و القبح الواقعيّان، فكما أنّ الشكّ في بقاء الحسن أو القبح راجع إلى الشكّ في الموضوع، كذلك الشكّ في بقاء الحكم الشرعي راجع إلى الشكّ في بقاء موضوعه.
و حاصل دفع الإشكال: إنّ ما ذكرت من اتحاد مناط الحكمين، و كذا موضوعهما واقعا مسلّم و لكنّه مانع عن التفكيك بين الحكمين في إجراء الاستصحاب في أحدهما دون الآخر، إذا كان مبنى الاستصحاب على الظنّ، إذ لا يعقل حصول الظنّ ببقاء الحرمة دون القبح، بعد إثبات الملازمة بينهما.
و امّا لو كان بناء الاستصحاب على التعبّد فلا، إذا المدار حينئذ على ما يستفاد من دليل الاستصحاب، و من المعلوم أنّه لا يدلّ إلّا على التعبّد بالحالة السابقة في الشرعيات.
و امّا ما ذكرت من أنّ الشكّ في بقاء الحكم الشرعي مرجعه إلى الشكّ في بقاء عنوان الموضوع الواقعي، الذي هو المناط في الحكم العقلي فهو مسلّم، إلّا أنّ قوام الاستصحاب ليس على إحراز الموضوع بهذا المعنى، و إلّا لم يعقل الشكّ في الحكم، بل المناط إحراز ما هو الموضوع في ظاهر الأدلّة أو بحكم العرف، و من المعلوم إمكان تغاير الموضوع في الأحكام الشرعية، نظرا إلى ظواهر الأدلّة مع ما هو المناط الواقعي، و السرّ في ذلك أنّ للشارع أن يعبّر عن الموضوع الواقعي بعناوين أخر ملازمة لما هو الموضوع في حكم العقل، أو أخصّ منه، إذا لم يتعلّق‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 325
غرضه إلّا ببيان الحكم في بعض المصاديق، أو بعنوان أعمّ، لإمكان أن يؤدّي غرضه بذلك.
و الحاصل: إنّه لا يجب أن يعبّر عن الموضوع في مقام التعبير بالعنوان الذي هو موضوع في الحكم العقلي و مناط للحكم واقعا، و هذا بخلاف الحكم العقلي، حيث أنّه لا طرق للعقل إلى تشخيص الموضوع إلّا بهذا العنوان الذي أدرك حكمه، و ليس له لسان حتّى يأخذ بعض العناوين الملازمة له موضوعا لحكمه، مثلا إذا حكم الشارع بحرمة الخمر لكونه مسكرا فقد جعل عنوان الحرمة موضوعا لحكمه، مع كونه أعمّ من وجه من المناط الذي هو عنوان للموضوع الواقعي، فلو شكّ في بقاء حرمتها للشك في بقاء وصف الإسكار، يصحّ أن يقال إنّ هذا الخمر كان حراما في السابق، و الآن شكّ في بقاء حرمتها فيستصحب. و لكن التغاير بين المناط و عنوان الموضوع في العقليات غير معقول، فلا يصحّ الاستصحاب فيها، و لا في الشرعيات المستكشفة بها، امّا في العقليات فواضح، و امّا في الشرعيّات فلأنّه لا يستكشف الحكم الشرعي من الحكم العقلي إلّا للموضوع الذي أدرك العقل حكمه، كما لا يخفى.
قوله قدّس سرّه: نعم لو علم مناط هذا الحكم و عنوانه المعلّق عليه في حكم العقل … الخ‏ «1».
أقول: حاصل مراده- على ما يشهد به التأمّل في مجموع كلامه، خصوصا تعريفه الذي سيذكره فيما بعد- إنّه لو علم أنّ مناط هذا الحكم الشرعي و عنوانه- يعني موضوعه- هو الشي‏ء الذي علّق عليه الحكم في حكم العقل، يعني لو علم اتحاد
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 325 سطر 19، 3/ 39.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 326
الموضوع و المناط في حكم الشرع و العقل- كما في الشرعيّات المستكشفة من حكم العقل- لم يجز فيه الاستصحاب.
و لكنّك خبير بما في العبارة من القصور و الإجمال، فإنّ ظاهرها منع جريان الاستصحاب فيما لو علم مناط حكم العقل و موضوعه تفصيلا مطلقا، و هو غير مقصود بحسب الظاهر، و إلّا لا يلتئم أجزاء العبارة بعضها مع بعض.
و كيف كان، فالتحقيق ما عرفت فيما تقدّم من أنّ ملازمة جريان الاستصحاب بقاء موضوع الحكم الشرعي عرفا، و هذا إنّما يتحقّق فيما إذا كان بين المناطين و عنوان الموضوع مغايرة بالنظر إلى ظواهر الأدلّة و حكم العرف، سواء علم بالمناط تفصيلا كما لو قال «قال الشارع حرّمت الخمر» و علم أنّ علّته الإسكار، فشكّ في بقاء حرمته لأجل الشكّ في بقاء مناطها أو لم يعلم.
نعم، لو علّق الحكم على ما هو الموضوع في الحكم العقلي، لم يجر فيه الاستصحاب، كما لا يخفى.
قوله قدّس سرّه: و امّا إذا لم يكن العدم مستندا إلى القضيّة العقلية … الخ‏ «1».
أقول: توضيح المقام أنّ لكلّ واحد من الاعدام عللا متعدّدة بعدد أجزاء علّة الوجود و شرائطه، التي منها عدم الموانع، لأنّ فقد كلّ شرط أو جزء ممّا اعتبر في علّة الوجود علّة تامة لانتفاء ذلك الشي‏ء، فهذه العلل قد توارد على مورد، و قد لا يوجد منها إلّا بعضها، فهذا البعض إن كان من قبيل الأعذار العقلية الموجبة لقبح التكليف، و كان السبب منحصرا فيه، كعدم وجوب الصّلاة على الغافل الواجد لشرائط التكليف- ما عدا عدم الالتفات- و كعدم وجوب إزالة النجاسة عن‏
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 325 سطر 23، 3/ 40.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 327
المسجد على من يضيق عليه وقت الحاضرة، التي هي أهم، فعند ارتفاع القضية العقلية امتنع جريان الاستصحاب فيها، كما عرفت.
و أمّا إذا لم ينحصر سببه في القبح العقلي، كالتكاليف المنتفية في حال الصّغر، فلا مانع عن جريان الاستصحاب فيها، لا بمعنى استصحاب العدم الخاص الذي كان العقل حاكما به، بل مطلق العدم الذي استقلّ العقل به في بعض أحواله، فلا يتطرّق إليه الخدشة بتبديل الموضوع.
و الفرق بين العدم الخاص- المسبّب عن عدم تمييزه الثابت لموضوع غير المميّز- و بين مطلق العدم- المسبّب عن فقد المقتضى الثابت له في حال عدم تمييزه من حيث هو، لا من حيث كونه غير مميّز- إنّما هو بمجرّد الاعتبار الناشئ من إضافته إلى سبب خاص، إذ لا تمايز في الاعدام من حيث هي، فاستصحاب البراءة الأصلية و العدم الأزلي بعينه استصحاب حال يصحّ استناده إلى القضية العقلية في بعض أحواله، فلا ضير في تسميته استصحاب حال العقل، و هذا بخلاف ما لو كان المستصحب وجوديّا، كما لو استقل العقل مثلا بوجوب ردّ الأمانات إلى أهلها على المستودع الغير المتضرّر بردّها، و ثبت بدليل آخر- من غير جهة العقل- وجوب الردّ عليه من غير أخذ عنوان غير المتضرّر قيدا في الموضوع كالآية، فبعد ارتفاع القضية العقلية، و صيرورة الردّ مشكوك الوجوب بواسطة التضرّر، أمكن إجراء استصحاب الحكم الشرعي المستفاد من الكتاب، و لكنّه ليس استصحابا للحال الذي كان العقل حاكما به في حال عدم التضرّر، لأنّ الحال الذي أدركه العقل هو الوجوب الخاص العارض لموضوع غير المتضرّر، و هو غير الوجوب المحمول على ذات الشخص المستفاد من الآية الشريفة، و امتياز كلّ منهما عن الآخر حقيقي لا اعتباري، فهما مباينان بالذّات، فلا يصحّ جعله من استصحاب حال العقل كأصالة البراءة و العدم الأزلي، فليتأمّل.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 328
قوله قدّس سرّه: إذ مع وجوده لا يعقل ظنّ البقاء «1».
أقول: و مع الشكّ المتساوي الطرفين أيضا لا يعقل ظنّ البقاء، إلّا أنّ الشاكّ الذي لا يرجّح أحد الطرفين على الآخر، إذا التفت إلى الحالة السابقة يحصل له الظنّ الشخصي بالبقاء، على كون الاستصحاب من الامارات، و هذا بخلاف ما لو ظنّ بخلافه، فانّه لا يستلزم ذلك، إلّا أنّ دعوى عدم معقوليّته على هذا التوجيه لا يخلو عن تأمّل.
قوله قدّس سرّه: و يمكن أن يحمل كلام العضدي … الخ‏ «2».
أقول: و لعل هذا الاحتمال أقرب في كلامهم من إرادة الظنّ الشخصي، فالاستصحاب على هذا معتبر عندهم، من حيث كونه مفيدا للظنّ نوعا، و لكن إفادته للظنّ بالنوع إنّما هي في الموارد الخالية عن أمارة الخلاف، كما يقولون في الغلبة بأنّها امارة من حيث لا امارة على خلافها، و ليس ذلك ببعيد، و لعلّ مراجعة الوجدان في موارد الغلبة ممّا تساعد على إثبات هذه الدعوى.
قوله قدّس سرّه: كالشكّ في بقاء الليل و النهار … الخ‏ «3».
أقول: الشكّ في بقاء الليل و النهار قد يكون منشائه الشكّ في طول اليوم و الليل أو قصره، و قد يكون منشائه الشك في حصول غايته، أعني استتار القرص في الأوّل و طلوعه في الثاني، و لا شبهة أنّ الشكّ في الفرض الأوّل في مقدار استعداد المستصحب، و امّا في الثاني فالشكّ في انقضائه لا في اقتضائه.
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 327 سطر 17، 3/ 46.
(2)- فرائد الاصول: ص 327 سطر 18، 3/ 46.
(3)- فرائد الاصول: ص 327 سطر 21، 3/ 47.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 329
و الظاهر أنّ المراد بالشكّ في المقتضى، بقرينة جعله في مقابل الشك في الرافع، ما يعمّ كلا القسمين، إلّا أنّ ظاهر بعض من ذهب إليه التفصيل بين القسمين جريان الاستصحاب فيما لو شكّ في حصول الغاية المعلومة، كما في الفرض، فعدّ استصحاب الليل و النهار من قبيل الشكّ في المقتضى مطلقا، و اسناد القول بعدم الحجّية فيه مطلقا إلى المفصّلين لا يخلو عن نظر.
قوله قدّس سرّه: و الأقوى هو القول التاسع … إلخ‏ «1».
أقول: و ممّا يدلّ على حجّية الاستصحاب- فيما عدى الشكّ في المقتضى مطلقا- استقرار طريقة العقلاء في أمورهم، على عدم ترتيب أثر الوجود على ما لوجوده أثر إلّا بعد إحراز وجوده، و لا يعتنون باحتمال وجوده أصلا إلّا من باب حسن الاحتياط في بعض الموارد، كما سنوضّحه إن شاء اللّه عند تعرّض المصنّف قدّس سرّه لاستدلال المثبتين. و ليس مرجع ما ذكرنا إلى دعوى اعتبار الاستصحاب العدمي من باب الظنّ، حتّى يتوجّه عليها ما سيجي‏ء من الاعتراضات، بل المدّعى أن العقلاء- على ما نراهم- لا يرتّبون أثر الوجود على شي‏ء إلّا بعد إحراز موضوعه، و لا يعتنون في رفع اليد عمّا هم عليه بمجرّد احتمال ما يقتضي خلافه، و نراهم يعلّلون جريهم على ما بأيديهم من العمل و عدم الاعتناء بالمحتمل، بعدم الثبوت لديهم، من دون التفاتهم إلى أنّه ما لم يثبت الخلاف فهو مظنون البقاء، بل اتكالهم في ترك الاعتناء بالمحتمل الموجب لرفع اليد عن العمل السابق، ليس إلّا عدم ثبوته هذا، مع أنّ العلم في الأحكام العرفية غالبا طريق محض، و مع ذلك يعاملون معه معاملة الموضوع، فكأنّ الحكم لديهم مرتّب على الموضوع المعلوم، و لأجل هذا الأمر
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 328 سطر 17، 3/ 51.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 330
المغروس في الأذهان لا يعتني العقلاء باحتمال وجود القرينة في رفع اليد عن ظواهر القول و الفعل، و لا الوكيل باحتمال موت الموكّل، و لا المستعير باحتمال موت المعير، و لا المتّهب باحتمال موت الواهب قبل قبض العين الموهوبة، و لا العبد المأمور بشي‏ء باحتمال موت مولاه و انتقاله إلى غيره، أو فسخ عزمه، و كذا لا يلتفت إلى التكاليف التي يحتمل صدورها من مولاه في ترك امتثالها بعدم العلم، من دون التفاته أوّلا و بالذات إلى قبح العقاب من دون بيان، أو اعتمادا على الظنّ ببقاء الحالة السابقة من نفي التكليف، بل يتركها بصرف طبعه أوّلا اعتمادا على عدم ثبوته، و سيجي‏ء لذلك مزيد توضيح إن شاء اللّه، فيما سيمرّ بك من استدلال المثبتين مطلقا ببناء العقلاء إن شاء اللّه تعالى.
إذا عرفت ذلك فنقول: إذا احتمل المكلّف ابتداء ثبوت حكم شرعي، و كذا إذا احتمل العبد صدور حكم من مولاه، أو ثبوت شي‏ء يترتّب عليه حكم شرعي أو مولوي، لا يجب الالتفات إليه بحكم العرف، و هذا هو الذي نسمّيه بالبراءة الأصلية، و قد عرفت أنّ وجه عدم الالتفات أوّلا و بالذات- بشهادة الوجدان- إنّما هو عدم الثبوت، و ان كان العقل أيضا مستقلّا بقبح العقاب من دون برهان، إلّا أنّ بناء العقلاء يشهد بأنّ عدم الثبوت في حدّ ذاته علّة لعدم الالتفات، كما نشاهده في سائر امورهم العادية، هذا هو الحال في الاستصحابات العدميّة.
و أمّا الاستصحابات الوجودية، فما كان الشكّ فيه مسبّبا عن الشكّ في وجود غايته أو رافعه، سواء كان الشكّ ناشئا عن أصل الوجود أو صفة الموجود، فلا يلتفت إليه، بل يمضي على ما يقتضيه يقينه السابق، لا للاتكال على وجوده السابق، بل لعدم الاعتناء باحتمال وجود المزيل، المستلزم للجري على ما يقتضيه يقينه السابق.
و امّا ما كان الشكّ فيه لعدم إحراز مقتضاه، فلا يلتفت إلى احتمال وجوده حال‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 331
الشكّ، لأنّ وجوده في الزمان الثاني أيضا ممّا لا بدّ من إحرازه في مقام ترتيب أثره عليه، فما دام لم يحرز يرتّب آثار عدمه، و ليس وجوده السابق طريقا لإحراز وجوده في زمان الشكّ، و ربّما يؤيّده ما ادّعيناه من بناء العقلاء امور لا يخفى على المتأمّل:
منها: ما تقدّم سابقا، من تصريح بعضهم بابتناء الخلاف في الاستصحاب، على أنّ العلّة المبقيّة هي المحدثة أم لا، فانّك إن تأمّلت فيه تجده شاهد صدق على ما ادّعيناه، و قد تقدّمت الإشارة إليه فيما تقدّم.
و منها: ما يظهر من بعضهم من عدم الخلاف فيما عدا الشكّ في المقتضي.
و منها: ما يظهر من بعض آخر من عدم الخلاف في الاستصحابات العدمية.
و منها: الإجماع على اعتبار أصالة عدم القرينة و غيرها في مباحث الألفاظ.
و امّا بعض الاستصحابات الوجودية، مثل استصحاب الوضع الأوّل أو غيره، فمرجعه إلى اصالة عدم النقل و غيرها كما لا يخفى على المتأمّل.
و احتمال كون أصل العدم في مباحث الألفاظ حجّة بالخصوص، مدفوع بما نشاهد من أحوال العقلاء أنّ اتكالهم في عدم الاعتناء بوجود القرينة، ليس على قاعدة تعبّدية واصلة إليهم من أسلافهم، و لذا يحملون الفعل، و كذا إشارة الأخرس، و غيرها ممّا له ظاهر على ظاهره، و لا يعتنون باحتمال قرينة الخلاف ما لم يثبت.
هذا، مع أن من المستبعد جدّا التزام العقلاء بقاعدة تعبّدية في خصوص مورد، بل المنشأ فيها ليس إلّا تعبّدهم بعدم الاعتناء بالاحتمال في ترتيب آثار الوجود على المحتمل.
و ممّا يؤيّد المطلق بل يدلّ عليه بأتمّ دلالة، الأخبار المستفيضة الآتية، لأنّ تنزيلها على بيان حكم تعبّدي ينافي ظاهر التعليل الوارد فيها، لأنّ حمله على قضيّة غير معقولة من أبعد التصرّفات، خصوصا في مثل هذه الأخبار الكثيرة التي يأبى‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 332
سياق أكثرها عن التعبّد.
بل كيف يمكن دعوى أنّ الإمام عليه السّلام أراد من هذه الأخبار المستفيضة المعمول بها عند الأصحاب معنى لم يتناوله أيدي عقول الفحول من صدر الشريعة إلى زمان صاحب الفصول، و هو أنّ هذه الأخبار الكثيرة بأسرها مسوقة لبيان وجوب ترتيب الآثار الشرعية، المجعولة للمستصحبات أوّلا و بالذات، لا بواسطة أمر عقلي أو عادي، كيف و لو حملناها على التعبّد المحض لما صحّ لنا دعوى ظهور قوله عليه السّلام «اليقين لا ينقضه الشكّ» في إرادة الجنس من لفظ «اليقين» و «الشكّ» حتّى تدلّ على حجّية الاستصحاب، لأنّ سبق ذكر «اليقين» و «الشكّ» في الأخبار المعلّلة من قرائن العهد، فلا يبقى معه ظهور في إرادة الجنس.
و امّا الظهور الذي تجده من نفسك، من عدم مدخلية خصوصية المورد في الحكم، فليس منشائه إلّا ما هو المغروس في ذهنك من المناسبة بين الحكم و موضوعه. و امّا لو أغمض عن ذلك و نزّل الحكم على التعبّد، فليس حاله إلّا حال ما لو علّله باليقين بأمر أجنبي تعبّدا، في أنّه لا يتخطّى عن مورده، كما لا يخفى.
فالإنصاف أنّه لو لم يحصل لنا الوثوق من بناء العقلاء على أنّه لا يجوز رفع اليد عن الأمر الثابت، بمجرّد احتمال ما يزيله، فلا بدّ من أن يجعل هذه الأخبار المستفيضة كاشفة عن بنائهم، و إمضاء لطريقتهم، لما عرفت من تعذّر تنزيلها على التعبّد، خصوصا بعد ملاحظة شيوع القول بحجّية الاستصحاب في الجملة بين العامة و الخاصّة قديما و حديثا، بل عدم القول بإنكاره مطلقا حتّى في العدميات أو ندرته، فكيف يمكن في مثل هذا المورد تنزيل مثل هذه الأخبار على التعبّد المحض، مع أنّ اعتماد جلّ القائلين بحجّيته- بل كلّهم، إلّا من شذ و ندر من جماعة من متأخّري المتأخّرين- ليس إلّا على بناء العقلاء.
و لا يضرّنا توهّم من توهّم منهم أن بنائهم من باب الظنّ، فانّ الخطأ في تعيين‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 333
المبنى لا يوهن البناء، و الاتكال إنّما هو على البناء لا على ما ذكروه من المبنى، و قد بيّنا أنّ البناء مبناه عدم الاعتناء باحتمال الوجود، لا الاعتماد على بقاء الموجود من حيث هو.
لا يقال: ما ذكرت ينافي ما تقدّم في تعريف الاستصحاب، من أنّه «ابقاء ما كان لأجل أنّه كان» حيث أن علّة الإبقاء على ما ذكرت عدم الاعتناء بوجود المزيل، لا وجوده السابق من حيث هو.
لأنّا نقول: قد عرفت فيما سبق أن كون وجوده السابق علّة للإبقاء، إنّما هو بنحو من الاعتبار، لأنّ وجوده السابق حقيقة هو العلّة للحكم بالبقاء، فانّ علّة الإبقاء امّا الظنّ الحاصل من الغلبة، أو التعبّد الشرعي، أو التعبّد العقلائي بعدم الاعتناء باحتمال وجود الرافع، في رفع اليد اليد عن أثر الشي‏ء الذي لو خلى و نفسه يبقى كما هو المختار.
و إن أبيت عن تسمية ما ادّعينا حجّيته بالاستصحاب، فسمّه بأصل العدم الذي كاد يكون اعتباره لشيوع دورانه على الألسن من البديهيّات.
ثمّ لا يخفى عليك أنّ بناء العقلاء ليس أمرا مضبوطا، بحيث لم يبق مجال للشكّ في مصاديقه، بل الشكّ يتطرّق في كثير من الموارد:
منها: قاعدة المقتضى و المانع، إذ لا وثوق ببناء العقلاء على ترتيب أثر المقتضى «بالفتح» بمجرّد إحراز المقتضي، بل المظنون لو لم يكن مقطوعا به عدمه، إذ لم يعهد من عاقل ترتيب أثر موت المورّث بمجرّد إحراز حدوث ما يقتضيه، كشرب السمّ أو رمي سهم إليه، مع احتمال اقترانه بوجود المانع، و كذا غيره من الأمثلة التي لا تحصى.
و منها: ما لو استلزم المستصحب موضوعا جديدا نيط به حكم جديد، من دون أن يكون هذا الموضوع بنفسه من أحكام المستصحب بنظر العرف، بل من‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 334
لوازم بقائه، و عدم تحقّق خلافه في الواقع، مثلا لو غاب زيد عن أهله و عياله، ينفق وكيله على زوجته ما دام يحتمل حياته، و يتصرّف في أمواله، و لا يلتفت إلى احتمال موته في ترك الإنفاق و التصرّف، فلو اعترض عليه أحد في الإنفاق و التصرّف يعلّله بعدم ثبوت موته، و هذا بخلاف ما لو كان لبقائه لازم عادي أو عقلي، كطول لحيته، أو المعاملة الفلانية التي يعلم بأنّه على تقدير بقائه لأوقعها لا محالة، فانّه لو كان اللازم أثر عرفي أو عقلي لا يترتّب عليه إلّا بعد إحرازه باليقين، فلو قيل له «لم لا تفعل كذا»، يعتذر بقوله «لا أقطع ببقائه» و سرّه ما أشرنا إليه من أنّ بناء العقلاء على الاستصحاب، ليس لأجل إفادته الظنّ، حتّى لا يعقل التفكيك بين آثاره و لوازمه، بل وجهه ليس إلّا أنّ الشكّ لا يعتدّ به في حال من حالاته أبدا، إلّا أنّه يلتفت إليه و يبتني على عدم المشكوك واقعا، حتّى يكون طريقا لإحراز العدم، كي يترتّب عليه آثاره و لوازمه، كثبوت المقتضي في القاعدة، و وجود اللازم في الفرض، فالأقوى عدم الاعتناء بالقاعدة و هذا القسم من الاستصحاب.
نعم، لو كان المقتضي بنظرهم شديد الاقتضاء، بحيث يكون مجرّد احرازه كإحراز نفس المقتضى، بحيث لا يلتفت الذهن حال الشك إلّا إلى احتمال وجود المانع، لا عدم وجود المقتضى (بالفتح)، أو كان الواسطة التي يترتّب عليها الحكم الذي يراد بالاستصحاب إثباته من الوسائط الخفية، بحيث لا يلتفت العرف في مقام ترتيب الأثر إليها، بل يرون الأثر أثرا لنفس المستصحب، فالظاهر اعتباره.
بل لا يبعد القول باندراجه في مورد الأخبار الكاشفة عن امضاء طريقة العقلاء، لما سيجي‏ء- إن شاء اللّه- من أنّ إضافة النقض إلى اليقين في باب الاستصحاب، إنّما هو باعتبار اليقين التقديري الموجود في زمان الشكّ، لا باعتبار اليقين السابق من حيث هو، كما في قاعدة اليقين، و هذا المعنى الذي هو ملاك صدق قولنا «اليقين لا ينقضه الشكّ» في مبحث الاستصحاب موجود في الفرض، لأنّ‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 335
المفروض أنّ الذهن لشدّة اقتضاء المقتضي أو خفاء الواسطة لا يلتفت أوّلا و بالذات إلّا إلى احتمال وجود المانع لا إلى نفسه، فلا يعتدّ بالشكّ، بل يمضي على يقينه التقديري، و لا ينقضه بالشكّ أبدا، و لعلّ كون هذا المعنى الذي أوضحناه مغروسا في ذهن المصنّف رحمه اللّه و غيره ممّن قال بحجّية الاستصحاب من باب الأخبار، هو الذي دعاهم إلى نفي حجّية الاصول المثبتة، إلّا فيما إذا كانت الواسطة خفيّة، و إلّا فسيجي‏ء الإشكال في هذا التفصيل بناء على اعتبار الاستصحاب من باب التعبّد.
و لقد أطلنا الكلام في المقام لكونه حقيقا بالاهتمام، حيث أنّ المسألة من امّهات الفروع و معضلات الاصول، و اللّه الهادي.
قوله قدّس سرّه: و الذي نختاره … الخ‏ «1».
أقول: مرجع هذا الاستدلال إلى ما حقّقناه فيما تقدّم من أنّ الشكّ لا يعتدّ به في حال من حالاته، فلا بدّ أوّلا من إحراز أنّ عقد النكاح يوجب حلّ الوطي مطلقا، فإذا أحرز هذا المعنى بالنظر إلى دليله، و وقع عقد في الخارج، لا يجوز رفع اليد عن أثره الذي هو عبارة عن الحلية المطلقة، إلّا بما يعلم بأنّه يؤثّر في زواله، لا ما يشكّ فيه. و قوله قدّس سرّه في ذيل كلامه: «نظر إلى وقوع المقتضى» يعني وقوع ما يؤثر في حلّ الوطي مطلقا، لا المقتضي بالمعنى المصطلح، حتّى يكون اتكاله على قاعدة المقتضي و المانع، فتدبّر.
قوله قدّس سرّه: لا يقال إنّ المقتضي هو العقد و لم يثبت أنّه باق … الخ‏ «2».
أقول: الظاهر أنّ مراده بالعقد هو العلقة الحاصلة بين الزوجين، المقتضية لحل‏
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 328 سطر 21، 3/ 52.
(2)- فرائد الاصول: ص 328 سطر 24، 3/ 52.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 336
الوطي بسبب العقد، لا نفس الإيجاب و القبول، ضرورة انعدامهما بعد العقد، فلا يناسب التعبير بعدم ثبوت البقاء.
هذا، مع أنّ المقصود من هذا الإيراد، على ما هو الظاهر من كلامه، ليس المناقشة في خصوص المثال، أو منع الاستصحاب في الموارد التي هي من هذا القبيل، بل الغرض منه التنبيه على مناقشة عامة سارية في جميع مصاديق الشكّ في الرافع، كطهارة الثوب و نجاسته، و زوال الحدث، و حدوث الحادث، و غير ذلك من الموارد التي يشكّ فيها لأجل الشكّ في الواقع.
و حاصل الإيراد: كأنّ المتوهّم استظهر من عبارته السابقة حيث قال:
«فيثبت الحكم عملا بالمقتضي» أنّ ملاك الاستصحاب إحراز المقتضي في زمان الشكّ، فالتفت إلى أنّ ذلك لا يتحقّق إلّا فيما إذا شك في عروض شي‏ء يمنع المقتضي عن اقتضائه، لا فيما إذا كان الشكّ مسبّبا عن حدوث شي‏ء رافع لنفس المقتضي، لأنّ إثبات الحكم في زمان الزوال عملا بالمقتضي، فرع إحراز المقتضي في زمان الشكّ، و هو غير محرز في غير الصورة الأولى، و هي من جزئيات قاعدة المقتضي و المانع.
و امّا الصورة الثانية: و هي التي اريد من حجّية الاستصحاب اثبات الحكم فيها في زمان الشكّ، فليس إثبات الحكم في هذا الزمان عملا بالمقتضي لأحتمال ارتفاع المقتضي بما يشكّ في رافعيّته، فليس ذلك إلّا إثبات الحكم في موضوع بمجرّد احتمال وجود مقتضيه.
و إن شئت توضيحه في ضمن مثال فنقول: إنّ العلقة الحاصلة بين الزوجين مقتضية لحلّ الوطي ما دام وجودها، فإذا شكّ في الحلّ لبعض العوارض لا يلتفت إليها عملا بالمقتضي، و امّا إذا شكّ في ذلك لأجل الشكّ في بقاء العلقة، بعد صدور الألفاظ التي يشكّ في وقوع الطلاق بها، فلا يجوز الحكم بالبقاء عملا بالمقتضي، لعدم إحرازه في زمان الشكّ.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 337
و حاصل جوابه: إنّ ملاك الاستصحاب- على ما قرّره- إنّما هو إحراز ما يقتضي دوامه لو لم يرفعه رافع، لا إحراز ما يقتضيه دائما حتّى في زمان الشكّ، و بينهما فرق بيّن، فكما أنّ إثبات الحكم في زمان الشكّ في الثاني عمل بالمقتضي، فكذا في الأوّل بعد إحراز كون الواقع مقتضيا للدوام، فتدبّر.
قوله قدّس سرّه: و بعد إهمال تقييد اليقين بالوضوء، و جعل العلّة نفس اليقين …
الخ‏ «1».
أقول: و الدليل على إهمال اليقين، ظهور القضية التي هي بمنزلة الكبرى في كون المراد باليقين الواقع وسطا لإثبات الأكبر للأصغر جنسه، لا اليقين الخاص، كما أشار إليه المصنّف رحمه اللّه بقوله: «لكن مبنى الاستدلال على كون اللام في اليقين للجنس» «2».
فما قد يتوهّم من تمامية الاستدلال على العهد أيضا عند إهمال القيد، ليس على ما ينبغي.
و لا تتوهّم: إنّه يكفي في إهمال القيد و جعل العلّة نفس اليقين، من حيث هو ظهور التعليل به في عدم مدخليّة خصوصيّة المورد في العلّية، كما في قولك «لا تأكل الرمّان لأنّه حامض».
ضرورة أنّ قضيّة ظاهر التعليل إنّما هو إلغاء خصوصية المورد، و تسرية الحكم إلى كلّ مورد يشاركه في العلّة، لا إهمال قيود العلّة، فما نحن فيه بمنزلة ما لو علّل حرمة أكل الرمّان بكونه على يقين من حموضته، فهل يجوز حينئذ إهمال القيد و جعل مناط الحرمة مطلق اليقين بصفة شي‏ء.
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 330 سطر 2، 3/ 56.
(2)- فرائد الاصول: ص 330 سطر 3، 3/ 56.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 338
و امّا ما تراه فيما نحن فيه من انسباق الذهن من التعليل إلى أنّ العلّة هي نفس اليقين بوجوده في السابق من حيث هو، من غير مدخلية لخصوصية متعلّقه، فمنشؤه المناسبات الخارجية المغروسة في الذهن، الموجبة لاستنباط المناط، لا الدلالة اللفظية، فلا عبرة بها ما لم توجب القطع بالمناط.
نعم، ربّما يكون مثل هذه المناسبات موجبة لظهور اللام في اليقين للجنس كما سنشير إليه، فالشأن في المقام إنّما هو في إثبات هذا كي يندرج في الدلالة اللفظية، حتّى يتمّ الاستشهاد بظاهر الرواية لعموم المدّعى، كما لا يخفى على المتأمّل.
قوله قدّس سرّه: و لكن الإنصاف أنّ الكلام مع ذلك لا يخلو عن ظهور «1».
أقول: يعني مع هذه الاحتمالات التي تقدّمت الإشارة إليها، و وجه الظهور أظهرية الاحتمال الأوّل و هو كون جملة «فانّه على يقين … الخ» علّة قائمة مقام الجزاء، إذ على هذا التقدير يكون احتمال إرادة الجنس من اليقين أقوى من احتمال إرادة العهد، لأنّه على الثاني يستلزم التعبّد بالعلّية، و هو بعيد عن مساق التعليل، بخلاف الأوّل فانّ إثبات الحكم في الزمان الثاني لأجل وجوده في الزمان الأوّل أمر مغروس في الذهن، مأنوس لدى العقلاء في الجملة، و لذا ترى العلماء يعتبرون الاستصحاب من باب بناء العقلاء.
و كيف كان، فعدم تقييد اليقين بالوضوء و إرادة الجنس منه في الكبرى، أظهر في مقام التعليل، و أقرب إلى الذهن من مدخلية الوضوء في ذلك، مع أنّه لا يدرك العقل خصوصيّته، فتدبّر.
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 330 سطر 9، 3/ 57.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 339
قوله قدّس سرّه: و إرادة الجنس من اليقين لعلّه أظهر هنا «1».
أقول: وجه أظهريته صراحة القضية في كونها علّة في هذه الصحيحة دون سابقتها، و قد عرفت أنّ احتمال إرادة الجنس في مقام التعليل أقوى من العهد، فهو أظهر.
قوله قدّس سرّه: أحدهما أن يكون مورد السؤال … الخ‏ «2».
أقول: هذا الوجه أوجه الوجهين بالنظر إلى ظاهر الرواية، و امّا ما أورده عليه من الإشكال فسيتّضح دفعه، بأنّ الطهارة الظّاهرية شرط واقعي للصّلاة في الطّهارة الخبثية، و مخالفة ظاهر التعليل له لا توجب التصرّف فيه لحكومة ظهور السؤال عليه، كما لا يخفى وجهه.
قوله قدّس سرّه: فيكون الصحيحة من حيث تعليلها دليلا على تلك القاعدة «3».
أقول: ما توهّمه المتخيّل من دلالة الصحيحة على تلك القاعدة على عمومها، و كشفها عن كونها مسلمة عندهم مدفوع، بأنّ الأجزاء في المقام ليس لأجل كون المكلّف ممتثلا للأمر الظاهري من حيث هو، بل لأنّ الشرط الواقعي للصلاة في الطهارة الخبثية في حقّ غير الناسي، كون المصلي متطهرا في ظاهر تكليفه حال الصلاة، أو غافلا عنها رأسا، كما يساعد عليه الأخبار و فتاوى علمائنا الأخيار، فمن صلّى في ثوب نجس جرى فيه استصحاب الطهارة أو قاعدتها، أو لم يحتمل نجاسته أصلا، كان ممتثلا للأمر الواقعي المتعلّق بالصلاة قطعا، فلا يدلّ الصحيحة
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 330 سطر 23، 3/ 59.
(2)- فرائد الاصول: ص 330 سطر 24، 3/ 60.
(3)- فرائد الاصول: ص 331 سطر 5، 3/ 60.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 340
حينئذ على الأجزاء في مورد التنازع، كما لا يخفى.
قوله قدّس سرّه: و فيه أنّ ظاهر قوله عليه السّلام: «فليس ينبغي … الخ» «1».
أقول: قد يتوهّم أنّ الإعادة من حيث هي ليست نقضا أبدا، بل هي مسبّبة عن النقض، لأنّ النقض عبارة عن رفع اليد عن اليقين السابق، و عدم الاعتناء به الموجب لحكم العقل بقاعدة الاشتغال بوجوب الإتيان بالفعل ثانيا، فتسمية الإعادة نقضا لا يخلو عن مسامحة.
و يدفعه: إنّ المراد من النقض المنهي عنه إنّما هو ترتيب أثر النقض في مقام العمل، لا مجرّد عدم الاعتناء في مرحلة الاعتقاد، فالنهي في الحقيقة إنّما تعلّق بالإعادة لا غير، فتأمّل.
و امّا كونه ظاهرا في ذلك فلأنّ التعليل إنّما هو لعدم الإعادة، و ظاهر التعليل كون المعلّل له بنفسه مندرجا تحت كلية الكبرى، لا متفرّعا على أمر آخر متفرّع على ما هو مندرج تحت هذه الكلّية كما لا يخفى.
و لكنّك عرفت أنّ ظهور السؤال حاكم عليه، لكونه قرينة على تعيين المراد منه، فمعه لا يبقى له ظهور في ذلك، فلاحظ و تدبّر.
قوله قدّس سرّه: و دعوى أنّ من آثار الطهارة السابقة … الخ‏ «2».
أقول: هذه الدعوى إن تمّت فهي بنفسها تشهد بصحّة قاعدة الاجزاء، فينحسم بها مادة الإشكال من أصلها، كما أنّه يندفع بها الاعتراض على المتخيل بارتكابه لخلاف الظاهر.
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 331 سطر 6، 3/ 60.
(2)- فرائد الاصول: ص 331 سطر 7، 3/ 61.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 341
توضيح الدعوى: كأنّ المدّعي- لمّا استظهر من العبارة السابقة- أنّ النقص المنهيّ عنه عبارة عن ترك ترتيب أثر المتيقّن عليه حال الشكّ، و أنّ وجوب الإعادة بعد اليقين بالنجاسة ليس من هذا القبيل، لأنّه نقض باليقين لا بالشكّ.
قال: أ و ليس من آثار الطهارة السابقة إجزاء الصلاة معها، و معناه سقوط الأمر الواقعي المتعلّق بها بفعلها معها، و حصول الامتثال بها، و عدم وجوب إعادتها إلى آخر الأبد، فيجب إبقاء هذه الآثار بعد الشكّ، فيكون من آثار الصلاة مع الطهارة المستصحبة أيضا عدم وجوب الإعادة أبدا حتّى بعد اليقين، فوجوب الإعادة بعد اليقين بالنجاسة ينافي كون المشكوك بمنزلة المتيقّن في الآثار، فينفيه قوله عليه السّلام: «لا تنقض اليقين بالشك».
و حاصل دفعها: إنّ الأجزاء و سقوط الأمر و عدم وجوب الإعادة ليست من الأحكام الشرعية الثابتة للمستصحب حتّى تترتّب بالاستصحاب، بل هي من الآثار العقلية المترتّبة على امتثال الأمر الواقعي المحرز بالعلم، أو ما ينوب منابه من الطرق التعبّدية ما لم ينكشف خلافها، و قد انكشف الخلاف فيما نحن فيه على الفرض، فلا يكون مجزيا.
قوله قدّس سرّه: مع أنّه يوجب الفرق … الخ‏ «1».
أقول: يعني بالنظر إلى ظاهر الرواية، لما فيها من التفصيل بين ما لو علم بالنجاسة بعد الصلاة فلا يعيد، و في الأثناء فيعيد، مع أنّه لو تمّ هذه الدعوى فلا فرق بين الصورتين، إذ لو كانت إعادتها- بعد أن علم بوقوع مجموعها مع النجاسة- نقضا لليقين بالشكّ لكان استئنافها لدى العلم بها في الأثناء أيضا كذلك، فليتأمّل.
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 331 سطر 10، 3/ 61.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 342
قوله قدّس سرّه: و منها صحيحة ثالثة لزرارة الخ.
أقول: هذه الصحيحة رواها زرارة عن أحدهما عليهما السّلام قال:
قلت له: من لم يدر في أربع هو أو في ثنتين، و قد أحرز الثنتين؟
قال: يركع بركعتين و أربع سجدات و هو قائم بفاتحة الكتاب، و يتشهّد و لا شي‏ء عليه» الحديث.
و هذه الفقرة هي الفقرة الاولى منها التي أشار إليها المصنّف رحمه اللّه في ذيل العبارة فتبصّر.
قوله قدّس سرّه: حتّى يكون حاصل الجواب هو البناء على الأقلّ فهو مخالف للمذهب … الخ.
أقول: لا ريب انّ هذا المعنى أظهر من غيره من المحتملات إلّا انّ مخالفته للمذهب مانع من حمل الرواية عليه و لكن يمكن منع المخالفة بدعوى انّ البناء على الأقلّ الذي هو مقتضى الاستصحاب و إن كان بإطلاقه مخالفا للمذهب و موافقا للعامّة و لكنّه يمكن تقيّده بما يوافق المذهب بالأدلّة المنفصلة بل بظاهر صدرها لا ببعض هذه الفقرات كما هو أحد المحتملات الآتية حتّى يتوجّه عليه ما لو ردّه المصنّف رحمه اللّه عليه من مخالفته لظاهر الفقرات الستّ أو السبع في أصل هذه الدعوى انّ الشارع تصرّف في كيفية البناء لا في أصله فأوجب البناء على طبق الحالة السابقة بكيفية خاصّة مراعيا فيها جهة الاحتياط و إلى هذا يرجع ما حكاه المصنّف رحمه اللّه عن السيّد و من تبعه من انّ العمل على وفق مذهب الخاصّة هو البناء على اليقين و الاحتياط أي جمع بين القاعدتين و لعلّ مبالغة الإمام عليه السّلام في الرواية بتكرير الفقرات و تأكيدها للإشارة إلى ذلك، و يحتمل قويّا أن يكون المراد بالرواية معنى آخر غير المعاني التي أشار إليها المصنّف رحمه اللّه و هو أن يكون المراد باليقين في قوله عليه السّلام: «لا ينقض اليقين‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 343
بالشك»؛ الركعات الثلاث التي تيقّن بحصولها، فلا ينقضها بالشكّ، أي لا يبطلها بأن يرفع اليد عنها و يعيد صلاته بواسطة دخول الشكّ فيها، «و لا يدخل الشكّ في اليقين» يعني لا يدخل الركعة التي شكّ في تحقّقها في الركعات المتيقّنة، بأن يعدّها من ركعات صلاته كي يكتفي بها في تفريغ ذمّته من الصلاة، بل عليه أن ينقض الشكّ باليقين، بأن يأتي بركعة اخرى كي يحصل معها اليقين بحصول الأربع ركعات الواجبة عليه بحسب ما يقتضيه الاحتياط، بأن يأتي بها مفصولة حتّى لا تضرّه على تقدير الزيادة، فعلى هذا التقدير تكون الرواية أجنبيّة عمّا نحن فيه، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: و أضعف من هذا دعوى … الخ‏ «1».
أقول: إن أراد المدّعي منع المنافاة بين إرادة قاعدة الاحتياط في الصلاة، و البناء على اليقين السابق في غيرها، بدعوى أنّ كلّا منهما مصداق للبناء على اليقين.
ففيه: ما سيذكره المصنّف رحمه اللّه من عدم إمكان الجمع بين هذين المعنيين في المراد، من العمل على اليقين.
و إن أراد دعوى أنّ المراد من اليقين هو اليقين السابق مطلقا، إلّا أنّ اليقين المعتبر في باب الصلاة هو اليقين بالاشتغال، فلا ينقضه بالشكّ في البراءة، يعني استصحاب الاشتغال لا القاعدة، أو أراد توجيه البناء على الأكثر على وجه لا ينافي الاستصحاب، كما تقدّم منّا تقريبه، فلا يتوجّه عليه هذا الإيراد كما لا يخفى.
قوله قدّس سرّه: لكن يرد عليه عدم الدلالة … الخ‏ «2».
أقول: يعني أنّه لا دلالة في الرواية على إرادة مطلق اليقين، الجامع بين القاعدتين، كي يكون حالها حال الرواية الآتية، فضلا عن إرادة خصوص المتيقّن‏
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 332 سطر 21، 3/ 66.
(2)- فرائد الاصول: ص 333 سطر 5، 3/ 67.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 344
السابق الذي هو ملاك الاستصحاب، كما سيتّضح في الرواية الآتية.
و بما أوضحنا لك في تفسير المراد، ظهر وجه كون هذه الرواية أضعف دلالة من الرواية الآتية، فانّه ليس لمجرّد تطرّق الاحتمالات الكثيرة في هذه الرواية دون الرواية الآتية، حتّى يتوجّه عليه أنّه ربّما يكون تطرّق احتمال واحد في رواية أوهن من تطرّق الاحتمالات المتعدّدة في غيرها، لقوّته فيها و ضعفها في الاخرى.
توضيح دفع ما يتوهّم أنّ صيرورة هذه الرواية في قوّة الرواية الآتية، تتوقّف على إضمار اليقين السابق، القابل لإرادة القاعدتين منه، و معه تكون كالرواية الآتية في الدّلالة، من دون فرق فهذه الرواية مشتملة على ما في تلك الرواية بعينه مع احتمال زائد.
اللهمّ إلّا أن يدّعى أنّ الرواية الآتية، ظهورها في اتحاد متعلّق اليقين و الشكّ، من حيث التصريح فيها بلفظ «اليقين» قبل «الشكّ»، أقوى من الاتحاد في هذه الرواية، فيكون احتمال إرادة القاعدة فيها بلفظ «اليقين» قبل «الشكّ» أقوى من الاتحاد في هذه الرواية، فيكون احتمال إرادة القاعدة في تلك أظهر، فتأمّل.
قوله قدّس سرّه: و ان اتّحد زمانهما … الخ‏ «1».
أقول: قد يتراءى من ظاهر صدر العبارة و ذيلها، إمكان مغايرة زمان الوصفين في الاستصحاب، و إن لم يكن جريانه منوطا بها، و لكنّه غير مراد جزما، بل المعتبر في الاستصحاب اتحاد زمان الوصفين، بمعنى أنّه يعتبر فيه كونه متيقّنا بوجوده السابق حال الشكّ عكس القاعدة.
و امّا يقينه السابق على زمان الشكّ فلا مدخلية له في الاستصحاب، كما لا يخفى.
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 333 سطر 12، 3/ 68.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 345
قوله قدّس سرّه: و يؤيّده أنّ النقض حينئذ محمول على حقيقته … الخ‏ «1».
أقول: و ستعرف إن شاء اللّه أنّ «النقض» في الاستصحاب أيضا مستعمل في معناه الحقيقي، بمعنى أنّ التجوّز ليس في كلمة «النقض»، و انّما التجوّز في إضافته إلى اليقين، لأنّ متعلّق النقض لا بدّ أن يكون له نحو التئام و إبرام، فإضافته إلى اليقين كإضافته إلى العهد و العقد مبنيّة على الاستعارة، فلا فرق من هذه الجهة بين الاستصحاب و القاعدة.
نعم، بينهما فرق من حيث أنّ متعلّق «النقض» في القاعدة نفس اليقين، و في الاستصحاب مبنيّ على المسامحة، كما سيتضح فيما بعد إن شاء اللّه.
قوله قدّس سرّه: فتأمّل‏ «2».
أقول: لعلّه إشارة إلى أنّ ذلك لا ينفع في تصحيح سند الرواية، لأنّ غاية الأمر صيرورة الراوي مجهولا، فالتضعيف المذكور لم يخرجها عن مرتبة الضعاف.
نعم، عن المحدّث المجلسي في «البحار» ما يدلّ على كون الخبر في غاية الوثاقة و الاعتبار على طريقة القدماء، و اعتمد عليه الكليني، فيخرج بذلك عن حدّ الضعاف، و لا يلتفت إلى التضعيف المذكور.
و يحتمل أن يكون إشارة إلى أنّ اعتبار قول الثقة ليس مقيّدا بعدم الظنّ بخلافه- فضلا عن الاحتمال- فرفع اليد عن تضعيف العلامة موقوف على القطع بانحصار طريقه في تضعيف ابن الغضائري، ثمّ القطع بركون ابن الغضائري في الجرح الخاص الشخصي إلى ما لا ينبغي الركون إليه، و إلّا فمجرّد معروفية عدم القدح غير
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 333 سطر 16، 3/ 69.
(2)- فرائد الاصول: ص 334 سطر 4، 3/ 71.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 346
قادح في التعبّد بقوله، فتدبّر «1».
قوله قدّس سرّه: بناء على أنّه مسوق لبيان استمرار طهارة … الخ‏ «2».
أقول: بعد تسليم كون الرواية مسوقة لبيان الاستمرار- مع ما فيه من البعد- لا دلالة فيها على أنّ هذا الحكم المستمرّ مسبّب عن وجود الطهارة في السابق، حتّى يكون دليلا على الاستصحاب، غاية الأمر أنّ مفادها ابقاء الطهارة السابقة إلى أن تعلم قذارته، و هذا أعمّ من أن يكون البقاء مستندا إلى بقاء علّته، و هي الشكّ في القذارة كما في القاعدة، فلا يعلم من حكم الشارع بالإبقاء أنّ سببه وجوده السابق، أو كونه مشكوك الطهارة، فلا يستفاد منها حجّية الاستصحاب، و لو في خصوص مورده، كما لا يخفى.
قوله قدّس سرّه: إلّا أنّ الاشتباه في الماء … الخ‏ «3».
أقول: الموارد الغير الغالبيّة، التي يشكّ فيها من غير جهة عروض النجاسة، كالكرّ المتغيّر الذي أزيل تغيّره من قبل نفسه، أو الكرّ المجتمع من المياه النجسة، فإنّ الشكّ في نجاسته ليس من جهة الشكّ في عروض النجاسة، بل من جهة الشك في أنّ نجاسة الكرّ هل هي تدور مدار وصف التغير حدوثا و بقاء و أنّه لو لا التغيّر لا يتحمل خبثا، أو أنّ الكرية مانعة عن عروض النجاسة لا عن بقائها.
______________________________
(1)- قوله فتدبّر إشارة إلى أنّ الملاك في حجّية الأخبار عندنا- تبعا للمصنف رحمه اللّه على إفادة الوقوف بالصدور، و الرجوع إلى قول أهل الرجال- إنّما هو لكونه من اسباب الاطمئنان، و من المعلوم أنّ جرح من هو في جرحه لا يؤثّر في زوال الوثوق بصدور الخبر، بخلاف ما لو كان الجارح غيره فانّه يوهنه لا محالة، فافهم (منه قدّس سرّه).
(2)- فرائد الاصول: ص 334 سطر 15، 3/ 72.
(3)- فرائد الاصول: ص 236 سطر 3، 3/ 77.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 347
قوله قدّس سرّه: فالأولى حملها على إرادة الاستصحاب‏ «1».
أقول: لا يخفى أنّ ما ذكره قدّس سرّه في هذا المقام- بعد أن بيّن فيما سبق أنّ القاعدة أعمّ موردا من الاستصحاب- لا يخلو عن تأمّل، بل الأولى حمل الرواية على إرادة القاعدة، حتّى يعمّ جميع الموارد حتّى الموارد النادرة.
ثمّ إنّك قد عرفت آنفا أنّه على تقدير حملها على إرادة الاستمرار، لا يخلو دلالتها على الاستصحاب عن نظر، و قد نقل عنه رحمه اللّه أنّه نبّه على ذلك في بحثه، و قال ما حاصله: «إنّ مفاد الرواية هو الحكم باستمرار الطهارة إلى زمان العلم بالقذارة، لا الحكم بالاستمرار اتّكالا على وجودها في السابق، كما هو مناط الاستصحاب، و على المعنى الأوّل فهي من جزئيات القاعدة، فتدبّر.
قوله قدّس سرّه: توضيحه أنّ حقيقة النقض … الخ‏ «2».
أقول: ما ذكره رحمه اللّه في هذا المقام لا يخلو عن مسامحة بل تشويش و اضطراب، فانّ النقض على ما يستفاد من مراجعة اللغة، إنّما هو ضد الإبرام، فمتعلّقه لا بدّ أن يكون له التيام و اتصال حقيقة أو ادّعاء، و معنى إضافة النقض إليه، رفع تلك الهيئة الاتّصالية بشرط بقاء المادة، كما في «نقضت الحبل». و امّا مطلق رفع الأمر الثابت، أو رفع اليد عن الشي‏ء مطلقا فلا، أ لا ترى استهجان قولك «نقضت الحجر» إذا أردت رفعه عن مكانه.
و امّا إضافته إلى العهد و اليقين، فانّما هي باعتبار أنّ لهما نحو إبرام عقليّ ينتقض ذلك الإبرام بعدم الالتزام بأثر العهد، و بالترديد في ذلك الاعتقاد، فبهذه الملاحظة يضاف «النقض» إليهما.
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 336 سطر 3، 3/ 77.
(2)- فرائد الاصول: ص 336 سطر 9، 3/ 78.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 348
إذا عرفت ذلك فنقول في توضيح المقام: قد يراد من نقض اليقين بالشكّ، رفع اليد عن آثار اليقين السابق حقيقة في زمان الشك، و هذا المعنى إنّما يتحقّق في القاعدة، و امّا في الاستصحاب فليس إضافة النقض إلى اليقين بلحاظ وجوده في السابق، بل هو باعتبار تحقّقه في زمان الشكّ بنحو من المسامحة و الاعتبار، إذ لا يرفع اليد عن اليقين السابق في الاستصحاب أصلا، و إنّما يرفع اليد عن حكمه في زمان الشكّ، و ليس هذا نقضا لليقين، كما أنّ الأخذ بالحالة السابقة ليس عملا باليقين، بل هو أخذ بأحد طرفي الاحتمال، فلا بدّ في تصحيح إضافة «النقض» إليه بالنسبة إلى زمان الشكّ، من اعتبار وجود تقديري له، بحيث يصدق بهذه الملاحظة أنّ الأخذ بالحالة السابقة عمل باليقين و رفع اليد عنه نقض له، و من المعلوم أنّ تقدير اليقين مع قيام مقتضيه هيّن عرفا، بل لوجوده التقديري حينئذ وجود تحقيقي يطلق عليه لفظ «اليقين» كثيرا في العرف، أ لا ترى أنّهم يقولون «ما عملت بيقيني و أخذت بقول هذا الشخص الكاذب و رفعت اليد عن يقيني بقوله أوّلا: ارفع اليد عن يقيني هذا.
و امّا تقدير اليقين في موارد الشكّ في المقتضي فبعيد جدّا، بل لا يساعد عليه استعمال العرف أصلا، فتعميم اليقين في قوله عليه السّلام: «اليقين لا ينقضه الشكّ» بحيث يعمّ مثل الفرض بعيد في الغاية.
و إذا أحطت خبرا بما ذكرنا، يظهر لك ما في عبارة المصنّف رحمه اللّه في تفسير النقض المجازي من المسامحة، فإنّ مطلق رفع الأمر الثابت، أو رفع اليد عن مطلق الشي‏ء، ليس تفسيرا للنقض المجازي، إلّا على وجه المسامحة.
مع أنّ إطلاق رفع اليد عن الشي‏ء، على عدم الإتيان بالفعل، الذي كان متشاغلا به في الزمان السابق، ما لم يكن اقتضاء لثبوته أيضا، لا يخلو عن بعد، فالأولى تفسير «النقض»- على تقدير تنزيله على المعنى الثالث- بعدم إبقاء الشي‏ء السابق، فليتأمّل.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 349
قوله قدّس سرّه: ثمّ لا يتوهّم الاحتياج حينئذ إلى تصرّف في اليقين … الخ‏ «1».
أقول: توضيح التوهّم إنّه بناء على إرادة المعنى الثاني، لا بدّ من ورود «النقض» على متعلّق اليقين، لأنّه هو الشي‏ء الذي من شأنه الاستمرار دون صفة اليقين.
و امّا على المعنى الثالث فمورده نفس اليقين، لأنّه بنفسه هو الشي‏ء الذي يرفع اليد عنه، فلا يحتاج هذا المعنى إلى ارتكاب التأويل و مخالفة الظاهر.
توضيح دفعه: إنّ ارتكاب التأويل في متعلّق «النقض» أي لفظ «اليقين» ممّا لا بدّ منه على كلّ تقدير، لأنّ وصف اليقين من حيث هو ينتقض قهرا بطروّ الشكّ، فلا يعقل النهي عنه، فالنهي عنه إمّا بملاحظة كون اليقين مرادا لمتعلّقه غير ملحوظ إلّا بالتبع، فيكون المراد بعدم نقضه عدم نقض متعلّقه، أي الشي‏ء الذي كان على يقين منه، و المراد بعدم نقض ذلك الشي‏ء، الجري على مقتضاه، سواء كان حكما شرعيا- كوجوب شي‏ء، أو طهارة ثوبه- أم موضوعا خارجيا- كحياة زيد-، كما أنّ المراد بنقضه رفع اليد عن مقتضاه، و عدم الالتزام بلوازمه في مقام العمل، أو بملاحظة نفس اليقين، لكن لم يقصد بذلك عدم نقضه حقيقة بل حكما، بمعنى الالتزام ببقائه في مقام العمل بترتيب آثار بقائه، فالمراد بعدم نقضه، عدم رفع اليد عن أحكامه، فاحكامه هي التي يتعلّق بها النقض حقيقة لا نفسه، و المراد بأحكامه هي الأحكام الثابتة له بلحاظ طريقيته، و هي ليست الآثار المتيقّن، فيئول النهي عن نقضها إلى النهي عن نقض آثار المتيقّن، كما في الفرض الأوّل، و لكن الفرق بينهما أنّما هو في كيفية التصرّف، فليتأمّل.
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 336 سطر 15، 3/ 79.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 350
قوله قدّس سرّه: و هذه الأحكام كنفس المتيقّن أيضا لها استمرار شأني …
الخ‏ «1».
أقول: يعني فيما إذا كان المتيقّن من شأنه الاستمرار لا مطلقا- كما هو واضح- و قد نبّه بهذه العبارة على إمكان إبقاء النقض على ظاهره، على تقدير تعلّقه بأحكام اليقين أيضا، بإرادة الأحكام التي من شأنها الاستمرار، لا مطلق رفع اليد عن أحكامه، فلا يتمخّض في هذه الصورة أيضا لإرادة المعنى الثالث، و إن كان قد يستشعر من ذيل العبارة خلافه.
و كيف كان، فلا يتفاوت الحال بين أن يقال بأنّ المراد باليقين هو الشي‏ء المحرز باليقين أي المتيقّن، أو يقال بأنّ المراد به أحكام اليقين، في إمكان بقاء «النقض» على ظاهره، و تخصيص متعلّقه بما كان من شأنه الاستمرار، بقرينة إضافة «النقض» إليه، أو رفع اليد عن ظاهره، بحمله على إرادة مطلق رفع اليد عن الشي‏ء، و لو لعدم المقتضي، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: هذا غاية ما أمكننا من توجيه … الخ‏ «2».
أقول: و أوجه منه بحيث يسلم عن جميع الاعتراضات المتقدّمة، تطبيق مذهب المحقّق رحمه اللّه على ما اخترناه في وجه حجّية الاستصحاب، من عدم اعتناء العقلاء باحتمال الرافع ما لم يحرز وجوده، حيث أنّ الظاهر أنّ قوله قدّس سرّه «لكن احتمال ذلك معارض باحتمال عدمه» مسوق لبيان أنّ العارض مشكوك الحدوث، فلا يلتفت إليه في رفع اليد عن مقتضى اليقين السابق، لأنّ اليقين لا ينقض بالشكّ عند العرف و العقلاء، بالتقريب الذي تقدّم تحقيقه بما لا مزيد
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 336 سطر 19، 3/ 80.
(2)- فرائد الاصول: ص 338 سطر 9، 3/ 86.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 351
عليه، فراجع، و لعمري أنّ هذا النحو من الاستدلال من مثل المحقّق رحمه اللّه ممّا يؤيّد المختار كما لا يخفى.
قوله قدّس سرّه: لكن الذي يظهر بالتأمّل عدم استقامته في نفسه … الخ‏ «1».
أقول: وجه عدم استقامة هذا التوجيه في حدّ ذاته، أنّه لا يصحّ إرجاع كلامه- الذي ذكره في المقام- إلى أنّ الشكّ في تخصيص العام أو تقييد المطلق لا عبرة به، فانّه و إن أمكن حمل المقتضي في كلامه على إرادة دليل الحكم، لكن قوله قدّس سرّه «فلأنّ العارض احتمال تجدّد ما يوجب زوال الحكم» يأبى عن الحمل على إرادة احتمال المخصّص و المقيّد، فانّه كالصّريح في إرادة احتمال حدوث ما يؤثّر في زوال الحكم الأوّل، كما لو شكّ في أنّ إباحة الوطي- التي هي من آثار الزوجيّة الحاصلة بعقد النكاح- هل ترتفع بحدوث بعض الألفاظ التي يشكّ في وقوع الطلاق بها، أو شكّ في أنّ جواز التصرّف في المال- الذي انتقل إليه بارث أو بيع و نحوه- هل يرتفع ببيعه معاطاة أم لا، و هذا ممّا لا مدخلية له في الشك في تخصيص عموم أو تقييد إطلاق، بل هو شكّ في ارتفاع ما اقتضاه عقد النكاح أو البيع من الزوجية و الملكية المطلقتين.
و بهذا ظهر وجه عدم انطباقه على قوله المتقدّم أيضا.
و مراده بدليل الحكم في عبارته المتقدّمة، هو سببه الذي أثّر في تحقّقه في الزمان الأوّل، كعقد النكاح و البيع و الإرث و نحوه، لا العمومات أو إطلاقات الأدلّة السمعيّة كما لا يخفى، فغرضه من الرجوع إحراز أنّ سببه ممّا يقتضيه على الإطلاق، إلّا أن يرفعه رافع كما في الأمثلة المزبورة، أو لا يقتضيه إلّا في الجملة كعقد الانقطاع و الاجارة و نحوها، فلاحظ و تدبّر.
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 338 سطر 9، 3/ 86.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 352
قوله قدّس سرّه: و منها أنّ الثابت في الزمان الأوّل ممكن الثبوت في الآن الثاني … الخ‏ «1».
أقول: هذا الاستدلال مبنيّ على كفاية العلّة المحدثة للبقاء، أي عدم احتياج الممكن إلى المؤثر إلّا في حدوثه.
فيرد عليه أوّلا: إنّه خلاف التحقيق.
و ثانيا: ما أورده المصنّف رحمه اللّه، من منع استلزام عدم العلم بالمؤثّر رجحان عدمه، المستلزم لرجحان البقاء.
اللهمّ إلّا أن يكون غرضه من رجحان البقاء ترتيب أثره في مقام العمل، بالنظر إلى ما استقر عليه طريقة العقلاء، من عدم الاعتناء باحتمال وجود المزيل ما لم يتحقّق، كما تقدّم تحقيقه فيما سبق، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: و منها بناء العقلاء على ذلك في جميع امورهم … الخ‏ «2».
أقول: قد عرفت أنّ هذا هو العمدة في باب الاستصحاب، و أنّ أخبار الباب منزّلة عليه و امضاء له.
و لكنّك قد عرفت اختصاص هذا الدليل بما عدا الشكّ في المقتضي، و أنّ بناء العقلاء إنّما هو على عدم الاعتناء باحتمال الرافع في رفع اليد عمّا كانوا عليه، فلو كانوا يقلّدون شخصا، لا يرفعون اليد عن تقليده بمجرّد احتمال موته، أو كان شخص وكيلا عن شريكه، أو شخص آخر قائما مقامه في دكّانه ملتزما بالقيام بالوظائف التي كانت عليه، كالإنفاق على زوجته و أولاده، و حفظ أمواله، لا يعتزل عن عمله باحتمال موت الموكّل، بل لا يعهد عن عاقل رفع اليد عمّا كان عليه في شي‏ء من مثل‏
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 338 سطر 11، 3/ 86.
(2)- فرائد الاصول: ص 341 سطر 6، 3/ 94.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 353
هذه الامور، بمجرّد احتمال الموت، أو صيرورة المرأة التي يجب الإنفاق عليها مطلقة، بل لا يعملون بالظنّ أيضا ما لم يكن من طريق عقلائي معتبر كإخبار الثقة و غيره.
و كيف كان، فمن تأمّل في مثل هذه الموارد و نظائرها، ككيفية سلوك العبيد مع مواليهم في مقام الإطاعة، لا يكاد يرتاب في استقرار سيرة العقلاء على ما ادّعيناه.
و امّا ما ترى من أنّهم لا يرسلون البضائع إليه بمجرّد احتمال الموت، و لا يرون آثار بقائه حال الشكّ بالنسبة إلى بعض الأحكام- كبعض الأمثلة التي أشار إليها المصنّف رحمه اللّه- فوجهه غالبا مراعاة الاحتياط، و التحرّز عن الضّرر المحتمل، أ لا ترى أنّه لو أخبر ثقة عدل في هذه الموارد بحياته، لو لم يحصل لهم اطمئنان شخصي بالحياة، لا يعملون بمقتضى قوله- لو احتملوا تلف أموالهم على تقدير الموت، و كذا لو قال شريكه «أعط كلّ فقير درهما»- و على ادائه و احتمل إرادة التجوّز، و اختفاء القرينة، و أنّه على تقدير إرادة المجاز لا يؤدّي إلّا ما أراده، لا يعملون في مثل المورد بأصالة عدم القرينة، و سرّه ما أشرنا إليه من أنّ مراعاة الواقع، و عدم ترتيب الضّرر عندهم هو الملحوظ لا غير، و هذا لا ينافي حجّية قول الثقة عندهم، أو اعتبار اصالة عدم القرينة لديهم، و انّما يظهر أثر اعتبار مثل هذه الامور فيما إذا تعذّر في حقّهم الاحتياط- على تقدير الحجّية- كما لو كان المكلّف ممّن وجب عليه طاعة أمره، و لم يكن معذورا في مخالفته- على تقدير الحجّية- كما لو قال المولى لعبده «أعط من مالي كلّ فقير درهما» أو قال «اشتغل بالعمل الفلاني ما دمت في السفر» فانّه ليس للعبد ترك الإعطاء على بعض الفقراء لاحتمال عدم إرادته من العموم، أو رفع اليد عن العمل المأمور به ما دام في السفر بمجرّد الشكّ في حياته، بل لو تركه معتذرا باحتمال موت مولاه، و صيرورته ملكا لورثته، أو انتقاله إلى الغير ببيع أو هبة و نحوها، يعدّ سفيها، فلو لم يكن الاستصحاب حجّة لدى العرف، لكان لهذا العبد المتشبّث بالبراءة حال الشكّ كالتكاليف البدوية التي يحتمل حدوثها.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 354
و الحاصل: إنّ الحجّية و عدمها إنّما يعرف في مثل أحكام الموالي و العبيد التي لا يجوز للعبيد التخطّي عنها، على تقدير الحجّية، لا مثل إرسال البضائع و غيره ممّا يحسن فيه الاحتياط لدى العقلاء ما لم يحصل القطع، و لو أخبره ألف عادل، كما لا يخفى.
قوله قدّس سرّه: نعم، الانصاف أنّهم لو شكّوا في بقاء حكم شرعي … الخ‏ «1».
أقول: و هذا في الأحكام الشرعيّة الجزئية، التي يكون منشأ الشكّ فيها اشتباه الامور الخارجية أوضح، ضرورة أنّ الشك في بقاء حرمة تزويج امرأة مسبوقة بزوجيّة الغير، لاحتمال صيرورتها مطلّقة، ليس كالشكّ في حرمتها لأحتمال صيرورتها مزوّجة، و كذا الشكّ في حدوث حرمة التصرّف في مال الاحتمال خروجه عن ملكه، أو رجوع مالكه عن اذنه، ليس كالشكّ في بقاء حرمته لاحتمال دخوله في ملكه، أو اذن المالك في التصرّف فيه، إلى غير ذلك من الموارد.
و لكن هذا كلّه فيما لو كان الشكّ في الرافع، و قد عرفت أنّ وجهه استقرار سيرة العقلاء على عدم الاعتناء باحتمال حدوث الرافع في رفع اليد عن أثر ما كان.
و امّا في الشكّ في المقتضي، و إن أمكن أن يقال إنّ الإنصاف فيه أيضا أنّه لو شكّوا في بقاء حكم شرعي- و لو لأجل المقتضي- فليس عندهم كالشكّ في حدوثه في البناء على العدم و لكنّه ليس كالشكّ في الرافع أيضا في البناء على البقاء، بل ربّما يتردّدون في الحكم، لأنس ذهنهم بوجوده في السابق، و شدّة المناسبة بين حالتي الشي‏ء في زمان اليقين و الشكّ، فيصرفهم ذلك عن عدم الاعتناء باحتمال وجوده في الآن الثاني، فلذا يتردّدون في الحكم، فلاحظ و تدبّر.
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 341 سطر 14، 3/ 96.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 355
قوله قدّس سرّه: و لعلّ هذا من جهة عدم وجدان الدليل … الخ‏ «1».
أقول: هذا الوجه إنّما يصلح فارقا بين الشكّ في الحدوث و بين الشكّ في البقاء، لو قلنا بأنّ البقاء موافق للأصل، و لا يحتاج إلى دليل، و هو خلاف الفرض، إذ المفروض أنّ البقاء أيضا كالحدوث يحتاج إلى دليل، فكما أنّ ظنّ عدم الورود عند الشكّ في الحدوث يستلزم الظنّ بعدم الحدوث، فكذا ظنّ عدم ورود ما يدلّ على البقاء يستلزم الظنّ بعدمه، فالفرق بينهما تحكم، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: مدفوعة بأنّ عمل العقلاء في معاشهم … الخ‏ «2».
أقول: يتوجّه عليه أوّلا النقض بأصالة عدم القرينة، حيث أنّ اعتبارها ليس لأجل إفادتها الظنّ بالمراد، كيف و لو ظنّ بإرادة المعنى المجازي من إمارة غير معتبرة لا يلتفت إليه.
و دعوى: أنّ اعتبارها لأجل إفادة نوعها الظنّ، فلا يزاحمها الظنّ الشخصي.
يدفعها: أنّه لو كان علّة العمل إفادتها الظنّ من حيث هو، لامتنع تقديم الظنّ الشأني على الظنّ الفعلي، و لما جاز اختصاص الحجّية بامارة دون اخرى، لاستحالة انفكاك المعلول عن علّته، فوجب أن يكون منشأ اعتبارها أمر آخر غير الظن من حيث هو.
و حلّه ما تقدّم غير مرّة من أنّ العقلاء لا يعتنون باحتمال الوجود في ترتيب أثر الموجود، بل ملتزمون بعدم الاعتناء بأثر شي‏ء إلّا بعد إحراز موضوعه، و اللّه العالم.
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 341 سطر 15، 3/ 96.
(2)- فرائد الاصول: ص 344 سطر 12، 3/ 105.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 356
قوله قدّس سرّه: و أضعف من ذلك أن يدّعى أنّ المعتبر عند العقلاء من الظنّ الاستصحابي … الخ‏ «1».
أقول: على القول باعتبار الاستصحاب من باب الظنّ، هذه الدّعوى غير بعيدة، إذ القائلون بهذا القول لا يقولون بحجّية مطلق الظنّ، كي يشكل عليهم الالتزام بما ذكر، فلا يبعد أن يدّعى أنّ العقلاء إنّما يعوّلون على هذا النوع من الظن بالخصوص لخصوصية فيه موجبة لذلك، و هي الأنس بوجوده السابق الموجب لعدم رفع اليد عنه مع رجحان بقائه.
و امّا الظنون المتولّدة منه، فحالها حال القياس و سائر الظنون الغير المعتبرة، و لا أقلّ من أن يقال إنّ القدر المتيقّن الذي يمكن ادّعاء استقرار سيرة العقلاء عليه، هو هذا لا غير، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: ثمّ إنّ معنى عدم اعتبار الاستصحاب في الوجودي … الخ‏ «2».
أقول: عرفت أنّ معنى عدم اعتبار الاستصحاب في الوجودي، أنّه لو تعلّق الشكّ أوّلا و بالذات ببقاء شي‏ء في الزمان الثاني لا يعتدّ به، بل يترتّب آثار عدمه، لأنّ إثبات الحكم له فرع إحراز موضوعه، و هذا إنّما هو في الشكّ في المقتضي، و أمّا إذا كان الشكّ في بقاء الوجودي مسبّبا عن احتمال وجود رافعه أو غايته، فلا يلتفت إلى المشكوك، بل يمضي على ما كان، و مرجعه إلى اصالة عدم الرافع لا استصحاب الوجود، و قد تقدّم تحقيقه بما لا مزيد عليه، فراجع.
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 344 سطر 16، 3/ 105.
(2)- فرائد الاصول: ص 344 سطر 19، 3/ 106.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 357
قوله قدّس سرّه: فأيّ فرق بين الشكّ في تحقّق الحدث أو الخبث … الخ‏ «1».
أقول: الإنصاف أنّ هذا النقض غير وارد عليه، فانّ المحدث يزعم أنّ عدم خروج المذي قيد في الموضوع في القضية المتيقّنة، و قد تبدّل بنقيضه، فهو يرى أنّ المتوضئ الذي لم يبل أو يخرج منه مذي موضوع كلّي، حكمه جواز الدخول في الصلاة، و المتوضّئ الذي بال أيضا موضوع آخر، حكمه عدم الجواز، و قد علم حكم هذين الموضوعين من الأدلّة الشرعية، و امّا المتوضّئ الخارج منه المذي، فهو أيضا موضوع كلّي اشتبه حكمه، فلو كان هذا الموضوع متّحدا مع الأوّل لعلم حكمه من ذلك الدليل الذي دلّ على حكمه في القضية المتيقّنة، و لا يتمشّى مثل هذا الكلام فيما إذا كان منشأ الشكّ اشتباه الامور الخارجية، كما لو شكّ في بقاء طهارته لأجل الشكّ في خروج البول، أو كون الخارج منه بولا.
امّا الأوّل فواضح، فإن تبدّل وصفه غير معلوم، و امّا الثاني فانّه و إن علم بأنّه في السابق لم يكن خارجا منه شي‏ء، و في اللاحق كان خارجا منه شي‏ء، و هما موضوعان متغايران، و لكن خروج مطلق الشي‏ء منه ليس موجبا لتبدّل الموضوع، فانّه قد ثبت بالأدلّة الشرعيّة أنّه ما لم يخرج منه البول يجوز له الدخول في الصّلاة، و إذا بال لا يجوز، فالشي‏ء الخارج إن كان بولا، فقد اندرج المكلّف في الموضوع الذي علم أنّ حكمه المنع عن الصلاة، و إلّا فمندرج في موضوع الجواز، فالمغايرة بين الموضعين- أي موضوع القضيّة المتيقّنة و المشكوكة- غير معلومة، كي يتوجّه عليه النقص.
نعم، يتوجّه عليه كفاية الشكّ فيه في عدم جريان الاستصحاب، و لكن له أن يتفصّى عن ذلك باستصحاب نفس الموضوع، و هو عدم خروج البول منه، فيفرّع‏
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 348 سطر 10، 3/ 119.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 358
عليه حكمه، و هو جواز الدخول في الصلاة.
هذا، و لكنّك خبير بأنّ كثيرا من موارد الشكّ في وجود الرافع، ليس الشكّ فيه مسببا عن تبدّل وصف وجودي أو عدمي كي يقال إنّ موضوع القضية المتيقّنة كذا، و قد تبدّل الموضوع بتغيّر حاله، فانّ كثيرا من الامور قد ثبت بالضرورة أنّه من الامور القارّة التي لا ترتفع إلّا برافع كالزوجية و الملكية و الطّهارة و النجاسة و غير ذلك، فإذا شكّ في بقاء الزوجيّة عند وقوع الألفاظ التي وقع الخلاف في وقوع الطلاق بها، أو في بقاء النجاسة، لأجل الشكّ في كون غسلة واحدة موجبة للطهارة أو نحو ذلك، فليس هذا من باب تبدّل الموضوع.
و دعوى: أنّ موضوع القضيّة المتيقّنة في قولنا «هذا الشي‏ء كان نجسا» هو الشي‏ء الذي لم يرد عليه الغسل، و كذا الموضوع في المثال الأوّل هي المرأة التي لم يصدر من زوجها لفظ كلمة «أنت خلية» مثلا كما وجّهنا له قوله عند الشكّ في رافعية المذي.
غير مسموعة، بعد قضاء الأدلّة بثبوت هذه الأحكام لموضوعاتها من حيث هي، و أنّها ثابتة لها إلّا أن يرفعه رافع، و كيف لا و إلّا لجرى مثل هذا الكلام في الموضوعات الخارجية، و إذا شكّ في بقاء حجر في مكانه السابق عند حصول بعض ما يشكّ في رافعيته له، نقول إنّ الموضوع في القضية المتيقّنة هو الحجر الغير المصادف لهذا الشي‏ء لا مطلقا، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: كلّ منهما فرد للحكم … الخ‏ «1».
أقول: إنّه إن جعل الشارع دلوك الشمس سببا تامّا لوجوب الصلاة، فلا يعقل‏
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 356 سطر 1، 3/ 128.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 359
إيجاب الصلاة بعد وجوده، لأنّ المعلول يمتنع انفكاكه عن علّته، فيكون إيجابه إيجابا للواجب و هو محال، فلا يصحّ حينئذ عدّ الحكم التكليفي المسبّب عنه في عداد الأحكام.
و إن جعله سببا ناقصا، بحيث يتوقّف وجود الحكم التكليفي أيضا على إنشاء مستقل، فيكون عزم الأمر و إرادته من شرائط تأثير السبب و وجوب الفعل.
ففيه: إنّ العزم و الإرادة المنبعثة عن تصوّر الفعل و غايته كاف في إيجابه، فجعل الدلوك سببا لطلبه لغو لا يصدر من الحكيم، فاحتسابهما معا في عداد الأحكام إن اريد منه مجرّد تكثير العدد، فلا بأس به، و إن اريد منه تعدّد المعدود، ففيه ما عرفت، مضافا إلى ما سيجي‏ء.
هذا، و لكن للقائل أن يقول إنّا لم نقل بتعلّق الجعل بكلّ منهما مستقلّا، كي يتوجّه عليه ما ذكر، و إنّما قلنا بأنّ الجعل تعلّق بأحدهما و تبعه الآخر، فإذا جعل الشارع الدلوك سببا للوجوب، لزمه تحقّق الوجوب عند حصول سببه، من غير حاجة إلى جعل مستقل، و هذا لا يخرجه عن كونه حكما شرعيّا مجعولا، غاية الأمر أنّ أحدهما مجعول أوّلا و بالذات، و الآخر ثانيا و بالعرض، فهما أمران مجعولان بجعل واحد، أحدهما بالاصالة و الآخر بالعرض.
و ببيان آخر نقول: السببيّة و المسبّبية من الإضافات كالأبوّة و البنوّة، يمتنع أن يتعلّق الجعل بإحداهما دون الاخرى، فجعل الدلوك سببا للوجوب، يستلزم جعل الوجوب مسبّبا عنه، لا بمعنى إعطائه له صفة المسبّبية كي يقال إنّها من الامور الانتزاعية الغير القابلة للجعل، بل بمعنى حصوله بسببه، كما أنّ معنى جعله سببا جعله مؤثّرا في حصول الوجوب، لا متّصفا بصفة السببيّة، فانّ اتصاف الشي‏ء بالسببيّة أو المسبّبيّة إنّما هو في العقل، فليس أمرا خارجيا قابلا لأن يتعلّق به الجعل.
فالعمدة في الجواب إنّما هو إنّا لا نعقل لجعل الدلوك سببا معنى كما سنوضحه، و اللّه العالم.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 360
قوله قدّس سرّه: فالوجدان شاهد على أنّ السببيّة و المانعية … الخ‏ «1».
أقول: في شهادة الوجدان على أنّهما اعتباران منتزعان تأمّل، بل قد يغلب على الظنّ أنّ لهما دخلا في جعل مسبّبهما.
نعم، الوجدان يشهد بأنّ الجعل الشرعي لم يتعلّق إلّا بمسبّبهما، أي وجوب الصلاة عند الأوّل، و تركها عند الثاني، لما في سببيهما من المناسبة المقتضية لجعل المسبّبين.
قوله قدّس سرّه: كالمسبّبية و المشروطيّة و الممنوعيّة «2».
أقول: قد أشرنا إلى أنّ محل الكلام إنّما هو أنّ الشارع هل جعل الأسباب و الشرائط و الموانع أسبابا و شرائط و موانع، أي جعلها مصاديق لهذه المفاهيم، أي مؤثّرات في مقتضياتها، لا أنّه أعطاها هذه الأوصاف التي هي من عوارض وجودها في العقل، فتنظيرها على المسبّبية و المشروطيّة و الممنوعيّة إن اريد بها نفس هذه المفاهيم من حيث هي، غير مناسب، فانّها كمفهوم السببيّة التي لا شبهة في كونه أمرا انتزاعيا.
و إن اريد بها بلحاظ مصاديقها، فهو أوّل الكلام، فانّه إن كان الدلوك سببا حقيقة للوجوب، كان مسبّبيته مسببه الذي هو الوجوب أيضا حقيقة، و إلّا فانتزاعية، فليس الحال في اعتبارية المسببيّة و المشروطيّة و الممنوعيّة أوضح كما يعطيه ظاهر التنظير.
اللهمّ إلّا أن يراد بها نفس هذه الأوصاف من حيث هي، كما هو الظاهر، فيتوجّه عليه حينئذ ما أشرنا إليه من أنّه قياس مع الفارق، فليتأمّل.
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 351 سطر 8، 3/ 128.
(2)- فرائد الاصول: ص 351 سطر 9، 3/ 128.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 361
قوله قدّس سرّه: هذا كلّه مضافا إلى أنّه لا معنى لكون السببيّة مجعولة فيما نحن فيه … الخ‏ «1».
أقول: توضيح المقام إنّ السبب قد يطلق و يراد منه العلّة التامّة، و قد يطلق و يراد منه ما في مقابل الشرط و المانع.
و كيف كان، فالشي‏ء لا يكون سببا إلّا أن يكون له تأثير في وجود المسبّب، إمّا لكونه تمام علّته، أو جزئها المعظم الذي يستند إليه التأثير.
و حينئذ نقول: إذا قال المولى لعبده «إن أكرمك زيد فاكرمه» يستفاد من هذه القضية سببيّة الشرط للجزاء، فلا بدّ أوّلا من أن نمحض المسبّب هل هو وجود الجزاء أو وجوبه؟.
فنقول: لا شبهة في أنّ وجود الجزاء مسبّب عن عزم المكلّف، و إذا كان عبادة يجب أن يكون مسبّبا عن قصد الإطاعة و إلّا لم يصحّ، كما أنّه لا شبهة في أنّه ليس سببا تامّا لوجوبه المولوي، لتوقّفه على طلب المولى المتوقّف على إرادته المسببيّة عن تصوّر الفعل و غايته، بل هو سبب ناقص لذلك، حيث أنّ المولى لمّا أحرز مناسبة و اقتضاء ذاتيا بين الفعلين، ألزم عبده بإيجاد الجزاء عند حصول الشرط، فالزامه مسبّب عمّا أدركه بعقله من المناسبة، و حسن إيجاد الفعل الثاني مجازاة للأوّل فيكون وجود الشرط مؤثّرا في حسن الجزاء بزعم المولى، و كونه كذلك يوجب أمره به أمرا تعليقيّا، و حصول الشرط سبب لتنجّز ذلك الأمر، فتصوّره سبب ناقص لأصل إنشاء الحكم، و حصوله في الخارج مؤثّر في تنجّزه.
هذا إذا كان إلزامه بإيجاد الجزاء مسبّبا عمّا أدركه المولى من حسن الفعل الثاني مجازاة للأوّل.
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 351 سطر 10، 3/ 129.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 362
و امّا لو لم يكن مسبّبا عن ذلك، بل عن إرادة مسببة عن أمر آخر، من دون أن يكون للشرط تأثير في حصولها، فلا يكون الشرط في الفرض سببا إذ لا يستند إليه وجود الجزاء و لا وجوبه، فتسميته سببا حينئذ مسامحة، لما عرفت من أنّ السبب ما يكون مؤثرا في حصول المسبّب على وجه يستند إليه التأثير امّا بنفسه- إن كان تامّا- و إلّا فبانضمام الشرط إليه، و المفروض أنّه لا تأثير له في الفرض في وجود الجزاء و لا في وجوبه، لا أوّلا و بالذات و لا مع الواسطة، فليست الشرطية في مثل الفرض إلّا لبيان وجوب الجزاء عند حصول الشرط، كما هو واضح.
إذا عرفت ذلك فنقول: الشرط في حدّ ذاته امّا سبب لمطلوبية الجزاء، لكونه مؤثّرا في حسنه بنظر المولى المقتضي لطلبه أم لا.
فعلى الأوّل هو بذاته سبب لا بجعل جاعل.
و على الثاني يمتنع أن يصير سببا، إذ لا بدّ أن يكون بين العلّة و المعلول ربط واقعي و مناسبة ذاتية، و إلّا لجاز أن يكون كلّ شي‏ء سببا لكلّ شي‏ء، فإذا لم يكن هو في حدّ ذاته مقتضيا للطّلب، وجب أن يكون الطّلب مسبّبا عن سبب آخر، و لا يعقل أن يجعل المولى وجوده سببا لطلبه، لأنّ عزم المولى و بنائه على كون ما ليس مؤثرا في طلبه علّة و سببا له لا يجعله كذلك، إذ ليس جعل شي‏ء سببا لطلبه إلّا كجعل النزول إلى البئر سببا للصعود إلى السطح، و كون طلبه طوع إرادته، فلا يكون الطّلب كالصعود إلى السطح لا يصلح فارقا بين المثالين، إذ غاية ما يمكن تعقّله في مقام الطلب تقييد طلبه بما يريد، فيجعل طلبه مقيّدا بحصول ذلك الشي‏ء، لا أنّه يجعل حصوله مؤثّرا في طلبه، لأنّ جعل ما ليس بعلّة علّة، كجعل ما هو العلّة غير علّة ممتنع، و إنّما الممكن تقييد طلبه أو إطلاقه كما هو ظاهر.
نعم، ربّما يكون للجعل دخل في سببيّة بعض الأشياء كما في الأعلام، فانّها أسباب لإحضار المسمّى في الذهن، بشرط العلم بالوضع و التفات الذهن، و كما في‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 363
العلائم التي يجعلها الإنسان لنفسه سببا لأن يتذكّر بعض المطالب، و كالألفاظ الموضوعة للمعاني، فانّ هذه الامور بعد تعلّق الجعل بها تصير أسبابا واقعية لمسبّباتها، مؤثّرة في حصولها بعد اجتماع شرائط التأثير، و هذا في الأحكام الشرعيّة كالأعيان الخارجيّة غير معقول.
نعم، بناء على كون الملكية و الحرمة و نحوهما أمور اعتبارية عقلائية غير راجعة إلى الأحكام التكليفيّة، يمكن أن يقال بمجعولية أسبابها لابتناء أسباب الملكية و نظائرها غالبا على المواضعة و الجعل، كما لو قال المالك «من رد ضالّتي، أو دخل داري، أو أكرم زيدا فهذا له» فيصير هذه الأفعال سببا لملكيّة المشار إليه لمن فعلها بجعل المالك، فيكون قول الشارع أيضا «من أحيا أرضا ميّتة فهي له» من هذا القبيل. و لكن النزاع بين القائلين بكون الأحكام الوضعيّة مجعولة، ليس منحصرا في مثل هذا المثال ممّا كان للجعل دخل في سببيّتها بنظر العرف، كما لا يخفى.
قوله قدّس سرّه: فانّا لا نعقل من جعل الدلوك سببا للوجوب … الخ‏ «1».
أقول: هذه العبارة إشارة إلى أنّه متى لم نعقل في مثل المقام من جعل الدلوك سببا إلّا إنشاء وجوب الصلاة عند تحقّقه، لا يصلح لنا الحكم بأنّ الشارع جعله سببا، إن لم نقصد به السببيّة المنتزعة من الحكم التكليفي الذي تعقّلناه، ضرورة أنّ الحكم بثبوت شي‏ء فرع تعقّله، مع أنّا نرى بالوجدان إنّا لم نعقل حدوث معنى في الدلوك بواسطة الجعل، يناسب سببيّته للوجوب، كما نراه في سائر المقامات التي يكون للجعل دخل في سببيّتها لمسبّباتها، كما في الأوضاع الشخصية أو النوعيّة الواقعة في مباحث الألفاظ و نظائرها، فافهم.
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 351 سطر 11، 3/ 129.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 364
قوله قدّس سرّه: و على الثاني يكون أسبابها كنفس المسبّبات … الخ‏ «1».
أقول: قد أشرنا آنفا إلى أنّه على هذا التقدير يمكن أن يقال بمجعولية أسباب بعضها، كالملكية و نحوها ممّا كان للجعل دخل في سببيّة أسبابها لدى العقلاء، بخلاف الطهارة و النجاسة و نحوها، ممّا يكون حالها حال الأعيان الخارجيّة، في عدم مدخلية الجعل في سببيتها لعدم المناسبة، فتدبّر.
قوله قدّس سرّه: فيه أنّ المؤقّت قد يتردد وقته بين زمان و ما بعده، فيجري الاستصحاب‏ «2».
أقول: قد يقال بعدم جريان الاستصحاب في المقام، كما اعترف به المصنّف رحمه اللّه في بعض كلماته الآتية حيث قال:
و كذا لو أمر المولى بفعل، له استمرار في الجملة، كالجلوس في المسجد، و لم يعلم مقدار استمراره، فانّ الشكّ بين الزائد و الناقص يرجع- مع فرض كون الزائد المشكوك واجبا مستقلّا على تقدير وجوبه- إلى اصالة البراءة، و مع فرض كونه جزء يرجع إلى مسألة الشكّ في الجزئيّة و عدمها، و المرجع فيها البراءة أو وجوب الاحتياط.
و فيه نظر: إذ لو تمّ ذلك لجرى مثل هذا الكلام في جميع الموارد التي يشكّ في بقاء الوجوب.
فالحقّ أن يقال: إنّ الزمان إن لوحظ ظرفا للفعل المأمور به كما في المثال المزبور، فلا مانع عن جريان الاستصحاب فيه، بل هو من أظهر موارده.
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 351 سطر 23، 3/ 130.
(2)- فرائد الاصول: ص 352 سطر 3، 3/ 131.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 365
و إن أخذ قيدا في الموضوع، بأن لوحظ اجزائه أفراد الكلّي تعلّق به الحكم، كما لو قال «صم شهر رمضان» فتردّد الشهر بين ثلاثين يوما أو تسعة و عشرين، أو قال «اجلس في المسجد عدّة أيّام، أو عدّة ساعات» فتردّدت بين خمس أو ستّ مثلا، قد يتّجه الكلام المزبور حيث أنّ صوم يوم الثلاثين على تقدير وجوبه تكليف مستقلّ، فينفي بأصل البراءة، إن لم نقل بجواز استصحاب الشهر، و لا يصحّ حينئذ استصحاب الوجوب، لأنّ إحراز الموضوع شرط في جريانه، على تقدير كون صوم الشهر مجموعه عبادة واحدة، اندرجت المسألة في مسألة الشكّ في الجزئية، و لكن إن لم نقل بمساعدة العرف على إطلاق صدق البقاء و الارتفاع، كما سيأتي ادّعائه من المصنّف رحمه اللّه، و إلّا فاصالة بقاء الوجوب حاكمة على أصالة البراءة أو الاحتياط، فإدراجه في تلك المسألة- على هذا التقدير أيضا- مبنيّ على منع جريان استصحاب الموضوع أو الحكم، الحاكمين على أصالتي البراءة و الاحتياط، كما في تلك المسألة على ما عرفته في محلّه، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: فالصّواب أن نقول إذا ثبت وجوب التكرار … الخ‏ «1».
أقول: قد عرفت آنفا أنّه لا يخلو عن تأمل، بل الظاهر حكومة الاستصحاب على الاصول المزبورة، لو لا المناقشة فيه بتبدّل الموضوع، أو كونه من قبيل الشكّ في المقتضي، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: و قد ذكر بعض شرّاح «الوافية» … الخ‏ «2».
أقول: ما ذكره هذا البعض أوفق بسوق العبارة، فكان وجه الحاجة الى‏
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 253 سطر 18، 3/ 136.
(2)- فرائد الاصول: ص 354 سطر 10، 3/ 138.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 366
الاستصحاب في هذا الفرض، أنّ غاية ما يتوهّم كونه كالواجب المضيّق من حيث الدلالة على مطلوبية الفعل في الزمان الأوّل، لكن لا على وجه يكون الزمان مأخوذا قيدا في الموضوع كما في الموقّت المضيّق، كي يقال فيه إنّ هذا ممّا لا يقول أحد بجريان الاستصحاب فيه، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: فانّ شيئا من الأقسام المذكورة للسّبب لا يجري في الشرط و المانع‏ «1».
أقول: قد عرفت أنّ المراد بالنظر إلى كيفية سببيّة السبب، تشخيص ما يقتضيه من الأثر، الذي هو عبارة عن مسبّبه، فعند ذلك يعرف حال المسبّب وجودا و ارتفاعا، فلا يبقى معه مجال للشكّ في بقاء أثره- أي مسبّبه- كي يتطرّق فيه الاستصحاب، بل يعرف بذلك ثبوت الحكم في جميع الزمان الذي يقتضيه، و انتفائه فيما عداه، و ليس ثبوته في شي‏ء من أجزاء الزمان الثابت فيه، تابعا للثبوت في جزء آخر، بل نسبة السبب في محلّ الحكم في كلّ جزء نسبته واحدة، و ليس كذلك الشرط و المانع، فانّا إذا علمنا بأنّ الطهارة شرط للصّلاة لدى التمكّن، أو في وقت خاصّ، لا يجدي ذلك في استكشاف حال المشروط في غير تلك الحال، فلا يكون ذلك مانعا عن جريان الاستصحاب فيه، بل قد يوجب إجرائه فيه، و لذا قال المصنّف رحمه اللّه: «لم أعرف وجه إلحاقه بالسبب … الخ».
نعم، لو كان هذا الكلام مسوقا لمنع جريان الاستصحاب في نفس الحكم الوضعي- اي كون الشي‏ء سببا- بدعوى استكشاف حاله من حيث كونه وقتا، أو في وقت خاص، أو مطلقا، من الدليل الدالّ عليه لا بالاستصحاب، لكان إلحاق‏
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 335 سطر 2، 3/ 140.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 367
الشرط و المانع به في محلّه.
و لكنّك عرفت أنّ مراده استكشاف حال المسبّب بالنظر إلى ما يقتضيه سببه من حيث الدوام و التوقيت، فإلحاق الشرط و المانع بهما لا يعلم وجهه، إذ لا مدخلية لهما في ذلك، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: ثمّ اعلم أنّه بقي هنا شبهة اخرى في منع جريان الاستصحاب … الخ‏ «1».
أقول: في اقتضائها المنع عن جريان الاستصحاب في الأحكام التكليفية مطلقا، حتّى في الشكّ في الرافع نظر بل منع، كما ستعرفه إن شاء اللّه.
قوله قدّس سرّه: إذا تعلّق بفعل الشخص‏ «2».
أقول: احترز بهذا عمّا لو كان متعلّق الحكم الوضعي أمرا خارجيّا، كسببيّة الكسوف و الخسوف لصلاتهما، و شرطية احتراق القرص لوجوب قضائها، فانّه لا مانع في مثل هذه الموارد عن استصحاب الحكم الوضعي.
و امّا إذا كان متعلّقه فعل المكلّف كقوله «إذا أفطرت فكفّر» فيتمشّى الكلام فيه، كما تمشّى في الأحكام التكليفية، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: و الجواب عن ذلك أنّ مبنى الاستصحاب … الخ‏ «3».
أقول: الحاجة إلى هذه الدعوى إنّما هي على تقدير الالتزام بحجّية
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 356 سطر 8، 3/ 145.
(2)- فرائد الاصول: ص 356 سطر 25، 3/ 146.
(3)- فرائد الاصول: ص 357 سطر 1، 3/ 146.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 368
الاستصحاب في الشكّ في المقتضى.
و امّا بناء على اختصاص حجّيته بالشكّ في الرّافع كما هو المختار فلا، لأنّ الرافع إنّما يرفع الحكم عن الموضوع الذي كان الحكم محمولا عليه لولاه، فيجب أن يتّحد موضوع القضيّة المتيقّنة و المشكوكة عقلا، كما سيشير إليه المصنّف رحمه اللّه عند تعرّضه للميزان الذي تميّز به القيود المأخوذة في الموضوع، حيث تنبّه على أنّه إن رجع فيه إلى العقل لا يجري الاستصحاب في الحكم الشرعي إلّا في الشكّ من جهة الرافع ذاتا أو وصفا و فيما كان من جهة مدخلية الزمان حيث أنّ اعتبار الاستصحاب مبنيّ على إهمال هذا القيد.
و امّا ما ذكر من أنّ كلّ حاكم يلاحظ موضوع حكمه، بجميع قيوده التي لها مدخلية في حكمه حتّى عدم الرافع.
ففيه: إنّه مسلّم، و لكن ملاحظته للقيود إنّما هي على حسب ما يقتضيه القيد، فإن اقتضى ذلك القيد اعتباره في الموضوع، بأن كان له دخل في موضوعيته اعتبره كذلك، و إن كان من قبيل عدم الرافع، الذي لا دخل له في موضوعيّة الموضوع، بل له دخل في تنجّز التكليف بنحو من الاعتبار العقلي الناشئ من سببيّة وجود المانع لرفع ذلك الحكم الذي اقتضاه المقتضى عن موضوعه- على حسب اقتضائه- فيعتبره كذلك، فيجعل حكمه محمولا على موضوعه على حسب ما يقتضيه المقتضي، مشروطا بعدم المانع، فيقول مثلا «يجب عليك الجلوس في المسجد من الصبح إلى الغروب لو لم يعرض لك شغل أهمّ، أو يحدث الشي‏ء الفلاني المقتضي لعدمه» فيكون موضوع حكمه، و هو الوجوب المشروط ذات الفعل، لا الفعل المقيّد بوجوده في حال عدم الرافع، و إلّا لارتفع بنفسه عند تبدّل موضوعه لا بالرافع، كما لا يخفى على المتأمّل.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 369
قوله قدّس سرّه: بل من جهة كون التكليف بالتمام … الخ‏ «1».
أقول: جريان الاستصحاب من هذه الجهة، بناء على اختصاص اعتباره بالشكّ في الرافع لا يخلو عن إشكال، و كذلك الكلام عند الشكّ في بقاء وجوب الصوم، لأجل الشكّ في حدوث الليل، أو الشكّ في رؤية هلال شوّال، فانّ المرجع في مثل هذه الموارد إلى أصالة عدم حدوث ما يوجب تبدّل التكليف، و وجوب الصوم في المثالين، و إن كان من آثار بقاء اليوم أو الشهر، الذين هما من لوازم عدم حدوث الليل أو طلوع هلال شوّال، و لكن حيث نشأ الشكّ في بقاء التكليف عن حدوث ما يوجب تبدّله، و لو بتبدّل موضوعه، يفرع بقائه على عدم ذلك الشي‏ء. و لا يقدح حينئذ وساطة الواسطة، بعد عدم التفات الذهن إليه، و عدم مدخلية وساطتها في حدوث الشكّ، فانّه حينئذ من الوسائط الخفيّة التي لا يقدح وساطتها في الاستصحاب، كما سيأتي التنبيه عليه، و الإشارة إلى أنّ ما ذكرناه هو المعيار في خفاء الواسطة.
قوله قدّس سرّه: بل عن حقيقة الاستصحاب‏ «2».
أقول: وجهه أنّ الاستصحاب عبارة عن إبقاء الموجود السابق في زمان الشكّ، و المراد باستصحاب حكم العام، إثبات الحكم لبعض المصاديق المشكوك إرادتها من العام، فليس له وجود سابق حتّى يكون استصحابا حقيقة، و لكن يمكن توجيهه بنحو من التكليف كما لا يخفى على المتأمّل.
قوله قدّس سرّه: بل استظهر هذا من كلّ من مثّل لمحلّ النزاع … الخ‏ «3».
أقول: منشأ الاستظهار تمثيلهم بهذا المثال المعلوم كونه مثالا لاستصحاب‏
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 357 سطر 10، 3/ 147.
(2)- فرائد الاصول: ص 357 سطر 23، 3/ 150.
(3)- فرائد الاصول: ص 358 سطر 4، 3/ 151.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 370
حال الإجماع فإن كان النزاع في استصحاب حال الإجماع مغايرا للنزاع في حجّية الاستصحاب في سائر الموارد، لكان عليهم التنبيه عليه بإيرادهم مثالا آخر، فاقتصارهم على هذا المثال مشعر بوحدة النزاع، و اللّه العالم.
قوله قدّس سرّه: و حاصل هذا الاستدلال يرجع إلى كفاية وجود المقتضى …
الخ‏ «1».
أقول: قد عرفت عند نقل الأقوال توجيه كلام المحقّق رحمه اللّه، و أنّ مرجعه إلى الدليل الذي اعتمدنا عليه في حجّية الاستصحاب، و أنّ مراده من دليل ذلك الحكم هو السبب المؤثّر في ثبوته في الزمان الأوّل، لا الدليل الاصطلاحي، و لا المقتضي بمعناه المعروف، كي يكون مرجعه إلى قاعدة المقتضى و المانع، فراجع و تأمّل.
قوله قدّس سرّه: و لكن يمكن أن يقال إنّ مبنى كلام المحقّق رحمه اللّه … الخ‏ «2».
أقول: هذا هو الحقّ.
و توضيحه: إنّ المناقشة المزبورة نشأت من الخلط بين أحكام المفاهيم الكلّية و مصاديقها فانّا إذا بنينا على أنّ مرجع أصالة العموم و الإطلاق، إلى اصالة عدم وجود المانع عمّا يقتضيه اللفظ بحسب وضعه أو إطلاقه، يكون حال الأصل الجاري فيهما حال الأصل الجاري فيما نحن فيه عند الشكّ في الرافع، فمرجع الجميع إلى اصالة عدم الرافع.
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 360 سطر 24، 3/ 160.
(2)- فرائد الاصول: ص 361 سطر 21، 3/ 162.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 371
و لكن هذا الأصل انّما يجري في الأوّلين فيما إذا كان الشكّ في أصل التخصيص و التقييد، المانعين عمّا يقتضيه اللفظ من الإطلاق و العموم، دون الشكّ في كون الشي‏ء مصداقا للرافع، المعلوم ضرورة أنّه ليس للّفظ اقتضاء لتشخيص مصاديقه، فلو دلّ دليل على أنّه يجب إكرام كلّ عالم، و دلّ دليل آخر على حرمة إكرام فسّاقهم، و شكّ في فسق أحدهم، لا يمكن استكشاف حاله من أحد الدليلين، حيث انّه لا يفهم منهما إلّا أنّه على تقدير عدم الفسق يجب إكرامه، و على تقدير وجوده يحرم، فلا بدّ من إحراز كلّ من التقديرين من الخارج، فليس فسق هذا الشخص مانعا عن أصالة العموم، و إنّما المانع عنه «لا تكرم فسّاقهم» المشكوك صدقه عليه، و هذا بخلاف ما لو كان العلم من حيث هو مقتضيا لوجوب الإكرام، و الفسق مانعا عنه.
و لو قلنا بأنّه يرجع عند الشكّ في المانع إلى اصالة العدم، الذي هو بمنزلة اصالة عدم التخصيص في العمومات، ضرورة أنّ المقتضى لوجوب إكرام كلّ منهم هو علمه و المانع عنه ليس إلّا فسقه، و العلم بالحكم الشرعي الكلّي- و هو مانعية الفسق عن وجوب الإكرام- إنّما يصلح مانعا عن أصالة العموم، لا عمّا اقتضته الأسباب الخاصّة في مواردها، فكذا فيما نحن فيه لو كان لنا دليل دالّ على أنّ عقد النكاح يدوم أثره، و دليل آخر دال على أنّ الطلاق يرفعه، لكان الدليل الثاني مخصّصا للأوّل، فلو شكّ في مصداق خارجي في بقاء أثره لأجل الشكّ في حصول الطّلاق، لا يجوز التمسّك بذلك العام الذي علم بورود التخصيص عليه، بل يتمسّك بنفس ذلك العقد الخاص الخارجي، الذي هو أحد مصاديق ذلك العام، و هو يقتضي إباحة الوطي في خصوص متعلّقه، و لا يرفع أثره إلّا الطّلاق الخارجي الصادر من الزوج، الذي علم كونه في الشريعة رافعا لأثر العقد، فلا فرق حينئذ بين الشكّ في وجود الرافع أو رافعية الموجود، كما هو واضح.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 372
قوله قدّس سرّه: لما كان على وجود المقتضي حال الشكّ … إلخ‏ «1».
أقول: يعني وجوده بالمعنى الذي ذكره المحقّق رحمه اللّه، و هو كون الموجود السابق مقتضيا لأثر مستمر، لا كونه بالفعل موجود حال الشكّ.
قوله قدّس سرّه: و ظاهره تسليم صدق النقض … الخ‏ «2».
أقول: فالخصم بحسب الظاهر معترف بأنّ موضوع القضيّة المتيقّنة هو مطلق الطّهارة، لا الطّهارة المقيّدة بكونها قبل المذي، و إلّا لم يكن رفع اليد عن أثرها بعد خروج المذي نقضا لها، فانّ نقض تلك الطّهارة إنّما يحصل برفع اليد عن الأثر المترتّب عليها، كالحكم بفساد الصّلاة الواقعة معها و إعادتها، لا بعدم ترتيب أثرها بعد تبدّل موضوعها، كما لا يخفى.
قوله قدّس سرّه: و يرد عليه أوّلا … الخ‏ «3».
أقول: توضيحه أنّ اليقين و الشكّ لا يعقل أن يتعلّقا بشي‏ء واحد في زمان واحد، فلا بدّ من اختلاف امّا في متعلّق اليقين و الشكّ، أو في زمان نفس الوصفين، كما في قاعدة اليقين و الشكّ- على ما ستسمعه في محلّه- و ستعرف أنّ متعلّق اليقين و الشك في باب الاستصحاب مختلف، فانّ متعلّق اليقين مثلا عدالة زيد يوم الجمعة، و طهارته قبل خروج المذي، أو مضى زمان يشكّ في خروج ناقض منه، و متعلّق الشكّ عدالته يوم السبت، و طهارته بعد خروج المذي، أو بعد مضي زمان يزول يقينه بالبقاء، فحينئذ إن لوحظ الزمان قيدا في متعلّقيهما، اجتمع الوصفان في زمان،
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 361 سطر 22، 3/ 162.
(2)- فرائد الاصول: ص 362 سطر 21، 3/ 166.
(3)- فرائد الاصول: ص 362 سطر 22، 3/ 166.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 373
لصحّة قولنا «هذا المتوضّي ما لم يخرج منه بول أو مذي متطهّر يقينا، و بعد خروج البول محدث يقينا، و عند خروج المذي مشكوك الطهارة».
و من الواضح أنّ أدلّة الاستصحاب لا تعمّ مواردها بهذه الملاحظة، و انّما تعمّها بعد فرض وحدة متعلّق اليقين و الشكّ، و عدم أخذ الزمان قيدا فيه، بمعنى ملاحظته من حيث هو، و بهذه الملاحظة يمتنع أن يتعلّق به اليقين و الشكّ في زمان واحد، فما دام متيقّنا بطهارة زيد امتنع أن يشكّ فيها، فهو قبل خروج المذي منه كان على يقين من طهارته، و بعد خروجه صار شاكّا فيها، و هذا الشكّ لم يكن حاصلا من قبل جزما، و الذي كان حاصلا من قبل، كان شكّا تقديريا متعلّقا بخروج المذي.
و الأولى أن يقال في تقريب الايراد: بأنّ الشكّ الذي كان حاصلا من قبل، هو الشكّ في الحكم الشرعي الكلّي، و هو أنّ المذي هل هو ناقض في الشريعة أم لا، و هذا الشكّ ليس له حالة سابقة معلومة حتّى يجري فيه الاستصحاب، و الشكّ في بقاء طهارته بعد خروج المذي منه شك في حكم شرعي جزئي نشأ ذلك من الجهل بالحكم الكلّي، و هذا الشكّ المتعلّق بطهارته المتيقّنة يمنع اجتماعه مع اليقين بها، فما زعمه المحقّق المزبور- نظير المناقشة المتقدّمة عند توجيه مذهب المحقّق رحمه اللّه- ناش من الخلط بين المفاهيم الكلّية و مصاديقها، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: أ لا ترى أنّه لو قيل … الخ‏ «1».
أقول: إيراد هذه العبارة في ذيل الإيراد الأوّل أنسب، و لعلّ ذكرها في المقام من تصرّفات الناسخ، و اللّه العالم.
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 363 سطر 12، 3/ 168.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 374
قوله قدّس سرّه: و الظاهر أنّ المراد من عدم نقض اليقين … الخ‏ «1».
أقول: مرجعه إلى ما حقّقناه فيما سبق في تفسير الرواية، من أنّ المراد من «اليقين» الذي اضيف إليه «النقض»، هو «اليقين» التقديري الموجود في زمان الشكّ، المخصوص بالشكّ في الرافع، لا اليقين السابق، حتّى يعمّ الشكّ في المقتضى، فلاحظ و تدبّر.
قوله قدّس سرّه: إلى غاية معيّنة في الواقع … إلخ‏ «2».
أقول: يعني غاية خاصّة، سواء كانت معلومة لدينا بالتفصيل أم لا، كما لو علم إجمالا أو تفصيلا بنصّ أو إجماع، أنّ عقد النكاح مثلا يستمرّ أثره إلى أن يتحقّق ما جعله الشارع مزيلا له، و هو أمر معيّن في الواقع، فلو تردّد ذلك المعيّن عندنا بين خصوص الطلاق أو أعمّ منه و من شي‏ء آخر كاللعان مثلا، فحينئذ لا ينقض اليقين بالشكّ. و في ذيل كلامه تصريح بما يشرح ما أراده بهذه العبارة إلى آخرها، فلا تغفل!.
قوله قدّس سرّه: و امّا إذا لم يثبت ذلك، بل ثبت أنّ ذلك الحكم مستمرّ في الجملة … الخ‏ «3».
أقول: أي على تقدير أن لا يوجد له رافع ما من الأشياء التي يعلم أو يحتمل كونه رافعا له، كما لو قلنا في مسألة الاستنجاء إنّ غاية ما ثبت بالنصّ و الإجماع أنّ التغوّط يؤثّر في حرمة الدخول في الصّلاة، و أنّ هذا الأثر يستمرّ على تقدير أن لا
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 364 سطر 12، 3/ 171.
(2)- فرائد الاصول: ص 364 سطر 15، 3/ 171.
(3)- فرائد الاصول: ص 364 سطر 16، 3/ 172.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 375
يستعمل الماء أو الأحجار رأسا، و امّا أنّه يستمرّ إلى أن يتحقّق له رافع معيّن في الواقع فلا.
و الحاصل: إنّ مراده ب «في» الجملة ما ذكرناه، كما يوضّحه عباراته الآتية، لا أنّ أصل الاستمرار غير محرز إلّا في الجملة كما قد يوهمه العبارة في بادئ الرأي، و إلّا لتحقّق التنافي بينه و بين فرض كونه شكّا في المزيل، كما لا يخفى.
و لكن قد يشكل ذلك: بأنّه كيف يعقل أن يعلم باستمرار الشي‏ء- كحرمة الدخول في الصّلاة- ما لم يوجد له رافع ما، و لم يكن له رافع معيّن في الواقع، إذ غاية ما يتصوّر في مثل هذه الموارد أن يكون غايته مردّدة بين المعيّن و المخيّر، و قد اعترف المحقّق رحمه اللّه بالاستصحاب في مثل الفرض.
و يدفعه: التدبّر في عبارته الآتية، حيث أنّه يظهر من عباراته الآتية، بل و كذا من بعض عبائره المتقدّمة في مبحث أصل البراءة، أنّ المحقّق الخوانساري كالمحقّق القمي رحمه اللّه لا يرى التكاليف الواقعية منجزة في حقّ من لم يتمكّن من معرفتها بالتفصيل، إلّا في الموارد التي دلّ الدليل على عدم اشتراطها بالعلم، كي يعلم بذلك تنجّزها على المكلف في حال الجهل بها تفصيلا، ففي مثل هذا الفرض يزعم وجوب الاحتياط، و عدم جواز نقض اليقين بالشكّ، من غير فرق بين ما لو كان المكلّف به مردّدا بين الأقلّ و الأكثر، أو المتباينين، و كذا يرى عدم جواز نقض اليقين بالشكّ و وجوب الاحتياط، فيما إذا ثبت حكم معيّن بغاية أو رافع معيّن في الواقع، كالطهارة الحدثية التي علم عدم ارتفاعها إلّا بامور معيّنة محدودة في الواقع، و كالجنابة التي علم أنّ لها رافعا معيّنا في الواقع، فلو شكّ في أنّ المذي أيضا- كالبول و الغائط- هل هو مصداق لما جعل رافعا للطهارة، و أنّ مطلق الغسل رافع للجنابة، أو خصوص الغسل المأتي به بقصدها، يجب الحكم ببقاء ذلك الحكم، حتّى يعلم بحصول ما جعل رافعا له.
و امّا إذا لم يثبت بدليل خارجي عدم اشتراط الحكم الواقعي، بالعلم التفصيلي‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 376
به، فينفيه في حقّ من لم يعلمه تفصيلا بأصل البراءة، إلّا في الموارد التي ثبت بنصّ أو إجماع أنّه لا يجوز مخالفته القطعيّة، كما في مسألة الظهر و الجمعة، أو القصر و الإتمام، في مواقع الشكّ في الحكم الواقعي، و في الخبرين المتعارضين الذين علم بالأخبار العلاجية و غيرها أنّ طرحهما معا لا يجوز، و في مسألة الاستنجاء التي زعم أنّ غاية ما ثبت فيها حرمة ترك الجميع لا وجوب شي‏ء معيّن في الواقع، أو ثبوت النجاسة إلى أن يتحقّق لها مطهّر شرعي، ففي مثل هذه الموارد يقتصر على القدر المتيقّن من التكليف الثابت بذلك الدليل الخارجي، و يراه تكليفا ظاهريّا منجزا على المكلّف، دون الواقعي الذي يحتمل عدم اشتراطه بالعلم.
و إذا أمعنت النظر فيما أوضحناه من مراده، لعلمت أنّ تفصيل المحقّق رحمه اللّه بين مسمّى الشكّ في كون الشي‏ء مزيلا، ليس منافيا للمختار من اعتبار الاستصحاب في الشكّ في الرافع على الإطلاق، فانّ القسم الذي أنكر جريان الاستصحاب فيه، إنّما أنكره تعويلا على أصالة البراءة الحاكمة على الشّغل و استصحاب التكليف، بعد فرض رجوع الشكّ فيه إلى الشكّ في أصل التكليف، كما في مسألة دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: فإن قلت هب … الخ‏ «1».
أقول: الفرق بين الاعتراضين أنّ محطّ النظر في الأوّل إنّما هو دعوى الإجماع على بقاء النجاسة، و عدم ارتفاعها إلّا برافع شرعي، فما دام لم يثبت وجود الرافع يجب الحكم ببقائها للاستصحاب، بالمعنى الذي اعترف بحجّيته.
و امّا الإيراد الثاني، فمبناه دعوى الإجماع على وجوب شي‏ء معيّن في الواقع‏
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 365 سطر 1، 3/ 173.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 377
على المتغوّط، مع قطع النظر عن بقاء النجاسة و عدمه، فمقتضاه تحصيل الجزم بفراغ الذمّة لقاعدة الاشتغال لا الاستصحاب، فتأمّل.
قوله قدّس سرّه: و على هذا شمول الخبر للقسم الأوّل ظاهر … الخ‏ «1».
أقول: القسم الأوّل بإطلاقه- كما يشهد له ما ذكره جوابا عن الاعتراض الآتي- يعمّ جميع صور الشكّ في الرافع و الغاية، بل و بعض صور الشكّ في المقتضى أيضا كما لا يخفى على المتأمّل.
إلّا أنّ مقتضى ما استظهره من الرواية، و جعله وجها للتفصيل بين القسمين، اختصاص الحجّية بما عدا الشكّ في المقتضى، مع إمكان أن يقال إنّ جميع صور الشكّ في المقتضي لا بدّ و أن يرجع إلى تبدّل حال أو وصف وجودي أو عدمي، يحتمل مدخليّته في الحكم، فيندرج جميعها في القسم الثاني.
و كيف كان، فما يظهر منه قدّس سرّه في هذه الحاشية اختياره ما يوافق المختار، و هو حجّية الاستصحاب فيما عدا الشكّ في المقتضي، خلافا لما يظهر منه في عبارته المحكية عن شرح الدروس من التفصيل في أقسام الشكّ في الرافع، و لكنّك عرفت آنفا أنّ مقتضى النظر الدقيق عدم المخالفة بينهما، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: ثمّ لا يخفى أنّ الفرق الذي ذكرنا من أنّ … الخ‏ «2».
أقول: لا يخفى أنّ ما ذكره عقيب كلمة «من» لا يصلح أن يكون بيانا للفرق بين القسمين، فالظرف إمّا متعلّق ب «لا يخفى»، فحاصل المعنى لا يخفى من ملاحظة
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 366 سطر 5، 3/ 176.
(2)- فرائد الاصول: ص 366 سطر 11، 3/ 177.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 378
الامور المذكورة أن الفرق الذي ذكرناه غير بعيد.
و امّا أنّ العبارة مشتملة على السقط، كما هو المظنون، لا من عبارة المصنّف رحمه اللّه حيث أنّ عبارة شرح «الوافية» أيضا مثلها، بل إمّا من قلمه الشريف، أو من النسخة التي نقل عنها السيّد الشارح، أو من قلم السيّد قدّس سرّه.
و كيف كان، فالمظنون أنّها كانت في الأصل هكذا: «ثمّ لا يخفى أنّ الفرق الذي ذكرنا بملاحظة ما ذكرنا … الخ»، و اللّه العالم.
قوله قدّس سرّه: و إن كان نهيا … الخ‏ «1».
أقول: النهي المتعلّق بالجلوس المحدود بالغاية المذكورة:
إمّا أن يراد منه حرمة المجموع من حيث المجموع، فلو جلس بعض الوقت لم يعص.
أو يراد منه حرمة إيجاد مطلق طبيعة الجلوس، في مجموع الوقت لا الطبيعة مطلقا، فلو أوجدها في أيّ جزء من أجزاء الوقت عصى، و ارتفع النفي بالنسبة إلى ما بعده من الأجزاء الباقية، لتحقّق العصيان.
و هذا الأخير هو الذي يصلح أن يكون مثلا لوحدة التكليف و تحريم الاشتغال.
و امّا القسم الأوّل: و إن حرم فيه الاشتغال أيضا، إلّا أنّه ينحلّ إلى تكاليف متعدّدة حيث انّ كلّ جزء من أجزاء الوقت موضوع مستقلّ للحرمة، و له في نفسه طاعة و عصيان.
و امّا القسم الأخير: و إن كان أجزاء الوقت فيه أيضا موضوعات عديدة
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 367 سطر 11، 3/ 180.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 379
لحرمة الاشتغال في ظرف التحليل- و لذا نتمسّك لنفي وجوب الاجتناب بالنسبة إلى المشكوك بالأصل- إلّا أنّ الحكم المتعلّق بالطبيعة حكم وحداني بسيط ثابت للماهية باعتبار تحقّقها في ضمن فرد ما، فالنهي ثابت ما لم يتحقّق الطبيعة في الخارج، و مقتضاه حرمة كلّ فرد بفرض تحقّقها في ضمنه من أجزاء الوقت ممّا علم فرديته لها، و امّا الجزء المشكوك فرديته، فالأصل إباحته، فلاحظ و تأمّل.
قوله قدّس سرّه: فيرجع الى مقتضى اصالة عدم استحقاق العقاب، و عدم تحقّق المعصية … الخ‏ «1».
أقول: يرجع في حكم الجلوس إلى زمان الشكّ في حصول الغاية، إلى اصالة البراءة، فلو علمنا مثلا بأنّه يحرم الجلوس مستمرّا من الصبح إلى الغروب في السوق، و شككنا في أنّ الغروب هل هو استتار القرص أو ذهاب الحمرة، فالقدر المتيقّن الذي يتنجّز التكليف بالاجتناب عنه، هو الجلوس مستمرّا من أوّل الصبح إلى أن يقطع بتحقّق الغروب، فكما أنّ له الجلوس في بعض اليوم- أيّ بعض- يكون له أن يجلس من أوّل الصبح إلى زمان استتار القرص، الذي يشكّ معه في تحقّق الغروب بحكم الأصل.
و لكن لا يخفى عليك أنّ التعبير بأصالة الإباحة أو البراءة أولى من التعبير باصالة عدم استحقاق العقاب و عدم تحقّق المعصية، فإنّ إثبات جواز الفعل بمثل هذه الاصول العدمية الملازمة له لا يخلو عن مناقشة، مع أنّ الشكّ فيهما مسبّب عن الشكّ في جواز الفعل و عدمه، فيرجع إلى الأصل القاضي بجوازه، أي أصالتي الإباحة و البراءة الحاكمتين على الأصلين المزبورين، و كذا على قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل، الحاكم به العقل لدى الشكّ في استحقاق العقاب، فليتأمّل.
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 367 سطر 15، 3/ 180.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 380
قوله قدّس سرّه: فالأصل فيه و إن اقتضى عدم حدوث حكم ما بعد الغاية …
الخ‏ «1».
أقول: هذا الأصل بظاهره هو الاستصحاب، الذي لو سلّم جريانه لكان حاكما على قاعدة الاحتياط بالنسبة إلى التكليف المنجز فيما بعد الغاية، فلا يتمّ معه الاستثناء الواقع في العبارة، مع أنّ مبنى الكلام على عدم اعتبار الاستصحاب بهذا المعنى، فكان الأنسب أن يقول فالأصل و إن اقتضى بقاء التخيير- أي الإباحة التي هي الأصل في الأشياء ما لم يثبت الناقل، و لا يبعد أن يكون هذا هو مراد المصنّف رحمه اللّه باصالة عدم حدوث حكم ما بعد الغاية- لا الاستصحاب، فهو لا يخلو عن مسامحة، فتأمّل.
قوله قدّس سرّه: ظاهر هذا الكلام جعل تعارض اليقين و الشكّ … الخ‏ «2».
أقول: قد عرفت أنّ ظاهره يرجع إلى ما حقّقناه فيما سبق في تفسير الرواية، من أنّ المراد من «اليقين» هو اليقين التقديري الموجود في زمان الشكّ، المخصوص بما عدا الشكّ في المقتضي، لا اليقين السابق على الشكّ، فالمعارضة إنّما تتحقّق بين الشكّ و اليقين التقديري، الذي له نحو وجود تحقيقي عند العقلاء، لا بين الشكّ و مقتضى اليقين من حيث هو، و لا دليل اليقين السابق الدالّ على الاستمرار، فغرضه أنّه إذا علمنا أنّ عقد النكاح مثلا حكمه إباحة الوطي دائما، و شككنا في وجود الطّلاق المزيل لأثره- لو رفعنا اليد عن الحكم الذي أحرزناه على سبيل الجزم و اليقين بسبب الشكّ في وجود الطّلاق- يقال عرفا إنّه نقض يقينه بالشكّ، حيث أنّ لليقين- بنظر العرف في الفرض- نحو وجود و اعتبار، و هذا بخلاف أقسام الشكّ في المقتضي، فانّه ليس لليقين في زمان الشكّ وجود تقديري، بل لا يطلق على رفع اليد
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 367 سطر 15، 3/ 180.
(2)- فرائد الاصول: ص 369 سطر 9، 3/ 185.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 381
عن اليقين السابق أنّه رفع اليد عن اليقين بالشكّ، فضلا عن استناد النقض إليه، لأنّ اليقين السابق لم يرفع اليد عنه أصلا.
و ليس له في زمان الشكّ وجود تقديري بنحو من الاعتبار العرفي حتّى يقال رفع اليد عن يقينه.
و الحاصل: إنّ رفع اليد عن الشي‏ء فرع وجوده، و اليقين الموجود في السابق لم يرفع اليد عنه، و في زمان الشكّ لا وجود له، فلا يصحّ إضافة رفع اليد إلى اليقين، هذا كلّه في الشكّ في المقتضى.
و امّا الشكّ في الرافع، و إن لم يكن له يقين فعليّ حال الشكّ، حتّى يقال رفع اليد عن يقينه، إلّا أنّ فيه علاقة عرفية مصحّحة للإطلاق، كما هو ظاهر.
و كيف كان، فالمراد من نقض اليقين رفع اليد عن الآثار الثابتة له بلحاظ كونه مرادا لمتعلّقه، لا بلحاظ نفسه، فالمراد رفع اليد عن آثار المتيقّن، لا بمعنى أنّ اليقين استعمل بمعنى المتيقّن، بل بمعنى أنّ اليقين حيث اعتبر طريقا محضا و مرادا صرفا، لا يكون له أحكام إلّا أحكام متعلّقه، فلاحظ و تدبّر.
قوله قدّس سرّه: و بين هذا و ما ذكره المحقّق رحمه اللّه تباين جزئي‏ «1».
أقول: وجهه أنّ المحقّق رحمه اللّه خصّ الحجّية بالشّك في وجود الرافع، و عمّمها بالنسبة إلى بعض صور الشّك في المقتضي، و هو ما إذا دلّ الدليل على استمرار الحكم في غاية معيّنة في الواقع و شك في تحقّقها، مع أنّه ربّما لا يكون الغاية من قبيل الرافع، بل ينقضي عندها ما يقتضي الحكم، كاستصحاب وجوب الصوم عند الشّك في تحقّق الغروب، فليتأمّل.
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 369 سطر 18، 3/ 186.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 382
قوله قدّس سرّه: ثمّ إن تعارض المقتضي لليقين … الخ‏ «1».
أقول: ما ذكره من المناقشة إنّما يتمّ في مثل الليل و النهار، ممّا يرجع الشّك فيه إلى الشّك في المقتضي.
و امّا إذا كان الشّك مسبّبا عن احتمال وجود الرافع للشي‏ء فلا، لأنّ وجود المقتضي، كما أنّه سبب لوجود المقتضى (بالفتح) لو لا المانع، كذا إحرازه بالقطع سبب للقطع بوجود المقتضي، لو لا احتمال وجود المانع، فاحتمال وجود المانع مانع عن حصول القطع، كما أنّ نفس وجوده مانع عن وجود المقتضي، فلا يعقل التفكيك، كما لا يخفى على المتأمّل، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: إنّ النجاسة فيما ذكره من الفرض … الخ‏ «2».
أقول: توضيح الإيراد على التفصيل الذي ذكره المحقّق رحمه اللّه، فيما لو شكّ في كون الشي‏ء الموجود مزيلا، من أنّه إن ثبت أنّ ذلك الحكم مستمرّ إلى غاية معيّنة في الواقع، و شكّ في كون الموجود مصداقا لها، فالاستصحاب فيه حجّة.
و امّا إذا لم يثبت ذلك، بل ثبت أنّ هذا الحكم يستمرّ في الجملة، و علم أنّ الشي‏ء الفلاني مزيل له، و شك في شي‏ء آخر أنّه يزيله أم لا، فلا يعمّه دليل الاستصحاب.
إنّه يتوجّه عليه أنّه ربّما يستفاد من دليل الحكم، أنّه يبقى دائما لو لم يرفعه رافع كالنجاسة في المثال المفروض، فلا يجوز نقض اليقين بالشكّ في رافعية الموجود بمقتضى دليله.
نعم، لا يجوز التمسّك بالاستصحاب بمقتضى دليله، فيما إذا كان منشأ الشّك عدم‏
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 369 سطر 18، 3/ 186.
(2)- فرائد الاصول: ص 370 سطر 9، 3/ 188.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 383
إحراز مقدار استعداد المستصحب للبقاء، كما لو شكّ في أنّ التيمّم ينتقض بوجدان الماء في أثناء الصلاة أم لا، لا في مثل الطهارة و النجاسة التي ثبت شرعا أنّه لا يرتفع إلّا برافع.
و بما ذكرنا ظهر لك أنّ الاعتراض على المحقّق رحمه اللّه إنّما هو على تفصيله، لا على خصوص منع الاستصحاب في مسألة الاستنجاء، حتّى يناقش فيما ذكره المصنّف رحمه اللّه ببعض المناقشات التي أشار إليها.
و لكنّك قد عرفت عند توجيه كلام المحقّق رحمه اللّه أنّه و إن كان بظاهره في بادئ الرأي مخالفا للمختار، و مفصّلا بين أقسام الشكّ في الرافع، و لكن لدى التحقيق ليس كذلك و أنّه إنّما أنكر الاستصحاب في المورد الذي أنكره، بناء منه على أنّ مرجعه إلى الشكّ في أصل التكليف، كما في مسألة الاستنجاء على ما صرّح به، فراجع.
قوله قدّس سرّه: و لم يعلم الحالة السابقة … الخ‏ «1».
أقول: وجه التقييد بعدم العلم بالحالة السابقة، أنّه إن علم حالته السابقة إمّا أنّه كان يعلم أنّه محدث بالحدث الأكبر، أو بالحدث الأصغر دون الأكبر، أو متطهّر مطلقا. و على أي تقدير لا يجب عليه الجمع بين الطهارتين.
امّا على الأوّل: فواضح، إذ لا أثر لمعلومه الإجمالي، فلا يجب عليه إلّا غسل الجنابة.
و امّا على الثاني: فلأنّه لم يعلم بأنّ الحادث أثّر في حقّه في تنجيز خطاب، لتردّده بين ما لا أثر له- و هو البول- و بين ما له أثر- و هو المني- فحاله حال ما لو شكّ في أصل الخروج، أو خرج شي‏ء مردّد بين المني و المذي، في أنّه لا يعتنى باحتمال الجنابة، حيث أنّ أصالة عدم حدوث الجنابة في حقّه سليمة عن المعارض، و هي‏
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 371 سطر 8، 3/ 192.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 384
حاكمة على استصحاب الحدث.
و امّا الصورة الثالثة: و هي ما لو علم بسبق طهارته عن الأصغر و الأكبر، فهي أيضا كسابقتها، حيث إنّ انتقاض طهارته عن الحدث الأصغر بالمعلوم بالإجمال معلوم، و عن الأكبر غير معلوم، فيستصحب طهارته عن الأكبر، و أثره جواز الدخول في الصّلاة بعد الوضوء، فهو بمنزلة ما لو شكّ ابتداء في عروض سبب الجنابة، ثمّ بال أو خرج منه البول و احتمل اشتماله على المني، في أنّه لا يحصل له القطع بارتفاع حدثه بعد الوضوء، و لكنّه يرجع إلى اصالة عدم الجنابة الحاكمة على استصحاب مطلق الحدث، و يرتّب عليها جواز الدخول في الصّلاة مع الوضوء، هذا كلّه فيما لو علم بحالته السابقة.
و امّا لو لم يعلمها، فيجب عليها الجمع بين الطهارتين للعلم الإجمالي بتأثير الأمر الحادث في تنجيز خطاب مردّد بين الوضوء و الغسل، فأصالة عدم حدوث سبب الغسل يعارضها استصحاب عدم سبب الوضوء.
هذا ما سطّرناه في الحاشية القديمة بأدنى اختلاف في التعبير. و الحقّ عدم الفرق بين الصورة الثالثة، و بين ما لو لم يعلم بحالته السابقة، إذ ليس جواز الدخول في الصّلاة مع الوضوء من آثار عدم الجنابة أو الطهارة عن الحدث الأكبر، بل أثر عدم الجنابة عدم وجوب الغسل عليه، و عدم كونه ممنوعا عن الصلاة من حيث الجنابة.
و امّا جوازها مع الوضوء، فهو من آثار كونه محدثا بالأصغر، لا عدم كونه محدثا بالأكبر- كما سيشير إليه المصنّف رحمه اللّه- و الفرق بين هذه الصورة و بين المثالين الذين أوردناه نقضا، حيث أنّ اصالة عدم الجنابة فيهما حاكمة على استصحاب الحدث- كما في الصورة الثانية- هو أنّه يجب على من بال أو خرج منه شي‏ء آخر من موجبات الوضوء، أن يتوضّأ لصلاته، إلّا أن يكون جنبا، فيكون أصالة عدم الجنابة أصلا موضوعيّا حاكما على استصحاب الحدث في المثالين.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 385
و كذا في الصورة الثانية، حيث يصدق عليه أنّه بال و ليس يجنب شرعا، فعليه أن يتوضّأ، و هذا بخلاف ما نحن فيه، فانّه لا يثبت بأصالة عدم الجنابة أنّه بال حتّى يتفرّع عليه ما يوجب البول عند عدم كونه جنبا، إلّا على القول بالأصل المثبت.
قوله قدّس سرّه: أقواها الأخير «1».
أقول: بل أقواهما عدم جريان الاستصحاب في شي‏ء من القسمين، عدا ما سنشير إليه، إذ ليس للكلّي وجوب في الخارج زائدا على وجود أشخاصه، فإذا علم بوجود فرد من الكلّي، و احتمل وجود فرد آخر معه، فهو في الحقيقة لم يعلم إلّا بوجود حصّة من الكلّي، فلا يبقى- بعد العلم بارتفاع تلك الحصّة- مجال لاستصحاب الكلّي، إذا لم يعلم بوجود له زائدا عمّا علم بارتفاعه، و بقائه في ضمن فرد آخر ليس بقاء لما علم بوجوده سابقا، و لذا لم نقل بجريان استصحاب الوجوب أو اشتغال الذمّة بعد فعل الأقلّ، في مسألة دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر.
نعم، نفينا البعد عن جريان استصحاب الاشتغال أو قاعدته، تبعا للمشهور في مسألة من عليه فوائت و لم يحص عددها، و نظائرها ممّا لا ينحلّ علمه الإجمالي إلى علم تفصيلي و شكّ بدوي، و قلنا بأنّ وجود القدر المتيقّن- ما لم يؤثّر في انحلال العلم الإجمالي إلى علم تفصيليّ و شكّ بدوي- لا يجدي في رفع اليد عمّا يقتضيه العلم الإجمالي، من تنجّز التكليف بما علمه بالإجمال خلافا للمصنّف رحمه اللّه حيث جعل هذا الفرض أيضا من مجاري أصل البراءة، و لكن رجّحنا أخيرا ما قوّاه المصنّف رحمه اللّه.
و كيف كان، فالظاهر جريان الاستصحاب في هذا القسم، أي فيما علم إجمالا بوجود طبيعة مردّدة بين الأقلّ و الأكثر، و لم ينحلّ علمه الإجمالي إلى علم تفصيلي و شكّ بدوي، كما لو أمر المولى عبده بقيامه على باب داره ما دام في داره ضيف،
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 372 سطر 17، 3/ 196.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 386
فعلم العبد إجمالا بوجود جماعة في الدار و لم يحص عددهنّ، فيجب عليه القيام على الباب إلى أن يعلم بعدم بقاء أحد فيها كما تقدّم، و توضيحه في مبحث أصل البراءة.
همدانى، رضا بن محمد هادى، حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، 1جلد، محمد رضا انصاري قمي – قم – ايران، چاپ: 1.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد) ؛ ص386

لعلّ المصنّف رحمه اللّه أيضا لم يرد بالقسم الذي اعترف بجريان الاستصحاب فيه، إلّا ما كان من هذا القبيل، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: فيعدّون الفرد اللّاحق … الخ‏ «1».
أقول: فيخرج بذلك عن استصحاب الكلّي، بل هو استصحاب نفس الفرد السابق بنظر العرف كما هو الشأن في الاعراض المستصحبة و لو على القول بتجدّدها كما لا يخفى.
قوله قدّس سرّه: إلّا انّ نظر المشهور في تمسّكهم على النجاسة … الخ‏ «2».
أقول: ملخّص ما أفاده قدّس سرّه إنّ الحرمة و النجاسة محمولتان على اللحم الذي يقع عليه التذكية و لا ينافيه تعليق النجاسة في عنوان أدلّتها على عنوان الميتة فانّ الميتة في عرف الشارع و المتشرّعة عبارة عمّا زهق روحه بلا تذكية، و يشهد لذلك مضافا إلى ما أشار إليه المصنّف رحمه اللّه، تعليق طهارة الجلود في مكاتبة الصيقل على كونها ذكية.
قال: كتبت إلى الرضا عليه السّلام: إنّي أعمل أغماد السّيوف من جلود الحمر الميتة، فتصيب ثيابي، أ فأصلّي فيها؟
فكتب إليّ: اتخذ ثوبا لصلاتك.
فكتبت إلى أبي جعفر الثاني عليه السّلام: إنّي كتبت إلى أبيك عليه السّلام بكذا و كذا، فصعب ذلك عليّ، فصرت أعملها من جلود الحمر الوحشيّة الذكية؟
فكتب عليه السّلام إليّ: كلّ أعمال البرّ بالصّبر يرحمك اللّه، فان كان ما تعمل‏
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 372 سطر 18، 3/ 196.
(2)- فرائد الأصول: ص 373، سطر 6، 3/ 197/.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 387
وحشيا ذكيا فلا بأس».
فإنّ مقتضى التعليق كون موضوع الحرمة و النجاسة هو ما لم يذك.
و يؤيّده أيضا: مفهوم التذكية الظاهر أنّها كانت في الأصل بمعنى التطهير و التنزيه، ثمّ غلب استعمالها في الذبح المعهود الذي جعله الشارع سببا لطهارة الميتة، و زوال النفرة الحاصلة لها بالموت، كما يرشدك إلى ذلك التتبّع في موارد استعمالات مادّتها بصورها المختلفة، مثل: «كلّ يابس ذكي»، و «ذكاة الأرض يبسها» و «ذكاة الجلد دباغه».
و في موثقة ابن بكير الآتية: «إذا علمت أنّه ذكيّ و قد ذكّاه الذّبح».
إلى أن قال: «و إن كان قد نهيت عن أكله، و حرم عليك أكله، فالصّلاة في كلّ شي‏ء منه فاسد، ذكّاه الذّبح أو لم يذكه».
إلى غير ذلك من الموارد الكثيرة التي تشهد على أنّ الذكاة في أصلها هي النظافة و النزاهة.
و كيف كان، فالميتة من اللّحم التي حكم في الشريعة بحرمتها و نجاستها، ليست إلّا عبارة عن اللّحم الذي زهق روحه بلا شرائط التذكية، فمتى أحرز زهاق روح لحم و شكّ في أنّه هل وجد شرائط التذكية عند زهاق روحه، يحكم بعدمه بمقتضى الأصل، فيحرز بذلك موضوع الحرمة و النجاسة.
هذا، و لكن الظاهر أنّ الميتة في عرف الشارع و المتشرّعة، عبارة عن غير المذكّى، أي اللّحم الفاقد لشرائط التذكية حال موته، فكما أنّ التذكية سبب للحل و الطّهارة، كذلك الموت- بلا شرائط التذكية- سبب للحرمة و النجاسة، فموضوع الحرمة و النجاسة هو ما عدا المذكّى، كما اعترف به المصنّف رحمه اللّه في ذيل كلامه، و كونه كذلك لا يثبت بأصالة عدم التذكية، كما أنّه لا يثبت بأصالة عدم صيرورة المرأة حائضا، أو اصالة عدم رؤية دم الحيض، كون الدم- المرئي متّصفا بكونه ليس‏
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 388
بحيض، حتّى يحكم بكونه استحاضة- كما سيوضّحه المصنّف- إلّا على القول بالأصل المثبت، و هو خلاف التحقيق.
فمقتضى القاعدة هو التفكيك بين الآثار، فما كان منها مرتّبا على عدم كون اللّحم مذكّى، كعدم حلّيته و عدم، جواز الصلاة فيه، و عدم طهارته، و غير ذلك من الأحكام العدمية المنتزعة من الوجوديات، التي تكون التذكية شرطا في ثبوتها ترتّب عليه، فيقال الأصل عدم تعلّق التذكية بهذا اللحم الذي زهق روحه، فلا يحلّ أكله و لا الصلاة فيه و لا استعماله فيما يشترط بالطهارة.
و امّا الآثار المترتّبة على كونه غير مذكّى، كالأحكام الوجودية الملازمة لهذه العدميات، كحرمة أكله أو نجاسته، و بتنجيس ملاقيه، و حرمة الانتفاع به، و ببيعه أو استعماله في سائر الأشياء الغير المشروطة بالطهارة، كسقي البساتين، و إحراقه على القول بها، و غير ذلك من الأحكام المتعلّقة على عنوان الميتة أو غير المذكّى فلا.
نعم، لو قلنا بالرجوع إلى عناوين الأدلّة الشرعية في تشخيص موضوع المستصحب، اتّجه إلحاق بعض الوجوديات المعلّقة في الأدلّة الشرعيّة على فقد شرط من شرائط التذكية بالعدميّات، إذا كان الشكّ ناشئا من الشكّ في حصول ذلك الشرط، مثل ذكر اسم اللّه عليه، حيث قال اللّه تعالى: وَ لا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ‏ «1» فكما يرتّب على استصحاب عدم ذكر اسم اللّه عليه عدم الحلّية، كذلك يرتّب عليه حرمة الأكل التي علّقها الشارع في لسان الدليل على ذلك العدم، و هذا بخلاف سائر الشرائط كفري الأوداج و نحوه، ممّا لم يرد فيه مثل هذا الدليل، بل ثبت بالنص و الإجماع، اشتراطه في الحلّية، و كون الموت المقترن بفقده موجبا للحرمة، فانّه لا يثبت باصالة عدم حصول ذلك السبب حين موته كون موته فاقدا لذلك الشرط، إلّا أن نقول بالأصل المثبت، فيتّجه حينئذ ترتيب جميع الآثار كما تقدّمت‏
______________________________
(1)- سورة الأنعام: آية 121.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 389
الإشارة إليه، كما انّ المتّجه أيضا ذلك لو قلنا بقاعدة المقتضى، لا للاعتماد على اصالة عدم التذكية، بل لكفاية الشكّ فيها بناء على هذا القول، لما أشرنا إليه من أنّ مقتضى جعل الشارع التذكية شرطا للحلّية و الطهارة، و تسمية الذبح الخاص تذكية، كون موت ذي النفس بنفسه مقتضيا لحرمته و نجاسته، و التذكية مانعة عنهما، فمتى احرز المقتضي و شكّ في المانع حكم بثبوت المقتضي.
لكن لا نقول بشي‏ء من المباني، فالمتّجه حينئذ هو التفصيل بين الأحكام المترتّبة على عدم كونه مذكّى، كالأحكام السلبية التي تقدّمت الإشارة اليها، و بين الأحكام المترتّبة على كونه غير مذكّى، كالأحكام الثبوتية الملازمة لهذه العدميّات، مثل الحرمة و النجاسة.
إن قلت: لا يمكن التفكيك بين عدم الحليّة و الطّهارة، و بين ما يلازمهما من الحرمة و النجاسة، لا لمجرّد الملازمة العقلية حتّى يتوجّه عليه أنّ التفكيك بين اللوازم و الملزومات في مقتضيات الاصول غير عزيز، بل لقوله عليه السّلام: «كلّ شي‏ء لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام»، و «كلّ شي‏ء نظيف حتّى تعلم أنّه قذر».
و المفروض أنّه لم يحرز قذارته و حرمته بأصالة عدم التذكية، حتّى يقال بحكومتها على أصالتي الحلّ و الطهارة، فالقول بأنّ هذا شي‏ء لم نعلم بحرمته و نجاسته، و لكنّه ليس بحلال و لا طاهر مناقض للخبرين.
قلت: الشي‏ء المأخوذ موضوعا للحكمين، هو الشي‏ء المشكوك الحلّية و الطهارة لا المقطوع بعدمهما، كما هو الشأن في جميع الأحكام الظاهرية المجعولة للشاكّ، و حيث ألغى الشارع احتمال الحلّية و الطّهارة، و نزّله منزلة العدم بواسطة اصالة عدم التذكية، خرج المفروض عن موضوع الأصلين حكما، فكما أنّ استصحاب نجاسة شي‏ء حاكم على قاعدة الطهارة، كذلك استصحاب عدم طهارته أيضا حاكم عليها، و كذلك الأصل الموضوعي الذي يترتّب عليه هذا الأمر العدمي،
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 390
كما هو واضح.
لا يقال: إنّ لمقتضى عدم القول بالأصل المثبت، عدم ترتيب الأحكام السلبية أيضا لأنّ ترتيب تلك الأحكام على اللّحم الخاص، موقوف على إحراز عدم كون هذا اللحم مذكّى، و لا يحرز هذا بأصالة عدم التذكية، لأنّه إن اريد باصالة عدم التذكية العدم الأزلي المجامع لحياة الحيوان و موته، فليس من آثارها عدم طهارة هذا اللّحم و لا عدم حلّيته، فإنّ هذا العدم كان حاصلا حال حياة الحيوان، و لم يكن له شي‏ء من الأثرين.
امّا الأوّل فواضح، لأنّ اللّحم لم يكن حال حياته غير طاهر، و امّا عدم اتّصافه بالحلّية الفعلية في حال حياته، فلعدم صلاحية الحيوان الحيّ غالبا للأكل، حتّى يصحّ اتّصافه بها، لا لكونه فاقدا للتذكية.
و امّا ما كان صالحا لأن يبتلع حيّا، فالحكم بحرمة ابتلاعه كذلك، لكونه فاقدا للتذكية، يحتاج إلى مزيد تتبّع و تأمّل.
و الحاصل: إنّ الحكمين العدمين ليسا من آثار مطلق عدم التذكية، بل من آثار قسم خاص و هو العدم المقارن لزهاق الروح، و هذه الخصوصية لا تثبت باستصحاب العدم الأزلي.
و إن اريد بها أصالة عدم اقتران زهاق روحه بشرائط التذكية، فهذا من قبيل تعيين الحادث بالأصل، ليس له حالة سابقة.
لأنّا نقول: انتفاء المسبّب من آثار عدم حدوث سببه، لأنّ من آثار عدم سببيّة الشي‏ء الخاص، فعدم حليّة اللّحم الذي زهق روحه من آثار عدم حدوث ما يؤثّر في حلّيته بعد الموت، أي الموت المقرون بالشرائط، و هذا المعنى المركّب شي‏ء حادث مسبوق بالعدم، لا من آثار كون الموت فاقدا للشرط حتّى لا يمكن إحرازه بالأصل، فلو بيع شي‏ء بعقد يشكّ في صحّته، يحكم بعدم انتقال المبيع إلى المشتري،
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 391
لأصالة عدم صدور عقد صحيح مؤثّر في النقل، لا لأصالة عدم كون العقد الصادر صحيحا، لأنّ هذا غير موافق للأصل كما هو واضح، فيترتّب على أصالة عدم حدوث سبب النقل، عدم دخول المبيع في ملك المشتري، و عدم جواز تصرّفه فيه.
و امّا كونه غير داخل في ملكه، الذي هو من لوازم هذا الأمر العدمي، و يتفرّع عليه حرمة الاستعمال، فلا يثبت بهذا الأصل، و انّما نحكم به بواسطة الأصل الجاري فيه بنفسه، لأنّه في السابق لم يكن ملكا له و كان حراما عليه، فيحكم ببقائه على ما كان، فلو فرض عدم جريان الأصل فيه بنفسه، لأشكل تفريع حرمته على أصالة عدم سبب النقل، كما فيما نحن فيه.
و إن شئت مثالا مطابقا للمقام، ممّا لم يكن هو بنفسه مجرى الأصل، و كان الأصل الجاري فيه اصالة عدم حدوث ما يوجب حلّيته، فنقول:
لو حلّل أمته لحرّ، و شرط عليه رقيّة ولدها، فولدت بنتا، و شكّ في كون الشرط مخالفا للكتاب و السّنة، نقول مقتضى الأصل عدم جواز وطئها، لأصالة عدم حدوث سببه و هو رقية البنت، لكن لا يثبت بهذا كونها غير مملوكة، فلو وطئها يشكل الحكم باستحقاقه للحدّ، إذ لم يثبت بهذا الأصل كونها أجنبية، حتّى يثبت الاستحقاق للحدّ.
و الحاصل: إنّ ترتيب الآثار الثابتة لعنوان الميتة أو غير المذكّى، كالحكم بنجاسته الموجبة لتنجيس ملاقيه، أو بحرمته الموجبة لاستحقاق الحدّ مثلا، لو كان لأكل الميتة حدّ على اصالة عدم التذكية، في غاية الإشكال.
اللهمّ إلّا أن يدّعى خفاء الواسطة، و أنّ العرف بمجرّد عدم الاعتناء باحتمال حدوث سبب الحلّ و الطهارة- الذي هو عبارة اخرى عن اصالة عدم التذكية- يرتّبون على الشي‏ء الذي يشكّ في تذكيته، آثار كونه غير مذكّى، من غير التفات إلى كون الآثار آثارا لهذا العنوان المشكوك التحقّق الذي لا يحرز بالأصل، فليتأمّل.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 392
و لقد نقلنا هذه التعليقة من كتابنا المسمّى ب «مصباح الفقيه» بعبارته بإسقاط بعض ما لا تعلّق له بالمقام، و من أراد مزيد بصيرة في أصل المسألة الفرعية فليراجع الكتاب المزبور يجده وافيا بالمطلب، و اللّه الهادي.
قوله قدّس سرّه: لأنّ «الميتة» عبارة عن كلّ ما لم يذكّ … الخ‏ «1».
أقول: قد أشرنا إلى أنّه إن اريد بما لم يذكّ ما لم يقع عليه التذكية، بحيث يمكن إحرازه بالأصل، هو غير مسلم.
و إن اريد به اللّحم الذي هو روحه بلا شرائط التذكية، فهو مسلّم، و لكن لا يحرز كونه كذلك بالأصل، فلا كلام في أن ما عدا المذكّى ميتة، و لكن لا يحرز بأصالة عدم التذكية أنّ هذا اللحم ممّا عدا المذكّى، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: لكنّ الإنصاف أنّه لو علّق حكم النجاسة على من مات حتف الأنف … الخ‏ «2».
أقول: بل، و كذا لو قلنا بتعلّقه بما مات فاقدا لشرائط التذكية، بعنوان غير المذكّى، كما تقدّم تحقيقه آنفا، و لعلّ مراده بما مات حتف الأنف هو هذا، فانّ من المستبعد، بل الممتنع القول بتعلّق حكم النجاسة بخصوص ما مات حتف أنفه، ضرورة تعلّقه بالأعمّ منه و من المنخنقة و الموقوذة و المتردّية و ما أكل السبع و غيرها من أنحاء غير المذكّى، ممّا لا يصدق عليه اسم الموت حتف الأنف، فذكر الموت حتف الأنف بحسب الظاهر جار مجرى التمثيل، اريد به مطلق عنوان وجودي تعلّق به الحكم، و إن كان عبارة عن الاتصاف بكونه غير مذكّى.
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 373 سطر 12، 3/ 198.
(2)- فرائد الاصول: ص 373 سطر 15، 3/ 199.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 393
و كيف كان، فقد أشرنا إلى أنّ هذا القول أوفق بالصواب، و اللّه العالم.
قوله قدّس سرّه: فيكون وجه الحاجة إلى إحراز التذكية … الخ‏ «1».
أقول: دفع لما قد يتوهّم من الاعتراض على ما حقّقه، من أنّا لو بنينا على أنّ الميتة هي ما زهق روحه، يبقى اصالة عدم حدوث سبب النجاسة، و حرمة اللحم سليمة عن المعارض.
و لكنّها غير مجدية في إثبات موضوع الطهارة و الحلية، أعني كونه مذكّى، خلافا لما زعمه السيّد الشارح رحمه اللّه.
و حاصل التوهّم: إنّا لا نحتاج في إثبات أحكام المذكّى إلى إحراز عنوان التذكية، بل يغنينا عن ذلك الاصول الجارية في نفس الأحكام.
و حاصل دفعه: إنّ الأصل الموضوعي- و هو اصالة عدم التذكية- حاكم على الأصل الجاري في الحكم، و قد أشرنا إليه آنفا، و إلى دفع بعض ما قد يتوهّم وروده عليه فراجع.
قوله قدّس سرّه: خرج منه ما ذكّى … إلخ‏ «2».
أقول: الظاهر أنّ مراده خروجه عن حكمه، فيكون المذكّى عبارة عن ميتة يباح أكلها بسبب التذكية.
و امّا إن قيل بخروجه عن موضوعه- كما يوهمه ظاهر المتن- فأصالة عدم حدوث سبب الحلّ- أي التذكية- غير مجدية في إحراز كونه ممّا عداه حتّى يثبت احكامه، كما لا يخفى على المتأمّل.
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 373 سطر 19، 3/ 200.
(2)- فرائد الاصول: ص 374 سطر 2، 3/ 200.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 394
قوله قدّس سرّه: كان الاستصحاب في الأمر العدمي المقارن للوجودات … الخ‏ «1».
أقول: ما حقّقه من جواز استصحاب العدم الأزلي- و لو لم يقل بجريان الاستصحاب في الكلّي- حقّ، لأنّ المستصحب شخص العدم السابق، إلّا أنّك عرفت انّه غير مجد في المقام، فانّ موضوع الحرمة و النجاسة هو اللّحم الفاقد للتذكية، و لا أقل من احتماله، فلا يمكن إحرازه بهذا الأصل كما سيشير إليه المصنّف رحمه اللّه من أنّ استصحاب العدم لا يجدي في اتصاف الموجود المقارن له به.
و امّا استصحاب العدم الخاص- أي عدم كونه مذكّى حال حياة حيوانه- فهو من قبيل المثال المذكور، حيث أنّ عدم التذكية الثابت له حال حياته مستند إلى عدم زهاق روحه، و بعد الموت إلى فقد شرائط التذكية، و الحكم إنّما ثبت لهذا الفرد، فلا يمكن إثباته بالأصل و إن قلنا بجواز استصحاب القدر المشترك في هذا القسم أيضا، كما لا يخفى.
قوله قدّس سرّه: جعل بقائه و ارتفاعه‏ «2».
أقول: يعني جعل بقائه عبارة عن عدم تجدّد جزئه الأخير، أو عدم تجدّد أوّل جزء الليل، و ارتفاعه عبارة عن تجدّد جزئه الآخر أو تجدّد أوّل جزء الليل.
قوله قدّس سرّه: فالعبرة بالشكّ في وجوده … الخ‏ «3».
أقول: يعني أنّ مناط جريان الاستصحاب على هذا التقدير، ليس كون المتيقّن السابق المشكوك البقاء، لعدم تعلّقه بالنسبة إلى الزمان و الزماني، لكون‏
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 374 سطر 7، 3/ 201.
(2)- فرائد الاصول: ص 374 سطر 21، 3/ 204.
(3)- فرائد الاصول: ص 374 سطر 23، 3/ 204.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 395
الزمان بنفسه من مقوّمات ماهية المستصحب في الفرض، و لا يعقل البقاء الحقيقي إلّا فيما كان الزمان ظرفا لوجوده لا قيدا لماهيته، بل المناط في جريان الاستصحاب كون المشكوك ممّا علم بتحقّقه قبل زمان الشكّ، و لو بالمسامحة العرفية، و هذا المعنى و إن لم يصدق عليه البقاء فيما كان الزمان من مقوّمات ماهيّة المستصحب، إلّا أنّ أخذ البقاء في تعريف الاستصحاب إنّما هو بملاحظة هذا المعنى، حيث أنّ العرف في كلمات القوم هو مطلق استصحاب الحال الذي يعمّ الزمان و الزماني و غيرهما، فلا بدّ أن يكون مرادهم من البقاء في التعريف ما يعمّ جميع أقسام المعرّف كما هو ظاهر.
قوله قدّس سرّه: إلّا أن يتمسّك باستصحاب وجود المسبّب‏ «1».
أقول: هذا إن قلنا بجريان الاستصحاب في الشكّ في المقتضى، و لا تتوهّم حكومة أصالة عدم التأثير على استصحاب وجود المسبّب، فإنّ أثر هذا الأصل ليس إلّا عدم الحكم بثبوت الأثر في زمان الشكّ استنادا إلى ذلك المؤثّر، فلا ينافيه الحكم ببقائه لأجل الاستصحاب، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: و امّا ثالثا فلو سلّم جريان استصحاب العدم حينئذ … الخ‏ «2».
أقول: تسليمه يبتني على المغالطة، التي نشأ منها توهّم المعارضة بين استصحاب الوجود و العدم، من أخذ الحالين- أي كون الطهارة قبل المذي و بعده- قيدا تارة و إهماله اخرى، ضرورة أنّ أجراء أصالة عدم جعل المذي رافعا، مبني على فرض كون الطهارة أمرا مستمرّا باقيا بعد المذي، لو لم يجعل المذي رافعا لها، و استصحاب عدم جعل الشارع الوضوء سببا للطهارة بعد المذي، مبنيّ على‏
______________________________
(1)- فرائد الاصول: ص 377 سطر 25، 3/ 213.
(2)- فرائد الاصول: ص 378 سطر 2، 3/ 213.
حاشية فرائد الأصول، أو، الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية (طبع جديد)، ص: 396
ملاحظة الطهارة المقيّدة بما بعد المذي أمرا مغايرا للطهارة المعلومة سابقا، محتاجا إلى جعل مغاير لجعل تلك الطهارة، و من الواضح أنّه لا يتفرّع ثبوت هذه الطّهارة المقيّدة على أصالة عدم جعل المذي رافعا، لأنّ أثر هذا الأصل عدم ارتفاع تلك الطّهارة، لا ثبوت هذه الطّهارة. غاية الأمر إنّا نعلم أنّه لو لم يكن المذي رافعا لتلك الطّهارة، لكانت هذه الطّهارة مجعولة في حقّ المكلّف، كما إنّا نعلم أنّه لو لم يكن الطّهارة محقّقة، لكان المذي رافعا للطّهارة السابقة الحاصلة للمكلّف، و مرجعه إلى انّا نعلم إجمالا أنّ الشارع امّا جعل المذي حدثا، أو الوضوء سببا للطّهارة بعد المذي، و اجراء أصالة العدم في أحدهما ليس بأولى من الآخر، فليتأمّل.
قوله قدّس سرّه: أنّ المتيقّن السابق إذا كان ممّا يستقل به العقل … الخ‏ «1».
أقول: قد تقدّم توضيح المقام عند التكلّم في أقسام المستصحب بما لا مزيد عليه، فراجع.
قوله قدّس سرّه: نعم لو اريد اثبات عدم الحكم … الخ‏ «2».
أقول: حاصل الكلام أنّه إن اريد في الزمان اللاحق استصحاب حكم العقل بالبراءة المستند إلى قبح العقاب من دون برهان، فلا مجال للشكّ فيه في الزمان الثاني، لعدم الفرق بين الزمانين في استقلال العقل بحكمهما.
و إن اريد استصحاب عدم التكليف الثابت في الزما